كان الشيخ من العبّاد، يحافظ على السنن، ويؤدي من النوافل ما شاء الله له أن يؤدي، صلاة، وقيامًا، وصيامًا .. كان يقوم الليل إلى قريب الفجر، يصلّي، ويستغفر، ويدعو، ويبكي، فقد كان سخي الدمعة، ويقرأ أوراده، ويبقى لسانه رطبًا بذكر الله، وكذلك عيناه المطفأتان.
وكان آية في حسن العبادة والتهجد .. لا تفتر عزيمته .. ولا تنثني همته .. وأعجب لرجلٍ لم يدع التهجد في سفر ولا في حضر.
وها هي السيارة تنطلق ذات مرة بهذا الإمام من الرياض إلى مكة أو العكس .. ولما أشارت عقارب الساعة إلى الثانية عشر من منتصف الليل .. قال الشيخ: ما رأيكم لو نِمنَا هنا ثم في الصباح نكمل السفر؟ فوافق الجميع .. إذ إن التعب قد بلغ منهم غايته .. والكل يريد أن يستريح .. وما أحلى النوم بعد التعب! فارتمى الجميع .. ليستسلموا لنومٍ هادئ .. ولكن هنالك رجل التمس راحةً غير راحة النوم .. ولذةً غير لذة النوم!. إنه: الإمام ابن باز!.
فها هو يطلب ماءً .. ويتوضأ .. ثم يقوم متهجدًا في صلاة يرجو ذخرها غدًا .. ويصلي الإمام العابد ما شاء الله له من الليل .. ثم ينام بعدها .. وكان العجب من نصيب أولئك النفر عندما قاموا إلى صلاة الفجر .. ليجدوا ذلك الإمام الذي تركوه قائمًا يصلي؛ فإذا بهم يرونه أيضًا مرة أخرى قائمًا يصلي!! .. . كان آخرهم نومًا وأولهم قيامًا!!.
وكان عالمًا يعمل بما علم، يخاف الله في سرّه وعلنه، فلا يترخّص لنفسه، بل يأخذها بالعزائم.
وكان الشيخ يكثر من الذكر والدعاء والبكاء لدى سماعه القرآن، أو سيرة أحد الصالحين، ويطيل البكاء وهو يروي أو يسمع حديث الخليفة الصديق: (من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات) .. وحديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك، وحديث أبي عبيدة والتمرات والحوت، وسواها من الحوادث في سيرة السلف الصالح.