فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 321

ونحن في هذا المقام لسنا بصدد تفنيد الأباطيل والأكاذيب التي حشا بها البابا محاضرته المشهورة عن الإسلام والنبي - صلى الله عليه وسلم - فهي شبهات ممجوجة، وترهات سبق لكثير من العلماء الأفذاذ أن ردوا عليها، وأفحموا عباد الصليب وغيرهم فيها, ولكننا سنرد على هذا الدعي الكذاب شبهته التي حاول أن يعتذر بها عن إساءته المتعمدة للإسلام ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وذلك عندما قال: إن كلامي فهم بالخطأ, وإنني أريد من هذه المحاضرة أن أؤكد مفهوم نبذ العنف ضد الآخرين باسم الدين, وهو بذلك يريد أن يشوّه مفهوم الجهاد عند المسلمين، ودوره البارز في نشر الإسلام وهداية البشر, ووصمه بالوحشية والتعصب, وردنا على هذه الفرية لا يكون بذكر منزلة الجهاد وقدره في الإسلام وأهدافه ودوافعه فهي أمور قد قتلت بحثًا وتصنيفًا, وإنما يكون كشف زيف هذه الدعوى من الدعي بييندكت بكشف الدور التاريخي والبارز لكرسي البابوية في شن الحملات الصليبية ضد العالم الإسلامي من ألف سنة وحتى الآن.

أصل الحروب الصليبية:

ترجع فكرة الحروب ذات الطابع الديني الخالص لكرسي البابوية التي أضفت على الصراع الخالد بين المسلمين والنصارى صفة الصليبية المتعصبة, وخلال هذا الصراع الطويل برز العديد من الباباوات الذين كان لهم دور بارز في تأجيج المشاعر العدائية ضد الإسلام والمسلمين تمثلت في حملات صليبية عالمية على الأمة المحمدية منهم ما يلي:

· البابا حنا العاشر:

يعتبر البابا حنا العاشر [914 - 928] أول من نادى بطرد المسلمين من الحوض الغربي للبحر المتوسط؛ بدءًا بجنوب إيطاليا وجزر البحر المتوسط وجنوب غربي فرنسا ثم إسبانيا, وهي الفترة التي كانت دولة الإسلام في الأندلس وقتها في أوج قوتها ومجدها تحت قيادة عبد الرحمن الناصر أول من تلقب بأمير المؤمنين في الأندلس, وكان البحارة المسلمون وقتها أيضًا مسيطرين على حوض البحر المتوسط، وفتحوا الكثير من الجزر، وهددوا روما نفسها بغارات قوية كادت واحدة منها أن تفتح روما وذلك سنة 324 هجرية, وكانت البابوية وقتها في حالة صراع مرير ضد الإمبراطور أوتو الكبير عطلت دعوات حنا العاشر وخططه نحو شن حرب صليبية ضد المسلمين.

· البابا إسكندر الثاني:

يعتبر إسكندر الثاني [1061- 1073] أول من استخدم فكرة صكوك الغفران كورقة لتحميس الأوروبيين على حرب المسلمين, وذلك عندما دعاهم سنة 1063م - 455هـ لنجدة إخوانهم الأسبان في الأندلس من نير المسلمين, مع العلم أن المسلمين كانوا وقتها في أضعف حالاتهم تحت حكم ملوك الطوائف, وقد أسفرت هذه الدعوة عن واحدة من أشد المجازر البشرية روعة عندما شن نصارى أوروبا حربًا صليبية بقيادة قائد فرسان البابوية على مدينة بربشتر في شرق الأندلس سنة 1064م - 456هـ راح ضحيتها أربعون ألف مسلم ومسلمة، غير آلاف الأسارى من البنات والصبيان.

· البابا جريجوري السابع:

يعتبر البابا جريجوري السابع هو أكبر وأهم من تولى منصب البابوية في التاريخ الكنسي كله, وهو مؤسس فكرة الحملات الصليبية الشهيرة على العالم الإسلامي بالشام ومصر, وقد تولى البابوية خلفًا لإسكندر الثاني سنة 1073م - 466هـ, وهو بالمناسبة ألماني الأصل, وكانت ولايته للبابوية نقطة تحول فاصلة في حياة البابوية, إذ أصبح البابا من عهده هو سيد العالم النصراني، وسيد أوروبا المطلق، وصاحب السلطة الأكبر والأهم على نصارى العالم القديم, وقد أثبت ذلك في صراعه ضد الإمبراطور هنري الرابع الذي اضطر للتوجه إلى قلعة كانوسا حيث مقر إقامة البابا جريجوري السابع طلبًا لمغفرة البابا وصفحه بعد أن ثار عليه شعبه وقواده, وإمعانًا في إظهار السيادة والقوة تركه جريجوري ثلاثة أيام حافيًا عاري الرأس على الجليد حتى يرضي عنه, هذا البابا أول من أشعل الحملات الصليبية على الأمة الإسلامية, ولكن العمر لم يطل ليشهد انطلاق هذه الحملات حيث هلك سنة 1088م، وترك ذلك لتلميذه النجيب أوربان الثاني.

· البابا أوربان الثاني:

وقد أخذ على عاتقه إدخال الحملات الصليبية موضع التنفيذ, وقد قام بجولة أوروبية واسعة لحشد الرأي العام، واستثارة الهمم الصليبية من أجل ذلك, ثم دعا لمؤتمر مصيري في كليرمونت بفرنسا في 27 نوفمبر سنة 1095م, وفيه أطلق صيحته الشهيرة [إنها إرادة الرب] , وأمر كل مسيحي ومسيحية بالخروج لنجدة القبر المقدس من أيدي الكفرة [يعني المسلمين] ، ثم أفاض في حديث مليء بالكذب والأباطيل عن الاضطهادات التي يتعرض لها النصارى والحجيج ببلاد المسلمين, فأدى ذلك لاشتعال روح حماسية عارمة بأوروبا نحو حرب المسلمين، والخروج إلى بلادهم, وقد أرسل أوربان أحد الرهبان المتعصبين واسمه بطرس الناسك, وكان ذا موهبة خطابية فائقة, فطاف أوروبا بأسرها يدعو النصارى لمحاربة المسلمين, ونتيجة لخطب ومواعظ بطرس الناسك الحماسية والمليئة بالمؤثرات من بكاء وعويل وأكاذيب خرج مئات الآلاف من نصارى أوروبا استجابة لنداء البابا، ورغبة في المغفرة ودخول الجنة بزعمهم, وذلك بلا نظام ولا ترتيب ولا قيادة, وهي الحملة المعروفة باسم حملة الرعاع والتي أبادها السلاجقة، ومؤرخو أوروبا يغفلون ذكر هذه الحملة ولا يعدونها من ضمن الحملات الصليبية، ثم تلت هذه الحملة الفاشلة حملة الأمراء وكان معظمهم من فرنسا، وقدرت بمليون مقاتل صليبي وذلك سنة 1099م - 490 هـ, وهي الحملة التي تنجح في إقامة أربع إمارات صليبية بالشام وذلك بطرابلس وأنطاكية وبيت المقدس والرها وذلك بعد سفك دم قرابة المليون مسلم ومسلمة، والجدير بالذكر أن أوربان الثاني قد هلك قبل أن يفرح بنجاحات الحملة بأرض الشام.

· البابا أوجينيوس الثالث:

وكان يعتلي كرسي البابوية سنة 1144م - 539 هـ عندما استطاع الأمير المجاهد عماد الدين زنكي أن يفتح الرها، فأصدر أوجينيوس الثالث مرسومًا داعيًا أوروبا لحملة صليبية جديدة على بلاد الإسلام للثأر للدين الحق بزعمه! وقد أطلق على هذا المرسوم عنوان [قدر الأسلاف] , وبالفعل استجاب لويس السابع وكويزاد الثالث ملكا فرنسا وألمانيا لنداء البابا، وشنا الحملة الصليبية الثانية والتي تحطمت على أبواب دمشق سنة 543 هـ - 1148م.

· البابا باسكوال الثاني:

وهو الذي أنشأ جماعة فرسان المستشفى والمعروفة في المراجع العربية بالإسبتارية وذلك سنة 1113م - 509 هـ، وكانت في البداية رعاية مرضى حجاج بيت المقدس وخدمتهم، ثم تحولت لجماعة حربية شديدة البأس والتعصب تحت قيادة الراهب الإيطالي جيرار الملقب بحامي فقراء المسيح.

· البابا كالكتس الثاني:

وهو الذي أنشأ جماعة فرسان معبد سليمان أو الداوية كما هو معروف في المراجع العربية, وكانت مهمتهما حماية طريق الحجاج، وهذه الجماعة من أشد الجماعات الصليبية تعصبًا وحقدًا على المسلمين وحماسة في قتالهم، وهذه الجماعة وسابقتها عملت على تنمية الروح الصليبية الخالصة، ونشر فكرة التطوع، ونذر النفس لمحاربة المسلمين، وكانت تقوم على فكرة المزج بين الرهبنة والجندية, ومعظم فرسانها من الرهبان والقساوسة, وكان المسلمون إذا ظفروا بأي أسير من هاتين الجماعتين قتلوه فورًا لكثرة جرائمهم ووحشيتهم ضد المسلمين، وكانت هاتان الجماعتان تحت الإشراف المباشر لبابا روما, ولهما من الامتيازات والإقطاعات ما يكفيهم عن العمل والتفرغ لقتال المسلمين.

· البابا جريجوري الثامن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت