والعقل يقضي بأن المسلمين أحق بأموالهم من غيرهم، وما يقال بالنسبة للأفراد يقال كذلك بالنسبة للدول العربية والإسلامية التي تستثمر أموالها في الغرب عن طريق المصارف وغيرها.
ذهب جماعة من أهل العلم إلى القول بعدم مشروعية بعض الأنشطة الاقتصادية المعاصرة- ومنها: بيع المرابحة وبعض عقود البورصة -؛ لكونها داخلةً في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المعدوم، أو بيع الإنسان ما لا يملك، وذلك بناءً على مارواه أبو داود وغيره بإسناده عن حَكِيمِ بن حِزَامٍ قال: يا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ ليس عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ له من السُّوقِ؟ فقال:"لَا تَبِعْ ما ليس عِنْدَكَ".
وواقع الحال أن المرابحة لا تدخل في الحديث، حيث إن المصرف الإسلامي لا يبيعه شيئًا معينًا، وإنما أخذ من الراغب وعدًا، ثم قام بشرائه فعلًا، ثم باعه مع ربح معلوم، فأين هذا من واقعة حكيم بن حزام؟ لأن ضابط الحرمة كما بينّه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو بيع شيء معين لا يملكه البائع، وهو على غرر من حصوله. هذا من جانب.
ومن جانب ثان: فإن إطلاق القول بعدم جواز بيع ما لا يملكه الإنسان غير دقيق، ذلك لأن جمهور العلماء ذهبوا إلى صحة عقد الفضولي الذي باع شيئًا مملوكًا لآخر دون تفويض منه، لكن العقد موقوف على إجازة المالك.
ومن جانب ثالث: فإن المتأمل في عمل البورصة وما يكتنفه من إشكاليات فقهية يجد أن الحديث النبوي موضوع البحث وهو نهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع الإنسان ما لا يملك يعالج كثيرًا من العقود التي تجرى في البورصة، حيث تجرى دون أن يكون لها محل معين ولا شيء موصوف في الذمة، ولا تتوافر فيها الشروط والضوابط الشرعية، ويكون فيها غرر بيَّن واضح.
ومع هذا فإن العقود العاجلة على السلع الحاضرة الموجودة في ملك البائع التي يجب فيها القبض فيما يشترط له القبض في مجلس العقد شرعًا هي عقود جائزة، ما لم تكن عقودًا على محرَّم شرعًا.
أما العقود الآجلة بأنواعها التي تجرى على المكشوف، أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع بالكيفية التي تجرى في السوق المالية (البورصة) غير جائزة شرعًا؛ لأنها تشتمل على بيع الشخص مالا يملك، اعتمادًا على أنه سيشتريه فيما بعد ويسلمه في الموعد، وهذا منهي عنه شرعا.
وعليه فإن تجديد فهم ما أشكل من قضايا الاقتصاد الإسلامي لا يتحقق إلاَّ في إطار الفهم السديد للسنة النبوية، على أن يكون المجدد قد بلغ رتبة الاجتهاد، ليراعي دلالة النص