لقد كان القرآن الكريم قوّة الكلمة الخالدة المؤثرة التي قلبت الموازين وغيّرت المفاهيم, فحطمت أعراف الجاهلية, ودمّرت صرح الكفر, وزلزلت كيان الباطل, وأيقظت العقول السادرة ونبّهت القلوب الغافلة, وأحيت الضمائر الميتة, وأقامت الانسان على صراط الحقيقة.
وعندما انطلق به رسول الله يقرؤه على الناس داعيا اياهم الى هديه المبين, لم يكن من بلغائهم وعظمائهم وصناديدهم الا أن تطامنوا أمام قوة تأثيره, وخضعوا لسلطان عظمته, ودونك منهم الوليد بن المغيرة المخزومي الذي لما سمعه من رسول الله عاد الى المشركين ليقول لهم:"سمعت من محمد آنفا كلاما ليس بكلام بشر والله, وان عليه لطلاوة, وان له لحلاوة, وان أعلاه لمثمر, وان أسفله لمغدق, وانه ليعلو ولا يعلى عليه".
ودونك منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه, لما دخل على أخته فاطمة وختنه سعيد بن زيد ليؤدبهما بسبب دخولهما في الاسلام, فرأى صحيفة القرآن في يد اخته فلما أصبحت في يده, وقرأ فيها قوله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم * طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * الا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى * الرحمن على العرش استوى} , تطامن أمام عظمة كلام الله الحق, وخارت قواه, وسكن غضبه, وقال بلطف العبد الذي هدى الله قلبه للاسلام:"دلّوني على محمد", فكانت نهاية قسوة قلب أظلمته الجاهلية, وبداية رحمة قلب أشرق بنور الاسلام.
وهكذا استطاع القرآن أن يفتح مغاليق القلوب, فيبدّد عنها طلام الكفر, ويقلب واقع الانسانظهرا لبطن ليصبح انسانا آخر كأنما خلق من جديد, قال تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية الله} .