فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 209

أن الآلات والمواد الصناعية هي أساس المال وخلق الثروة وتداولها؛ وبالتالي اتصف هذا الاتجاه كسابقه بإمكانية ملامسة هذا المال وتداوله. لتحل بعد ذلك فترة اتسمت فيها الأنظمة الاقتصادية بغلبة الجانب الخدماتي على باقي الجوانب لينتقل فيه النظر-التركيز- من الجانب المادي البحت إلى الجانب اللامادي ثم حلت بعد ذلك تكنولوجية المعلومات (عصر المعلومات) فحولت المال والتجارة من أنشطة مادية محضة تتم ضمنها عملية تبادل للسلع والأوراق المالية إلى أنشطة يتحكم فيها منطق المعلومات الرمزية. [1]

معنى ذلك أن الثورة التي عرفتها تكنولوجيا المعلومات لم تحقق ثورة نوعية في مجال جمع وتخزين، وبث ومعالجة المعلومات وتسريع عملية الاتصال فحسب، بل أوجدت حركية دائمة في سوق المال، فلم تعد الأصول المادية التي تمتلكها الشركة هي التي تحدد قيمتها عند البيع، ولا حتى مبانيها وكبر مصانعها، بل أصبحت صلاتها وقوة تسويقها ومبيعاتها والقدرة التنظيمية لإدارتها والأفكار التي تدور في أدمغة مستخدميها هي التي تحدد قيمة الشركة وقوتها فالثروة الحقيقية أضحت رمزية والنقود هي المظهر الشكلي للمال.

إن نقود اليوم عبارة عن آحاد وأصفار تبثها الأسلاك أو الموجات المتناهية القصر أو الأقمار الاصطناعية، أي أن النقود تنازلت عن مكانتها وفضائها للنقود الإلكترونية فحسب توفلر"نقود الموجة الأولى (عصر الزراعة) المكونة من المعادن، كان محتواها من المعرفة ضئيلا، أما نقود الموجة الثانية (العصر الصناعي) والمكونة من الأوراق المطبوعة -ملموسة أيضا- فتأتي من المعرفة الجماعية للقراءة والكتابة، بينما نقود الموجة الثالثة (عصر ما بعد الصناعي) والمكونة من نبضات إلكترونية سريعة التلاشي عبارة عن معلومات وبالتالي معرفة محضة. [2] "

ثانيا: تكنولوجيا المعلومات ومفهوم العمل

تركيزنا هنا على مفهوم العمل لا يعني مُساءلتنا في تركيبته ومحدداته أو في مكانته داخل المعادلة الإنتاجية أو الدورة الاقتصادية، بل هو مساءلة لدور تكنولوجيا الإعلام والاتصال في حركية العمل لا كمفهوم إبستمولوجي جاف، ولكن كنشاط اقتصادي واجتماعي بتطور البنى الاقتصادية والاجتماعية ويواكب نشاطات المؤسسات الفاعلة في حلها وترحالها.

فلم تعد الأدبيات المهتمة بـ"إقتصاديات العمل"تتعامل مع العمل باعتباره عاملا متصلا يندمج بعوامل أخرى (الأرض ورأس المال خصوصا) في إطار معادلة خطية الهدف منها إنتاج سلعة معينة أو خدمة محددة كما لم تعد مصاريفه عبءً على المؤسسة ولا تكلفة يستحسن تقليصها وتحديد سقفها ويرجع ذلك لسببين:

(1) 1::يحي يحياوي، في العولمة والتكنولوجيا و الثقافة"مدخل إلى تكنولوجيا المعرفة"، (دار الطليعة، بيروت، لبنان،2002) ، ص 146.

(2) 2:نفس المرجع، ص 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت