فها أنت قد عرفت معنى الإكراه، والحكام ليسوا داخلين في معنى الإكراه قطعًا، لأنهم ليسوا تحت قبضة العدو مباشرة، ولأنهم يستجيبون لأوامر الكفار حماية لكراسيهم، ولأنهم يبذلون كل وسعهم في طاعة الكفار زيادة على ما أمروهم به ليُظهروا لهم كمال العبودية والطاعة، فوصفُهم بالمكرهين لا يستقيم شرعًا ولا عقلًا، ولكنهم بين حالين:
ـ إما عميل خائن ينفذ مخطط الكفار باختياره ورضاه.
ـ وإما خائف من زوال حكمه وذهاب سلطانه، فيدفعه الخوف إلى موالاتهم ونصرتهم.
وفرقٌ بين الخوف الإكراه، وإن كان غلب على ظنهم قدرة العدو عليهم فإنّ هذا ليس بإكراه وإنما هو خوف، والخوف لم يكن عذرًا للكفار الذين استضعفوا وكفروا خوفًا من أسيادهم.
وحال هؤلاء الحكام كحال المنافقين الذين ذكرهم الله في آيات النهي عن موالاة الكفار، قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين* فترى الذين في قلوبهم مرض يُسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ... } الآية.
فذمّهم الله تعالى لمسارعتهم في موالاة الكفار مع كونهم إنما فعلوا ذلك لخوفهم الدوائر، ولم يجعل سبحانه خوفهم عذرًا لهم، بل بين سبحانه في الآية التي بعدها بأن أعمالهم حبطت وأصبحوا خاسرين، ثمّ في الآية التي تليها ذكر سبحانه المرتدين، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والمقصودون بآية الردة هم المقصودون بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى.
وعلى هذا فهؤلاء الحكام ليسوا مكرهين لعدم وجود صفة الإكراه المعتبرة، وإنما هم عملاء موافقون للكفار ومتواطئون معهم على حرب الإسلام والمسلمين أو خائفون، والخوف عند العلماء ليس مبررًا لارتكاب المحرّم فضلًا عن ارتكاب الكفر.
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات: الآية الثانية قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) فلم يعذر الله تعالى من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله أو فعله على وجه المزاح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره. اهـ
وقال عند قوله تعالى:) من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) إلى آخر الآية وفيها: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) فإذا كان العلماء ذكروا: أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة وذكروا: أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفًا منهم أنه كافر بعد إيمانه فكيف بالموحد في زماننا إذا تكلم في البصرة أو الأحساء أو مكة أو غير ذلك خوفًا منهم لكن قبل الإكراه". [الدرر السنية 10/ 8] ."