النارَ، ولقد اسْتَحَقَّ أن لهم النارَ، وقول المفسرين: معناها: حقا أن لهم النار، يدلك أنها بمنزلة هذا الفعل إذا مُثِّلَتْ، فـ"جَرَمَ"بعدُ عملت في"أنَّ"عملَها في قول الفزاري:
وَلَقَدْ طَعَنْتَ-أَبَا عُيَيْنَةَ-طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا
أي: أَحَقَّتْ فَزَاَرةَ"."
وقال المبرد [1] :"ومعناها-والله أعلم-: حَقَّ أن لهم النار، كما قال - عز وجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} أي: لا يُحَقَّنَّكُمْ، قال الشاعر:"
وَلَقَدْ طَعَنْتَ-أَبَا عُيَيْنَةَ-طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا"."
وأما عند الكوفيين-ويمثلهم ثعلبٌ-فمعنى"لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ": لا يُكْسِبَنَّكُمْ، وما قاله ثعلب هنا أخذه من الفراء الذي قال [2] :"وسمعتُ العرب تقول: فلانٌ جريمةُ أهلِهِ، يريدون: كَاسِبٌ لأهله، وخرج يَجْرِمُهُمْ: يَكْسِبُ لهم، والمعنى فيها متقارب: لا يُكْسِبَنَّكُمْ بُغْضُ قومٍ أن تفعلوا شَرًّا".
وقال الفراء-أيضًا- [3] :"وكذلك فَسَّرَهَا المفسرون بمعنى الحَقِّ، وأصلها من: جَرَمْتَ أي كَسَبْتَ الذَّنْبَ وجَرَمْتَهُ، وليس قولُ مَنْ قال [4] : (إِنَّ جَرَمْتَ كقولك: حَقُقْتَ أو حُقِقْتَ) بشيء، وإنما لَبَّسَ على قائِلِهِ قَوْلُ الشاعر:"
وَلَقَدْ طَعَنْتَ-أَبَا عُيَيْنَةَ-طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا
فرفعوا"فزارة"، قالوا: نجعل الفعل لفزارة، كأنه بمنزلة: حُقَّ لها أو حَقَّ لها أن تغضب، وفزارة منصوبة في قول الفراء، أي: جرمتهم الطعنة أن يغضبوا"."
فقول ثعلب إذًا:"وإنما معنى الآية-والله أعلم-في التفسير: لا يَحْمِلَنَّكُمْ ولا يُكْسِبَنَّكُمْ"إنما تَابَعَ فيه قَوْلَ شيوخه الكوفيين في تفسير"لا جرم"و"لا يجرمنكم".
ومن خلال ما سبق أرى أن كلا التأويلين لـ"جَرَمَ"صحيحٌ، وإن كان قولُ سيبويه والأخفش وغيرهما من البصريين أقوى من ناحية المعنى [5] .
(1) المقتضب 2/ 351.
(2) معاني القرآن 1/ 299.
(3) معاني القرآن 2/ 8، 9.
(4) يعني سيبويه.
(5) ينظر في هذه المسألة-أيضا-: مجاز القرآن 1/ 147، 358 - أدب الكاتب ص 50 - حروف المعاني للزجاج ص 72، 73 - إعراب القرآن للنحاس 2/ 277، 278 - النكت في تفسير كتاب سيبويه 2/ 778، 779 - الاقتضاب 3/ 65، 66 - التبيان للعكبري 2/ 693 - البحر المحيط 3/ 436، 437 - الجنى الداني ص 413: 415 - الدر المصون 4/ 188، 189 - خزانة الأدب 10/ 283: 289.