وفي المُستدركِ مرفوعًا:"يا عبد اللهِ بن مسعود هَلْ تَدْرِي أَيّ النّاسِ أَعْلَم؟"قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"فَإِنَّ أَعْلَمَ النّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالحَقّ إِذا اخْتَلَفَتِ النّاسُ، وَإِنْ كانَ مُقَصِّرًا في الْعَمَلِ، وَإِنْ كانَ يَزْحَفُ على اسْتِهِ" [1]
هكذا يُبصِرُ الحقَّ كلَّ من لم يكُن لديه هوىً ولا حميةً ولا عصبيةً لمذهبٍ، أوفِكرٍ، أو فِكرةٍ، أو جماعةٍ، أو شخصٍ. إنّما عصبيتُه للحقِّ أينما كان، ومع أيِّ كائنٍ كان. هذا هو من صَفَتْ غريزتُه عن أن تتكدَّر بذلِكَ المرضِ الذي يُصيبُ النُّفوس والقلوب. فلم يكن له مأربٌ ولا مقصد إلا مجرد معرفةِ الصَّوابِ، والسَّيرِ في طريق الحقِّ، فظَفَرَ بذلك بسهولة من غير مشقةٍ ولا تعب.
لا يُفسِدُ للودِّ قضية
قد نختلِفُ في أُطروحاتِنا، وفي أفكارِنا، وفي طريقةِ عملِنا، ولكن لا يُمكِن أن تختلِف قلوبُنا، ونتناحَرُ على مذْبحِ أهوائِنا، ولِسانُ حالِ كُل مِنَّا: الحقُّ عندي لا عِندَ غيري!!
سرى فِيكم داءُ التَّعصُّبِ والهوى ... فَصُرتُم بِه صُمًَّا عن الحقِّ عُميانا [2]
إنَّ الأخلاقَ الإسلاميةَ تأبى علينا هذا المسلك، وتنأى بِنا عن هذا الطَّريق، كما أنَّ نِيَّاتنا إن كانت صادقةً لا يُمكِنُ أن تدفعنا إلى إلى هذا المصير.
إنَّ المجاهِد في سبيلِ اللهِ السَّاعي إلى الحقِّ لا يُمكِن أن يحيدَ عن الحق، والداعي إلى العدلِ لا يُمكنُ أن يقعَ في الظُلم، وهل أظلمُ ممن ادَّعى الحقَّ وجعلهُ حِكرًا على نفسِهِ وطريقتِهِ؟!
وهل فكَّر أمثال هؤلاءِ ما يُمكن أن ينتُج عن هذا التَّعصب البغيض من آثارٍ أقلُّ أضرارها الانشغالُ عن الهدفِ بالانتصار للنَّفس، وردِّ الحقِّ بِاتباعِ الهوى؟!
أمَّا إن أردت أن تعرِف أكبر أضراره فاستمِع إلى ما يقولُه الزرقاني رحمه الله:
(1) رواه الحاكم في مستدركه برقم 3836
(2) ديوان ابن الشهاب