وصلني صوت زوجي.. يردد هذه الجملة أكثر من مرة محاولا تهدئة ثورة شقيقه الأصغر الذي حضر لزيارتنا عازما وضع حد لحياته الزوجية، كما قال بالحرف الواحد لي وأنا أسأله عن زوجته ولماذا لم تحضر معه؟.وبعدما استجمع ثائرة نفسه بدأ يحكي مبررات قراره المفاجئ.. وكان أول ما قال: "الهانم" لهجتها تغيرت معي، صارت تردد مفردات جديدة لم أعتدها منها: حقي "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"، وبصراحة صارت مصدر صداع لي، ولا أستطيع الاستمرار في هذا النكد طويلا .سألته المزيد من التفاصيل وفي نيتي أن أخرج من طيات ما سيقوله هو بنفسه ما أقنعه من خلاله بالعدول عن قراره المفاجئ الذي جاء يبلغ به شقيقه الأكبر - كأمر واقع مما جعل زوجي وأنا نجتهد كثيرًا في إقناعه بأن نتناقش حتى نقلب الأمر على أوجهه المختلفة.وتحدث شقيق زوجي.. واستفاض وانفعل، واتهم وأقسم، واندهش واستنكر، وأفرغ شحنة الغضب داخله قبل أن يتنهد بعمق ويقلب بصره بيننا متسائلا : ها ما رأيكما؟كان كل ما يأخذه عم أولادي على زوجته الطيبة - التي أعرفها جيدًا، وأحسن الظن بها ـ أنها بدأت تتساءل عن حقوقها عنده مادية ومعنوية، فقد كان شقيق زوجي موظفا بسيطا حين تزوج، ولم تكن زوجته تثقل عليه بمطالبها في بداية الزواج، بل تكتفي بالقليل وتستغل مهاراتها في الحياكة والتطريز لتجعل من العباءة القديمة قطعة فنية رائعة بياقة جاهزة أو طاقم أزرار جديد .. وترد الرونق لحقيبة تفيد لونها بحلية براقة، وتصنع من بواقي الطعام أطباقا شهية لا يصدق من يذوقها أنها من خامات سبق طهيها.. وتستفيد من ملابس الأطفال الكبار لأشقائهم الأصغر، وتجيد توفيق الألوان لتجعل من ثلاث قطع من الملابس أكثر من طاقم.وعاما بعد عام تحسنت ظروف شقيق زوجي المادية، بعدما استقال من عمله وأنشأ تجارة اتسعت وامتدت ـ بفضل الله ـحتى صار موسرًا، وعندما بدأت زوجته تستشعر الحنين لأن يشتري لها زوجها احتياجاتها لتحس بأنها مثل كثيرات ممن يتفقد أزواجهن احتياجاتهن ويفاجؤونهن بها.. بدأت تحادثه في أمر التوسعة على أطفالهما.. وتطلب منه مرة حقيبة وأخرى حذاء وثالثة عباءة أعجبتها، وكان هو يتعلل ويسوف ثم يثور ويتهمها بأنها صارت عبئا عليه، فترد هي: أليس ما أطلبه حقي عليك وحق أولادك؟ فيرد علي سؤالها بآخر استنكاري قائلا : منذ متي تتحدثين عن حقك يا أستاذة؟ فتقول هي: كما لا أقصر في واجباتي نحوك من حقي ألا تقصر في حقوقي عليك، ويتصاعد الخلاف ويتكرر حتى يتخذ شقيق زوجي قراره ويقول بأسي: كانت "قطة مغمضة" وفجأة فتحت وظلت لا تكف عن ترديد كلمة "حقي"، التي لم أكن أسمعها منها أبدًا في بداية زواجنا.تحدثت إلى شقيق زوجي كثيرًا، وبدا عليه الاقتناع بما أقول بمساعدة زوجي، خرج شقيقه من بيتنا هادئ النفس قرير العين واسع الابتسامة ، خاصة حيث قال له زوجي بدعابة: "لا تنس اصطحاب هدية لزوجتك قبل أن تطلبها هي منك باعتبارها حقها".وغادَرَنا ضيفنا.. ولكنه ترك لدينا أسئلة فجرتها زيارته.هل تنازل الزوجة عن حقوقها بعد أن تتغير الظروف تبرر ثورة زوجها عليها واتهامها بالوقاحة والتبجح وعدم مراعاة ظروفه، وما المطلوب من الزوجة؟ أن تتشبث بما لها على زوجها ـ مهما كانت الظروف ـ ليعتاد على ذلك في السراء والضراء .. أم أن عليه هو أن يدرك أن تهاونها في هذه الحقوق مرجعه حرصها عليه وحبها له؛ فيقابل حرصها بحرص أكبر وبحب أعمق ويكافئها حين ييسر الله أمره ويوسع عليه؟!!.وهل مطلوب منا أن نلقن بناتنا منذ الآن أبجديات التمسك بحقوقهن الزوجية وعدم التفريط في أي شرط منها ـ مهما دق ـ أم أن ندعوهن إلى التسامح والتغاضي حتى تسقط حقوقهن تلقائيا؟ وتكون ثمرة التغاضي مزيدًا من الإهدار لا مزيدًا من تذكر الفضل وحفظ الجميل؟.ولا أظن أن أي زوجة تراعي ظروف زوجها تضع في حسبانها أنه سيكافئها حين يستطيع، ولكن ليس معني هذا أن يكون المقابل سلبيا يزرع في قلب الزوجة بذور الندم على عطاء لم يثمر حبا ووفاقا ولم يحفر بصمته في قلب الشريك، الذي اعتبر التنازل واجبا والتغاضي فريضة ، وحين بدأت رفيقة الدرب تفتش عن الحق القديم انزعج وكأنها ارتكبت جرما أو خرجت على الخط المرسوم.جميل أن تتسامح الزوجة فيما لها عند زوجها في يسره كما في عسره، والأجمل ألا يضطرها إلى أن تطالب في اليسر بما تنازلت عنه في العسر، بل يبادر هو فيعطي ويسخو ويشعرها بأن الأرض لم تكن بورًا، والبذرة لم تكن عقيما، والعطاء لم يذهب إدراج رياح الجحود ونسيان الفضل.