فـ (الأظفار) مُستعارةٌ لأمرٍ متخيَّل؛ وذلك أنَّه لِمَّا شُبِّهَت المنيَّة بالسَّبُع في الاغتيال، أخذ الوهم في تَخييلها وتصويرها بصورة السَّبُع، واختراع لوازمه لها، فاخترع لها مثل صورة أظفارٍ ثُمَّ أُطْلِق على ذلك المثَل لفظ (الأظفار) إذًا: تَخيَّل أنَّ المنيَّة مثل السَّبُع في الاغتيال، كما أنَّ السَّبُع يهجم ويغتال دون نظرٍ ودون مقدِّمةٍ كذلك المنيَّة تغتال، حينئذٍ سوَّى بينهما فأثبت للمنيَّة ما أُثْبِت للأصل وهو السَّبُع من جهة الأظفار.
وهذا على سبيل الاستعارة التَّصريحيَّة والقرينة إضافتها للمنيَّة، بمعنى: أنَّه لَمَّا أضافها إلى المنيَّة (أَنْشَبت المَنِيَّةُ أَظْفَارَهَا) يعني: نسبها إليها، علمنا أنَّ المراد هنا بالمنيَّة: أنَّها مُشبَّهةٌ بالسَّبُع وليس لها أظفارٌ حقيقةً.
(كَذَا رَأَوْا) أَيْ: مِثْلَ ذَا رَأَوْا، (رَأَوْا) هذا تتميمٌ: رَأَوْا مِثْلَ ذَا، أي المذكور في كونه معنىً ثابتًا بحسٍّ أو عقلٍ، وأطلقوا عليه: أنَّه تحقيقيَّة، ومن جهة المفهوم على اعتبار الشَّارح أطلقوا عليه أنَّه تخييليَّة.
كَأَشْرَقَتْ بَصَائِرُ الصُّوفِيَّةْ ... بِنُورِ شَمْسِ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةْ
(كَأَشْرَقَتْ) أي: كقولك أو كقولهم، وهذا مثال للاستعارة التَّحقيقيَّة المتحقِّقٌ معناها عقلًا، إذ المستعار منه الاستنارة بالنُّور المحسوس (أَشْرَقَتْ) الأصل يُقال: أَشْرَقَتْ الشَّمْسُ، طَلَعت وأضاءت على الأرض، وأَشْرَق وجهه: تلألأ حسنًا هذا الأصل فيه، حينئذٍ فيه استنارة بالنُّور المحسوس، وهنا نقول: مُتحقِّقٌ معناها عقلًا، إذ المستعار منه، أي: المعنى الَّذي اسْتُعِير منه لفظ الإشراق: الاستنارة بالنُّور المحسوس، يعني: ثَمَّ نورٌ محسوس وهو إضاءة الشَّمس يُسْتَنار به، وهذا شيءٌ مُدْرَكٌ بالبصر.
والمستعار له انْشِراح الصَّدر واتِّساعه، وهو أمرٌ مُحَقَّقٌ عَقَلًا، فالأوَّل مُحقَّقٌ بالحس، والثَّاني مُحَقَّقٌ بالعقل، إذًا: لم تَخرج عن كونها مدركةً بحسٍّ أو عقلٍ، وكذا الشَّمس في قوله:
بِنُورِ شَمْسِ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةْ ..
فإنَّ المستعار له المعارف الرَّبَّانيَّة .. (بِنُورِ شَمْسِ الحَضْرَةِ) استعار الشَّمس هنا من كونها تُضِيء وَتُشْرِق، استعاره للمعارف الرَّبَّانيَّة يعني: المنسوب إلى الرَّبْ فهي مستعارةٌ لمعنىً متحقِّقٍ عقلًا، والمعنى كما قال المُحَشِّي:
انْشَرحت واتَّسعت قُلوب الصُّوفيَّة بنور معارف مكان الحضور والشُّهود، وهو الكيفيَّة الَّتي تقتضي وجود المعرفة، وهي حالة المطَهَّرين من رعونات النَّفس.
إذًا: الاستعارة تنقسم إلى نوعين، وهذا سبق مُدرَجًا فيما سبق، لأنَّنا قلنا: وجه الشَّبه، وكذلك المستعار، وكذلك المستعار منه، والمستعار له، قد يكون مُدركًا بحسٍّ، وقد يكون عقليًَّا كما مضى، وكذلك وجه الشَّبه قد يكون حِسيًَّا وقد يكون عقليًَّا، وقد يكون مختلفًا بين هذا وذاك، حينئذٍ ما ذُكِر فيما سبق من كون المعنى ثابت من جهة الحسِّ والعقل ويسمى: تحقيقيَّة مع كونه حسيَّة عقلية، وما كان مدركًا لا بذا ولا بذاك حينئذٍ تسمى: تخييليَّة، والأمثلة السَّابقة تُذْكر لِمَا ذُكِر هنا.