(إنها صورةُ الهولِ الذي روَّعَ المدينةَ, والكربَ الذي شملها, والذي لم يَنجُ منه أحدٌ من أهلها. وقد أطبقَ عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب. من أعلاها ومن أسفلها. فلم يَخْتَلِفِ الشُّعور بالكرب والهول في قلبٍ عن قلب; وإنمَّا الذي اختلفَ هو استجابةُ تلكَ القلوب, وظنُّها بالله, وسلوكُها في الشدة, وتصوراتهُا للقيم والأسباب والنتائج. ومن ثَمَّ كان الابتلاءُ كاملًا والامتحان دقيقًا. والتَّمييزُ بين المؤمنين والمنافقين حاسمًا لا تردد فيه.) [1]
نعم: فقد نجم النَّفاق، وأظهرتِ بعضُ القلوبِ ما فيها من خَبَثٍ وخُبْثٍ وتكلمتِ الألسُن - وهنا مربَطُ الفرس وهو نقلُ الحديثِ من النَّفسِ ليظهرَ على اللِسان- حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمروبن عوف: كان محمدٌ يعِدُنا أنْ نَأكُل كُنوز كِسرى وقيصر، وأحدُنا لا يَقْدِرُ أن يذهب إلى الغائط!!.
4 -أنَّ الأيام دول، يومٌ لك ويومٌ عليك، يومٌ تدولُ ويومٌ تُدال، وأنَّ الواقعَ والنَّتيجةَ لا يُمكِنُ أن يكونا في صالحك دائمًا"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاإِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ" [2]
(وإنها لتجربةٌ عميقة جليلة مرهوبة .. إنَّ هذا السؤال من الرَّسول والذين آمنوا معه. من الرَّسول الموصول باللهِ، والمؤمنين الذين آمنوا بالله. إنَّ سؤالهم:"متى نصرُ الله؟"ليُصور مدى المحنة التي تُزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلاَّ محنةً فوق الوصف، تُلقي ظِلالها على مثل هاتيك القلوب، فَتَبْعَثُ منها ذلك السؤال المكروب:"متى نصرُ الله؟"..
وعندما تثبُت القلوب على مثل هذه المحنة المُزلزلة .. عندئذٍ تتمُّ كلمة الله، ويجيءُ النصر من الله:"أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ"..
(1) الظلال- سورة الأحزاب- 5/ 2837
(2) البقرة 214