المعركة بالحجة الكاذبة، وحاجة هؤلاء إلى الإلحاح والتكرار تحكي بقاء شيء من الوازع في قلوبهم المريضة بحيث هم يحتاجون إلى إذن أو موافقة"شكلية"من الشارع لتتم لهم صفقة النفاق، ولعل هؤلاء أفضل حالًا من القسم الثاني الذين رجعوا إلى بيوتهم غير مبالين بطلب إذن أو حتى موافقة شكلية من الشارع.
القسم الرابع: وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمَّ إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلًا) [1] . وهذه هي الفاضحة؛ قال الشيخ عبد الرحمن حبنكة:"وقبل ذكر المعوقين بيَّن الله عز وجل تحقق علمه بهم، ليشير بهذا البيان من طرفٍ خفي إشارة تهديد لهم بأنهم مكشوفون معلومون من الله، وبأن عقاب الله يترصدهم" [2]
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإخوانهم، أي: أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم (هلم إلينا) أي: إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار" [3] .
إن هذا التقسيم النفسي للمنافقين إعجاز إلهي لا يقوى عليه بشر، وإن هذا التحقيق لا يمكن أن يصدر عن غير علم الله تعالى، وإن من تمام أوجه الإعجاز فيه أنك تنظر اليوم إلى أقسام المخذلين والمرجفين المتسترين في جنبات المجتمع المسلم اليوم فلا تراها تخرج عن هذه الإرجافات والمخذلات، والتي حاصلها ما يلي:
1.التشكيك في صدق وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
2.الدعوة إلى نفي مقام المرابطة بالكلية ووضع الحرب مع الكفار إلى الأبد
3.الاعتذار عن الجهاد في سبيل الله بعورات البيوت و"المسؤوليات والأولويات"الأخرى
4.التعويق العلمي والعملي: أما العلمي فببث الشبهات المشككة بشرعية الجهاد دفعًا وطلبًا، وأما العملي فبوضع المعوقات الحسية في طريق المجاهدين أو الداعين إلى الجهاد في سبيل الله دفعًا للصائلين على حرمات الأمة أو طلبًا لدول الكفر لتبليغ دعوة التوحيد أو عقد الجزية.
ويكفي المسلم الصادق اليوم أن يتأمل في مدى الارتباط النفسي بين أصحاب هذه الدعوات والشهبات اليوم وبين إخوانهم من أهل النفاق في غزوة الخندق الفاصلة ليكون على حذر من هؤلاء الناعقين وليأخذ المجتمع الإسلامي بأسره حذره من هؤلاء المثبطين، وهذا شيء يسير من إعجاز القرآن والله تعالى أعلم.
(1) سورة الأحزاب - آية 18
(2) قواعد التدبر الأمثل - 1/ 531
(3) تفسير ابن كثير - 6/ 516