الصفحة 37 من 89

الوجه السادس عشر: قد يكون الظهور مُناطا بمعرفة السبب والسياق، فمن خفي عليه شيء من ذلك؛ لجهله بالسبب، أو السياق، فقد يظهر له خلاف الظاهر، فإذا تأمل السياق، أو بُيِّن له السبب=ظهر له المراد، ومن هذا الجنس فهم بعض التابعين أن الانغماس في العدو داخل في النهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة حتى بين لهم أبو أيوب-رضي الله عنه- سبب النزول [1] .

والمقصود أن من خفي عليه السبب قد يحتاج إلى معرفة هذا الظاهر بجمعه مع النصوص الأخرى، وأسعد الناس بمعرفة الآثار وأسبابها هم أهل الحديث.

الوجه السابع عشر: أن الظهور والبطون في بعض الألفاظ محتمل أو نسبي، فهذا لا يقطع بأحد المعنيين إلا بمرجح آخر [2] .

المأخذ الخامس: فرية إعادة القراءة.

زعم المؤلفان أن ابن تيمية تصرف بمذاهب السلف على غير ظاهرها أحيانا حسب هواه في مواضع مبثوثة في كتابهما؛ ليتوصلا بطريق غير مباشر إلى أن التحققات السلفية ما هي إلا اجتهادات ظنية لا غير، وبسبب هذا الزعم حصل نقد مبطن لابن تيمية دون شعور من المؤلفين.

(1) أخرج الترمذي: (5/ 62) وغيره عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ، قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ، فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى الجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَتُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا، فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا:"وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاَحِهَا، وَتَرْكَنَا الغَزْوَ). قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.

(2) ففي مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح (2/ 100) : (سُئِلَ أبي عَن الْآيَة إِذا جَاءَت تحْتَمل أَن تكون عَامَّة وتحتمل أَن تكون خَاصَّة مَا السَّبِيل فِيهَا فَقَالَ: ... إِذا لم يكن عَن النَّبِي-صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- فِي ذَلِك شَيْء مشروح يخبر فِيهِ عَن خُصُوص أَو عُمُوم ينظر إِلَى عمل أَصْحَابه بِهِ: فَيكون ذَلِك معنى الْآيَة فَإِذا اخْتلفُوا ينظر إِلَى أَي الْقَوْلَيْنِ أشبه بقول رَسُول الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت