فهرس الكتاب

الصفحة 983 من 1045

فأما أولئك فما هم بمعذورين!

(وطبع اللّه على قلوبهم فهم لا يعلمون) . .

فقد أغلق اللّه فيهم منافذ الشعور والعلم , وعطل فيهم أجهزة الاستقبال والإدراك , بما ارتضوه هم لأنفسهم من الخمول والبلادة والوخم , والاحتجاب عن مزاولة النشاط الحركي الحي المتفتح المنطلق الوثاب!

وما يؤثر الإنسان السلامة الذليلة والراحة البليدة إلا وقد فرغت نفسه من دوافع التطلع والتذوق والتجربة والمعرفة , فوق ما فرغت من دوافع الوجود والشهود والتأثر والتأثير في واقع الحياة. وإن بلادة الراحة لتغلق المنافذ والمشاعر , وتطبع على القلوب والعقول. والحركة دليل الحياة , ومحرك في الوقت ذاته للحياة. ومواجهة الخطر تستثير كوامن النفس وطاقات العقل , وتشد العضل , وتكشف عن الاستعدادات المخبوءة التي تنتفض عند الحاجة , وتدرب الطاقات البشرية على العمل وتشحذها للتلبية والاستجابة. . وكل أولئك ألوان من العلم والمعرفة والتفتح يحرمها طلاب الراحة البليدة والسلامة الذليلة.

ويمضى السياق يصف حال هؤلاء الأغنياء القادرين الذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف. .

إن وراء حب الدعة وإيثار السلامة , سقوط الهمة , وذلة النفس , وانحناء الهامة , والتهرب من المواجهة والمصارحة:

(يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) . .

وهذا من إنباء اللّه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين الخلص بما سيكون من أمر هؤلاء المتخلفين من المنافقين بعد الرجوع من الغزوة. مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في أثناء العودة وقبل الوصول إلى المدينة.

يعتذرون إليكم عن تخلفهم وقعودهم , ذلك أنهم يخجلون من الظهور بفعلتهم هذه عارية , ومن الكشف عن أسبابها الحقيقية ; وهي ضعف الإيمان , وإيثار السلامة , والإشفاق من الجهاد!

قل: لا تعتذروا. لا نؤمن لكم. قد نبأنا اللّه من أخباركم!

قل: وفروا عليكم معاذيركم. فلن نطمئن إليكم , ولن نصدقكم , ولن نأخذ بظاهر إسلامكم كما كنا نفعل. ذلك أن اللّه قد كشف لنا حقيقتكم , وما تنطوي عليه صدوركم ; وقص علينا دوافع أعمالكم ; وحدثنا عن حالكم , فلم تعد مستورة لا نرى إلا ظاهرها كما كنا من قبل معكم.

والتعبير عن عدم التصديق والثقة والائتمان والاطمئنان بقوله تعالى: (لن نؤمن لكم) ذو دلالة خاصة.

فالإيمان تصديق وثقة وائتمان واطمئنان. تصديق بالقول وائتمان بالعقل واطمئنان بالقلب , وثقة من المؤمن بربه , وثقة متبادلة بينه وبين المؤمنين معه. وللتعبير القرآني دائمًا دلالته وايحاؤه.

قل: لا تعتذروا. فلا جدوى للقول ولا معول على الكلام. ولكن اعملوا فإن صدق عملكم ما تقولون فذاك , وإلا فلا ثقة بالقول ولا ائتمان ولا اطمئنان:

(وسيرى اللّه عملكم ورسوله) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت