فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 213

وقال: «صفاتُ الله جل وعلا لا تُكَيَّفُ، ولا تُقَاسُ إلى صفات المخلوقين، فكما أنَّ الله جل وعلا مُتَكَلِّمٌ مِنْ غيرِ آلةٍ بأسنانٍ وَلَهَوَاتٍ ولسانٍ وشفةٍ كالمخلوقين، جلَّ ربنا وتعالى عن مِثْل هذا وأشباهه، (ولم) [1] يَجُزْ أنْ يُقَاسَ كلامُهُ إلى كلامِنا؛ لأنَّ كلامَ المخلوقين لا يُوجد إلا بآلاتٍ، والله جل وعلا يتكلَّم كما شاء بلا آلةٍ، كذلك ينزل بلا آلةٍ، ولا تَحَرُّكٍ، ولا انتقالٍ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، وكذلك السمعُ والبصرُ، فكما لَمْ يَجُزْ أَنْ يقالَ: الله يُبْصِرُ كبصرنا بالأشفارِ والحَدَق والبياض، بل يُبْصِرُ كيفَ يشاء بلا آلة، ويسمعُ من غير أذنين، وسماخين، والتواء، وغضاريف فيها، بل يسمع كيف يشاء بلا آلةٍ، وكذلك ينزل كيف يشاء بلا آلةٍ، من غيرٍ أَنْ يُقَاسَ نزولُه إلى نزولِ المخلوقين، كما يُكَيَّفُ نزولهم، جَلَّ ربّنا وتَقَدَّسَ مِنْ أَنْ تُشَبَّه صفاتُه بشيءٍ مِنْ صفات المخلوقين» [2] .

وقال الإمام الخطيب البغداديُّ رحمه الله في كلامه على الصفات:

«مذهب السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها» .

قال الخطيب: «والأصلُ في هذا: أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، ويُحْتَذَى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أَنَّ إثبات ربّ العالمين - عز وجل - إنما هو إثبات وجودٍ، لا إثبات كيفية؛ فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجودٍ، لا إثبات تحديد وتكييف.

فإذا قلنا: لله تعالى يدٌ وسمعٌ وبصرٌ؛ فإِنما هي صفاتٌ أثبتها الله تعالى لنفسِه، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ولا أنَّ معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل.

ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأنَّ التوقيف وَرَدَ بها.

ووجبَ نفي التشبيه عنها؛ لقوله تبارك وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11] ، وقوله - عز وجل: {ولم يكن له كفوًا أحد} [الإخلاص:4] » [3] .

وقال في أقسام الأحاديث المروية في الصفات: «منها أخبارٌ ثابتةٌ أَجْمَعَ أئمةُ النقل على صحتها؛ لاستفاضتها وعدالة ناقليها، فيجب قبولها، والإيمان بها، مع حِفْظِ القلب أنْ يسبقَ إليه اعتقاد ما يقتضي تشبيه الله بخلقه، ووصفه بما لا يليق به من الجوارح والأدوات والتغيُّر والحركات [4] » أهـ

وقال الإمام الحافظ أبو القاسم الأصبهاني، المعروف بـ «قوام السنة» رحمه الله تعالى:

(1) كذا وقع في المطبوع من كتاب ابن حبان، ولعل المراد: «فلم» بالفاء، أو تكون الواو زائدة في هذا الموضع، والمعنى ظاهرٌ مِن السياق على كلِّ حالٍ؛ والله أعلم.

(2) السابق (3/ 200 - 201 رقم 920) .

(3) «الكلام على الصفات» للخطيب (ص/20 فما بعد ـ ط: مكتبة ابن تيمية) .

(4) السابق (ص/24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت