فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 4314

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلوة إن الله مع الصابرين الآية ، قد تقدم جملة من الكلام في الصبر والصلاة في تفسير قوله:"و استعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين": البقرة - 45 والصبر من أعظم الملكات والأحوال التي يمدحها القرآن ، ويكرر الأمر به حتى بلغ قريبا من سبعين موضعا من القرآن حتى قيل فيه:"إن ذلك من عزم الأمور": لقمان - 17 ، وقيل:"و ما يلقيها إلا الذين صبروا وما يلقيها إلا ذو حظ عظيم": فصلت - 35 ، وقيل:"إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب": الزمر - 10.

والصلاة: من أعظم العبادات التي يحث عليها في القرآن حتى قيل فيها:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر": العنكبوت - 45 ، وما أوصى الله في كتابه بوصايا إلا كانت الصلاة رأسها وأولها.

ثم وصف سبحانه الصبر بأن الله مع الصابرين المتصفين بالصبر ، وإنما لم يصف الصلاة ، كما في قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة الآية ، لأن المقام في هذه الآيات ، مقام ملاقات الأهوال ، ومقارعة الأبطال ، فالاهتمام بأمر الصبر أنسب بخلاف الآية السابقة ، فلذلك قيل: إن الله مع الصابرين ، وهذه المعية غير المعية التي يدل عليه قوله تعالى:"و هو معكم أينما كنتم": الحديد - 4 ، فإنها معية الإحاطة والقيمومة ، بخلاف المعية مع الصابرين ، فإنها معية إعانة فالصبر مفتاح الفرج.

قوله تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون الآية ، ربما يقال: إن الخطاب مع المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر وأذعنوا بالحياة الآخرة ، ولا يتصور منهم القول ببطلان الإنسان بالموت ، بعد ما أجابوا دعوة الحق وسمعوا شيئا كثيرا من الآيات الناطقة بالمعاد ، مضافا إلى أن الآية إنما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين ، وهم الشهداء المقتولون في سبيل الله ، في مقابل غيرهم من المؤمنين ، وجميع الكفار ، مع أن حكم الحياة بعد الموت عام شامل للجميع فالمراد بالحياة بقاء الاسم ، والذكر الجميل على مر الدهور ، وبذلك فسره جمع من المفسرين.

ويرده أولا: أن كون هذه حياة إنما هو في الوهم فقط دون الخارج ، فهي حياة تخيلية ليس لها في الحقيقة إلا الاسم ، ومثل هذا الموضوع الوهمي لا يليق بكلامه ، وهو تعالى يدعو إلى ، الحق ويقول:"فما ذا بعد الحق إلا الضلال": يونس - 32 ، وأما الذي سأله إبراهيم في قوله"و اجعل لي لسان صدق في الآخرين": الشعراء - 84 ، فإنما يريد به بقاء دعوته الحقة ، ولسانه الصادق بعده ، لا حسن ثنائه وجميل ذكره بعده فحسب.

نعم هذا القول الباطل ، والوهم الكاذب إنما يليق بحال الماديين ، وأصحاب الطبيعة ، فإنهم اعتقدوا: مادية النفوس وبطلانها بالموت ونفوا الحياة الآخرة ثم أحسوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس وتأثرها بالسعادة والشقاء ، بعد موتها في معالي أمور ، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفدية والتضحية ، لا سيما في عظائم العزائم التي يموت ويقتل فيها أقوام ليحيا ويعيش آخرون ، ولو كان كل من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان وخاصة إذا اعتقد بالموت والفوت أن يبطل ذاته ليبقى ذات آخرين ، ولا باعث له أن يحرم على نفسه لذة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتع آخرون بالعدل ، فالعاقل لا يعطي شيئا إلا ويأخذ بدله وأما الإعطاء من غير بدل ، والترك من غير أخذ ، كالموت في سبيل حياة الغير ، والحرمان في طريق تمتع الغير فالفطرة الإنسانية تأباه ، فلما استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة ، التي ليس لها موطن إلا عرصة الخيال وحظيرة الوهم ، قالوا إن الإنسان الحر من رق الأوهام والخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه ، أو كل ما فيه شرفه ، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر وجميل الثناء ، ويجب عليه أن يحرم على نفسه بعض تمتعاته في الاجتماع ليناله الآخرون ، ليستقيم أمر الاجتماع والحضارة ، ويتم العدل الاجتماعي فينال بذلك حياة الشرف والعلاء.

وليت شعري إذا لم يكن إنسان ، وبطل هذا التركيب المادي ، وبطل بذلك جميع خواصه ، ومن جملتها الحياة والشعور ، فمن هو الذي ينال هذه الحياة وهذا الشرف؟ ومن الذي يدركه ويلتذ به؟ فهل هذا إلا خرافة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت