فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 773

كان بعض نساء السلف يوصين أزواجهن عند خروجهم للعمل بالتماس الرزق الحلال ويقلن لهم: اتقوا الله فينا؛ فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار.

وهذا السموأل بن عاديا كان رجلًا مشهورًا بالوفاء، فقد ذُكر أن امرأ القيس الكندي لما أراد المضي إلى قيصر الروم أودع عند السموأل أدرعًا وسلاحًا، وأشياء تساوي ثلاثمائة ألف دينار، فلما قتل امرؤ القيس أرسل قيصر يطلبها من السموأل فامتنع وقال: لا أدفعها إلا لمستحقها ولا أغدر بذمتي، فقصده قيصر فتحصن السموأل، فأخذ قيصر ولدًا للسموأل من خارج الحصن، وقال: إما أن تدفع ما عندك وإلا قتلنا ولدك، فأبى فأخذوا ولده فقتلوه، ولم يسلِّم لهم ما عنده من الأمانة، ثم جاء أهل امرؤ القيس فدفعها إليهم، ثم قال السموأل مفتخرًا:

وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت

وقالوا إنه كنز رغيب .... ولا والله أغدر ما حييت

أيها المسلمون، إن من صور الخيانات اليوم: المتاجرة بالأوطان المسلمة وثروات شعوبها، والأوفياء من قادة المسلمين وولاة أمرهم لا يستخدمون بلاد الإسلام سلعة للمتاجرة مهما أُعطوا. فإن فعلوا فالتاريخ لن يرحمهم، والشعوب لن تسامحهم، والله تعالى لهم بالمرصاد.

أما أهل الشمم والشهامة من ساسة المسلمين فهم حراس دين شعوبهم ودنياهم لا يمكن أن يبيعوا من تراب المسلمين لأعدائهم شبرا. وهذا التاريخ يذكر لنا موقفًا مضيئًا للسلطان العثماني عبد الحميد رحمه الله حينما عرض عليه هرتزل اليهودي إغراءات مالية ليتنازل عن فلسطين فكان جوابه رحمه الله:"لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدة من فلسطين؛ لأنها ليست لي بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بدمائهم، وسوف نحميها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها". الله أكبر ما أعظمها من روح، وأعزها من نفس حينما صغرت الدنيا في عينيها، وأبت إلا الوفاء والبقاء على هام العزة والكبرياء، ولم تستجب لنداءات الخيانة التي تمد بساط الدنيا أمام رغباتها فتطويها بأيدٍ لا تعرف الهوان. هؤلاء هم الزعماء الذين تكتب سيرهم من نور، ويستعذب الحديث عنهم وهم في طوايا القبور.

عباد الله، إن بيع الدين والأخلاق الحميدة والأرض المسلمة: برها أو بحرها أو جوها لأعداء الأمة جريمة كبيرة هلك بسببها أفراد وشعوب، وأورث البلدان المسلمة نقمًا وشتاتًا، وزرع بينهم الإحن والأحقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت