فهرس الكتاب

الصفحة 1243 من 4314

و في تفسير العياشي ، عن أبي أسامة عنه (عليه السلام) أيضا: في الآية: ما"آخران من غيركم"؟ قال: هما كافران قلت:"ذوا عدل منكم"؟ فقال: مسلمان ، والرواية السابقة المقيدة بأهل الكتاب وإن لم تصلح لتقييد هذا الإطلاق بحسب صناعة الإطلاق والتقييد لكونهما متوافقين إيجابيين لكن سياق الرواية الأولى يصلح لتفسير إطلاق الثانية بما يوافق التقييد.

وفي تفسير البرهان ، عن الصدوق بإسناده إلى أبي زيد عياش بن يزيد بن الحسن عن أبيه يزيد بن الحسن قال: حدثني موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: قال الصادق (عليه السلام) : في قول الله عز وجل:"يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا"قال: يقولون لا علم لنا بسواك قال وقال: الصادق (عليه السلام) : القرآن كله تقريع وباطنه تقريب.

قال صاحب البرهان: قال ابن بابويه: يعني بذلك أنه من وراء آيات التوبيخ والوعيد آيات الرحمة والغفران.

أقول: وما نقله عن الصدوق رحمه الله في معنى قوله (عليه السلام) :"القرآن كله تقريع وباطنه تقريب"لا ينطبق عليه لا بالنظر إلى صدر الرواية فإن كون معنى قول الرسل (عليهم السلام) :"لا علم لنا"أنه لا علم لنا بسواك غير مرتبط بكون القرآن مشتملا على نوعين من الآيات: آيات الوعد وآيات الوعيد.

ولا بالنظر إلى سياق نفس الجملة أعني قوله:"القرآن كله تقريع وباطنه تقريب"فإن الكلام ظاهر في أن القرآن كله تقريع وكله تقريب ، وإنما يختلف الأمر بحسب الباطن والظاهر فباطنه تقريب وظاهره تقريع ، لا أن القرآن منقسم إلى قسمين فقسم منه آيات التقريع ووراءه القسم الآخر وهو آيات التقريب.

والتأمل في كلامه (عليه السلام) مع ملاحظة صدر الرواية يعطي أن مراده (عليه السلام) من التقريع بالنظر إلى مقابلة التقريب لازم معناه وهو التبعيد المقابل للتقريب ، والقرآن كله معارف وحقائق فظاهره تبعيد الحقائق بعضها من بعض وتفصيل أجزائها ، وباطنه تقريب البعض من البعض وإحكامها وتوحيدها ، ويعود محصل المراد إلى أن القرآن بحسب ظاهره يعطي حقائق من المعارف مختلفة بعضها بائن منفصل من بعض لكنها على كثرتها وبينونتها وابتعاد بعضها من بعض بحسب الباطن يقترب بعضها من بعض وتلتئم شتى معانيها حتى تتحد حقيقة واحدة كالروح الساري في الجميع ، وليست إلا حقيقة التوحيد قال الله تعالى:"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير":"هود: 1".

ويظهر حينئذ انطباقه على ما ذكره (عليه السلام) في صدر الرواية أن معنى قول الرسل:"لا علم لنا"أن لا علم لنا بسواك فإن الإنسان أو أي عالم فرض إنما يعلم ما يعلم بالله بمعنى أن الله سبحانه هو المعلوم بذاته وغيره معلوم به ، وبعبارة أخرى إذا تعلق العلم بشيء فإنما يتعلق أولا بالله سبحانه على ما يليق بساحة قدسه وكبريائه ثم يتعلق من جهته بذلك الشيء لما أن الله سبحانه عنده علم كل شيء يرزق منه لمن يشاء من عباده على قدر ما يشاء كما قال تعالى:"و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض":"البقرة: 255"وقد تقدم رواية عبد الأعلى مولى آل سام عن الصادق (عليه السلام) وغيره من الروايات في هذا المعنى.

وعلى هذا فمعنى قولهم:"لا علم لنا بسواك إنك أنت علام الغيوب"على تفسيره (عليه السلام) أنه لا علم لنا بشيء من دونك وإنما نعلم ما نعلم من جهة علمنا بك لأن العلم كله لك وإذا كان كذلك فأنت أعلم به منا لأن الذي نعلمه من شيء هو علمك الذي أحطنا بشيء منه بمشيئتك ورزقك.

وعلى هذا يتجلى معنى آخر لقوله:"إنك أنت علام الغيوب"هو أرفع منالا مما تقدم من المعنى ، وهو أن كل شيء من الخليقة لما كان منفصل الوجود عن غيره كان في غيب منه لما أن وجوده محدود مقدر لا يحيط إلا بما شاء الله أن يحيط به ، والله سبحانه هو المحيط بكل شيء ، العالم بكل غيب لا يعلم شيء شيئا إلا من جهته تعالى وتقدس عن كل نقص.

وعلى هذا فتقسيم الأمور إلى غيب وشهادة تقسيم بالحقيقة إلى غيب شاء الله إحاطتنا به وغيب مستور عنا ، وربما تؤيد هذا المعنى بظاهر قوله تعالى:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ، إلا من ارتضى من رسول":"الجن: 27"بالنظر إلى ما تفيده إضافة الغيب إلى الضمير ، وعليك بإجادة التأمل في هذا المقام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت