من الله سبحانه بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء ، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء . ألا ترى أن الصديق لما تصدق بجميع ماله لم ينكر عليه علمًا منه بيقينه وصبره ، ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب وقال: لا أملك غيره . فضربه بحيث لو أصابه عقره وقال فيه ما [ قال ] . قلت: الظاهر أن سبب غضبه لم يكن إتيانه بجميع ماله بل إفشاء سره وإظهار حاله بقوله: لا أملك غيره . مع الإِيماء إلى توهم السمعة والرياء والله [ تعالى ] أعلم . وفي شرح مسلم للنووي [ رحمه الله تعالى ] . قال المازري: احتج بعضهم به على أن التداوي مكروه ، ومعظم العلماء على خلاف ذلك واحتجوا بالأحاديث الواردة في منافع الأودية وبأنه تداوي ، وبأخبار عائشة رضي الله تعالى عنها عن كثرة تداويه وبما علم من الاستشفاء برقياه ، فإذا ثبت هذا حمل الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطبعها ولا يفوضون الأمر إلى الله تعالى . قلت: لا يصح حمل الحديث المذكور على القول المسطور ، فإنه صريح في أنهم من كمل الأولياء وخلص الأصفياء . فالصواب ما ذكره صاحب النهاية من أن الأولى في حق أهل الهداية إنما هو عدم تعاطي الأسباب غير العادية ، وإن كان جاز هذا للعوام وباب البداية ، ويحمل فعله في المعالجة بالأدوية على اختيار الرخصة رعاية لعامة الأمة ، أو على مرتبة جمع الجمع المشهور عند الصوفية من أن مشاهدة الأسباب وملاحظة صنائع رب الأرباب هو الأكمل والأفضل عند الكمل فتدبر وتأمل . ولعل الحديث مقتبس من أحد معنيين في قوله تعالى: 16 ( { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ) [ الزمر 10 ] والله تعالى أعلم بالصواب ( متفق عليه ) .
( 5296 ) ( وعنه ) أي عن ابن عباس ( قال: خرج رسول الله يومًا فقال: عرضت علي ) أي أظهرت لدي ( الأمم ) أي مع أنبيائهم ( فجعل يمر النبي ) التعريف فيه للجنس وهو ما يعرفه كل أحد أنه ما هو ، فهو بمنزلة النكرات ذكره الطيبي [ رحمه الله ] فالمعنى: أنه يمر نبي منهم عند العرض علي ( ومعه الرجل ) أي الواحد من أتباعه ليس له تابع غيره . ( والنبي ومعه الرهط ) . ( وليس معه أحد ) أي لا من الرجال ولا من النساء . والمراد من النبي هنا الرسول [ عليه الصلاة والسلام ] المأمور بالتبليغ ، وقيد الرجولية واقعية غالبية أو قضية مثالية . والمراد الواحدة ، والتثنية والجمعية . ( فرأيت ) أي من أمامي ( سوادًا كثيرًا ) أي جمعًا عظيمًا وفوجًا جسيمًا ( سد الأفق ) أي ستر طرف السماء بكثرته