وقوله تعالى: « قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » .هو إغراء للمسلمين بلقاء المشركين وقتالهم ، حتى يفيئوا إلى أمر اللّه ..
فبعد أن أثار اللّه حميّة المسلمين ، وملأ قلوبهم موجدة وسخطا على الكافرين ـ جاء وعده سبحانه وتعالى للمسلمين بالنصر على عدوّهم ، وأنه سبحانه سيعذب هؤلاء المشركين بأيدى المؤمنين ، بما يصيبهم في أنفسهم من قتل وأسر ، وما يصيبهم في أموالهم ، التي تقع غنيمة لأيدى المؤمنين في ميدان القتال ، أو في فداء الأسرى منهم .. وليس هذا فحسب ، فإن الذي لهم في العرب من مكان الرياسة والسيادة ستذهب به تلك الهزيمة المنكرة التي سيلقونها ، ويلقون معها الخزي والعار ..
وفى قوله تعالى: « وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ » انتقال من الخطاب إلى الغيبة ، وفى ذلك تنويه بشأن المؤمنين ، ورفع لقدرهم ، بالنأى بهم عن هذا الموطن الذي ينزل فيه العذاب على المشركين ، ويقع عليهم الخزي والهوان ..
وفى العدول عن تعريف القوم إلى تنكيرهم ، تفخيم لهؤلاء القوم ، وأنهم ليسوا قوما بأعيانهم ، وإنما هم المؤمنين حيث كانوا ، سواء من قاتل هؤلاء المشركين أو من لم يقاتل ، وسواء من شهد هذه الأحداث وعاصرها أو من جاء بعدها ، حيث يرى المؤمن في حديث التاريخ عنها ما نقرّ به عينه ، وينشرح به صدره ، حين يحدّثه التاريخ عن هزيمة الباطل وانتصار الحق ، وامتداد ظلّ الإسلام ، وانكماش دولة الكفر والضلال ..
وفى قوله تعالى: « وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ » وفى عطف هذا الفعل على الأفعال قبله في قوله تعالى: « يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ » ..إشارة إلى أن من تقدّر له التوبة من هؤلاء المشركين ويدخل في دين اللّه يجد نفسه مشاركا للمؤمنين فيما آتاهم اللّه من فضله ، ينصرهم وإعزازهم ، وشفاء ما بصدورهم .. وبهذا يتحول في لحظة واحدة من تلك الحال التي يلبس فيها لباس الهزيمة والخزي والعار ، إلى الجبهة الأخرى ، فيشاركها أفراحها ومسرّاتها ، ويقاسمها ما بين أيديها من نصر ، وما في قلوبها من رضى وحبور ، وفى هذا تحريض