وقد استفحلت هذه الكراهية بسبب المشكلات السياسية التي ضربت جذورها في أول اتصال بين الكسيوس کومنين وأوائل الصليبيين، وفي النزاع العنيف الذي نشب حول الحقوق البيزنطية في إمارة أنطاكية (1) . إلا أن المصدر الدائم والثابت لاستياء البيزنطيين يكمن في حقيقة النظر إليهم على أنهم جزء من المؤسسة الاكليركية اللاتينية، وليسوا منفصلين عنها. ولما كانوا جزءا تابعة فقد كان محظورة على رجال الاكليروم الأرثوذكس ارتقاء المناصب العليا في سلم الكهانة. وهكذا أفسح بطريرك أنطاكية الاغريقي - الذي أعيد تنصيبه في العام 1098 - مكانه إلى خلف لاتيني في العام 1100، وهو برنار الفالنسي، ولم تعش محاولات إحياء البطريركية وإعادتها إلى سابق عهدها طويلا (2) ، كما حدث عندما فرض ذلك عمانويل کومنين في العام 1108 بالقوة. ولم تعرف القدس اللاتينية أبدا أي بطريرك اغريقي. وكان الأرثوذكس ملزمين بتقديم فروض الطاعة ودفع العشر إلى المستوى الاكليري الأعلى الذي كان أجنبي الجنسية ويمارس شعائر مغايرة لهم. وأخيرا كان هؤلاء يتمتعون بالتسامح، إبان الحكم الإسلامي، وحماية الامبراطور البيزنطي لهم، لذا لم يكن لديهم من الحوافز لمساعدة الفرنجة في المحافظة على سيادتهم سوى القليل. وليس ثمة ما يدهش إذا علمنا أن صلاح الدين عندما حصر بيت المقدس، في العام 1187، تعهدت له الطائفة الأرثوذكسية داخل أسوار المدينة بتقديم المساعدة، وأنه تلقي نهائي الأمبراطور اسحاق أنجيلوس Isaac Angelus على استرداده المدينة. (3)
حدثت حوادث مماثلة أيضا عندما أمسترد زنكي الرها في العام 1944. فهو لم يكن رحيما في معاملة الفرنجة، إلا أنه عامل السوريين من المسيحيين في منتهي الرأفة، وقد لفت غروسيه الانتباه إلى الموقف الذي وقفه كاتب سوري مجهول ترك مذكراته لتلك الأحداث (4) . إذ كان زنكي في نظر الغرب اللاتيني وحشا متعطشة للدماء، وكان أستيلاؤه على الرها مأساة كافية للتحريض على إرسال حملة صليبية