فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 206

القرآن الكريم يمتاز بالإيجاز والإحكام, فإذا وقع حدث معين, ونزلت فيه آية كريمة, فإن هذه الآية لابد أن تكون كافية تامة مبينة بيانا شافيا لهذا الأمر الحادث, وليس هناك حاجة تدعو إلى نزول آيات ثانية. نعم إن كان السبب متشعب الجهات, فنزلت آيات تبين كل منها جهة من هذه الجهات فهذا أمر مقبول, ولكن ليس مما ذكروه شيء من هذا, فالسبب الواحد لا يحتاج إلى أكثر من نازل واحد؛ لأن هذه الآية ذات بيان لا تترك في النفوس ما يدعو إلى التساؤل عن هذا السبب الذي حدث.

ثم يختم الشيخ حدثيه عن هذه المسألة فيقول: إن تعدد النازل والسبب واحد, من القضايا التي تستدعي انتباهنا ونحن نكتب في هذا العلم العظيم, وتتطلب منا الحيطة والحذر, والقرآن الكريم كتاب الفصل والإحكام والبيان, إذا أجاب فإجابته القاطعة الجامعة المانعة, والله أعلم بما ينزل [1] .

ومما يؤخذ على الشيخ في إيراده لسبب النزول, ذكره للأقوال مجردة من الإسناد, ودون الإشارة إلى مصادرها, ومما يؤخذ عليه أيضا في هذا الباب, ذكره لبعض الروايات الواهية, والتي كان في غنى عنها, دون أن ينبه عليها, من ذلك:

عند قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) } التوبة. يقول: الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالًا, قال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه, فراجعه فقال: والذي بعثك بالحق نبيًا لئن رزقني الله مالًا لأعطين كل ذي حق حقه, فدعا له فاتخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدود وضاقت بها المدينة ونزل واديًا حتى انقطع عن الجمعة والجماعة، فسأل عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه وادي فقال: ويح ثعلبة, وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقين لأخذ الصدقة, فاستقبلهما الناس بصدقاتهم, ومرَّا بثعلبة وسألاه الزكاة, وأقرآه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي فيه الفرائض: فقال ما هذه إلاَّ جزية, ما هذه إلا أخت الجزية, وبخل بالصدقة, فلما رجعا قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يكلماه: يا ويح ثعلبة مرتين, فنزلت فجاء ثعلبة بالصدقة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله منعني أن أقبل منك, فجعل التراب على رأسه فقال - صلى الله عليه وسلم - هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني, ثم قبض - صلى الله عليه وسلم - وما قبل من ثعلبة وجاء بها إلى أبي بكر ولم يقبلها, وقبض أبو بكر وجاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها, وهلك في زمن عثمان [2] .

(1) "إتقان البرهان", ج 1 ص 279, 284, 287.

(2) التفسير: ص 252

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت