الشرك عند أهل اللغة: مأخوذ [1] من المشاركة والاشتراك، يقال: شاركت فلانًا أي: صرت شريكه، والشرك يكون بمعنى الشريك، وبمعنى النصيب، وجمعه أشراك، وشركه في الأمر يشركه دخل معه فيه، وأشركه معه فيه وأشرك فلانًا في البيع إذا أدخله مع نفسه فيه [2] .
وأما من حيث الاصطلاح فهو جعل شريك لله في ربوبيته، أو: ألوهيته، أو: أسمائه وصفاته، وقال بعضهم: (هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله) فكل من صرف نوعًا من أنواع العبادة القولية والعملية، الظاهرة والباطنة فقد أشرك معه غيره-عياذًا بالله-والشرك علة في الأرض يجب أن تنفى، لأنه أعظم ذنب عصي به الله تعالى، وهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وصاحبه موجب للخلود في النار، وهو الذنب الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، والتخلص من الشرك وآثاره المؤدية إليه.
والشرك الأكبر: رديف الكفر الأكبر-الذي سبق الحديث عن تعريفه وأنواعه في الرسالة الثانية-، ويترتب عليه كل ما يترتب على الكفر الأكبر؛ من حيث إنه يحبط العمل كليًا، ويخرج صاحبه من الملة، ويخلده في نار جهنم أبدًا، ولا تنفعه شفاعة الشافعين.
قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [3] . وقال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) [4] . وقال تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) [5] . وقال تعالى: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) [6] . فالشرك هنا له نفي مدلولات الكفر الأكبر وتبعاته، ومنه يستنتج أن كل كفر شرك، وكل شرك كفر، وكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر. والدليل على هذا قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله) [7] . فهم كفروا وفي الوقت نفسه وصفوا بأنهم أشركوا. وقوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر) [8] . وقوله: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) [9] . فالذين كفروا هم الذين
(1) -ويرى أهل العلم باللغة: أن دائرة الأخذ أوسع من دائرة الاشتقاق.
(2) -انظر: (تهذيب اللغة) (10/ 16) ، و (لسان العرب) (10/ 448) ، و (تاج العروس) (7/ 147) .
(3) -سورة النساء، الآية رقم: (48) . فلينظر في هذا حديث: (الديوان ثلاثة: ديوان لا يغفر الله: الإشراك بالله يقول الله:(إن الله لا يغفر أن يشرك به) ، وديوان لا يتركه الله: ظلم العباد فيما بينهم حتى يقتص بعضهم من بعض، وديوان لا يعبأ الله به: ظلم العباد فيما بينهم وبين الله، فذاك إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء تجاوز عنهم). قال صاحب"المشكاة": (رواه البيهقي في شعب الإيمان) ، وضعفه الشيخ الألباني في (تخريج المشكاة) (3/ 1419/رقم:5133) فقال: (رواه أحمد أيضًا، وسنده ضعيف) ، لكنه صححه في (الصحيحة) (4/ 560/رقم:1927) . قالت أم الفضل عند ما وصلت إلى هنا: (والحديث في"الشعب"6/ 52/رقم:7473/ 7474) ، وهو حديث صحيح).
(4) -سورة المائدة، الآية رقم: (72) .
(5) -سورة الزمر، الآية رقم: (65) .
(6) -سورة الأنعام، الآية رقم: (88) .
(7) -سورة آل عمران، الآية رقم: (48) .
(8) -سورة التوبة، الآية رقم: (17) .
(9) -سورة البينة، الآية رقم: (6) .