إلى علماء الشيعة
للأستاذ علي الطنطاوي
كان أهل القسطنطينية يتجادلون في مسائل تافهة لا تقدم ولا تؤخر والعدو على الأبواب فضرب بهم المثل حتى قيل لكل جدال سخيف في وقت عصيب: (جدال بيزنطي). ونحن المسلمين اليوم، يحيط بنا الأعداء من كل جانب، وتنصب علينا المصائب من كل مكان، ثم تختلف في أبي بكر وعلى أيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ، وفي نتائج بنيناها على هذه المقدمة، وفروع فرعناها من هذا الأصل، أطلنا الكلام فيها، والجدال عليها، حتى لم يبق فيها شيء يقال إلا قلناه ولا حجة إلا احتججنا بها، وحتى صارت من الحديث المعاد، والقول المملول، وصرنا (معشر أهل السنة) نتمنى أن تطوى صحيفتها، وينسخ حديثها ويتناسى حتى ينسى، لذلك رحبنا في مصر بالعالم الإيراني محمد تقي قمي، كما رحبنا من قبل في الشام ومصر بسلفيه أبي عبد الله وعبد الكريم الزنجانيين، ومكناه من افتتاح (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية)، وسررنا حقيقة بتقرب إخواننا الشيعة منا ورجوعهم إلينا بعد إعراضهم عنا.
وجمهور أهل السنة لا يعلمون عن الشيعة إلا إنهم حزب سياسي ألف في وقت من الأوقات لتأييد أحد المرشحين للخلافة، اعتقادًا منهم بفضله، وإيمانًا بصلاحه، ويرون هذا شيئًا طبيعيًا ومفهومًا، لا يخلو من مثله بلد فيه انتخابات عامة، والحكومة فيه برأي الأمة لا بنص سماوي، ولا بحق إلهي، فمن انتخبته الأمة ورضيت به فهو الحاكم الشرعي.
أما الشيء الذي لا يرونه طبيعيًا ولا مفهومًا، فهو أن يبقى في أمريكا مثلًا حزب لا يزال يسب لنكولن، ويعادي الأمة الأمريكية كلها لأنها انتخبته، وقدمته على خصمه الذي يراه هذا الحزب أصلح منه، ويستمر ذلك إلى الآن، وقد مات لنكولن، ومات خصمه، وولى بعده رؤساء كثيرون وماتوا. أو أن يبقى في المسلمين حزب يعادي الكثرة الكاثرة من سلف هذه الأمة وخلفها، وينتقص جمهرة الأحياء والأموات منها، لأن الخليفة الذي بايعته هذه الأمة سنة خمس وثلاثين للهجرة، كما من حقه أن يبايع بها سنة عشر، ويرى أن تأخير بيعته خمسًا وعشرين سنة وتقديم ثلاثة رجال عليه، أمر يستحق أن نتنازع (نحن) الآن عليه، بعد ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وبعد ما تبدلت الأرض، وتغير وجه الدنيا، مع إن هذا الخليفة نفسه قبل بتقديم الثلاثة عليه، وبايعهم بالخلافة بيده، وأعطاهم طاعته، وأولاهم مودته.
إن الأحزاب تتنازع وتختلف وقد يسب بعضها بعضًا، ويبغي بعضها على بعض، ويسلك كل منها إلى تقوية مرشحه أوعر الطرق، فيمدحه بالباطل، ويفتري على خصمه، ويصمه بكل ما يشين، ولكن تنقضي المعركة الإنتخابية، ويعود السلام، ويرجع الجميع إخوانًا متصافين، يجمعهم العمل للوطن، والسعي لإعلاء شأنه، فما بالنا نشتغل اليوم بمسألة انتهت من.
ثلاثة عشر قرنًا؟!
شيء عجيب جدًا!
على إن أهل السنة لا يطيلون النزاع في (أفضلية) أبي بكر أو علي، ولا يرون لذلك خطرًا في الدين، لأنه إن كان الفضل عند الله، فالله أعلم به، وهو لا يسأل عما يفعل، ونحن لا دخل لنا في القضية، وإن كان في الإدارة والسياسة؛ فقد ولى الرجلان والحكم الآن للتاريخ وأهله. ولا طريق للاتفاق بيننا وبين الشيعة، إلا:
1 - بأن ندع الكلام في تفضيل بعض الصحابة على بعض لأن ذلك ليس من أركان الإيمان، ولا من أسس الدين، وليس له في حياتنا نتيجة عملية.
2 - وأن نجل الصحابة جميعًا، ونكبرهم كلهم، ولا نخوض فيما كان بينهم من حروب فتلك دماء طهر الله سيوفنا منها (كما قال الإمام مالك) فلنطهر ألسنتنا عن الخوض فيها.
3 - وأن نرجع جميعًا إلى أصول الدين: إلى الكتاب معتمدين في تفسيره على المأثور كالذي نقله الطبري في تفسيره أولًا ثم على المعقول الموافق للعربية ولأسباب النزول وإلى السنة الصحيحة وما بنى عليها من فقه، وفرع من فروع، وأن نترك كتب الخلاف التي تؤرث الأحقاد، وتثير السخائم.
هذا هو الطريق الذي نراه، ولعل (دار التقريب) ترى طريقًا أقصر منه، وأسلم، فنسلكه معها إلى هذه الغاية التي صار السعي إليها اليوم واجبًا، وأن يتعاون الشيعة والسنة على منع كل ما يصدع الشمل، ويفرق الجمع، ويلقى الخلف بين جماعة المسلمين كهذا الكتاب الذي كتبت هذه الكلمة تعليقًا عليه.
وهو كتاب أهدى إلى الرسالة للإطلاع والنقد، أسمه (تحت راية الحق في الرد على الجزء الأول من فجر الإسلام) مكتوب على غلافه (لمؤلفه البحاثة المحقق الشيخ عبد الله السبيتي) مطبوع في طهران طبعًا سقيمًا، أسلوبه ضعيف كثير الأغلاط، له مقدمة (بقلم صاحب السماحة الكبير حجة الإسلام الشيح مرتضى آل ياسين الكاظمي) ولست أريد تتبع كل ما فيه ولكني أمثل عليه بهذا الذي أنقله منه بحروفه، ولم أتعمد اختيار أشده وإنما أخذت ما وقع تحت نظري منه:
قال في صفحة (15): إن تاريخ سقيفة بين ساعدة يملي علينا درسًا كاملًا يوضح لنا به نفسية المهاجرين والأنصار وإنه لم تصف نفوسهم إلى حد وصل الدين (كذا) إلى أعماق قلوبهم. وقال فيها: والصحاح تحدثنا عن قول عمر (إن النبي يهجر) ذلك حينما قال النبي (ص) إيتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فكل ذلك يشرف بالباحث على القطع بأن الدين لم يصل إلى أعماق قلوبهم، ولم يفهموا الإسلام كما يريد الإسلام. وقال (154): وحسبه أن يرى كعب الأحبار اليهودي الدساس إلى جانب عثمان وهو مستشاره. وقال (50): معاوية رأس النفاق - معاوية المستهتر. وقال (85) معاوية رأس القاسطين. وقال (79): ورب رجال أقعدهم بغض أمير المؤمنين عن القيام بواجب الشهادة فأصابتهم دعوته كأنس بن مالك. وقال (98): أبو هريرة يحدث بالترهات، ويختلف الخرافات. وقال (130): حديث المنافقين كابن هند (أي معاوية) وأبن النابغة (أي عمر بن العاص) وأبن الحكم وأبن شعبة وأمثالهم ولا بحديث الكذابين الدجالين المخرفين كأبي هريرة.
وقال (40): الشيخان (أي البخاري ومسلم) عينا بأمور لا وزن لها ولا قيمة - ولسنا نعلم لو كان النجاح في هذه الحرب (الخندق) لغير علي أكان يهمله الشيخان فاتضح لك أن تلك الأقلام (الكلام كله على البخاري ومسلم) التي تسود تلك الصفحات كانت تمشى وراء الميول والأهواء والتبصيص (كذا) حول التيجان. وقال (93): على أن مسلمًا في صحيحه زاد في اختصارها (خطبة للنبي صلى الله وعليه وسلم) جربًا على مقتضيات السياسة التي تخرس الناطق وتصم السميع فحذف شطرها المختص بعلي عليه كما لا يخفى، ومما يدلك على أن السياسة لا دين لها، وأنها تعمى البصر والبصيرة. وقال (96): كرر البخاري هذه السخافة في مواضع عديدة من كتابه. وقال فيها: وقد أخرج البخاري من الغرائب والعجائب والمناكير ما يليق بعقول مخرفي البربر، وعجائز السودان. وقال (100): تراه (أي البخاري) يخرج من الأحاديث الموضوعة ما قد تقرب الواضع به إلى الظالمين الغاشمين تصحيحًا لما كانوا يرتكبونه من القتل والمثلة وسائر الأعمال البربرية. وقال (146): إن الشيعة لا تعول على تلك الأسانيد (أي أسانيد أهل السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته. وقال فيها: إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم، ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافية لفروع الدين وأصوله عليها مدار علمهم وعملهم وهي لا سواها الحجة عندهم، فما أغناهم بها عن حديث غيرهم صح حديث الغير أو لم يصح. وقال (162): والتجسيم معروف عن الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه - ولقد رأينا من قبل أن أبن تيمية الخ.
وأبن القيم رأيه ذلك أيضًا -. وقال (163): والتجسيم رأي محمد بن عبد الوهاب وعليه اليوم الوهابية جميعًا لا يتحاشون في ذلك وقد نقله الشهرستاني عن أحمد بن حنبل وداود بن على الأصفهاني (أي الظاهري) ومالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وجماعة من أئمة أهل السنة. وقال (161): والأشاعرة جميعًا على هذا الرأي - أفليس هذا هو القول بالتجسيم؟! وقال (64): ومتى كانت الشيعة تعتبر تفسير الطبري وتعتمد عليه؟! وقال (86): ومتى كان أبن خلدون وغيره من علماء السنة، اللهم إلا القليل، لا يحمل حقدًا ولا يتحامل عند يقف مؤرخًا للشيعة ومتى كان المؤرخ منهم لا يرتكب زورًا وبهتانًا عند سفوح كل فرصة؟! وقال فيها: الاعتماد على أبن خلدون مثل من يريد أن يبحث عن الشريعة الإسلامية وصحة نبوة النبي فيعتمد على كتب النصارى قبل سبعة قرون الخ الخ.
ومؤلف الكتاب (البحاثة المحقق) لا يسوق هذا على أنه رأى له، بل على أنه معتقد الشيعة، وأنه المعتمد عندهم، وأنا أصدقه في ذلك ما لم أر علماء الشيعة يكذبونه فيه، وينكرونه عليه، وأقول:
إذا كان إخواننا الشيعة يعتقدون أن المهاجرين والأنصار لم تصف نفوسهم لفهم الدين، ولم يصل إلى أعماق قلوبهم، ونحن نراهم أئمة الهدى، وورثة الرسول.
وإذا كانوا يسبون أكثر الصحابة ونحن نجدهم خلاصة الإنسانية ولباب البشر.
وإذا كانوا لا يقبلون إسنادنا ولا يحتجون بحديثنا، ونحن نبني على هذه الإسناد ديننا، ونقيم على هذه الأحاديث شرعنا.
وإذا كانوا يرون الصحيحين مملوءين بالموضوعات والسخافات، لا يليقان إلا بمخرفي البربر وعجائز السودان، ونحن نراهما أصح الكتب عندنا بعد كتاب ربنا.
ولا يعتبرون تفسير الطبري وهو عمدة تفاسيرنا.
وكانوا يطعنون على أئمتنا، ويصمونهم بالتجسيم وفساد المعتقد.
وإذا كان المؤلف قد صرح في الصفحة (15) و (64) و (132) إن لم يقل كل ما عنده، ولم يجهر بكل ما يعتقده (لئلا يقوده البحث إلى نتائج غير صالحة قد لا تلتئم مع العصر الذي يطلب فيه الوفاق)، وإذا كان عنده، أي عند الشيعة، أكثر من هذا الذي قاله.
فكيف يا علماء الشيعة، وكيف يا أعضاء دار التقريب، وكيف يا محمد تقي قمي، يكون الوفاق، ويتم التقارب؟
أو ليس من التناقض أن يأتي من إيران محمد تقي قمي، ليعمل على التقريب بين المذاهب، فينزل في أفخم فندق في القاهرة ويفتح دارًا ينفق عليها وعلى موظفيها وزوارها أضخم النفقات، في الوقت الذي يطبع فيه في طهران هذا الكتاب؟ وهل وجدتم في مصر أو الشام أو العراق كتابًا لسني يسب فيه أهل البيت الأطهار، أو يتعرض فيه لسيدنا علي وذريته الطيبة؟ فلماذا إذن افتتحتم دار التقريب في مصر التي تحب عترة النبي ﷺ وتتبرك بقبور الحسين وزينب ونفيسة، ولم تفتحوها في (طهران) حيث طبع هذا الكتاب الذي لم يترك مؤلفه أحدًا من سلف هذه الأمة وخلفها حتى أصابه برشاش من أدبه السامي؟
ألم يكفينا هذا الاختلاف أربعة عشر قرنًا؟ أما آن لنا أن نصطلح ونتفق، ونجرد المسألة من ثوبها الديني لتعود مسألة سياسية، وقضية حزبية إنتخابية، لا أكثر ولا أقل، ويرجع إخواننا الشيعة إلى حظيرة الجماعة، فيترضوا عن الصحابة كلهم كما نترضى نحن عن آل البيت جميعًا؟ ويجلوا أبا بكر وعمر كما نجل نحن عليًا؟
ما قول علماء الشيعة الأفاضل؟ وما قول أعضاء (دار التقريب)؟
القاهرة
علي الطنطاوي
إلى علماء الشيعة
للأستاذ علي الطنطاوي
كان أهل القسطنطينية يتجادلون في مسائل تافهة لا تقدم ولا تؤخر والعدو على الأبواب فضرب بهم المثل حتى قيل لكل جدال سخيف في وقت عصيب: (جدال بيزنطي). ونحن المسلمين اليوم، يحيط بنا الأعداء من كل جانب، وتنصب علينا المصائب من كل مكان، ثم تختلف في أبي بكر وعلى أيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ، وفي نتائج بنيناها على هذه المقدمة، وفروع فرعناها من هذا الأصل، أطلنا الكلام فيها، والجدال عليها، حتى لم يبق فيها شيء يقال إلا قلناه ولا حجة إلا احتججنا بها، وحتى صارت من الحديث المعاد، والقول المملول، وصرنا (معشر أهل السنة) نتمنى أن تطوى صحيفتها، وينسخ حديثها ويتناسى حتى ينسى، لذلك رحبنا في مصر بالعالم الإيراني محمد تقي قمي، كما رحبنا من قبل في الشام ومصر بسلفيه أبي عبد الله وعبد الكريم الزنجانيين، ومكناه من افتتاح (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية)، وسررنا حقيقة بتقرب إخواننا الشيعة منا ورجوعهم إلينا بعد إعراضهم عنا.
وجمهور أهل السنة لا يعلمون عن الشيعة إلا إنهم حزب سياسي ألف في وقت من الأوقات لتأييد أحد المرشحين للخلافة، اعتقادًا منهم بفضله، وإيمانًا بصلاحه، ويرون هذا شيئًا طبيعيًا ومفهومًا، لا يخلو من مثله بلد فيه انتخابات عامة، والحكومة فيه برأي الأمة لا بنص سماوي، ولا بحق إلهي، فمن انتخبته الأمة ورضيت به فهو الحاكم الشرعي. . . أما الشيء الذي لا يرونه طبيعيًا ولا مفهومًا، فهو أن يبقى في أمريكا مثلًا حزب لا يزال يسب لنكولن، ويعادي الأمة الأمريكية كلها لأنها انتخبته، وقدمته على خصمه الذي يراه هذا الحزب أصلح منه، ويستمر ذلك إلى الآن، وقد مات لنكولن، ومات خصمه، وولى بعده رؤساء كثيرون وماتوا. أو أن يبقى في المسلمين حزب يعادي الكثرة الكاثرة من سلف هذه الأمة وخلفها، وينتقص جمهرة الأحياء والأموات منها، لأن الخليفة الذي بايعته هذه الأمة سنة خمس وثلاثين للهجرة، كما من حقه أن يبايع بها سنة عشر، ويرى أن تأخير بيعته خمسًا وعشرين سنة وتقديم ثلاثة رجال عليه، أمر يستحق أن نتنازع (نحن) الآن عليه، بعد ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وبعد ما تبدلت الأرض، وتغير وجه الدنيا، مع إن هذا الخليفة نفسه قبل بتقديم الثلاثة عليه، وبايعهم بالخلافة بيده، وأعطاهم طاعته، وأولاهم مودته. . .
إن الأحزاب تتنازع وتختلف وقد يسب بعضها بعضًا، ويبغي بعضها على بعض، ويسلك كل منها إلى تقوية مرشحه أوعر الطرق، فيمدحه بالباطل، ويفتري على خصمه، ويصمه بكل ما يشين، ولكن تنقضي المعركة الإنتخابية، ويعود السلام، ويرجع الجميع إخوانًا متصافين، يجمعهم العمل للوطن، والسعي لإعلاء شأنه، فما بالنا نشتغل اليوم بمسألة انتهت من. . . ثلاثة عشر قرنًا؟!
شيء عجيب جدًا!
على إن أهل السنة لا يطيلون النزاع في (أفضلية) أبي بكر أو علي، ولا يرون لذلك خطرًا في الدين، لأنه إن كان الفضل عند الله، فالله أعلم به، وهو لا يسأل عما يفعل، ونحن لا دخل لنا في القضية، وإن كان في الإدارة والسياسة؛ فقد ولى الرجلان والحكم الآن للتاريخ وأهله. ولا طريق للاتفاق بيننا وبين الشيعة، إلا:
1 - بأن ندع الكلام في تفضيل بعض الصحابة على بعض لأن ذلك ليس من أركان الإيمان، ولا من أسس الدين، وليس له في حياتنا نتيجة عملية.
2 - وأن نجل الصحابة جميعًا، ونكبرهم كلهم، ولا نخوض فيما كان بينهم من حروب فتلك دماء طهر الله سيوفنا منها (كما قال الإمام مالك) فلنطهر ألسنتنا عن الخوض فيها.
3 - وأن نرجع جميعًا إلى أصول الدين: إلى الكتاب معتمدين في تفسيره على المأثور كالذي نقله الطبري في تفسيره أولًا ثم على المعقول الموافق للعربية ولأسباب النزول وإلى السنة الصحيحة وما بنى عليها من فقه، وفرع من فروع، وأن نترك كتب الخلاف التي تؤرث الأحقاد، وتثير السخائم.
هذا هو الطريق الذي نراه، ولعل (دار التقريب) ترى طريقًا أقصر منه، وأسلم، فنسلكه معها إلى هذه الغاية التي صار السعي إليها اليوم واجبًا، وأن يتعاون الشيعة والسنة على منع كل ما يصدع الشمل، ويفرق الجمع، ويلقى الخلف بين جماعة المسلمين كهذا الكتاب الذي كتبت هذه الكلمة تعليقًا عليه. . .
وهو كتاب أهدى إلى الرسالة للإطلاع والنقد، أسمه (تحت راية الحق في الرد على الجزء الأول من فجر الإسلام) مكتوب على غلافه (لمؤلفه البحاثة المحقق الشيخ عبد الله السبيتي) مطبوع في طهران طبعًا سقيمًا، أسلوبه ضعيف كثير الأغلاط، له مقدمة (بقلم صاحب السماحة الكبير حجة الإسلام الشيح مرتضى آل ياسين الكاظمي) ولست أريد تتبع كل ما فيه ولكني أمثل عليه بهذا الذي أنقله منه بحروفه، ولم أتعمد اختيار أشده وإنما أخذت ما وقع تحت نظري منه:
قال في صفحة (15): إن تاريخ سقيفة بين ساعدة يملي علينا درسًا كاملًا يوضح لنا به نفسية المهاجرين والأنصار وإنه لم تصف نفوسهم إلى حد وصل الدين (كذا) إلى أعماق قلوبهم. وقال فيها: والصحاح تحدثنا عن قول عمر (إن النبي يهجر) ذلك حينما قال النبي (ص) إيتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فكل ذلك يشرف بالباحث على القطع بأن الدين لم يصل إلى أعماق قلوبهم، ولم يفهموا الإسلام كما يريد الإسلام. وقال (154): وحسبه أن يرى كعب الأحبار اليهودي الدساس إلى جانب عثمان وهو مستشاره. وقال (50): معاوية رأس النفاق - معاوية المستهتر. وقال (85) معاوية رأس القاسطين. وقال (79): ورب رجال أقعدهم بغض أمير المؤمنين عن القيام بواجب الشهادة فأصابتهم دعوته كأنس بن مالك. وقال (98): أبو هريرة يحدث بالترهات، ويختلف الخرافات. وقال (130): حديث المنافقين كابن هند (أي معاوية) وأبن النابغة (أي عمر بن العاص) وأبن الحكم وأبن شعبة وأمثالهم ولا بحديث الكذابين الدجالين المخرفين كأبي هريرة. . . وقال (40): الشيخان (أي البخاري ومسلم) عينا بأمور لا وزن لها ولا قيمة - ولسنا نعلم لو كان النجاح في هذه الحرب (الخندق) لغير علي أكان يهمله الشيخان فاتضح لك أن تلك الأقلام (الكلام كله على البخاري ومسلم) التي تسود تلك الصفحات كانت تمشى وراء الميول والأهواء والتبصيص (كذا) حول التيجان. وقال (93): على أن مسلمًا في صحيحه زاد في اختصارها (خطبة للنبي صلى الله وعليه وسلم) جربًا على مقتضيات السياسة التي تخرس الناطق وتصم السميع فحذف شطرها المختص بعلي عليه كما لا يخفى، ومما يدلك على أن السياسة لا دين لها، وأنها تعمى البصر والبصيرة. وقال (96): كرر البخاري هذه السخافة في مواضع عديدة من كتابه. وقال فيها: وقد أخرج البخاري من الغرائب والعجائب والمناكير ما يليق بعقول مخرفي البربر، وعجائز السودان. وقال (100): تراه (أي البخاري) يخرج من الأحاديث الموضوعة ما قد تقرب الواضع به إلى الظالمين الغاشمين تصحيحًا لما كانوا يرتكبونه من القتل والمثلة وسائر الأعمال البربرية. وقال (146): إن الشيعة لا تعول على تلك الأسانيد (أي أسانيد أهل السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته. وقال فيها: إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم، ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافية لفروع الدين وأصوله عليها مدار علمهم وعملهم وهي لا سواها الحجة عندهم، فما أغناهم بها عن حديث غيرهم صح حديث الغير أو لم يصح. وقال (162): والتجسيم معروف عن الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه - ولقد رأينا من قبل أن أبن تيمية الخ. . . وأبن القيم رأيه ذلك أيضًا -. وقال (163): والتجسيم رأي محمد بن عبد الوهاب وعليه اليوم الوهابية جميعًا لا يتحاشون في ذلك وقد نقله الشهرستاني عن أحمد بن حنبل وداود بن على الأصفهاني (أي الظاهري) ومالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وجماعة من أئمة أهل السنة. وقال (161): والأشاعرة جميعًا على هذا الرأي - أفليس هذا هو القول بالتجسيم؟! وقال (64): ومتى كانت الشيعة تعتبر تفسير الطبري وتعتمد عليه؟! وقال (86): ومتى كان أبن خلدون وغيره من علماء السنة، اللهم إلا القليل، لا يحمل حقدًا ولا يتحامل عند يقف مؤرخًا للشيعة ومتى كان المؤرخ منهم لا يرتكب زورًا وبهتانًا عند سفوح كل فرصة؟! وقال فيها: الاعتماد على أبن خلدون مثل من يريد أن يبحث عن الشريعة الإسلامية وصحة نبوة النبي فيعتمد على كتب النصارى قبل سبعة قرون الخ الخ.
ومؤلف الكتاب (البحاثة المحقق) لا يسوق هذا على أنه رأى له، بل على أنه معتقد الشيعة، وأنه المعتمد عندهم، وأنا أصدقه في ذلك ما لم أر علماء الشيعة يكذبونه فيه، وينكرونه عليه، وأقول:
إذا كان إخواننا الشيعة يعتقدون أن المهاجرين والأنصار لم تصف نفوسهم لفهم الدين، ولم يصل إلى أعماق قلوبهم، ونحن نراهم أئمة الهدى، وورثة الرسول. . . وإذا كانوا يسبون أكثر الصحابة ونحن نجدهم خلاصة الإنسانية ولباب البشر. . . وإذا كانوا لا يقبلون إسنادنا ولا يحتجون بحديثنا، ونحن نبني على هذه الإسناد ديننا، ونقيم على هذه الأحاديث شرعنا. . . وإذا كانوا يرون الصحيحين مملوءين بالموضوعات والسخافات، لا يليقان إلا بمخرفي البربر وعجائز السودان، ونحن نراهما أصح الكتب عندنا بعد كتاب ربنا. . . ولا يعتبرون تفسير الطبري وهو عمدة تفاسيرنا. . . وكانوا يطعنون على أئمتنا، ويصمونهم بالتجسيم وفساد المعتقد. . . وإذا كان المؤلف قد صرح في الصفحة (15) و (64) و (132) إن لم يقل كل ما عنده، ولم يجهر بكل ما يعتقده (لئلا يقوده البحث إلى نتائج غير صالحة قد لا تلتئم مع العصر الذي يطلب فيه الوفاق)، وإذا كان عنده، أي عند الشيعة، أكثر من هذا الذي قاله. . . فكيف يا علماء الشيعة، وكيف يا أعضاء دار التقريب، وكيف يا محمد تقي قمي، يكون الوفاق، ويتم التقارب؟
أو ليس من التناقض أن يأتي من إيران محمد تقي قمي، ليعمل على التقريب بين المذاهب، فينزل في أفخم فندق في القاهرة ويفتح دارًا ينفق عليها وعلى موظفيها وزوارها أضخم النفقات، في الوقت الذي يطبع فيه في طهران هذا الكتاب؟ وهل وجدتم في مصر أو الشام أو العراق كتابًا لسني يسب فيه أهل البيت الأطهار، أو يتعرض فيه لسيدنا علي وذريته الطيبة؟ فلماذا إذن افتتحتم دار التقريب في مصر التي تحب عترة النبي ﷺ وتتبرك بقبور الحسين وزينب ونفيسة، ولم تفتحوها في (طهران) حيث طبع هذا الكتاب الذي لم يترك مؤلفه أحدًا من سلف هذه الأمة وخلفها حتى أصابه برشاش من أدبه السامي؟
ألم يكفينا هذا الاختلاف أربعة عشر قرنًا؟ أما آن لنا أن نصطلح ونتفق، ونجرد المسألة من ثوبها الديني لتعود مسألة سياسية، وقضية حزبية إنتخابية، لا أكثر ولا أقل، ويرجع إخواننا الشيعة إلى حظيرة الجماعة، فيترضوا عن الصحابة كلهم كما نترضى نحن عن آل البيت جميعًا؟ ويجلوا أبا بكر وعمر كما نجل نحن عليًا؟
ما قول علماء الشيعة الأفاضل؟ وما قول أعضاء (دار التقريب)؟
القاهرة
علي الطنطاوي