عنوان الفتوى: حكم وصية الجدة لبنات بنتها
توفيت جدتي ـ أم أمي ـ وكانت أمي قد توفيت قبلها بسنين، وكنت أقيم مع جدتي أنا وأختي، وتزوجت أختي، وأنا لم أتزوج، وقبل وفاة جدتي أوصت بذهبها كله لي ولأختي، وبعد وفاتها تم توزيعه على خالتي وبنت خالي، وأنا وأختي كان نصيبنا منه الثلث، فما حكم هذه الوصية؟ وهل لنا أن نأخذ الذهب كله أم الثلث فقط؟ وقد تم توزيع كل الفلوس التي كانت توجد بالبيت والخاصة بمصروف البيت والتي كانت تقوم جدتي بادخارها من معاش أمي على خالي وخالتي، فهل هذه الفلوس من الميراث ومن حقهم أخذها، مع العلم أنها كانت تدخرها من مصروف البيت ومن معاش والدتي، وكانت تنوى شراء مستلزمات للبيت وإجراء عملية جراحية، حيث توفيت بمرض السرطان، وكانت لا تعلم بمرضها وتنتظر إجراء عملية؟ وتوجد شهادات بالبنك أنه كان لها عائد كل ثلاثة شهور وكانت تدخل في مصروف البيت، فهل لي أنا وأختي من ميراث أمي المتوفاة في هذه الشهادات؟ وهل لأمي المتوفاة نصيب في الميراث؟.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فينبغي العلم أولا أن كل ما يؤول إلى النزاع والخصام لا يمكن الاكتفاء فيه بمجرد فتوى، بل لا بد من رفعه إلى المحاكم الشرعية، لأنها المختصة بأمور الخصام، ولأنها المؤهلة بأمور التحقيق والإثبات، فوصية جدتك لك ولأختك لا تثبت شرعا بمجرد دعواك أنها أوصت لكما، بل لا بد من إقامة بينة بأنها أوصت لكما ـ أو يصدقكم الورثة ـ بأنها أوصت لكما، فليس كل من ادعى أن فلانا أوصى له يؤخذ قوله بدون بينة، وقد جاء في الحديث: لَوْ يُعْطَى اَلنَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ, لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ, وَلَكِنِ اَلْيَمِينُ عَلَى اَلْمُدَّعَى عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: اَلْبَيِّنَةُ عَلَى اَلْمُدَّعِي, وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ.
والبينة في هذا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، أو رجل واحد مع يمينك بأنها أوصت لكما، فإن أقمت البينة على هذه الوصية ـ أو صدقكم الورثة بها ـ فإن وصيتها لكم تكون وصية صحيحة، لأنكما لستم من ورثة جدتكم ـ والدة أمكم ـ ولكن الوصية بما يزيد على ثلث التركة لا تمضي إلا إذا رضي ورثتها بذلك, فإذا كان الذهب الذي أوصت به لكما لا يزيد على ثلث تركتها، فإنه يكون لكما وليس من حق الورثة أن يأخذوه, وإذا أخذوه وجب عليهم رده إليكما, وإذا كان الذهب يزيد على ثلث التركة أخذتما منه ما يساوي ثلث التركة فقط, وما زاد على الثلث فليس لكما إلا بإذن الورثة، وقولك: إن هناك معاشا لوالدتك كانت تجمعه جدتك وأنها كانت تجمعه عندها ولم يُقسم بين مستحقيه، فإن أقمت بينة بذلك وجب على الورثة رد ذلك المال ودفعه إلى مستحقيه وليس لهم نصيب منه، لأنه ليس تركة، وإنما يأخذون منه إذا كانت الجدة من مستحقي المعاش فيرثون نصيبها من المعاش فقط وما زاد على ذلك ردوه إلى مستحقي المعاش, وإذا لم تقم بينة على أن الجدة كانت تجمعه فإن الأصل فيما وجد في خزينتها، أو حسابها أنه مالها ولورثتها، واعلمي أخيرا أن أمك ليس لها نصيب في تركة أمها، لأن المتقدم موتا لا يرث المتأخر، بل العكس هو الصحيح وهو أن جدتك ترث من أمك.
ثم ننبهك إلى أن أمر التركات والوصية أمر خطير جداً وشائك للغاية وبالتالي، فلا يمكن الاكتفاء فيه ولا الاعتماد على مجرد فتوى أعدها مفت طبقاً لسؤال ورد عليه، بل لا بد من أن ترفع للمحاكم الشرعية كي تنظر فيها وتحقق، أو مشافهة أهل العلم بها إذا لم توجد محكمة شرعية‘ فقد يكون هناك وارث لا يطلع عليه إلا بعد البحث، وقد تكون هناك وصايا أو ديون أو حقوق أخرى لا علم للورثة بها، ومن المعروف أنها مقدمة على حق الورثة في المال، فلا ينبغي إذاً قسم التركة دون مراجعة المحاكم الشرعية إذا كانت موجودة، تحقيقاً لمصالح الأحياء والأموات.
والله أعلم.