بسم الله الرحمن الرحيم يقبّل الأرض التي سقى دوحها نزول الغيث فأثمر الفواكه البدريه، وطلع بدر كمالها من المغرب فسلمنا لمعجزاتها المحمديه، وجرى لسان البلاغة في ثغرها فسما على العقد بنظمه المستجاد، وأنشد لا فضّ الله فاه وقد ابتسم عن محاسنه التي لم يخلق مثلها في البلاد: [من الوافر]
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدهر ابتسام
فأكرم به مورد فضل ما برح منهله العذب كثير الزحام، ومدينة علم تشرّفت بالجناب المحمدي فعلى ساكنها السلام. ومجلس حكم ما ثبت لمدّعي الباطل به حجّه، وعرفات أدب إن وقفت بها وقفة صرت على الحقيقة ابن حجّه. وأفق معال بالغ في سموّ بدره فلم يقنع بما دون النجوم، وميدان عربية يجول فيه فرسان الفصاحة من بني مخزوم. وتالله ما لفرسان الشقراء والأبلق في هذا الميدان مجال، وإذا اعترفوا بما حصل للفارس المخزومي عندهم من الفتح، كفى الله المؤمنين القتال.
وينهي بعد أدعية ما برح المملوك منتصبا لرفعها، وتغريد أثنية ما لسجع المطوق في الأوراق النباتية حلاوة سجعها، وأشواق برّحت بالمملوك ولكن تمسّك في مصر بالآثار:
[من الوافر]
وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار
وصول المملوك إلى مصر محتميا بكنانتها وهو بسهام البين مصاب، مذعورا لما شاهده من المصارع عند مقاتل الفرسان في منازل الأحباب، مكلما من ثغر طرابلس الشام بألسنة الرماح محمولا على جناح غراب. وقد حكم عليه البين أن لا يبرح من سفره على جناح: [من مخلّع البسيط]
وكان في البين ما كفاني ... فكيف بالبين والغراب
يا مولانا لقد قرعت سنّ هذا الثغر بأصابع السهام، وقلع منه ضرس الأمن ولم يبق له بعد ما شعر به البين نظام، وكسرت الحرب بين ثناياه عن أنياب، واقتلعنا منه مع أنهم لم يتركوا لنا فيه ثنيّة ولا ناب، وأمست شهب الرماح قافية على آثارنا والسابق السابق منا الجواد، ولزمت الرّويّ من دمائنا لأن لا يظهر لقافيتها عند نظم الحرب سناد، وفسد انسجام تلك الأبيات المنظومة على ذلك البحر المديد، وبدّلت جنتها بنار الحرب التي كم
تقول لها: «هل امتلأت؟» وتقول: «هل من مزيد؟» ، ونفذ حكم القضاء وكم جرّح خصم السيف في ذلك اليوم شهودا، واتصل الحكم بقضاة القضاة فلم يسلم منهم إلا من كان مسعودا، ووقع غالبنا في القبض من عروض حربهم الطويل، وتبدّلت محاسن طرابلس الشام بالوحشة فلم نفارقها على وجه جميل. * وتالله لم يدخلها المملوك في هذه الواقعة إلا مكرها لا بطل * (1) ، وكم قلت لسارية العزم لما كشفت لي عن ضيق سهلها: «يا سارية الجبل» (2) . ورام المملوك أن يتنصّل من انتظامه في هذا السلك جملة كافيه، فقال له لسان الحال عند نظم هذه الكاينة: «جرّتك القافيه» ، ولم يطلق المملوك عروس حماته إلا جبرا أظهر به كسره، والعلوم الكريمة محيطة كيف يكون طلاق المكره.