من أصولهم دائمًا، أنهم كانوا على الأغلب عبيدًا أو مسترقين من القوط، دخلوا في الإسلام اجتناء للحرية. وقد زاد عدد المولدين زيادة كبيرة، منذ عهد عبد الرحمن ابن الحكم، حيث دخل كثير من النصارى المعاهدين في الإسلام، حينما اشتدت وطأة حكومة قرطبة عليهم، أيام الفتن التي حاولوا إثارتها لإشاعة الإضطراب والفوضى، حسبما فصلنا ذلك في موضعه. وبذلك ازداد عدد المولدين زيادة كبيرة، منذ أوائل القرن التاسع الميلادي، وغدوا في ظل الخلافة أيام الناصر وولده الحكم، يمثلون أقلية كبيرة بين الأمة الأندلسية.
وأما الطبقة المسترقة أو طبقة العبيد، فكانت في تلك العصور تتألف من العمال العبيد، الذين يلحقون في الغالب بالضياع. وكان هذا النظام موجودًا منذ أيام القوط، ولكنه طبق أيام المسلمين، بصورة أفضل بكثير مما كان عليه، ومنح هؤلاء العمال حقوقًا إجتماعية وإنسانية، رفعت عنهم كثيرًا من صور العبودية القديمة، التي كانت تعطي للسيد عليهم حق الحياة والموت، والبيع والشراء.
ويلحق بغير الأحرار أيضًا طبقة الصقالبة والخصيان. بيد أن هذه الطبقة كانت تحتل مكانة ملحوظة في المجتمع، وكان لها في الحكومة والقصر، أيما نفوذ، وقد ظهر منها زعماء وقادة وصلوا إلى مراكز عظيمة، وكان لهم فيما بعد شأن يذكر، في تطور الحوادث التي أعقبت انهيار الخلافة الأندلسية.
وإلى جانب هذه الطبقات المختلفة، التي تتألف منها الأمة الأندلسية، كانت توجد دائمًا طبقة النصارى المعاهدين، الذين يعيشون في ظل الحكم الإسلامي، وكانت تجتمع في القواعد الأندلسية في أقليات كبيرة. وكانت تحتل في العاصمة، وفي بعض المدن الأخرى مكانة خاصة، ويشغل كثير من أفرادها مراكز هامة في الحكومة والجيش، وقد تحدثنا من قبل عن بعض أحوال هذه الطبقة وظروفها. ويجب أخيرًا ألا ننسى الأقلية اليهودية. فقد عومل اليهود منذ الفتح بمنتهى الرفق والرعاية، وازدهرت أعمالهم التجارية والصناعية، في ظل ذلك التسامح الإسلامي المأثور، ووصلوا في قرطبة في ظل الخلافة، إلى ذروة النفوذ والرخاء. وفي أيام الناصر تولى أحدهم، وهو العلامة حسداي بن شبروت، الإشراف على الخزانة العامة، وكان قبل ذلك قد حظى برعاية الناصر بخدماته الدبلوماسية، وترجمته لكتاب ديسقوريدس عن الأعشاب الطبية، من اليونانية إلى العربية،