اختلاف الأفكار والنظريات الأخلاقية
للأستاذ محمد يوسف موسى
مدرس الأخلاق بكلية أصول الدين
قلنا في الكلمة الأولى: إن الأخلاق تعتبر علما من العلوم إذ كانت تصل في بحوثها إلى آراء وحقائق أخلاقية تبلغ من العموم وقبول الناس لها مبلغ الحقائق العلمية. ولكن هل توجد هذه الحقائق العامة للجميع؟
مذهب الشك الأخلاقي ينكر وجود أمثال هذه الحقائق التي يقبلها الناس جميعًا: البيض والسود، والحمر والصفر؛ لأن القواعد الأخلاقية ليست إلا عادات وتقاليد تختلف باختلاف العصور والبيئات؛ وليس يعوزنا أن نجد لهذا الرأي سندا في التاريخ. هذا موُنْتَاني الفيلسوف والأخلاقي الفرنسي المعروف، بعد أن جمع كثيرًا من الآراء والأحكام الأخلاقية، يؤكد هذه النظرية بقوة حين يقول: لا يوجد شيء أكثر اختلافا بين أمم العالم بأسرها من العادات والقوانين. كثيرًا ما نجد أمرًا ممقوتًا هنا ممدوحا بل موصى به هناك؛ في إسبارطة كانوا يمتدحون المهارة في الفن ويتواصلون بها بينما كان محرما عند غيرهم؛ وقتل الآباء المعمرين إشافقا عليهم من تحمل أعباء الحياة وتكاليفها نراه مباحا بل مأمورا به لدى بعض القبائل التي لا تزال في دياجير الظلام، وأخيرا لا يوجد أمر غير مرضي هنا إلا ويكون محمودا عند أمة أخرى).
وباسكال الفيلسوف الفرنسي الذائع الصيت استعاد بعض ما أتى به مُونْتَاني من مثل وحجج، وأتبع ذلك بفيض من فصاحته اللاذعة إذ يقول: (لا يوجد تقريبًا شيء عادل أو غير عادل إلا ويغير من صفته تغير إقليمه؛ ثلاث درجات في الارتفاع إلى القطب تقلب رأسا على عقب كل ما عرف من عدالة. خط واحد من خطوط الزوال يتحكم في الحقيقة والحكم الخلقي - الحق له أزمانه وبيئاته، عدالة مضحكة هذه التي يحدها نهر! حقيقة أمام جبال البرينيه خطأ وضلال وراءها)
حقيقة أن التاريخ وعلم الاجتماع ليؤكدان أن القواعد اختلفت باختلاف العُصُر، كما اختلفت وتختلف في العصر الواحد بحسب البيئات. الرق كان نظامًا معروفًا لدى العبرانيين والمصريين القدماء والهنود والصينيين والعرب في الجاهلية، وإن اختلقوا شدة ولينًا وقسوة ورحمة في معاملة الأرقاء. كما كانت الجمعية الإنسانية في المدينة الإغريقية - التي يفخر بها الأوربيون اليوم - تقوم على استرقاق فريق من المواطنين؛ حتى أن أرسطو بجلاله قدره يبرره لاعتبارات مختلفة: منها أنه لابد من العبيد ليتوفر الرجال الأحرار على الدراسات العقلية العالية، وأنه يوجد أناس بلغوا من السفالة والضعة أن يفهموا أنهم خلقوا للاستعباد. كما لم تمنعه الديانة المسيحية ولا الدين الإسلامي أيضًا؛ وإن لم تنبه الشريعة الإسلامية كغيرها على أن من الناس من خلقوا للذل والهون، ومن لا ترتفع بهم طبائعهم إلى مراقي الأحرار بل جعلت سببه أمرًا واحدًا: هو الكيد للإسلام ومحاربة الله ورسوله، ثم تدور الدائرة عليه.
هكذا كان الرق نظامًا معروفًا في الأزمان الماضية؛ أما في أيامنا هذه فقد صار معتبرًا من أشنع المظالم الإنسانية، وغدا محرمًا تحريمًا باتًا.
لنترك الآن حق الحرية الشخصية وما كان فيه من اختلاف، لنلقي نظرة على حق الحرية الفكرية لنعلم ماذا كان حظه من تقدير الناس واتفاقهم عليه كحق عام يجب أن يتمتع به الجميع.
في العصور المتوسطة كان عدم التسامح الديني لدى المسيحيين مبررًا لا نكير فيه. ما كان أكثر رجال الدين الأعلام الذين كانوا يؤكدون أن الحقيقة لها كل الحقوق ومن بينها اضطهاد الضالين - في رأيهم طبعًا - بوساطة القوة! وأية حقيقة هذه التي كانوا يتكلمون عنها؟ إنها الحقيقة التي يعتقدونها، أي حقيقة كنيستهم؛ فالتعاليم التي تتعارض وتعاليم كنيستهم كلها ضلال، كلها إلحّاد، كلها جرائم موجهة ضد الإرادة الإلهية فهي حرية بأشد العقاب. هاهو ذا سانت أوجسْتينْ مع رجاحة عقله وسمو فكره يوصي بالالتجاء للإكراه لهداية الضال حينما تعوز الحيلة ولا ينجح الإقناع. وكذلك سانت توماس (أبعد رجال الكنيسة الغربية ذكرًا: 1226 - 1274) يقول في بعض ما كتب: إذا كان المزورون والمجرمون يعاقبون عدلًا بالإعدام، فحري بنا أن يكون جزاء الهراطقة الخوارج عن الدين لا الحرمان الأبدي من الكنيسة فقط بل الموت الزؤام. وقد كان من أثر هذا التعصب الممقوت ما يذكره تاريخ فرنسا من المذابح التي سالت فيها الدماء أنهارًا بين الكاثوليكيين ودعاة الإصلاح الذين اعتبروهم ملاحدة خرجوا على الدين.
ولسنا في حاجة لذكر ما كان من محاكم التفتيش في أسبانيا النصرانية، وما أنزلته بالأبرياء من عذاب لا لشيء إلا حدًا من حرية الدين والفكر، ولا لما كان من تعذيب بعض سادات قريش وغير قريش في الجاهلية لبعض الذين هداهم الله للإسلام ليعودوا مشركين. لسنا في حاجة لذكر هذا وأمثاله لنتبين كيف كانت عقلية الناس حتى كبار الأحلام في تلك الأيام! أما في أيامنا هذه فيعتبر عدم التسامح سبة وجريمة أخلاقية مهما كان سببه ومأتاه. العقول الحرة تأباه وتجده مرذولًا، وغالب رجال الأديان يمقتون الإكراه في سبيل نشر ما يعتقدون (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم).
على أننا نقول إن الأمر كاد في هذه الناحية يعود قريبًا من سيرته الأولى: أحداث تجد، وأفكار تتغير، وأنماط في الحكم تستحدث في بعض دول أوربا تقيد بل تلغي حريات الناس. فلا يفكرون إلا بقدر، وعلى ما يهوى السادة الحكام!
ثم حقوق النساء؛ أترى الناس كانوا فيها على اتفاق؟ لا. إن التاريخ شاهد صدق على اختلاف الناس فيها اختلافًا كبيرا. كان الأثينيون - وهم من تعلم مدنية وحضارة في الأزمان الماضية - يرون المرأة سلعة تباع وتشترى، وجعلوا مهمتها في الحياة تربية الأطفال وتنظيم البيوت. واليهود أباح بعض طوائفهم للأب بيع ابنته وهي قاصرة. وفي فرنسا قديمًا بلغ من امتهان المرأة وهوانها عندهم أن عقد في بعض الولايات الفرنسية مؤتمر عام سنة 586 م، اخذوا يبحثون فيه حالة المرأة ومركزها في المجتمع، وما إذا كانت تعد إنسانًا أو غير إنسان، وانتهى الأمر بتقرير أنها إنسان؛ ولكن خلقت لتخدم الرجل ليس غير! ولا تنس ما كان من وأد بعض عرب الجاهلية بناتهم، ومن اعتبار المرأة كالمتاع تورث عن أبيها وزوجها. والآن تغير هذا كله، وأصبحت المرأة مساوية للرجل إلا في بعض حقوق يرى بعض الأمم من الصالح العام عدم منحهن إياها
وإذا كانت النظريات والآراء الأخلاقية تختلف في الأمة الواحدة باختلاف الزمن، فهي كذلك مختلفة في الزمن الواحد باختلاف البيئات. بينما نرى في هذه الأيام الناس الذين هم على الفطرة كسود استراليا يعتقدون دينيًّا قدسية بعض أنواع النبات والحيوان، فيكون الموت جزاء من يجرؤ على أكل شيء منها كما نرى البراهمة في الهند يقدسون البقرة ويعتبون أكبر الجرائم قتلها أو الأكل من لحمها، وتقوم بينهم وبين مواطنيهم المسلمين لهذا السبب المعارك الدامية - بينما يرى هذا وأمثاله كثيرًا، نرى كثيرًا من سود أفريقيا يستحلون بل يفضلون أكل لحوم البشر من أعدائهم الذين يسقطون في ميدان الحرب، أو عبيدهم الذين يعنون بتسمينهم ليكون منهم غذاء دسم شهي، أو أقاربهم الذين نالت منهم السنون وعجزوا عن احتمال أعباء الحياة
في مقابل هذا وذاك نجد بعض البوذيّين الدينيين كرهبان الهند الصيني يعدون جريمة قتل أي كائن حيّ مهما كان؛ ويصل الأمر بهم إلى ترشيح مياه الشرب حتى لا يبتلع أحدهم أثناء شربه أية حشرة حقيرة غير مرئية فيكون في ذلك موتها. أما نحن فنتخذ موقفًا وسطًا بين الفريقين احترام الحياة الذي يعده هؤلاء الرهبان حقًا مقدسًا لكل حي لا نراه حقًا إلا للآدميين، ولا يعترف به أولئك المتوحشون إلا لعدد قليل كأسرة الشخص أو قبيلته أو أفراد قريته
كذلك الانتحار الذي يحرمه الدين الإسلامي وتنكره المدنية الأوربية الحالية، يعده اليابانيون تقليدًا وطنيًا طيبًا، ويرونه واجبًا في كثير ما الحالات؛ ينتحر الياباني حين يرى أنه جُرد من شرفه أو عانى سقوطًا فاضحًا كبيرًا، وينتحر احتجاجًا على ظلم ارتكب، أو نحو ذلك من العوامل الأخرى التي تجيزه في رأيهم. ذكر الأستاذ شالِيْ في كتاب له عن اليابان بعد رحلة إليها طائفة كبيرة من حوادث الانتحار وعوامله؛ منها: أن ضابطًا انتحر سنة 1891 ليلفت نظر الحكومة والرأي العام إلى تعدي الروسيا على بعض النواحي في شمال اليابان، وأنه في سبتمبر سنه 1892 انتحر الضباط الكبار وزوجته أثناء سير جنازة الإمبراطور إظهارًا لإخلاصهما له وعدم رغبتهما في الحياة بعده
وحرمة مال الغير لم تكن دائمًا حقًا مقدسًا لكل إنسان. التاريخ يقفنا على أن الغارات على الآمنين من القبائل الأخرى كانت من أبواب الارتزاق لدى كثير من الأمم في جاهليتها؛ واليهود كانوا يرون مال الغير - أي غير اليهود - حلالًا سائغًا لهم: (ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائمًا ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)
من السهل مضاعفة هذه المثل والإتيان بغيرها مستمدة من حياتنا الحالية وتقاليدنا المختلفة في الصعيد أو الوجه البحري مثلًا من مصر، وخاصة فيما يتصل بالأفراح والمآتم وعادات أخذ الثأر والانتقام، مما يؤكد أن الآراء والأحكام الأخلاقية تتغير مع الزمن وتختلف مع الأوساط والبيئات
ولكن هل من الحق رغم تضافر هذه الشواهد كلها أن ننكر أن هناك حقائق أخلاقية عامة سايرت العُصُر وسادت في جميع البيئات؟ بيان ذلك في الكلمة الآتية إن شاء الله
محمد يوسف موسى
اختلاف الأفكار والنظريات الأخلاقية
للأستاذ محمد يوسف موسى
مدرس الأخلاق بكلية أصول الدين
قلنا في الكلمة الأولى: إن الأخلاق تعتبر علما من العلوم إذ كانت تصل في بحوثها إلى آراء وحقائق أخلاقية تبلغ من العموم وقبول الناس لها مبلغ الحقائق العلمية. ولكن هل توجد هذه الحقائق العامة للجميع؟
مذهب الشك الأخلاقي ينكر وجود أمثال هذه الحقائق التي يقبلها الناس جميعًا: البيض والسود، والحمر والصفر؛ لأن القواعد الأخلاقية ليست إلا عادات وتقاليد تختلف باختلاف العصور والبيئات؛ وليس يعوزنا أن نجد لهذا الرأي سندا في التاريخ. هذا موُنْتَاني الفيلسوف والأخلاقي الفرنسي المعروف، بعد أن جمع كثيرًا من الآراء والأحكام الأخلاقية، يؤكد هذه النظرية بقوة حين يقول: لا يوجد شيء أكثر اختلافا بين أمم العالم بأسرها من العادات والقوانين. كثيرًا ما نجد أمرًا ممقوتًا هنا ممدوحا بل موصى به هناك؛ في إسبارطة كانوا يمتدحون المهارة في الفن ويتواصلون بها بينما كان محرما عند غيرهم؛ وقتل الآباء المعمرين إشافقا عليهم من تحمل أعباء الحياة وتكاليفها نراه مباحا بل مأمورا به لدى بعض القبائل التي لا تزال في دياجير الظلام، وأخيرا لا يوجد أمر غير مرضي هنا إلا ويكون محمودا عند أمة أخرى).
وباسكال الفيلسوف الفرنسي الذائع الصيت استعاد بعض ما أتى به مُونْتَاني من مثل وحجج، وأتبع ذلك بفيض من فصاحته اللاذعة إذ يقول: (لا يوجد تقريبًا شيء عادل أو غير عادل إلا ويغير من صفته تغير إقليمه؛ ثلاث درجات في الارتفاع إلى القطب تقلب رأسا على عقب كل ما عرف من عدالة. خط واحد من خطوط الزوال يتحكم في الحقيقة والحكم الخلقي - الحق له أزمانه وبيئاته، عدالة مضحكة هذه التي يحدها نهر! حقيقة أمام جبال البرينيه خطأ وضلال وراءها)
حقيقة أن التاريخ وعلم الاجتماع ليؤكدان أن القواعد اختلفت باختلاف العُصُر، كما اختلفت وتختلف في العصر الواحد بحسب البيئات. الرق كان نظامًا معروفًا لدى العبرانيين والمصريين القدماء والهنود والصينيين والعرب في الجاهلية، وإن اختلقوا شدة ولينًا وقسوة ورحمة في معاملة الأرقاء. كما كانت الجمعية الإنسانية في المدينة الإغريقية - التي يفخر بها الأوربيون اليوم - تقوم على استرقاق فريق من المواطنين؛ حتى أن أرسطو بجلاله قدره يبرره لاعتبارات مختلفة: منها أنه لابد من العبيد ليتوفر الرجال الأحرار على الدراسات العقلية العالية، وأنه يوجد أناس بلغوا من السفالة والضعة أن يفهموا أنهم خلقوا للاستعباد. كما لم تمنعه الديانة المسيحية ولا الدين الإسلامي أيضًا؛ وإن لم تنبه الشريعة الإسلامية كغيرها على أن من الناس من خلقوا للذل والهون، ومن لا ترتفع بهم طبائعهم إلى مراقي الأحرار بل جعلت سببه أمرًا واحدًا: هو الكيد للإسلام ومحاربة الله ورسوله، ثم تدور الدائرة عليه.
هكذا كان الرق نظامًا معروفًا في الأزمان الماضية؛ أما في أيامنا هذه فقد صار معتبرًا من أشنع المظالم الإنسانية، وغدا محرمًا تحريمًا باتًا.
لنترك الآن حق الحرية الشخصية وما كان فيه من اختلاف، لنلقي نظرة على حق الحرية الفكرية لنعلم ماذا كان حظه من تقدير الناس واتفاقهم عليه كحق عام يجب أن يتمتع به الجميع.
في العصور المتوسطة كان عدم التسامح الديني لدى المسيحيين مبررًا لا نكير فيه. ما كان أكثر رجال الدين الأعلام الذين كانوا يؤكدون أن الحقيقة لها كل الحقوق ومن بينها اضطهاد الضالين - في رأيهم طبعًا - بوساطة القوة! وأية حقيقة هذه التي كانوا يتكلمون عنها؟ إنها الحقيقة التي يعتقدونها، أي حقيقة كنيستهم؛ فالتعاليم التي تتعارض وتعاليم كنيستهم كلها ضلال، كلها إلحّاد، كلها جرائم موجهة ضد الإرادة الإلهية فهي حرية بأشد العقاب. هاهو ذا سانت أوجسْتينْ مع رجاحة عقله وسمو فكره يوصي بالالتجاء للإكراه لهداية الضال حينما تعوز الحيلة ولا ينجح الإقناع. وكذلك سانت توماس (أبعد رجال الكنيسة الغربية ذكرًا: 1226 - 1274) يقول في بعض ما كتب: إذا كان المزورون والمجرمون يعاقبون عدلًا بالإعدام، فحري بنا أن يكون جزاء الهراطقة الخوارج عن الدين لا الحرمان الأبدي من الكنيسة فقط بل الموت الزؤام. وقد كان من أثر هذا التعصب الممقوت ما يذكره تاريخ فرنسا من المذابح التي سالت فيها الدماء أنهارًا بين الكاثوليكيين ودعاة الإصلاح الذين اعتبروهم ملاحدة خرجوا على الدين.
ولسنا في حاجة لذكر ما كان من محاكم التفتيش في أسبانيا النصرانية، وما أنزلته بالأبرياء من عذاب لا لشيء إلا حدًا من حرية الدين والفكر، ولا لما كان من تعذيب بعض سادات قريش وغير قريش في الجاهلية لبعض الذين هداهم الله للإسلام ليعودوا مشركين. لسنا في حاجة لذكر هذا وأمثاله لنتبين كيف كانت عقلية الناس حتى كبار الأحلام في تلك الأيام! أما في أيامنا هذه فيعتبر عدم التسامح سبة وجريمة أخلاقية مهما كان سببه ومأتاه. العقول الحرة تأباه وتجده مرذولًا، وغالب رجال الأديان يمقتون الإكراه في سبيل نشر ما يعتقدون (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم).
على أننا نقول إن الأمر كاد في هذه الناحية يعود قريبًا من سيرته الأولى: أحداث تجد، وأفكار تتغير، وأنماط في الحكم تستحدث في بعض دول أوربا تقيد بل تلغي حريات الناس. فلا يفكرون إلا بقدر، وعلى ما يهوى السادة الحكام!
ثم حقوق النساء؛ أترى الناس كانوا فيها على اتفاق؟ لا. إن التاريخ شاهد صدق على اختلاف الناس فيها اختلافًا كبيرا. كان الأثينيون - وهم من تعلم مدنية وحضارة في الأزمان الماضية - يرون المرأة سلعة تباع وتشترى، وجعلوا مهمتها في الحياة تربية الأطفال وتنظيم البيوت. واليهود أباح بعض طوائفهم للأب بيع ابنته وهي قاصرة. وفي فرنسا قديمًا بلغ من امتهان المرأة وهوانها عندهم أن عقد في بعض الولايات الفرنسية مؤتمر عام سنة 586 م، اخذوا يبحثون فيه حالة المرأة ومركزها في المجتمع، وما إذا كانت تعد إنسانًا أو غير إنسان، وانتهى الأمر بتقرير أنها إنسان؛ ولكن خلقت لتخدم الرجل ليس غير! ولا تنس ما كان من وأد بعض عرب الجاهلية بناتهم، ومن اعتبار المرأة كالمتاع تورث عن أبيها وزوجها. والآن تغير هذا كله، وأصبحت المرأة مساوية للرجل إلا في بعض حقوق يرى بعض الأمم من الصالح العام عدم منحهن إياها
وإذا كانت النظريات والآراء الأخلاقية تختلف في الأمة الواحدة باختلاف الزمن، فهي كذلك مختلفة في الزمن الواحد باختلاف البيئات. بينما نرى في هذه الأيام الناس الذين هم على الفطرة كسود استراليا يعتقدون دينيًّا قدسية بعض أنواع النبات والحيوان، فيكون الموت جزاء من يجرؤ على أكل شيء منها كما نرى البراهمة في الهند يقدسون البقرة ويعتبون أكبر الجرائم قتلها أو الأكل من لحمها، وتقوم بينهم وبين مواطنيهم المسلمين لهذا السبب المعارك الدامية - بينما يرى هذا وأمثاله كثيرًا، نرى كثيرًا من سود أفريقيا يستحلون بل يفضلون أكل لحوم البشر من أعدائهم الذين يسقطون في ميدان الحرب، أو عبيدهم الذين يعنون بتسمينهم ليكون منهم غذاء دسم شهي، أو أقاربهم الذين نالت منهم السنون وعجزوا عن احتمال أعباء الحياة
في مقابل هذا وذاك نجد بعض البوذيّين الدينيين كرهبان الهند الصيني يعدون جريمة قتل أي كائن حيّ مهما كان؛ ويصل الأمر بهم إلى ترشيح مياه الشرب حتى لا يبتلع أحدهم أثناء شربه أية حشرة حقيرة غير مرئية فيكون في ذلك موتها. أما نحن فنتخذ موقفًا وسطًا بين الفريقين احترام الحياة الذي يعده هؤلاء الرهبان حقًا مقدسًا لكل حي لا نراه حقًا إلا للآدميين، ولا يعترف به أولئك المتوحشون إلا لعدد قليل كأسرة الشخص أو قبيلته أو أفراد قريته
كذلك الانتحار الذي يحرمه الدين الإسلامي وتنكره المدنية الأوربية الحالية، يعده اليابانيون تقليدًا وطنيًا طيبًا، ويرونه واجبًا في كثير ما الحالات؛ ينتحر الياباني حين يرى أنه جُرد من شرفه أو عانى سقوطًا فاضحًا كبيرًا، وينتحر احتجاجًا على ظلم ارتكب، أو نحو ذلك من العوامل الأخرى التي تجيزه في رأيهم. ذكر الأستاذ شالِيْ في كتاب له عن اليابان بعد رحلة إليها طائفة كبيرة من حوادث الانتحار وعوامله؛ منها: أن ضابطًا انتحر سنة 1891 ليلفت نظر الحكومة والرأي العام إلى تعدي الروسيا على بعض النواحي في شمال اليابان، وأنه في سبتمبر سنه 1892 انتحر الضباط الكبار وزوجته أثناء سير جنازة الإمبراطور إظهارًا لإخلاصهما له وعدم رغبتهما في الحياة بعده
وحرمة مال الغير لم تكن دائمًا حقًا مقدسًا لكل إنسان. التاريخ يقفنا على أن الغارات على الآمنين من القبائل الأخرى كانت من أبواب الارتزاق لدى كثير من الأمم في جاهليتها؛ واليهود كانوا يرون مال الغير - أي غير اليهود - حلالًا سائغًا لهم: (ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائمًا ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)
من السهل مضاعفة هذه المثل والإتيان بغيرها مستمدة من حياتنا الحالية وتقاليدنا المختلفة في الصعيد أو الوجه البحري مثلًا من مصر، وخاصة فيما يتصل بالأفراح والمآتم وعادات أخذ الثأر والانتقام، مما يؤكد أن الآراء والأحكام الأخلاقية تتغير مع الزمن وتختلف مع الأوساط والبيئات
ولكن هل من الحق رغم تضافر هذه الشواهد كلها أن ننكر أن هناك حقائق أخلاقية عامة سايرت العُصُر وسادت في جميع البيئات؟ بيان ذلك في الكلمة الآتية إن شاء الله
محمد يوسف موسى