هنالك مليون من الناس يستطيعون أن يتنبئوا بكل يقين عمن يموت منهم في عهد ما وفي عهد آخر، وعما ينشأ فيهم من جنايات لأن تجاريب الماضي تسهل لهم هذه التنبؤات. إن الصعود إلى أسباب الأعمال الملحوظة مستحيل أبدًا، والعاملون الجازمون هم عدد كثير، واستمالة الصعود بعيدًا في سلسلة الأسباب التي تعين أو تحدد حاثًا اجتماعيًا قد ألقت شيئًا من الكره لعلم التاريخ في نفوس العلماء الذين حاولوا التعمق فيه. وهنالك عالم نبيه هو (رينان) نعت علم التاريخ بأنه علم حقير وهمي، لا يكاد يرفع حتى يتقوض بدون نهاية، ولا يشيد حتى يتهدم؛ وهو أحد الأشياء المهملة بعد مائة عام. على أنه سيأتي دور في حياة الإنسان نراه لا يتعلق بماضيه لمصلحة ما. وإني لأخشى جدًا أن كتابة كتابنا في المجتمع الأدبي والفني الذين صححوا ووضحوا بعض الآثار التاريخية أن يبلوا قبل أن يتلوا)
والكاتب نفسه يفكر في أن المستقبل سيكون للعلوم الطبيعية لأنها هي العلوم التي ستعطينا سر الوجود والعالم والإله كما ينبغي أن يعطى هذا السر. لكل إنسان حق التأمل في هذا، ولكن شيئًا واحدًا حتى الآن لم يحقق أملًا من آمالهم، ولا فكرة من أفكارهم. وهاهي ذي العلوم الوضعية لم تعطنا شيئًا عن العلة الأولى لحادث واحد، وهي لا تكتشف إلا بساطة العلاقات التي تؤلف قواها الظاهرة، حتى إذا اصطدمت بحوادث مركبة رأيتها تتلاشى وتضل في الظنون والأحداس. إن العلوم الحديثة قد بدأت بصورة ضعيفة أن تتمتم (من التمتمة) في الجواب عن أسئلة يضعها الإنسان كل يوم. فمن المهد إلى اللحد تغرس الطبيعة طريقنا بمسائل لا تقبل الحل. ورغبتنا في المعرفة، هذه الرغبة المتأججة لا ينطفئ أوارها أبدًا. العلم يستدعي أفكارًا ولكنه لا يحل مسائل. وكرتنا الأرضية ستعانق في الفضاء العوالم القديمة الباردة قبل أن يجيب أبو الهول الخالد على سؤال واحد
يجب علينا ألا نقف على باب العلوم مغررين بأنفسنا، طالبين إليها أن تعطينا مالا تقدر عليه. إنها تقدر أن تعطينا ما نتبين به حالة إنسان أو حيوان أو مجتمع أو نبات، وما نضم به صورة أمينة لدراسة عصر ما. وما نعين به سلسلة من أمهات الحوادث التاريخية. وحذار أن نطلب أكثر من هذا إلى المؤرخ
على أن العمل مع هذا هو من العسر بمكان لما يقتضيه من الاعتناء. فالمواد التي تسمح لمؤرخ أن يضم منها صورة لحضارة ما يعسر عليه جمع أطرافها. والأعسر من ذلك أن