المعاصي، والعذاب العظيم ليس ينزل إلا على جرم لا كما قيل: إنّ المراد به الصغائر) 38.
النفي بـ (ليس)
في محاضرات القيت على قادة اللغة العربية ذكر فيها الدكتور ابراهيم السامرائي موضوعا لم يتعرض له
الاقدمون او انهم ذكروا فيها شيئا لم يتصل بحقيقة (ليس) ولم يهتدوا الى الوجه الصحيح معللا ذلك اما لنقص في ادواتهم او لبعدهم عن الاسلوب العلمي الذي يقوم على المقارنة في بحث المسائل اللغوية السامية ومها المواد الفعلية لـ (ليس) في باب من النحو لا يهتدي فيه الدارس إلي شيء من حقيقتها نحوًا ولغة. فهي من أدوات النفي وهي تتطلب معمولين مبتدأً وخبرًا. وبسبب العمل وهو عدم الاكتفاء بالمرفوع أو قل إنّ هذا المرفوع مفتقر إلى ما سموه بـ (الخبر المنصوب) أقول بسبب من هذا ضمّوا مواد مختلفة في دلالتها إلى بعضها وجعلوا من الآيات المتنافرة بابًا أسموه بـ (النواسخ) ولعل من الغريب أن يحشر بين هذه المواد الدالة على الإيجاب مادة (ليس) وهي على النقيض من هذه المجموعة، فهي من المسائل التي ينبغي ان تكون في مبحث النفي. ويبدو أن
الأولين كانوا في تردد بسبب من هذه المسالة فقد كانت عندهم مترددة بين الحرفية والفعلية، فذهب الجمهور إلى أنها فعل، وذهب الفارسي: في احد قوليه وأبو بكر بن شقير، في احد قوليه الى انها حرف 39، وان هؤلاء - كما يقول الدكتور إبراهيم السامرائي ـ كانوا على حقّ في ترددهم في حمل هذه المادة على سائر الأفعال التي أشبهت (كان) في العمل) 40.
ويرى ابن هشام في (ليس) كلمة دالة على نفي الحال، وتنفي غير قرينة تخفيه، ولم تقدره فَعَل بالفتح لأنه لا يحفف، ولا فعُل بالضم لأنه لم يوجد في يائي العين إلا في هَيُؤَ، وسُمع (لُستُ) بضم اللام، فيكون على هذه اللغةكهَيُؤ. وزعم ابن السراج انه حرف بمنزلة ما , وتابعه الفارسي في الحلبيات وابن شقير
وجماعة، والصواب الأول، بدليل، لستُ ولستُما ولستنّ وليْس وليْسوا وليسَت ولسنَ 41
وذكر ابن منظور في لسان العرب مادة (ليس) رأيًا للخليل بن احمد الفراهيدي مفاده: أنها مركبة من (لا ايس) فطرحت الهمزة وألزمت اللام بالياء وأما القول بفعليتها فهو كثير، قال ابن سيدة: (ليس: كلمة نفي , وهي فعل ماضٍ(ليس) بكسر الياء. وعلى الرغم من حرفيتها، أو فعليتها في الحكم ا?عرابي كما سبق ذكره فان تطورًا لغويًا طَرَأ على هذه الكلمة كما يرى أصحاب فقه اللغة، وهذا لا يخرجها عن دلالة النفي، والذي نسعى اليه في هذا المبحث ومن خلال الآيات القُرآنية التي سنعرض لها وفي ضوء السياق لنلتمس المعنى الدلالي الذي أفاده نفيها 42.
وفي الآية الكريمة من سورة الشورى، قال تعالى: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) )الشورى: 11
نفيان، نفي المثلية، والآخر نفي الشيئية، وما ينضوي فيهما مَن زمان ومكان، وأبعاد وتجسيد، إذ أفاض الفخر الرّازي ذلك في الحجة الثانية: قوله تعالى: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ) (الشورى:11) (حكم الله تعالى، بان مثلَ مثله ليس بشيء، ولا شكّ أنّ كلَّ شيءٍ مثل لمثل نفسهِ، وثبت في هذه الآية: أن مثل مثله ليس بشيءٍ ينتج انه تعالى غير مسمى بالشيء، فان قالوا: إن الكاف زائدة قلنا: هذا كلام معناه أن الحرف من كلام الله تعالى لغو وعبث
وباطل، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل، ومتى قلنا: إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال.
والحجة الثالثة: لفظ الشيء، لا يفيد صفة من صفات الجلال والعظمة والمدح والثناء، وأسماء الله تعالى يجب كونها كذلك ينتج أن لفظ الشيء ليس اسمًا لله تعالى: أما قولنا إن اسم الشيء لا يُفيد المدح والجلال، فظاهر، لأنّ المفهوم من لفظ الشيء قدر مشترك بين الذّرة الحقيرة وبين اشرف الأشياء، وإذا كان كذلك كان المفهوم من لفظ الشيء حاصلًا في أخسِ الأشياء، وذلك يدل على أنّ اسم الشيء لا يُفيد صفة المدح والجلال، وأم من قولنا: إن أسماء الله يجب أن تكون دالة على صفة المدح والجلال، وإذا اثبت هاتان المقدمتان فقد حصل المطلوب)43 ويرى ابن جنّي ملاحظا في حرف (الكاف) (ففيه قولان: احدهما: أن الكاف زائدة، أي ليس مِثْله شيء، لأنها لو كانت غير زائدة لكان التقدير، ليس مِثْل مِثْلِه شيء وفي هذا نوعان من الكفر نعوذ بالله منهما، احدهما: إثبات مثل لله، لأنه إذا كان التقدير ليس شيء مثل مثله دل على أن له مثيلًا. والثاني: انه نفي عن الله أن يكون مثلًا لمثله، وهو محال، لان الشيء إذا كان لمثله فهو مثلُ مثله كما أن مثلََه مثلهُ.
والقول الثاني: أن الكاف غير زائد، إنّما مثْلُ هُو الزائد، كأنه قال: ليس كَهُو شيء وهذا كما تقول: مِثْلكَ من يفعَل هذا أي: أنتَ لا تَفْعَلُ هذا، وانشدوا الرواية: (( يَا عَاذِلي دَعَنْي مِنْ عَذْليكما مثْلي لا يَقْبَلُ مِنْ مِثْلكما ) )44
غير أن السيد قطب ينفي المرجعية لغير الله سبحانه وتعالى في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة فيقول (( فليس هنالك من شيء يماثله ـ سبحانه وتعالى: (( ليس كَمثله شيء ) )والفطرة تؤمن بهذا بداهةٍ، تحالف الأشياء لا تماثله هذه الأشياء التي هي من خلقهِ .. ومن ثمّ فإنها ترجع كلها إلى حكمه عندما تختلف فيما بينها على أمر، ولا ترفع معه إلى احد غيره، لأنه ليس هناك مثله، حتى يكون هناك أكثر من مرجع واحد عند الاختلاف. ومع انه ـ سبحانه ـ (( ليس كمثله شيء ) ).. فان الصلة بينه وبين ما خلق ليست منقطعة لهذا الاختلاف الكامل. فهو يسمع ويبصر: (( وهو السميع البصير ) )45.
والذي نطمئن إليه، بعد نفي المثلية، والشيئية والمرجعية عنه سبحانه وتعالى، كما أسلفنا، فان الزيادة
للكاف لا تصح في كتابه الكريم، لان كلّ حرف بل كل كلمة فيه وضعت وضعًا فنيًا مقصودًا معجزًا. وما تأوله النحويون واللغويون، يخضع لأهوائهم، وقواعدهم، والتقعيد الحقيقي للقاعدة النحوية، هو مابين الدفتين/ القرآن الكريم.
وفي سورة الواقعة، يرى الرّازي في تفسيره الكبير في مبحث المسألة الرابعة: نفيًا أفادته النكرة: (كاذبة) في