لأنّ النّية هي الباعث على العمل، وهذا هو باعثه بلا ريب. قال محمّد بن الحسن، رحمه الله: «وإذا وكَّل الرجل رجلًا أن يشتري له جاريةً بعينها فقال: نعم، فاشتراها الوكيل لنفسه، فهي للآمر» [1] . وفي الفتاوى الهندية: «إذا وَكّل أن يشتري له عبدًا بعينه بثمنٍ مسمّىً، وقِبَل الوكيلُ الوكالة، ثمّ خرج من عند الموكّل، وأشهد أنّه يشتريه لنفسه، ثمّ اشترى العبد بمثل ذلك الثمن، فهو للموكِّل» [2] . وهذا هو الحكم عند الحنفيّة مع أنّ الوكيل قد يكون فِعلًا وصدقًا اشتراه/ها لنفسه، فكيف الحال إذا كان شراؤه للموكِّل ظاهرًا وباطنًا، كما في بيع المرابحة للآمر بالشراء! وممّا يُستأنس به لهذا التكييف أنّ الإمام مالكًا، رحمه الله، كيّف مثل هذا العقد بذلك في حالة ما إذا كان البيع الثاني نقدًا، «قال مالك: وإن قال: ابتع لي هذا الثوب، وأنا أبتاعه منك بربح كذا، فأمّا بالنّقد، فذلك جائزٌ، وذلك جُعْلٌ [أي أُجرة] إذا استوجبه له، ولا خير فيه إلى أجل» [3] .
فإن قيل: هذا التكييف إنّما يصحّ إن كان البيع الثاني نقدًا فحسب، وأمّا إنْ كان نسيئة، كما هو واقع المرابحة المصرفيّة هذه الأزمان، فلا يصحّ شرعًا؛ و «لا خير فيه» كما قال الإمام مالك؛ وذلك لأنّه يجمع بين السَّلف والإجارة. وهو ممنوع.
فيُقال: نعم، على هذا التكييف، هو معاملةٌ فاسدة؛ لأنّها تضمَّنت سلفًا وإجارةً، وقرضًا جرَّ نفعًا، وليس من غرض التكييف الفقهي، حيث كان، تصحيحُ المعاملة محلّ النّظر، بل البحث عن حقيقتها، ثمّ الحكم عليها بناءً على هذه الحقيقة. وهذه هي حقيقة هذه المعاملة حتى لو قال العميل: إنّ طلبه من المصرف شراءَ السّلعة ليس توكيلًا، وحتّى لو ادّعى المصرف أنّه يشتري السّلعة لنفسه لا للعميل، فالعِبرة بالحقائق لا بالدّعاوى، وبالمسمّيات لا بالأسماء، وبمعاني الصِّيغ ومقاصدها لا بألفاظها.
فإن قيل: حقيقة الوكالة غير حاصلة في هذه المعاملة؛ لأنّ التوكيل يكون عادةً بقصد الاستفادة من خبرة الوكيل في الشّراء، أو لعدم تفرّغ الموكِّل لإجراء الصّفقة، ونحو ذلك، وأمّا في هذه المعاملة فالتّوكيل كان بقصد الحصول على التمويل لا أكثر، ولولا قدرة المصرف، وتخصُّصه في التمويل، لما لجأ إليه العميل، فالوكالة على هذا صُوريّة لا حقيقيّة.
فيُقال: نعم هذا صحيح، والصّورية من علامات التحيّل الربوي في هذه المعاملة؛ ولذلك قلنا بأنّها فاسدة.
ثم إنّ ما يتوجّه على هذا التكييف من أنَّه يتضمّن إجارة وسلفًا يتوجّه أيضًا على التكييفين السّابقين (المواعدة ثمّ البيع، والبيع المعلّق) في أنّهما صفقة واحدة (مراوضة) تضمّنت بيعًا وسلفًا (بيعة النّقد وبيعة الأجل) وهذا أسوأ؛ لأنّ الجمع بين البيع والسَّلف ممنوعٌ بالنّصّ، والجمع بين الإجارة والسَّلف ممنوعٌ بالقياس.
(1) الأصل، للشيباني (11/ 290) . ولم يحكِ في ذلك خلافًا ممّا يعني أنّ هذا اتّفاقٌ بينه وبين صاحبيه؛ لأنّه قال في أوّل الكتاب (1/ 5) : «قد بيّنتُ لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن فيه اختِلاف فهو قولنا جميعًا» .
(2) الفتاوى الهندية (3/ 580) .
(3) النّوادر والزّيادات على ما في المدوّنة من الأمّهات، للقيرواني (6/ 88) .