فيما هذا سبيله:
عَلَيْكَ بالعِلْمِ واهْجُرْ كلَّ مبْتَدَعٍ ... وكلَّ غاوٍ إلى الأهواءِ مَيَّالُ
ولا تُميلُوه يا هذا إلى بِدَعٍ ... يُضلّكَ أصحابُها بالقِيلَ والقال
إِنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ أَنْزَلَهُ ... ليسَ القرآنُ بمخلوقٍ ولا بال
لو أَنَّهُ كانَ مخلوقًا لصَيَّرَهُ ... رَيْبُ الزمانِ إلى موتٍ وإبطال
وكيف يبطُلُ ما لا شيء يُبطلُهُ؟ ... وكيفَ يَبْلَى كلامُ الخالقِ العالي؟
فلا تَقُلْ بالذي قالوا وإِنْ سَفَّهوا ... وأَوْثَقُوكَ بأَقْيَادٍ وأغْلال
واصْبِرْ على كلِّ ما ياتِي الزمانُ به ... فالصبرُ سِرْباله مِنْ خيرِ سِرْبالِ أهـ
وقد اشْتَهَرَتْ هذه العقيدة عن الإمام أحمد من غير وجهٍ، بحيثُ يُسْتَغْنَى بشهرتها عن الاستطراد في حكايتها.
ومحنتُه رحمه الله في ذلك معلومةٌ للكافة؛ حتى قال الإمام عليُّ بن المَدِيني رحمه الله: «أَيَّدَ اللهُ هذا الدين برجُلين لا ثالث لهما: أبو بكرٍ الصديق يوم الرِّدَّة، وأحمد بن حنبل في يوم المِحْنَةِ» [1] .
بل قال المَيْموني [2] : «سمعتُ عليَّ بن المديني يقول: ما قام أحدٌ في الإسلام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قام أحمد بن حنبل.
قال [3] : قلتُ له: يا أبا الحَسَن [4] ! ولا أبو بكرٍ الصديق؟ قال: ولا أبو بكرٍ الصديق؛ إنَّ أبا بكر الصديق كان له أعوانٌ وأصحاب، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوانٌ ولا أصحاب» أهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
«وصار الإمام أحمد عَلَمًا لأهل السنة الجائين بعده مِن جميع الطوائف، كلهم يوافقه في جمل أقواله وأصول مذاهبه؛ لأَنَّه حَفِظَ على الأمة الإيمانَ الموروث، والأصول النبوية، ممن أرادَ أن يُحَرِّفها ويبدِّلها، ولم يشرع دينًا لم يَاذَن الله به، والذي قاله هو الذي يقوله سائر الأئمة الأعيان، حتى إِنَّ أعيان أقواله منصوصة عن أعيانهم؛ لكن جمع متفرّقها، وجاهَدَ مخالفها، وأَظْهَرَ دلالة الكتاب والسنة عليها، ومقالاته ومقالات الأئمة قبله وبعده في الجهمية كثيرة مشهورة [5] » أهـ
(1) «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (1/ 13) .
(2) المصدر السابق (1/ 17) .
(3) يعني: الميموني رحمه الله.
(4) وهو علي بن المديني رحمه الله.
(5) «مجموع الفتاوى» (12/ 358) .