صاحب المرثية الشهيرة، وهو الذى سبقت الإشارة إليه. وكان أثيرًا لديه، وقد نظم في مدحه بعض غرر قصائده.
وإليك كيف يصور النقد الغربى الحديث خلال منشىء مملكة غرناطة وظروف مملكته:"كان محمد بن الأحمر من أبرع أولئك الأمراء الذين كان لهم فضل خلال العصور المضطربة، في الدفاع عن الإسلام ومجد المسلمين، وكان جريئًا بعيد الغور، ولكن مكره لم يكن راجعًا إلى طبيعة خبيثة وضيعة، ولكن إلى خلق خصومه الذين كان مرغمًا على مقارعتهم. ففى العصور الوسطى كان قانون الأمم وعقد المعاهدات، ومجاملات الفروسية وشروط السلم الشريف، تفهم بطريقة ناقصة، وكثيرًا ما تنتهك بعمد، وكانت معظم نقائص هذا الأمير العظيم، ترجع إلى أخلاق العصر المنحلة، وكانت بوادر خضوعه لأعدائه الألداء مظاهر فقط لسياسة محكمة التدبير، أقدم عليها لإحراز ملكه وتوطيد سلطانه، وكان تقدم الغزو المستمر يرهق مملكته، ولكنها كانت تغدو أقوى ويغدو الدفاع عنها أيسر، كلما انكمشت حدودها. وكان القشتاليون كلما احتلوا مدينة جديدة، هرعت منها جمهرة من المهاجرين العاملين إلى غرناطة، فتزيد سكانها كثرة على كثرة، يحملون معهم ثروات عظيمة، وصفات هى أثمن من الثروة لدولة منحلة: النشاط والاقتصاد، والمقدرة على هضم الظروف الجديدة، وذكرى المظالم السابقة، وآلام المطاردة المحزنة، وأمل الانتصاف، وشعور لا يقهر ببغض النصرانية. وكان الاندماج السياسى لهذه الجماعات المنفية المضطهدة، في حماية الجبال التى تظلل ملاذها الأخير، هو الذى عاون في حفظ مملكة غرناطة الزاهرة لمجدها المستقبل ومحنتها الغامرة" [1] .
وتوفى محمد بن الأحمر في التاسع والعشرين من جمادى الثانية سة 671 هـ (ديسمبر 1272 م) على أثر سقطة من جواده، حين عوده من معركة رد فيها جمعًا من الخوارج الذين حاولوا الزحف على الحمراء في منتصف جمادى الثانية من العام المذكور، فحمل جريحًا إلى القصر وتوفى بعد ذلك بأسبوعين، وقد قارب الثمانين من عمره، ودفن بالمقبرة العتيقة بأرض السبيكة [2] . وكانت مملكة
(2) الإحاطة ج 2 ص 66. وقد كان اسم السبيكة يطلق على البسيط الذى يقع جنوب شرقى
الحمراء.