وإذا كان مراده صرف بعض ظاهره مع بقاء أكثر أفراد الظاهر: فالتأويل أو التفسير= لم يخرجه عن كل الظاهر ولا أكثره، ويصح أن يطلق عليه مع استثناء القليل أنه ظاهر اللفظ.
الوجه الثالث عشر: أن قاعدة السلف في إجراء اللفظ على ظاهره يراد بها عند وجود الظهور في اللفظ المفرد أو المركب سواء كان عرفا أو وضعا وخلوه من المعارض المنفصل الراجح كسائر القواعد، ولو لم يشترط وجود الشيء وأسبابه وانتفاء موانعه لما صحت قاعدة قط.
الوجه الرابع عشر: أنه قد يظهر للسامع للكتاب والسنة ما ليس بظاهر في نفس الأمر؛ إما لغفلة، أو ضعف في اللغة، أو فساد في الذوق، أو نحو ذلك من الأسباب؛ فيبين له أن هذا ليس بظاهر في حقيقة الأمر بدلائل أخرى من الكتاب والسنة [1] .
الوجه الخامس عشر: أن صرف الظاهر قد يُحمل على التسليم الجدلي؛ لأن ابن تيمية قال: (وإن سمي تأويلا أو صرفا لظاهره) ، نحو أن يقال: هب أن هذا هو ظاهر الآية غير أنه وردت آيات أخرى أوضحت المراد وبينته أظهر منها: فتصرف تلك عن ظاهرها؛ وذلك أن طائفة غلت في الظواهر وأثبتوا منها التشبيه إمعانًا في مضادة أهل البدع الذين نفوها خشية التشبيه، وهؤلاء متفقون على أن ظواهر النصوص تفيد التشبيه، قال ابن قتيبة [2] : (ولما رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء في النفي عارضوهم بالإفراط في التمثيل فقالوا بالتشبيه المحض، وبالأقطار والحدود، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث على ظاهرها، وقالوا بالكيفية فيها) ، فهذه الظواهر في أذهانهم ليست هي ظواهر في نفس الأمر لمن استقام لسانه، وصح جنانه؛ إذ إثبات الصفات كإثبات الذات، فإذا كان إثبات ذاتٍ لله تعالى لا يستلزم التمثيل فكذلك إثبات الصفات له تعالى.
(1) قال إسحاق بن راهويه في مسنده (3/ 673) : (تَجِيءُ الْآيَةُ مُصَدِّقَةً لِمَعْنَى الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُ تَأْوِيلَهَا مُخَالِفٌ لِلْآخَرِ كَمَا جَهِلَ مَنْ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ:"فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ"وَعَنْ قَوْلِهِ:"فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ"وَكَأَنَّ فِي الظَّاهِرِ إِحْدَاهُمَا مُخَالِفَةٌ لِلْأُخْرَى فَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُمَا مُؤْتَلِفَتَانِ، فَسَّرَ قَولَهُ:"فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ"قَالَ: هَذِهِ النَّفْخَةُ الْأُولَى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ نَسَبٌ، وَقَالَ إِذَا أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ أَقَبْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ مَعْنًى وَاحِدٌ، وَكَأَنَّ فِي الظَّاهِرِ خِلَافًا حَتَّى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لِلسَّائِلِ مَا أَشْبَهَ عَلَيْكَ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَمَا وَصَفْنَا) ، وللإمام أحمد جملة من تفسير الآيات المتشابهة في كتابه الرد على الجهمية في غاية النفاسة.
(2) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية: (52)