هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِنْعَامِ بِالْعِتْقِ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْعَامَ بِالْعِتْقِ لَا مُقَابِلَ لَهُ إلَّا الْعِتْقُ مِنْ النَّارِ حَسْبَمَا قَابَلَهُ [ بِهِ ] 1 النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ:"أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ".
وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي مُتَعَلَّقٌ إلَّا الْإِجْمَاعُ السَّابِقُ لِطَاوُسٍ فِيهِ وَلِمَنْ قَالَهُ بَعْدَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} :
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَتَارَةً قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 6] يَعْنِي تُؤْتُوهُمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ جَمِيلًا وَإِحْسَانًا فِي الثُّلُثِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. وَتَارَةً قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ حَالَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيَّ، وَالْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ثُمَّ انْقَطَعَ ذَلِكَ فَلَا تَوَاخِيَ بَيْنَ أَحَدٍ الْيَوْمَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: نَزَلَتْ2 فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ الْأَبْنَاءَ، فَرَدَّ اللَّهُ الْمِيرَاثَ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْعَصَبَةِ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَقَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ بَيَانًا بِمَا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْهَانًا قَالَ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} قَالَ: وَرَثَةٌ، {وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} فَكَانَ3 الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ4 ذِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نُسِخَتْ. ثُمَّ قَالَ: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ5 أَيْمَانُكُمْ} مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ6 وَالنَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوَصَّى لَهُ، وَهَذَا غَايَةٌ لَيْسَ لَهَا مَطْلَبٌ.
1 من ل.
2"أسباب النزول":"86".
3 في ل: كان.
4 في أ: فكان، وهو تحريف. ولعلها مكان.
5 في أ، ل: عاقدت.
6 الرفد: العطاء والصلة.