الصفحة 16 من 28

والتفرقة بين هذه الأقسام تحتاج إلى الإطلاع على نتائج البحوث العلمية التي تعين الإنسان على معارف مراحل الخلق، وتحتاج بعض التأمل والتفكر. فالقسم الثاني نقرأ فيه أن الله تعالى أعد لنا الأرض للحياة، وهيأها لتكون مستقرا وقرارا لنا، وجعلها لنا مهدا، ووضعها للأنام، وجعلها لنا كفاتا (أي تضمنا وتجمعنا) ، وبساطا، و ذلولا، وفراشا، وهو الذي مدها وسطحها لنا. وفى كل هذه الآيات تأتي الأفعال تتلوها كلمة لكم، أي بالنسبة لما يراه ويتصوره الإنسان. أما (ما دحاها) ، و (ما طحاها) ، فهي أفعال تدل على كيفية خلق الأرض. ولذا لا يجب أن نربط بين دحو الأرض وشكلها الحالي الذي يبدو لنا - نحن البشر. ولكي نفهم كيفية الخلق، بطريقة أعمق وأصوب وأكثر ملائمة للوصف القرآني، فمن الضروري الاطلاع على نتائج البحوث العلمية وفهمها فهما دقيقا؛ وبذلك تزداد معرفتنا للدلالات العلمية للألفاظ القرآنية.

إن الصانع عز وجل يريد أن يُعَلِم الإنسان كيف صنعت الأرض، فيختار أسلوبا تعليميا عَلِمَ سبحانه أننا نحن البشر سوف نكتشفه لاحقا. وعلم سبحانه أن الإنسان قادر على خلافة الأرض"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"، وهو سبحانه الذي علمه الأسماء كلها، وأمره بالتفكر في آياته والتحقق في طبيعة ظواهر الكون. إن رسالته الخاتمة تنطق بذلك، يقول جل من قائل: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا {الإسراء: (36) } ويقول تعالى، حاثا البشر على التحقق من كيفية الصنع،"أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ { (17) } وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ { (18) } وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ { (19) } وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ { (20) الغاشية} إذا فالبحث العلمي فريضة قرآنية، ولا مشكلة إطلاقا أن تغيب عنا الحقيقة بعض الوقت، أثناءها لا يجب أن نفقد الإيمان بصدق القرآن، بل يجب أن يظل إيماننا ثابتا لا يتزعزع. وبالنسبة لفهمنا للقول الكريم"والأرض بعد ذلك دحاها"إن الله سبحانه وتعالى استعمل الجذر الذي له المعنى المحوري للفعل الثنائي الذي تكون في اللسان العربي، واستعمله العرب في مرحلة سابقة من مراحل تطور اللسان العربي للتعبير عن البسط بالفعل دحا، أي إن الأرض كانت في بدأ تكونها قطعة من غاز وغبار كقطعة العجين فبسطها رب العالمين كما يبسط الخباز الفرذدقة. هذا الوصف هو وصف الحالة الأولية، عندما بدأت الأرض في التشكل. وبعبارة أخرى فإن فعل (دح الأرض) يصف المرحلة الأولى للخلق، وليس المرحلة اللاحقة، والتي هي عليه الآن بعد ملايين السنين استغرقتها في التكون. إن شكل الأرض الذي نراه الآن هو كروي، و يبدوا ذلك جليا في الصور التي أخذت من الفضاء للأرض. ولقد ثبت أيضا كيف تكون النظام الشمسي، ويقصد بالنظام الشمسي؛ الشمس ومجموعة كواكبها التي تدور حولها بما فيهم الأرض."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت