فهرس الكتاب

الصفحة 1262 من 4314

فالآية كالصالحة لأن يوضع موضع البيان السابق ، ومفادها أنه لا عهدة علي فيما وقعوا فيه من الشرك الشنيع ، ولم أداخل أمرهم في شيء حتى أشاركهم فيما بينك وبينهم من الحكم عليهم بما شئت فهم وحكمك في حقهم بما أردت ، وهم وصنعك فيهم بما صنعت ، إن تعذبهم بما حكمت فيمن أشرك بك بدخول النار فإنهم عبادك ، وإليك تدبير أمرهم ، ولك أن تسخط عليهم به لأنك المولى الحق وإلى المولى أمر عباده ، وأن تغفر لهم بإمحاء أثر هذا الظلم العظيم فإنك أنت العزيز الحكيم لك حق العزة والحكمة ، وللعزيز وهو الذي له من الجدة والقدرة ما ليس لغيره ولا سيما إذا كان حكيما لا يقدم على أمر إلا إذا كان مما ينبغي أن يقدم عليه أن يغفر الظلم العظيم فإن العزة والحكمة إذا اعتنقتا في فاعل لم تدعا قدرة تقوم عليه ولا مغمضة في ما قضى به من أمر.

وبما تقدم من البيان ظهر أولا: أن قوله:"فإنهم عبادك"بمنزلة أن يقال:"فإنك مولاهم الحق"على ما هو دأب القرآن من ذكر أسماء الله بعد ذكر أفعاله كما في آخر الآية.

وثانيا: أن قوله:"فإنك أنت العزيز الحكيم"ليس مسوقا للحصر بل الإتيان بضمير الفصل وإدخال اللام في الخبر للتأكيد ، ويئول معناه إلى أن عزتك وحكمتك مما لا يداخله ريب فلا مجال للاعتراض عليك إن غفرت لهم.

وثالثا: أن المقام مقام المشافهة بين عيسى بن مريم (عليهما السلام) وربه لما كان مقام ظهور العظمة الإلهية التي لا يقوم لها شيء كان مقتضاه أن يراعي فيه جانب ذلة العبودية للغاية بالتحرز عن الدلال والاسترسال والتجنب عن مداخلة في الأمر بدعاء أو سؤال ، ولذلك قال (عليه السلام) :"و إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"ولم يقل"فإنك غفور رحيم"لأن سطوع آية العظمة والسطوة الإلهية القاهرة الغالبة على كل شيء لا يدع للعبد إلا أن يلتجىء إليه بما له من ذلة العبودية ومسكنة الرقية والمملوكية المطلقة ، والاسترسال عند ذلك ذنب عظيم.

وأما قول إبراهيم (عليه السلام) لربه:"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم:"إبراهيم: 36"فإنه من مقام الدعاء وللعبد أن يثير فيه ناشئة الرحمة الإلهية بما استطاع."

قوله تعالى:"قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم"تقرير لصدق عيسى بن مريم (عليهما السلام) على طريق التكنية فإنه لم يصرح بشخصه وإنما المقام هو الذي يفيد ذلك.

والمراد بهذا الصدق من الصادقين صدقهم في الدنيا فإنه تعالى يعقب هذه الجملة بقوله:"لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، إلخ"ومن البين أنه بيان لجزاء صدقهم عند الله سبحانه فهو النفع الذي يعود إليهم من جهة الصدق ، والأعمال والأحوال الأخروية - ومنها صدق أهل الآخرة - لا يترتب عليها أثر النفع بمعنى الجزاء وبلفظ آخر: الأعمال والأحوال الأخروية لا يترتب عليها جزاء كما يترتب على الأعمال والأحوال الدنيوية إذ لا تكليف في الآخرة ، والجزاء من فروع التكليف ، وإنما الآخرة دار حساب وجزاء كما أن الدنيا دار عمل وتكليف ، قال تعالى:"يوم يقوم الحساب":"إبراهيم: 41"وقال:"اليوم تجزون ما كنتم تعملون":"الجاثية: 28"وقال تعالى:"إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار":"المؤمن: 39".

والذي ذكره عيسى (عليه السلام) من حاله في الدنيا مشتمل على قول وفعل وقد قرره الله على الصدق فالصدق الذي ذكر في الآية يشمل الصدق في الفعل كما يشمل الصدق في القول فالصادقون في الدنيا في قولهم وفعلهم ينتفعون يوم القيامة بصدقهم ، لهم الجنات الموعودة وهم الراضون المرضيون الفائزون بعظيم الفوز.

على أن الصدق في القول يستلزم الصدق في الفعل - بمعنى الصراحة وتنزه العمل عن سمة النفاق - وينتهي به إلى الصلاح ، وقد روي أن رجلا من أهل البدو استوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوصاه أن لا يكذب ثم ذكر الرجل أن رعاية ما وصى به كفه عن عامة المعاصي إذ ما من معصية عرضت إلا ذكر أنه لو اقترحها ثم سئل عنها وجب عليه أن يعترف بها على نفسه ويخبر بها الناس فلم يقترفها مخافة ذلك.

قوله تعالى:"لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم"رضي الله عنهم بما قدموا إليه من الصدق ، ورضوا عن الله بما آتاهم من الثواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت