33 -قوله (مس) : «أَمَّا مُسْلِمٌ فَمَا قَالَ فِيهِ إِلَّا: عَنِ الْحُسَيْنِ» . اهـ
• قلتُ: هذا هو الثابت في رواية ابن سفيان عن مسلم، وهي الرواية الأشهر للصحيح. قال النووي ( [1] ) : «هكذا ضبطناه: (أنَّ الحُسَين بن علي) بضمِّ الحاء على التصغير، وكذا في جميع نسخ بلادنا التي رأيتُها مع كثرتها. وذكره الدارقطني في كتاب الاستدراكات، وقال إنه وقع في رواية مسلم: (أنَّ الحَسَن) بفتح الحاء على التكبير» . اهـ وعلى هذا اعتمد الشيخ المدخلي في توهيم الدارقطني في انتقاده فقال ( [2] ) : «ثم إنه قد تبيَّن لك مِن كلام أبي مسعود والنووي ومِن النسخ الموجودة الآن أنَّ مسلمًا لَمْ يَقُلْ في إسناد هذا الحديث إلاَّ: (عن الحُسَين) . وإذًا فالمؤاخذة على الدارقطني لا على مسلم» . اهـ
فأقول: إنَّ الدارقطني لَمْ يَهِمْ في عَزْوِه هذا الخطأ إلى كتاب مسلم، فإنه هكذا وقع في رواية القلانسي وهي رواية المغاربة للصحيح. قال المازري في شرحه ( [3] ) : «خرَّج مسلم في باب الحضِّ على صلاة الليل: حدثني قتيبة بن سعيد: حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن علي بن حُسين: أنَّ الحَسَن بن علي حدَّثه» فذكره، وذكر كلام الدارقطني، ثم قال: «وفي نسخة ابن ماهان: (عقيل، عن الزهري، عن علي بن حسين بن علي، عن علي بن أبي طالب) . هكذا رُوي عنه، وأسقط مِن الإسناد رجلًا. قاله عنه أبو زكريا الأشعري وابن الحذَّاء» . اهـ وهذا التعقيب أخذه مِن أبي علي الغساني، فقد قال في أوهام صحيح مسلم بعد أن أورد كلام الدارقطني ( [4] ) : «وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: (عقيل، عن الزهري، عن علي بن حسين بن علي، عن علي بن أبي طالب) . هكذا رُوي عنه، وأسقط مِن الإسناد رجلًا. قاله عنه أبو زكريا الأشعري وأبو عبد الله بن الحذَّاء» . اهـ قال القاضي عياض معقِّبًا ( [5] ) : «في كتاب ابن الحذَّاء: (الحَسَن) » . اهـ
فتبيَّن بهذا أنَّ ذلك الوهم الذي ذكره الدارقطني واقعٌ أيضًا في رواية ابن ماهان مِن طريق ابن الحذاء عنه، وهذه النسخة مِن الصحيح يرويها ابن ماهان، عن أبي بكر الأشقر النيسابوري، عن أبي محمد القلانسي، عن مسلم ( [6] ) . والدارقطني - بلديُّ ابنِ ماهان - أثنى على هذه النسخة مِن الصحيح، فقال أبو علي الغساني ( [7] ) : «سمعتُ أبا عمر أحمد بن محمد بن يحيى يقول: سمعتُ أبي ( [8] ) رحمه الله يقول: أخبرني ثقات أهل مصر: أنَّ أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني كَتَبَ إلى أهل مصر مِن بغداذ: أن اكتبوا عن أبي العلاء بن ماهان كتاب مسلم بن الحجاج الصحيح. ووَصَفَ أبا العلاء بالثقة والتميز» . اهـ فهذه فائدةٌ جليلةٌ تبيِّن أنَّ النسخة التي اعتمد عليها الدارقطني لصحيح مسلم كانت بينها وبين رواية القلانسي وشائج، ولذلك حَثَّ أهلَ مصر على الأَخْذِ بها. وقد قال السمعاني في أبي بكر الأشقر هذا ( [9] ) : «وكان سمع المسند الصحيح مِن أحمد بن على القلانسي ورواه، وهي أحسن روايةٍ لذاك الكتاب، وإنهم ثقات» . اهـ
وقد رَوى الصحيحَ أيضًا عن الأشقر غيرُ ابنِ ماهان، فقد رواه مِن النيسابوريين أبو الحسن الكرابيسي ( [10] ) . وربما يكون صحيح مسلم عند أبي عبد الله الحاكم مِن رواية القلانسي أيضًا، لأنَّ الأشقر هذا مِن شيوخه ( [11] ) ، وقد قال الخليلي إنَّ الحاكم كان عنده صحيح مسلم عن رجلين عنه ( [12] ) . ويبدو أنَّ هذه الرواية لَمْ يُكتب لها البقاء في المشرق، إذ حلَّت محلَّها نسخ صحيح مسلم مِن رواية الجلودي عن ابن سفيان، حتى صارت هي الرواية المعتمدة للصحيح. إلاَّ أنَّ رواية القلانسي وجدت لها سبيلًا آخر حيث استقرَّ بها المقام عند المغاربة، كما هو مثبتٌ في تصانيف ابن حزم ( [13] ) وأبي علي الغساني ( [14] ) وغيرهما.
قال ابن الصلاح ( [15] ) : «هذا الكتاب مع شهرته التامة صارت روايتُه بإسنادٍ متصلٍ بمسلمٍ مقصورةً على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، غير أنه يُروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم ... وأمَّا القلانسي فهو أبو محمد أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، وقعتُ بروايته عن مسلم عند المغاربة، ولَمْ أَجِدْ له ذِكْرًا عند غيرهم. دَخَلَتْ روايتُه إليهم مِن مصر على يدي مَن رَحَلَ مِنهم إلى جهة المشرق، كأبي عبد الله محمد بن يحيى الحذَّاء التميمي القرطبي وغيره» . اهـ
والظاهر أنَّ رواية القلانسي هذه أقدم مِن رواية ابن سفيان، لأنَّ بعضًا مِن المواضع التي انتُقِدَت على مسلم قد سَلِمَتْ مِن النقد في رواية ابن سفيان، ومِنها هذا الموضع المذكور. ومِنها أيضًا ما ذكره الرشيد العطار في كتابه، فقد قال ( [16] ) : «قال مسلم رحمه الله في كتاب الصلاة في إحدى الروايات عنه:"حدثنا صاحب لنا قال: نا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مغول، عن الحكم بهذا الإسناد مثله"... على أنه لَمْ يَقَعْ كذلك في كتاب مسلم إلا مِن طريق أبي العلاء بن ماهان، عن أبي بكر الأشقر، عن القلانسي، عن مسلم. ووقع في روايتنا مِن طريق أبي أحمد الجلودي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم، مسمَّى غير مبهم ... ثنا محمد بن بكار قال: ثنا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، وعن مسعر، وعن مالك بن مغول كلهم، عن الحكم بهذا الإسناد مثله» ( [17] ) . اهـ وهذا يؤكد أنَّ مسلمًا قد نقَّح كتابَه واعتمد آخرًا الروايةَ التي يرويها تلميذُه ابنُ سفيان الذي كان مِن الملازمين له ( [18] ) .
وأمَّا الدارقطني، فربما يكون وقع له صحيح مسلم مِن رواية القلانسي، فقد ظهر مِن رسالته إلى أهل مصر أنه مُطَّلِعٌ على هذه الرواية، فضلًا عن مطابقةِ سَنَد حديثنا الذي انتقده هنا مع السند المذكور فيها. والدارقطني فسنده عالٍ إلى مسلم، فقد رَوَى أحاديثَ له ليس بينه وبينه فيها غير رجلٍ واحد وهو محمد بن مخلد بن حفص ( [19] ) . ومسلمٌ قد قَدِمَ بغداد غيرَ مرةٍ ورَوَى عنه غيرُ واحدٍ مِن أهلها، وكان آخر قدومه بغداد قبل موته بسنتين ( [20] ) . فلعلَّ الدارقطني أخذ الصحيحَ عن أحد تلاميذ مسلم، وهو قد اطَّلع على نسخته القديمة بخطِّ يده كما سيأتي في الحديث التاسع عشر. وعلى كل حال فيُشبه أن يكون الدارقطني لَمْ تقع له رواية ابن سفيان لصحيح مسلم، وقد يكون الصحيح عنده برواية القلانسي أو برواية غيره. والله أعلم.
[1] - شرح صحيح مسلم للنووي 6/ 64.
[2] - بين الإمامين للمدخلي ص173.
[3] - المعلم بفوائد مسلم للمازري 1/ 456 - 457.
[4] - تقييد المهمل وتمييز المشكل للغساني 3/ 824.
[5] - إكمال المعلم للقاضي عياض 3/ 140.
[6] - تاريخ بغداد للخطيب 16/ 223 وتقييد المهمل للغساني 1/ 65 - 66.
[7] - تقييد المهمل للغساني 1/ 66.
[8] - هو ابن الحذَّاء.
[9] - الأنساب للسمعاني 12/ 75 - 76.
[10] - المنتخب من تاريخ نيسابور لتقي الدين الصريفيني ص358.
[11] - المستدرك للحاكم 4393 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص119 وتلخيص تاريخ نيسابور ص79.
[12] - الإرشاد للخليلي 3/ 825.
[13] - المحلى لابن حزم 1/ 22 وغيرها الكثير، وهي عنده برواية ابن الرسان، عن ابن ماهان.
[14] - وغالب رواية الأندلسيين مِن طريقه.
[15] - صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص106 فما بعد.
[16] - غرر الفوائد المجموعة للرشيد العطار ص118 فما بعد.
[17] - قد سَبَقَ وذَكَرَه أبو علي الغساني في تقييد المهمل فقال [3/ 799] : «قال مسلم: (نا صاحبٌ لنا قال: نا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش) ، وهو حديث كعب بن عجرة: ألا أهدي لك هدية، في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا في نسخة أبي العلاء بن ماهان. ورواية أبي أحمد الجلودي، عن إبراهيم، عن مسلم: (نا محمد بن بكار قال: نا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش) . هكذا سمَّاه أبو أحمد وجوَّده» . اهـ
[18] - التقييد لابن نقطة ص186.
[19] - المؤتلف والمختلف للدارقطني 1/ 357 والعلل للدارقطني 12/ 11 و 15/ 408 وغيرها مِن المواضع، وليست هذه الأحاديث مِن كتاب الصحيح، ولعلَّها مِن كتاب العلل أو غيره.
[20] - طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/ 337.