ولا يكون الداعي إلى الله كذلك إلاّ إذا تمثّلت الدعوة إلى الله تعالى في سيرته وحياته، قبل أن تكون على طرف لسانه وقوله، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: { .. وَعَمِلَ صَالِحًا .. } ، فكلمة الحقّ روحها العمل الصالح، الذي يصدّقها، ويزكّي قائلها، ويكون ترجمة أمينة لحقائقها.
وإنّ الناس بفطرتهم يتأثّرون بالأسوة الحسنة، والسيرة العمليّة أضعافًا مضاعفة عن التأثّر بالقول النظريّ، والدعوة بالكلام، وكم أساء بعض العابثين اللاهين، المنحرفين من المسلمين في الغرب إلى دينهم، فكان سلوكهم صدًّا عن سبيل الله، وكانوا عقبة كئودًا أمام دعوة الحقّ، وصورة مشوّهة عن هذا الدين، شعروا بذلك أم لم يشعروا، وأدركوا خطر سلوكهم أم لم يدركوا.!
وكم كانت المعاملة الحسنة، والكلمة الطيّبة، والسلوك القويم، والأخلاق الكريمة، والموقف الأمين الصادق، المعبّر عن مبادئ الحقّ وقيمه، دون أن يعلن الإنسان الدعوة المباشرة إلى دين الله، ويفرّغ وقته وجهده لذلك .. كم كان ذلك سببًا في ترغيب الناس بالإسلام، وإقبالهم على دين الله تعالى، يحرصون على التعرّف عليه، ويسارعون إلى الإيمان به.!
ولو نظرنا في أحوال أمّة الإسلام لرأينا أنّها مقصّرة تقصيرًا فاحشًا بحقّ الدعوة إلى الله تعالى منذ قرون، إذ انكفأت على نفسها، ونسيت الرسالة التي بعثت بها، حتّى انحسر العلم، وانتشر الجهل، وراج فيها الاشتغال بتوافه الأمور، وما لا ينفع ولا يرفع، ممّا جرّأ عليها أعداءها، فغزوا شبابها في عقر دارهم بفكرهم وكفرهم، وشتّى ضلالاتهم .. ووجّهوا سهامهم بالدس والتشويه، والزور والافتراء، إلى هوّيّتها الحضاريّة، وتاريخها الزاهر، وأخصّ خصائصها العقديّة والفكريّة، كيلا تستطيع النهوض، ولا تقوم لها قائمة ..