لكن تفسير الريب بالشك يقتضي أنهما بمعنى واحد, والصحيح أن هناك فرقا بينهما؛ فالشك:"اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما".
وفي الفرق بين الارتياب والشك قال أبو هلال العسكري: الارتياب شك مع تهمة, والشاهد أنك تقول إني شاك اليوم في المطر، ولا يجوز أن تقول إني مرتاب بفلان إذا شككت في أمره واتهمته [1] .
فالتعبير القرآني دقيق في استعمالاته اللغوية, لو نفى الشك عن القرآن الكريم لما انتفى عنه الريب, أما وقد نفى الريب عنه, علم انتفاء الشك عنه بطريق الأولى, وهذا من بلاغة القرآن العظيم العجيبة.
وإذ قد ذكرت الفرق بين اللفظين, يمكن القول إن كل ريب شك, وليس كل شك ريب.
وعند قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) } البقرة. قال: {ولكن الشياطين كفروا} باستعمال السحر. {يعلمون الناس السحر} ويقصدون به إغواءهم وإضلالهم. {وما أنزل على الملكين} عطف على السحر، أي يعلمونهم ما أنزل الله على الملكين.
(1) "المفردات في غريب القرآن", مادة شكك, ص 269. وانظر العسكري: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد"الفروق في اللغة", تحقيق جمال عبد الغني مدغمش, مؤسسة الرسالة بيروت, الطبعة الأولى, 1422 ه/2002 م, ص 149.