هذا هو واقع المسألة في فقه السَّلف. وابنُ المنذر عُمدةٌ في نقل الخلاف. قال النووي: «اعتماد علماء الطوائف كلِّها في نقل المذاهب ومعرفتها على كتبه، وله من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه أحد، وهو في نهاية من التمكُّن في معرفة صحيح الحديث وضعيفه» [1] . وقال في المجموع بعد أن نقل كلامًا له «هذا كلام ابن المنذر، الذي لا شكّ في إتقانه وتحقيقه، وكثرة اطّلاعه على السنّة، ومعرفته بالدلائل الصّحيحة، وعدم تعصّبه» [2] . وقال الذهبي: «كان على نهايةٍ من معرفة الحديث والاختلاف» [3] ، وقال ابن حجر: «قد اعتمد على ابن المنذر جماعةٌ من الأئمّة فيما صنّفه في الخلافيّات، وكتابه الإشراف في الاختلاف من أحسن المصنّفات في فنّه» [4] .
وسيأتي في هذا البحث تأكيد ما نسبه ابن المنذر لأكثر الأسماء الذين عزا القول إليهم في المسألة بنقل الرّوايات عنهم من كتب الآثار، على أنّ أهل العلم يتساهلون في قبول الموقوفات والمقطوعات من الرّوايات ما لا يتساهلون في المرفوعات.
وممّا يجدر التنبُّه إليه: أنّ ابن المنذر يتكلّم في هذه المسألة عن المرابحة للآمر بالشراء بإطلاق، وهو ما يشمل كلا صورتيها الملزمة للآمر وغير الملزمة. ويدلّ على ذلك أنّه ذكر الإمام الشافعي من المجيزين لها من غير شرط، أي من غير أن يكون طلب الشراء مقرونًا بعقد الشراء فيكون مُلزمًا، وبهذا اختلف مذهبه عن مذهب مالك وغيره، وسنأتي إلى بيان ذلك لاحقًا إن شاء الله.
وبعد هذا البيان المجمل للأقوال في المسألة لا بدّ من التفصيل، وهو ما يستدعي تقسيم هذا المبحث إلى المطالب الآتية:
المطلب الأول: أقوال الصّحابة في بيع المرابحة للآمر بالشّراء.
المطلب الثاني: أقوال التّابعين في بيع المرابحة للآمر بالشّراء.
المطلب الثالث: أقوال أئمّة الفقه في بيع المرابحة للآمر بالشّراء.
المطلب الرابع: أقوال أتباع المذاهب الفقهيّة في بيع المرابحة للآمر بالشّراء.
(1) تهذيب الأسماء واللغات، للنووي (2/ 197) .
(2) المجموع، للنووي (2/ 56) .
(3) تاريخ الإسلام، للذهبي (7/ 345) .
(4) لسان الميزان، لابن حجر (6/ 483) .