كسلان لا همة له ولا عمل، كما قال تعالى: { وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} وقال تعالى: { إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ } أي يرجع { بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا } وقال الضحاك عن ابن عباس { ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى } أي يختال: وقال قتادة وزيد بن أسلم: يتبختر. قال الله تعالى: { أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } وهذا تهديد ووعيد أكيد من الله تعالى للكافر به المتبختر في مشيه أي يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد، كقوله تعالى: { ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } وكقوله تعالى: { كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ } وكقوله تعالى: { فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } وكقوله جل جلاله: { فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ } إلى غير ذلك. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي عن إسرائيل عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت سعيد بن جبير قلت { أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } قال: قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جهل ثم نزل به القرآن.
وقال أبو عبد الرحمن النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: { أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } قال: قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل ثم أنزله الله عز وجل، قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا شعيب عن إسحاق، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: { أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } وعيد على أثر وعيد كما تسمعون، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم بمجامع ثيابه ثم قال:"أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى"فقال عدو الله أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا وإني لأعز من مشى بين جبليها. وقوله تعالى: { أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً } قال السدي: يعني لا يبعث. وقال مجاهد والشافعي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني لا يؤمر ولا ينهى، والظاهر أن الآية تعم الحالين أي ليس يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث بل هو مأمور منهي في الدنيا محشور إلى الله في الدار الاَخرة، والمقصود هنا إثبات المعاد والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد، ولهذا قال تعالى مستدلًا على الإعادة بالبداءة فقال تعالى: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى } أي أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين. يمنى: يراق من الأصلاب في الأرحام. { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى } أي فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقًا سويًا سليم الأعضاء ذكرًا أو أنثى بإذن الله وتقديره. ولهذا قال تعالى: { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } ثم قال تعالى: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } أي أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه وتناول القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة وإما مساوية على القولين في قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } والأول أشهر كما تقدم في سورة الروم بيانه وتقريره والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا شبابة عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة عن آخر أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } قال: سبحانك اللهم فبلى، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. وقال أبو داود رحمه الله حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } قال سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفرد به أبو داود ولم يسم هذا الصحابي ولا يضر ذلك. وقال أبو داود أيضًا: