القرآن الكريم
* تسمية السورة
• سميت الفاتحة؛ لأنها وقعت أول القرآن الكريم، فيفتتح بها المصحف كتابةً وقراءةً في الصلوات وغيرها.
* من مقاصد السورة
• الثناءُ على الله بجميع المَحامِد، وتوحيدُه تعالى بالربوبية، وإفرادُه بالإلهية والعبادةِ بأنواعها، والإيمانُ بأسماء اللهِ - سبحانه وتعالى - وصفاتِه، وإثباتُ البعث والجزاء.
• التَّوجُّهُ إلى الله تعالى بطلبِ الهدايةِ إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتوفيقِ والتثبيتِ على الإيمانِ ونَهْجِ سبيل الصالحين، وتجنُّبِ طريق المغضوب عليهم والضالين.
* [التفسير]
أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينًا به، ﴿ ٱللَّهِ﴾ علم على الرب -تبارك وتعالى- المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه. ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، ﴿ٱلرَّحِيمِ﴾ بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى، كما يليق بجلاله.
وقَدِ اسْتَعْمَلَ العَرَبُ النَّحْتَ في النَّسَبِ إلى الجُمْلَةِ أوِ المُرَكَّبِ إذا كانَ في النَّسَبِ إلى صَدْرِ ذَلِكَ أوْ إلى عَجُزِهِ التِباسٌ، كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ شَمْسٍ“ عَبْشَمِيٌّ ”خَشْيَةَ الِالتِباسِ بِالنَّسَبِ إلى عَبْدٍ أوْ إلى شَمْسٍ، وفي النِّسْبَةِ إلى عَبْدِ الدّارِ“ عَبْدَرِيٌّ ”كَذَلِكَ وإلى حَضْرَمَوْتَ“ حَضْرَمِيٌّ ”قالَ سِيبَوَيْهِ في بابِ الإضافَةِ أيِ النَّسَبِ إلى المُضافِ مِنَ الأسْماءِ: وقَدْ يَجْعَلُونَ لِلنَّسَبِ في الإضافَةِ اسْمًا بِمَنزِلَةِ جَعْفَرِيٍّ ويَجْعَلُونَ فِيهِ مِن حُرُوفِ الأوَّلِ والآخِرِ ولا يُخْرِجُونَهُ مِن حُرُوفِهِما لِيُعْرَفَ اهـ، فَجاءَ مَن خَلْفَهم مِن مُوَلَّدِيِ العَرَبِ واسْتَعْمَلُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ في حِكايَةِ الجُمَلِ الَّتِي يَكْثُرُ دَوَرانُها في الألْسِنَةِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ، وذَلِكَ مِن صَدْرِ الإسْلامِ فَصارَتِ الطَّرِيقَةُ عَرَبِيَّةً.
قالَ الرّاعِي:
قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا
أيْ لَمْ يَتْرُكُوا قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَلَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلى غَداةَ لَقِيتُها ∗∗∗ ألا حَبَّذا ذاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ
أيْ قالَتْ بِسْمِ اللَّهِ فَرَقًا مِنهُ، فَأصْلُ بَسْمَلَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أطْلَقَهُ المُوَلَّدُونَ عَلى قَوْلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، اكْتِفاءً واعْتِمادًا عَلى الشُّهْرَةِ وإنْ كانَ هَذا المَنحُوتُ خَلِيًّا مِنَ الحاءِ والرّاءِ اللَّذَيْنِ هُما مِن حُرُوفِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَشاعَ قَوْلُهم: بَسْمَلَ، في مَعْنى قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، واشْتُقَّ مِن فَعْلِ بَسْمَلَ مَصْدَرٌ هو البَسْمَلَةُ كَما اشْتُقَّ مِن هَلَّلَ مَصْدَرٌ هو الهَيْلَلَةُ وهو مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ لِفَعْلَلَ.واشْتُقَّ مِنهُ اسْمُ فاعِلٍ في بَيْتِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ ولَمْ يُسْمَعِ اشْتِقاقُ اسْمِ مَفْعُولٍ. ورَأيْتُ في شَرْحِ ابْنِ هارُونَ التُّونُسِيِّ عَلى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ في بابِ الأذانِ عَنِ المُطَرِّزِ فِي كِتابِ“ اليَواقِيتِ ”: الأفْعالُ الَّتِي نُحِتَتْ مِن أسْمائِها سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ في بِسْمِ اللَّهِ، وسَبْحَلَ في“ سُبْحانَ اللَّهِ ”، وحَيْعَلَ في“ حَيَّ عَلى الصَّلاةِ ”، وحَوْقَلَ في“ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ”، وحَمْدَلَ في“ الحَمْدُ لِلَّهِ ”، وهَلَّلَ في“ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ”، وجَيْعَلَ إذا قالَ“ جُعِلْتُ فِداكَ ”، وزادَ الطَّيْقَلَةَ في“ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ، والدَّمْعَزَةَ في ”أدامَ اللَّهُ عِزَّكَ“ .
ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ قائِلًا بِأنَّها آيَةٌ مِن أوائِلِ جَمِيعِ السُّوَرِ غَيْرَ بَراءَةَ أوْ بَعْضِ السُّوَرِ تَعَيَّنَ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يُفَسِّرَ مَعْناها وحُكْمَها ومَوْقِعَها عِنْدَ مَن عَدُّوها آيَةً مِن بَعْضِ السُّوَرِ.
ويَنْحَصِرُ الكَلامُ عَلَيْها في ثَلاثَةِ مَباحِثَ: الأوَّلُ في بَيانِ أهِيَ آيَةٌ مِن أوائِلِ السُّوَرِ أمْ لا. الثّانِي في حُكْمِ الِابْتِداءِ بِها عِنْدَ القِراءَةِ. الثّالِثُ في تَفْسِيرِ مَعْناها المُخْتَصِّ بِها.
فَأمّا المَبْحَثُ الأوَّلُ فَهو أنْ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أنْ لَفْظَ ”بِسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ هو لَفْظٌ قُرْآنِيٌّ لِأنَّهُ جُزْءُ آيَةٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كَما أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ الِافْتِتاحَ بِالتَّسْمِيَةِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ ذَواتِ البالِ ورَدَ في الإسْلامِ، ورُوِيَ فِيهِ حَدِيثُ «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِسْمَ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهو أقْطَعُ» لَمْ يَرْوِهِ أصْحابُ السُّنَنِ ولا المُسْتَدْرَكاتِ، وقَدْ وُصِفَ بِأنَّهُ حَسَنٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ البَسْمَلَةَ رَسَمَها الَّذِينَ كَتَبُوا المَصاحِفَ في أوائِلِ السُّوَرِ ما عَدا سُورَةِ بَراءَةَ، كَما يُؤْخَذُ مِن مُحادَثَةِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعَ عُثْمانَ، وقَدْ مَضَتْ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ وذَلِكَ لَيْسَ مَوْضِعَ فَصْلِ السُّورَةِ عَمّا قَبْلَها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنَّ البَسْمَلَةَ هَلْ هي آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ ومِن أوائِلِ السُّوَرِ غَيْرِ بَراءَةَ، بِمَعْنى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَهم لَيْسَ في كَوْنِها قُرْآنًا، ولَكِنَّهُ في تَكَرُّرِ قُرْآنِيَّتِها كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ في البِدايَةِ، فَذَهَبَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ وفُقَهاءُ المَدِينَةِ والشّامِ والبَصْرَةِ وقِيلَ بِاسْتِثْناءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وابْنِ شِهابٍ مِن فُقَهاءِ المَدِينَةِ إلى أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن أوائِلِ السُّوَرِ لَكِنَّها جُزْءُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَّمْلِ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ وفُقَهاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ غَيْرَ أبِي حَنِيفَةَ، إلى أنَّها آيَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ خاصَّةً، وذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبارَكٍ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وهو الأصَحُّ عَنْهُ إلى أنَّها آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ.
ولَمْ يُنْقُلْ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ فِيها شَيْءٌ، وأخَذَ مِنهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّوَرِ عِنْدَهُ فَعَدَّهُ في الَّذِينَ قالُوا بِعَدَمِ جُزْئِيَّتِها مِنَ السُّوَرِ وهو الصَّحِيحُ عَنْهُ.
قالَ عَبْدُ الحَكِيمِ لِأنَّهُ قالَ بِعَدَمِ الجَهْرِ بِها مَعَ الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ وكَرِهَ قِراءَتَها في أوائِلِ السُّوَرِ المَوْصُولَةِ بِالفاتِحَةِ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.
وأزِيدُ فَأقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَرَ الِاقْتِصارَ عَلَيْها في الصَّلاةِ مُجْزِئًا عَنِ القِراءَةِ. أمّا حُجَّةُ مَذْهَبِ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ فَلَهم فِيها مَسالِكُ: أحَدُها مِن طَرِيقِ النَّظَرِ، والثّانِي مِن طَرِيقِ الأثَرِ، والثّالِثُ مِن طَرِيقِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ.
فَأمّا المَسْلَكُ الأوَّلُ فَلِلْمالِكِيَّةِ فِيهِ مَقالَةٌ فائِقَةٌ لِلْقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ وتابَعَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ والقاضِي عَبْدُ الوَهّابِ في كِتابِ ”الأشْرافِ“، قالَ الباقِلّانِيُّ: لَوْ كانَتِ التَّسْمِيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَكانَ طَرِيقُ إثْباتِها إمّا التَّواتُرَ أوِ الآحادَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُها مِنَ القُرْآنِ لَحَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِذَلِكَ ولامْتَنَعَ وُقُوعُ الخِلافِ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ خَبَرَ الواحِدِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ فَلَوْ جَعَلْناهُ طَرِيقًا إلى إثْباتِ القُرْآنِ لَخَرَجَ القُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً يَقِينِيَّةً، ولَصارَ ذَلِكَ ظَنِّيًّا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ ادِّعاءُ الرَّوافِضِ أنَّ القُرْآنَ دَخَلَهُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ والتَّغْيِيرُ والتَّحْرِيفُ اهـ.
وهُوَ كَلامٌ وجِيهٌ والأقْيِسَةُ الِاسْتِثْنائِيَّةُ الَّتِي طَواها في كَلامِهِ واضِحَةٌ لِمَن لَهُ مُمارَسَةٌ لِلْمَنطِقِ، وشَرْطِيّاتُها لا تَحْتاجُ لِلِاسْتِدْلالِ لِأنَّها بَدِيهِيَّةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَلا حاجَةَ إلى بَسْطِها. زادَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ فَقالَ: يَكْفِيكَ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ الِاخْتِلافُ فِيها، والقُرْآنُ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ اهـ.
وزادَ عَبْدُ الوَهّابِ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَيَّنَ القُرْآنَ بَيانًا واحِدًا مُتَساوِيًا ولَمْ تَكُنْ عادَتُهُ في بَيانِهِ مُخْتَلِفَةً بِالظُّهُورِ والخَفاءِ حَتّى يَخْتَصَّ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ؛ ولِذَلِكَ قَطَعْنا بِمَنعِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا وأبْطَلْنا قَوْلَ الرّافِضَةِ إنَّ القُرْآنَ حِمْلُ جَمَلٍ عِنْدَ الإمامِ المَعْصُومِ المُنْتَظَرِ فَلَوْ كانَتِ البَسْمَلَةُ مِنَ الحَمْدِ لَبَيَّنَها رَسُولُ اللَّهِ بَيانًا شافِيًا اهـ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: إنَّ القاضِيَ أبا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَ الفِقْهِ إلّا في هَذِهِ المَسْألَةِ خاصَّةً لِأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالأُصُولِ.
وقَدْ عارَضَ هَذا الدَّلِيلَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في المُسْتَصْفى فَقالَ: نَفْيُ كَوْنِ البَسْمَلَةِ مِنَ القُرْآنِ أيْضًا إنْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ لَزِمَ أنْ لا يَبْقى الخِلافُ أيْ وهو ظاهِرُ البُطْلانِ وإنْ ثَبَتَ بِالآحادِ يَصِيرُ القُرْآنُ ظَنِّيًّا، قالَ: ولا يُقالُ إنَّ كَوْنَ شَيْءٍ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ عَدَمٌ والعَدَمُ لا يَحْتاجُ إلى الإثْباتِ لِأنَّهُ الأصْلُ بِخِلافِ القَوْلِ بِأنَّها مِنَ القُرْآنِ، لِأنّا نُجِيبُ بِأنَّ هَذا وإنْ كانَ عَدَمًا إلّا أنَّ كَوْنَ التَّسْمِيَةِ مَكْتُوبَةً بِخَطِّ القُرْآنِ يُوهِنُ كَوْنَها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ، فَهاهُنا لا يُمْكِنُنا الحُكْمُ بِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ إلّا بِالدَّلِيلِ، ويَأْتِي الكَلامُ في أنَّ الدَّلِيلَ ما هو، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ القاضِي لازِمٌ عَلَيْهِ اهـ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ آلَ في اسْتِدْلالِهِ إلى المُصادَرَةِ إذْ قَدْ صارَ مَرْجِعُ اسْتِدْلالِ الغَزالِيِّ وفَخْرِ الدِّينِ إلى رَسْمِ البَسْمَلَةِ في المَصاحِفِ، وسَنَتَكَلَّمُ عَنْ تَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى مُدْرَكِ الشّافِعِيِّ.
وتَعَقَّبَ ابْنُ رُشْدٍ في بِدايَةِ المُجْتَهِدِ كَلامَ الباقِلّانِيِّ والغَزالِيِّ بِكَلامٍ غَيْرِ مُحَرَّرٍ فَلا نُطِيلُ بِهِ.
وأمّا المَسْلَكُ الثّانِي وهو الِاسْتِدْلالُ مِنَ الأثَرِ فَلا نَجِدُ في صَحِيحِ السُّنَّةِ ما يَشْهَدُ بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن أوائِلِ سُوَرِ القُرْآنِ والأدِلَّةُ سِتَّةٌ:
الدَّلِيلُ الأوَّلُ: ما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنِ العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلى أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى قَسَمْتُ الصَّلاةَ نِصْفَيْنِ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي فَنِصْفُها لِي ونِصْفُها لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، يَقُولُ العَبْدُ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَأقُولُ حَمِدَنِي عَبْدِي» إلَخْ، والمُرادُ في الصَّلاةِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ، ووَجْهُ الدَّلِيلِ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ .
الثّانِي: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: ألا أُعَلِّمُكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ مِثْلُها قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ ؟ قالَ: بَلى، فَلَمّا قارَبَ الخُرُوجَ قالَ لَهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ ؟ قالَ أُبَيٌّ: فَقَرَأْتُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ مِنها البَسْمَلَةَ.
الثّالِثُ: ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وسُنَنِ أبِي داوُدَ وسُنَنِ النَّسائِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أنَّهُ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ”الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“ لا يَذْكُرُونَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، لا في أوَّلِ قِراءَةٍ ولا في آخِرِها» .
الرّابِعُ: حَدِيثُ عائِشَةَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وسُنَنِ أبِي داوُدَ قالَتْ: كانَ «رَسُولُ اللَّهِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ والقِراءَةِ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة»: ٢] الخامِسُ: ما في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيءِ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا مِنهم يَقُولُ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، إذا أنْتَ صَلَّيْتَ فَقُلِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] السّادِسُ: وهو الحاسِمُ: عَمَلُ أهْلِ المَدِينَةِ، فَإنَّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ مِن وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ إلى زَمَنِ مالِكٍ، صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ والأُمَراءُ وصَلّى وراءَهُمُ الصَّحابَةُ وأهْلُ العِلْمِ ولَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ قَرَأ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ، وهَلْ يَقُولُ عالِمٌ إنَّ بَعْضَ السُّورَةِ جَهْرٌ وبَعْضَها سِرٌّ، فَقَدْ حَصَلَ التَّواتُرُ بِأنَّ النَّبِيءَ والخُلَفاءَ لَمْ يَجْهَرُوا بِها في الجَهْرِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ ولَوْ جَهَرُوا بِها لَما اخْتَلَفَ النّاسُ فِيها.
وهُناكَ دَلِيلٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرُوهُ هُنا وهو حَدِيثُ عائِشَةَ، «فِي بَدْءِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مُعْتَبَرٌ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ”فَفَجِئَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ إلى أنْ قالَ فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ قالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق»: ١] الحَدِيثَ. فَلَمْ يَقُلْ فَقالَ لِي“ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ ”، وقَدْ ذَكَرُوا هَذا في تَفْسِيرِ سُورَةِ العَلَقِ وفي شَرْحِ حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ.
وأمّا المَسْلَكُ الثّالِثُ وهو الِاسْتِدْلالُ مِن طَرِيقِ الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ فَيَأْتِي القَوْلُ فِيهِ عَلى مُراعاةِ قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ خاصَّةً، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَتَكَرَّرَ لَفْظانِ وهُما الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ في كَلامٍ غَيْرِ طَوِيلٍ لَيْسَ بَيْنَهُما فَصْلٌ كَثِيرٌ وذَلِكَ مِمّا لا يُحْمَدُ في بابِ البَلاغَةِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ نَقَلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ وأجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّ التَّكْرارَ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وإنَّ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا مِن أعْظَمِ المُهِمّاتِ. وأنا أدْفَعُ جَوابَهُ بِأنَّ التَّكْرارَ وإنْ كانَتْ لَهُ مَواقِعُ مَحْمُودَةٌ في الكَلامِ البَلِيغِ مِثْلَ التَّهْوِيلِ، ومَقامِ الرِّثاءِ أوِ التَّعْدِيدِ أوِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، إلّا أنَّ الفاتِحَةَ لا مُناسَبَةَ لَها بِأغْراضِ التَّكْرِيرِ ولا سِيَّما التَّوْكِيدُ لِأنَّهُ لا مُنْكِرَ لِكَوْنِهِ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا، ولِأنَّ شَأْنَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ أنْ يَقْتَرِنَ فِيهِ اللَّفْظانِ بِلا فَصْلٍ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ تَكْرِيرُ اللَّفْظِ في الكَلامِ لِوُجُودِ مُقْتَضى التَّعْبِيرِ عَنْ مَدْلُولِهِ بِطَرِيقِ الِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَبْعُدَ ما بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ بُعْدًا يُقْصِيهِ عَنِ السَّمْعِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهم عَدُّوا في فَصاحَةِ الكَلامِ خُلُوصَهُ مِن كَثْرَةِ التَّكْرارِ، والقُرْبِ بَيْنَ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ حِينَ كُرِّرا يَمْنَعُ ذَلِكَ.
وأجابَ البَيْضاوِيُّ بِأنَّ نُكْتَةَ التَّكْرِيرِ هُنا هي تَعْلِيلُ اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ، فَقالَ السَّلَكُوتِيُّ أشارَ بِهَذا إلى الرَّدِّ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ: إنَّ البَسْمَلَةَ لَوْ كانَتْ مِنَ الفاتِحَةِ لَلَزِمَ التَّكْرارُ، وهو جَوابٌ لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّعْلِيلُ قاضِيًا بِذِكْرِ صِفَتَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَدَفْعُ التَّكْرِيرِ يَقْتَضِي تَجْرِيدَ البَسْمَلَةِ الَّتِي في أوَّلِ الفاتِحَةِ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِأنْ تَصِيرَ الفاتِحَةُ هَكَذا (بِسْمِ اللَّهِ الحَمْدُ لِلَّهِ) إلَخْ.
وأنا أرى في الِاسْتِدْلالِ بِمَسْلَكِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ أنْ يَكُونَ عَلى مُراعاةِ قَوْلِ القائِلِينَ بِكَوْنِ البَسْمَلَةِ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ فَيَنْشَأُ مِن هَذا القَوْلِ أنْ تَكُونَ فَواتِحُ سُوَرِ القُرْآنِ كُلُّها مُتَماثِلَةً، وذَلِكَ مِمّا لا يُحْمَدُ في كَلامِ البُلَغاءِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَقَعَ التَّفَنُّنُ في الفَواتِحِ، بَلْ قَدْ عَدَّ عُلَماءُ البَلاغَةِ أهَمَّ مَواضِعِ التَّأنُّقِ فاتِحَةَ الكَلامِ وخاتِمَتِهِ، وذَكَرُوا أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ وخَواتِمَها وارِدَةٌ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ البَيانِ وأكْمَلِها فَكَيْفَ يَسُوغُ أنْ يُدَّعى أنَّ فَواتِحَ سُوَرِهِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، مَعَ أنَّ عامَّةَ البُلَغاءِ مِنَ الخُطَباءِ والشُّعَراءِ والكُتّابِ يَتَنافَسُونَ في تَفَنُّنِ فَواتِحِ مُنْشَآتِهِمْ ويَعِيبُونَ مَن يَلْتَزِمُ في كَلامِهِ طَرِيقَةً واحِدَةً فَما ظَنُّكَ بِأبْلَغِ الكَلامِ.
وأمّا حُجَّةُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ بِأنَّها آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ فَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ أنْهاها فَخْرُ الدِّينِ إلى سَبْعَ عَشْرَةَ حُجَّةً لا يَكادُ يَسْتَقِيمُ مِنها بَعْدَ طَرْحِ المُتَداخِلِ والخارِجِ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ وضَعِيفِ السَّنَدِ أوْ واهِيهِ إلّا أمْرانِ: أحَدُهُما أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنها ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ“ «فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ أُولاهُنَّ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» “ وقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاتِحَةَ وعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] آيَةً. الثّانِي: الإجْماعُ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدِّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ.
والجَوابُ، أمّا عَنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ فَهو لَمْ يُخْرِجْهُ أحَدٌ مِن رِجالِ الصَّحِيحِ إنَّما خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ فَهو نازِلٌ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ فَلا يُعارِضُ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وأمّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِن رِجالِ الصَّحِيحِ غَيْرُ أبِي داوُدَ وأخْرَجَهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ والبَيْهَقِيُّ، وصَحَّحَ بَعْضَ طُرُقِهِ، وقَدْ طَعَنَ فِيهِ الطَّحاوِيُّ بِأنَّهُ رَواهُ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، ولَمْ يَثْبُتْ سَماعُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ مِن أُمِّ سَلَمَةَ، يَعْنِي أنَّهُ مَقْطُوعٌ، عَلى أنَّهُ رَوى عَنْها ما يُخالِفُهُ، عَلى أنَّ شَيْخَ الإسْلامِ زَكَرِيّا قَدْ صَرَّحَ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ بِاللَّفْظِ المَذْكُورِ وإنَّما رُوِيَ بِألْفاظٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ (بِسْمِ اللَّهِ) آيَةٌ وحْدَها، فَلا يُؤْخَذُ مِنهُ كَوْنُها مِنَ الفاتِحَةِ، عَلى أنَّ هَذا يُفْضِي إلى إثْباتِ القُرْآنِيَّةِ بِغَيْرِ المُتَواتِرِ وهو ما يَأْباهُ المُسْلِمُونَ.
وأمّا عَنِ الإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ، فالجَوابُ: أنَّهُ لا يَقْتَضِي إلّا أنَّ البَسْمَلَةَ قُرْآنٌ وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ، وأمّا كَوْنُ المَواضِعِ الَّتِي رُسِمَتْ فِيها في المُصْحَفِ مِمّا تَجِبُ قِراءَتُها فِيها، فَذَلِكَ أمْرٌ يَتْبَعُ رِوايَةَ القُرّاءِ وأخْبارَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَيَعُودُ إلى الأدِلَّةِ السّابِقَةِ.
وهَذا كُلُّهُ بِناءً عَلى تَسْلِيمِ أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يَكْتُبُوا أسْماءَ السُّوَرِ وكَوْنَها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً في المُصْحَفِ وأنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ المُتَأخِّرِينَ، وهو صَرِيحُ كَلامِ عَبْدِ الحَكِيمِ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ، وأمّا إذا ثَبَتَ أنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَتَبُوا ذَلِكَ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ والأُصُولِيِّينَ والقُرّاءِ كَما في لَطائِفِ الإشاراتِ لِلْقَسْطَلانِيِّ وهو مُقْتَضى كِتابَةِ المُتَأخِّرِينَ لِذَلِكَ لِأنَّهم ما كانُوا يَجْرُءُونَ عَلى الزِّيادَةِ عَلى ما فَعَلَهُ السَّلَفُ، فالِاحْتِجاجُ حِينَئِذٍ بِالكِتابَةِ باطِلٌ مِن أصْلِهِ ودَعْوى كَوْنِ أسْماءِ السُّوَرِ كُتِبَتْ بِلَوْنٍ مُخالِفٍ لِحِبْرِ القُرْآنِ، يَرُدُّهُ أنَّ المُشاهَدَ في مَصاحِفِ السَّلَفِ أنَّ حِبْرَها بِلَوْنٍ واحِدٍ ولَمْ يَكُنِ التَّلْوِينُ فاشِيًا.
وقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهم بِما رَواهُ البُخارِيُّ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كانَتْ قِراءَةُ النَّبِيءِ، فَقالَ: كانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ويَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ ويَمُدُّ بِالرَّحِيمِ»، اهـ. ولا حُجَّةَ في هَذا لِأنَّ ضَمِيرَ قَرَأ وضَمِيرَ يَمُدُّ عائِدانِ إلى أنَسٍ، وإنَّما جاءَ بِالبَسْمَلَةِ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ لِكَيْفِيَّةِ القِراءَةِ لِشُهْرَةِ البَسْمَلَةِ.
وحُجَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ وثانِي قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ، قالَ «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِنا ذاتَ يَوْمٍ إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا فَقُلْنا: ما أضْحَكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةٌ آنِفًا فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر»: ١]) السُّورَةَ، قالُوا ولِلْإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ ولِإثْباتِ الصَّحابَةِ إيّاها في المَصاحِفِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى أنْ لا يُدْخِلُوا في القُرْآنِ ما لَيْسَ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوا آمِينَ في الفاتِحَةِ. والجَوابُ عَنِ الحَدِيثِ أنّا نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ قَرَأ البَسْمَلَةَ عَلى أنَّها مِنَ السُّورَةِ بَلِ افْتَتَحَ بِها عِنْدَ إرادَةِ القِراءَةِ لِأنَّها تُغْنِي عَنِ الِاسْتِعاذَةِ إذا نَوى المُبَسْمِلُ تَقْدِيرَ أسْتَعِيذُ بِاسْمِ اللَّهِ وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى نَحْوِ هَذا لِأنَّ راوِيَهُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ جَزَمَ في حَدِيثِهِ الآخَرِ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ بَسْمَلَ في الصَّلاةِ.
فَإنْ أبَوْا تَأْوِيلَهُ بِما تَأوَّلْناهُ لَزِمَ اضْطِرابُ أنَسٍ في رِوايَتِهِ اضْطِرابًا يُوجِبُ سُقُوطَها.
والحَقُّ البَيِّنُ في أمْرِ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، أنَّها كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ لِيَكُونَ الفَصْلُ مُناسِبًا لِابْتِداءِ المُصْحَفِ، ولِئَلّا يَكُونَ بِلَفْظٍ مِن غَيْرِ القُرْآنِ، وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ فِي سُنَنِهِ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما حَمَلَكم أنْ عَمَدْتُمْ إلى بَراءَةَ وهي مِنَ المِئِينَ وإلى الأنْفالِ وهي مِنَ المَثانِي فَجَعَلْتُمُوهُما في السَّبْعِ الطِّوالِ ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، قالَ عُثْمانُ كانَ النَّبِيءُ لَمّا تَنْزِلُ عَلَيْهِ الآياتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَن كانَ يَكْتُبُ لَهُ ويَقُولُ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ بِالسُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا، أوْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والآيَتانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وكانَتِ الأنْفالُ مِن أوَّلِ ما أُنْزِلُ عَلَيْهِ بِالمَدِينَةِ، وكانَتْ بَراءَةُ مِن آخِرِ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها، فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، فَمِن هُناكَ وضَعْتُها في السَّبْعِ الطِّوالِ ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وأرى في هَذا دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ لَمْ تُكْتَبْ بَيْنَ السُّوَرِ غَيْرَ الأنْفالِ وبَراءَةَ إلّا حِينَ جُمِعَ القُرْآنُ في مُصْحَفٍ واحِدٍ زَمَنَ عُثْمانَ، وأنَّها لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً في أوائِلِ السُّوَرِ في الصُّحُفِ الَّتِي جَمَعَها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ إذْ كانَتْ لِكُلِّ سُورَةٍ صَحِيفَةٌ مُفْرَدَةٌ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وعَلى أنَّ البَسْمَلَةَ مُخْتَلَفٌ في كَوْنِها آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرِ بَراءَةَ، أوْ آيَةً مِن أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ فَقَطْ، أوْ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِن أوَّلِ شَيْءٍ مِنَ السُّوَرِ؛ فَإنَّ القُرّاءَ اتَّفَقُوا عَلى قِراءَةِ البَسْمَلَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ مِن أوَّلِها غَيْرِ بَراءَةَ. ورَوَوْا ذَلِكَ عَمَّنْ تَلَقَّوْا، فَأمّا الَّذِينَ مِنهم يَرْوُونَ اجْتِهادًا أوْ تَقْلِيدًا أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مَن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ غَيْرِ بَراءَةَ، فَأمْرَهم ظاهِرٌ، وقِراءَةُ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ واجِبَةٌ عِنْدَهم لا مَحالَةَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، وأمّا الَّذِينَ لا يَرْوُونَ البَسْمَلَةَ آيَةً مِن أوائِلِ السُّوَرِ كُلِّها أوْ ما عَدا الفاتِحَةَ فَإنَّ قِراءَتَهُمُ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ بِقِراءَةِ سُورَةٍ قَبْلَها تَعَلَّلَ بِالتَّيَمُّنِ بِاقْتِفاءِ أثَرِ كُتّابِ المُصْحَفِ، أيْ قَصْدَ التَّشَبُّهِ في مُجَرَّدِ ابْتِداءِ فِعْلٍ تَشْبِيهًا لِابْتِداءِ القِراءَةِ بِابْتِداءِ الكِتابَةِ. فَتَكُونُ قِراءَتُهُمُ البَسْمَلَةَ أمْرًا مُسْتَحَبًّا لِلتَّأسِّي في القِراءَةِ بِما فَعَلَهُ الصَّحابَةُ الكاتِبُونَ لِلْمُصْحَفِ، فَقِراءَةُ البَسْمَلَةِ عِنْدَ هَؤُلاءِ نَظِيرُ النُّطْقِ بِالِاسْتِعاذَةِ ونَظِيرُ التَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ بَيْنَ بَعْضِ السُّوَرِ مِن آخِرِ المُفَصَّلِ، ولا يُبَسْمِلُونَ في قِراءَةِ الصَّلاةِ الفَرِيضَةِ، وهَؤُلاءِ إذا قَرَءُوا في صَلاةِ الفَرِيضَةِ تَجْرِي قِراءَتُهم عَلى ما انْتَهى إلَيْهِ فَهْمُهم مِن أمْرِ البَسْمَلَةِ مِنِ اجْتِهادٍ أوْ تَقْلِيدٍ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ مِن قِراءَتِهِمْ قَوْلٌ لَهم بِأنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كَما فَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ والبَيْضاوِيُّ.
واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ في غَيْرِ الشُّرُوعِ في قِراءَةِ سُورَةٍ مِن أوَّلِها، أيْ في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ.
فَوَرْشٌ عَنْ نافِعٍ في أشْهَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، لا يُبَسْمِلُونَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وذَلِكَ يُعَلَّلُ بِأنَّ التَّشَبُّهَ بِفِعْلِ كُتّابِ المُصْحَفِ خاصٌّ بِالِابْتِداءِ، وبِحَمْلِهِمْ رَسْمَ البَسْمَلَةِ في المُصْحَفِ عَلى أنَّهُ عَلامَةٌ عَلى ابْتِداءِ السُّورَةِ لا عَلى الفَصْلِ، إذْ لَوْ كانَتِ البَسْمَلَةُ عَلامَةً عَلى الفَصْلِ بَيْنَ السُّورَةِ والَّتِي تَلِيها لَما كُتِبَتْ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَكانَ صَنِيعُهم وجِيهًا لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ ما رَوَوْهُ عَنْ سَلَفِهِمْ وبَيْنَ دَلِيلِ قَصْدِ التَّيَمُّنِ، ودَلِيلُ رَأْيِهِمْ أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ.
وقالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ يُبَسْمِلُونَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سِوى ما بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ، وعَدُّوهُ مِن سُنَّةِ القِراءَةِ، ولَيْسَ حَظُّهم في ذَلِكَ إلّا اتِّباعَ سَلَفِهِمْ، إذْ لَيْسَ جَمِيعُهم مِن أهْلِ الِاجْتِهادِ، ولَعَلَّهم طَرَدُوا قَصْدَ التَّيَمُّنِ بِمُشابَهَةِ كُتّابِ المُصْحَفِ في الإشْعارِ بِابْتِداءِ السُّورَةِ والإشْعارِ بِانْتِهاءِ الَّتِي قَبْلَها.
واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في أوَّلِ سُورَةِ بَراءَةَ وقَدْ تَبَيَّنَ وجْهُ ذَلِكَ آنِفًا، ووَجَّهَهُ الأئِمَّةُ بِوُجُوهٍ أُخَرَ تَأتّى في أوَّلِ سُورَةِ بَراءَةَ، وذَكَرَ الجاحِظُ في البَيانِ والتَّبْيِينِ أنَّ مُؤَرِّجًا السَّدُوسِيَّ البَصْرِيَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ“ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرُدُّ عَلى المَظْلُومِ ”فَرَجَعَ مُؤَرِّجٌ إلى مُصْحَفِهِ فَرَدَّ عَلى بَراءَةَ“ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ”، ويُحْمَلُ هَذا الَّذِي صَنَعَهُ مُؤَرِّجٌ إنْ صَحَّ عَنْهُ إنَّما هو عَلى التَّمْلِيحِ والهَزْلِ ولَيْسَ عَلى الجِدِّ.
وفِي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اخْتِلافَ مَذاهِبِ القُرّاءِ في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ ابْتِداءً ووَصْلًا كَما تَقَدَّمَ لا أثَرَ لَهُ في الِاخْتِلافِ في حُكْمِ قِراءَتِها في الصَّلاةِ، فَإنَّ قِراءَتَها في الصَّلاةِ تَجْرِي عَلى إحْكامِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ ولَيْسَتْ مَذاهِبُ القُرّاءِ بِمَعْدُودَةٍ مِن أدِلَّةِ الفِقْهِ، وإنَّما قِراءاتُهم رِواياتٌ وسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ في قِراءَةِ القُرْآنِ دُونَ اسْتِنادٍ إلى اعْتِبارِ أحْكامِ رِوايَةِ القُرْآنِ مِن تَواتُرٍ ودُونِهِ، ولا إلى وُجُوبٍ واسْتِحْبابٍ وتَخْيِيرٍ، فالقارِئُ يَقْرَأُ كَما رُوِيَ عَنْ مُعَلِّمِيهِ ولا يَنْظُرُ في حُكْمِ ما يَقْرَأُهُ مِن لُزُومِ كَوْنِهِ كَما قَرَأ أوْ عَدَمِ اللُّزُومِ، تَجْرِي أعْمالُهم في صَلاتِهِمْ عَلى نَزَعاتِهِمْ في الفِقْهِ مِنِ اجْتِهادٍ وتَقْلِيدٍ، ويُوَضَّحُ غَلَطُ مَن ظَنَّ أنَّ خِلافَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ البَسْمَلَةِ وعَدَمِهِ مَبْنِيٌّ عَلى خِلافِ القُرّاءِ، كَما يُوَضَّحُ تَسامُحُ صاحِبِ الكَشّافِ في عَدِّهِ مَذاهِبَ القُرّاءِ في نَسَقِ مَذاهِبِ الفُقَهاءِ.
وإنَّما اخْتَلَفَ المُجْتَهِدُونَ لِأجْلِ الأدِلَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيانُها، وأمّا المُوافَقَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ قُرّاءِ أمْصارِهِمْ غالِبًا في هاتِهِ المَسْألَةِ فَسَبَبُهُ شُيُوعُ القَوْلِ بَيْنَ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ بِما قالَ بِهِ فُقَهاؤُهُ في المَسائِلِ، أوْ شُيُوعُ الأدِلَّةِ الَّتِي تَلَقّاها المُجْتَهِدُونَ مِن مَشايِخِهِمْ بَيْنَ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ ولَوْ مِن قَبْلِ ظُهُورِ المُجْتَهِدِ، مِثْلَ سَبْقِ نافِعِ بْنِ أبِي نُعَيْمٍ إلى عَدَمِ ذِكْرِ البَسْمَلَةِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ مالِكٌ بِعَدَمِ جُزْئِيَّتِها؛ لِأنَّ مالِكًا تَلَقّى أدِلَّةَ نَفْيِ الجُزْئِيَّةِ عَنْ عُلَماءِ المَدِينَةِ وعَنْهم أوْ عَنْ شُيُوخِهِمْ تَلَقّى نافِعُ بْنُ أبِي نُعَيْمٍ. وإذْ قَدْ كُنّا قَدْ تَقَلَّدْنا مَذْهَبَ مالِكٍ واطْمَأْنَنّا لِمَدارِكِهِ في انْتِفاءِ كَوْنِ البَسْمَلَةِ آيَةً مِن أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ كانَ حَقًّا عَلَيْنا أنْ لا نَتَعَرَّضَ لِتَفْسِيرِها هُنا، وأنْ نُرْجِئَهُ إلى الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] غَيْرَ أنَّنا لَمّا وجَدْنا مَن سَلَفَنا مِنَ المُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ لَمْ يُهْمِلُوا الكَلامَ عَلى البَسْمَلَةِ في هَذا المَوْضِعِ اقْتَفَيْنا أثَرَهم إذْ صارَ ذَلِكَ مُصْطَلَحَ المُفَسِّرِينَ.
واعْلَمْ أنَّ مُتَعَلِّقَ المَجْرُورِ في بِسْمِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هُنا أقْرَأُ، وسَبَبُ حَذْفِ مُتَعَلِّقِ المَجْرُورِ أنَّ البَسْمَلَةَ سُنَّتْ عِنْدَ ابْتِداءِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ المَجْرُورِ فِيها حَذْفًا مُلْتَزَمًا إيجازًا اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وقَدْ حَكى القُرْآنُ قَوْلَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ عِنْدَ شُرُوعِهِمْ في السِّحْرِ بِقَوْلِهِ“ فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعَزَّةِ فِرْعَوْنَ ”وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَقُولُونَ في ابْتِداءِ أعْمالِهِمْ“ بِاسْمِ اللّاتِ بِاسْمِ العُزّى ”فالمَجْرُورُ ظَرْفُ لَغْوٍ مَعْمُولٍ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ ومُتَعَلِّقٍ بِهِ ولَيْسَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا مِثْلَ الظُّرُوفِ الَّتِي تَقَعُ أخْبارًا، ودَلِيلُ المُتَعَلِّقِ يُنْبِئُ عَنْهُ العَمَلُ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ فِعْلًا خاصًّا مِنَ النَّوْعِ الدّالِّ عَلى مَعْنى العَمَلِ المَشْرُوعِ فِيهِ دُونَ المُتَعَلِّقِ العامِّ، مِثْلَ: أبْتَدِئُ، لِأنَّ القَرِينَةَ الدّالَّةَ عَلى المُتَعَلِّقِ هي الفِعْلُ المَشْرُوعُ فِيهِ المَبْدُوءُ بِالبَسْمَلَةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، ولا يَجْرِي في هَذا الخِلافِ الواقِعِ بَيْنَ النُّحاةِ في كَوْنِ مُتَعَلِّقِ الظُّرُوفِ هَلْ يُقَدَّرُ اسْمًا نَحْوَ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ أمْ فِعْلًا نَحْوَ كانَ أوِ اسْتَقَرَّ لِأنَّ ذَلِكَ الخِلافَ في الظُّرُوفِ الواقِعَةِ أخْبارًا أوْ أحْوالًا بِناءً عَلى تَعارُضِ مُقْتَضى تَقْدِيرِ الِاسْمِ وهو كَوْنُهُ الأصْلَ في الأخْبارِ والحالِيَّةِ، ومُقْتَضى تَقْدِيرِ الفِعْلِ وهو كَوْنُهُ الأصْلَ في العَمَلِ لِأنَّ ما هُنا ظَرْفُ لَغْوٍ، والأصْلُ فِيهِ أنْ يُعَدِّيَ الأفْعالَ ويَتَعَلَّقَ بِها، ولِأنَّ مَقْصِدَ المُبْتَدِئِ بِالبَسْمَلَةِ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ عَمَلِهِ ذَلِكَ مُقارِنًا لِبَرَكَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ ناسَبَ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُ الجارِّ لَفْظًا دالًّا عَلى الفِعْلِ المَشْرُوعِ فِيهِ، وهو أنْسَبُ لِتَعْمِيمِ التَّيَمُّنِ لِأجْزاءِ الفِعْلِ، فالِابْتِداءُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ أقَلُّ عُمُومًا، فَتَقْدِيرُ الفِعْلِ العامِّ يُخَصَّصُ وتَقْدِيرُ الفِعْلِ الخاصِّ يُعَمَّمُ وهَذا يُشْبِهُ أنْ يُلْغَزَ بِهِ.
وهَذا التَّقْدِيرُ مِنَ المُقَدَّراتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها القَرائِنُ كَقَوْلِ الدّاعِي لِلْمُعَرِّسِ بِالرِّفاءِ والبَنِينَ، وقَوْلِ المُسافِرِ عِنْدَ حُلُولِهِ وتَرْحالِهِ بِاسْمِ اللَّهِ والبَرَكاتِ، وقَوْلِ نِساءِ العَرَبِ عِنْدَما يَزْفُفْنَ العَرُوسَ“ بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ وعَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ ”ولِذَلِكَ كانَ تَقْدِيرُ الفِعْلِ هاهُنا واضِحًا. وقَدْ أُسْعِفَ هَذا الحَذْفُ بِفائِدَةٍ وهي صَلُوحِيَّةُ البَسْمَلَةِ لِيَبْتَدِئَ بِها كُلُّ شارِعٍ في فِعْلٍ فَلا يَلْجَأُ إلى مُخالَفَةِ لَفْظِ القُرْآنِ عِنْدَ اقْتِباسِهِ، والحَذْفُ هُنا مِن قَبِيلِ الإيجازِ لِأنَّهُ حَذْفُ ما قَدْ يُصَرَّحُ بِهِ في الكَلامِ، بِخِلافِ مُتَعَلِّقاتِ الظُّرُوفِ المُسْتَقِرَّةِ نَحْوَ: عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإنَّهم لا يُظْهِرُونَ المُتَعَلِّقَ فَلا يَقُولُونَ: خَيْرٌ كائِنٌ عِنْدَكَ، ولِذَلِكَ عَدُّوا نَحْوَ قَوْلِهِ“ فَإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي ”مِنَ المُساواةِ دُونَ الإيجازِ يَعْنِي مَعَ ما فِيهِ مِن حَذْفِ المُتَعَلِّقِ. وإذْ قَدْ كانَ المُتَعَلِّقُ مَحْذُوفًا تَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ في مَوْضِعِهِ مُتَقَدِّمًا عَلى المُتَعَلِّقِ بِهِ، كَما هو أصْلُ الكَلامِ؛ إذْ لا قَصْدَ هُنا لِإفادَةِ البَسْمَلَةِ الحَصْرَ، ودَعْوى صاحِبِ الكَشّافِ تَقْدِيرَهُ مُؤَخَّرًا تَعَمُّقٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لا سِيَّما عِنْدَ حالَةِ الحَذْفِ، فالأنْسَبُ أنْ يُقَدَّرَ عَلى حَسَبِ الأصْلِ.
والباءُ باءُ المُلابَسَةِ، هي المُصاحَبَةُ، وهي الإلْصاقُ أيْضًا، فَهَذِهِ مُتَرادِفاتٌ في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى وهي كَما في قَوْلِهِ تَعالى“ تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ ”وقَوْلِهِمْ“ بِالرِّفاءِ والبَنِينَ ”وهَذا المَعْنى هو أكْثَرُ مَعانِي الباءِ وأشْهَرُها، قالَ سِيبَوَيْهِ: الإلْصاقُ لا يُفارِقُ الباءَ وإلَيْهِ تَرْجِعُ تَصارِيفُ مَعانِيها ولِذَلِكَ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وهَذا الوَجْهُ أيِ المُلابَسَةُ أعْرَبُ وأحْسَنُ أيْ أحْسَنُ مِن جَعْلِ الباءِ لِلْآلَةِ أيْ أدْخَلَ في العَرَبِيَّةِ وأحْسَنَ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّبَرُّكِ بِمُلابَسَةِ جَمِيعِ أجْزاءِ الفِعْلِ لِاسْمِهِ تَعالى.
والِاسْمُ لَفْظٌ جُعِلَ دالًّا عَلى ذاتٍ حِسِّيَّةٍ أوْ مَعْنَوِيَّةٍ بِشَخْصِها أوْ نَوْعِها. وجَعَلَهُ أئِمَّةُ البَصْرَةِ مُشْتَقًّا مِنَ السُّمُوِّ وهو الرِّفْعَةُ لِأنَّها تَتَحَقَّقُ في إطْلاقاتِ الِاسْمِ ولَوْ بِتَأْوِيلٍ فَإنَّ أصْلَ الِاسْمِ في كَلامِ العَرَبِ هو العِلْمُ ولا تُوضَعُ الأعْلامُ إلّا لِشَيْءٍ مُهْتَمٍّ بِهِ، وهَذا اعْتِدادٌ بِالأصْلِ والغالِبِ، وإلّا فَقَدَ تُوضَعُ الأعْلامُ لِغَيْرِ ما يُهْتَمُّ بِهِ كَما قالُوا“ فُجّارٌ ”عَلَمٌ لِلْفَجَرَةِ. فَأصْلُ صِيغَتِهِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ النّاقِصِ الواوِيِّ فَهو إمّا سِمْوٌ بِوَزْنِ حِمْلٍ، أوْ سُمْوٌ بِوَزْنِ قُفْلٍ فَحُذِفَتِ اللّامُ حَذْفًا لِمُجَرَّدِ التَّخْفِيفِ أوْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ ولِذَلِكَ جَرى الإعْرابُ عَلى الحَرْفِ الباقِي، لِأنَّهُ لَوْ حُذِفَتْ لامَهُ لِعِلَّةٍ صَرْفِيَّةٍ لَكانَ الإعْرابُ مُقَدَّرًا عَلى الحَرْفِ المَحْذُوفِ كَما في نَحْوِ قاضٍ وجَوارٍ، فَلَمّا جَرى الإعْرابُ عَلى الحَرْفِ الباقِي الَّذِي كانَ ساكِنًا نَقَلُوا سُكُونَهُ لِلْمُتَحَرِّكِ وهو أوَّلُ الكَلِمَةِ وجَلَبُوا هَمْزَةَ الوَصْلِ لِلنُّطْقِ بِالسّاكِنِ؛ إذِ العَرَبُ لا تَسْتَحْسِنُ الِابْتِداءَ بِحَرْفٍ ساكِنٍ لِابْتِناءِ لُغَتِهِمْ عَلى التَّخْفِيفِ، وقَدْ قَضَوْا بِاجْتِلابِ الهَمْزَةِ وطَرًا ثانِيًا مِنَ التَّخْفِيفِ وهو عَوْدُ الكَلِمَةِ إلى الثُّلاثِيِّ لِأنَّ الأسْماءَ الَّتِي تَبْقى بِالحَذْفِ عَلى حَرْفَيْنِ كَيَدٍ ودَمٍ لا تَخْلُو مِن ثِقَلٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُجْتَلَبْ لِتَعْوِيضِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ وإلّا لاجْتَلَبُوها في يَدٍ ودَمٍ وغَدٍ.
وقَدِ احْتَجُّوا عَلى أنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ بِجَمْعِهِ عَلى أسْماءٍ بِوَزْنِ أفْعالٍ، فَظَهَرَتْ في آخِرِهِ هَمْزَةٌ وهي مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ المُتَطَرِّفَةِ إثْرَ ألِفِ الجَمْعِ، وبِأنَّهُ جُمِعَ عَلى أسامِي وهو جَمْعُ الجَمْعِ بِوَزْنِ أفاعِيلَ بِإدْغامِ ياءِ الجَمْعِ في لامِ الكَلِمَةِ ويَجُوزُ تَخْفِيفُها كَما في أثافِي وأمانِي، وبِأنَّهُ صُغِّرَ عَلى سُمَيٍّ.
وأنَّ الفِعْلَ مِنهُ سَمَّيْتُ، وهي حُجَجٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ أصْلَهُ مِنَ النّاقِصِ الواوِيِّ. وبِأنَّهُ يُقالُ سُمًى كَهُدًى؛ لِأنَّهم صاغُوهُ عَلى فِعْلٍ كَرَطُبَ فَتَنْقَلِبُ الواوُ المُتَحَرِّكَةُ ألِفًا إثْرَ الفَتْحَةِ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَ أبِي خالِدٍ القَنانِيِّ الرّاجِزِ:
واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا
وقالَ ابْنُ يَعِيشَ: لا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمالِ كَوْنِهِ لُغَةً مَن قالَ سُمَ والنَّصْبُ فِيهِ نَصْبُ إعْرابٍ لا نَصْبُ الإعْلالِ، ورَدَّهُ عَبْدُ الحَكِيمِ بِأنَّ كِتابَتَهُ بِالإمالَةِ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. وعِنْدِي فِيهِ أنَّ الكِتابَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِها الرِّوايَةُ فَلَعَلَّ الَّذِينَ كَتَبُوهُ بِالياءِ هُمُ الَّذِينَ ظَنُّوهُ مَقْصُورًا، عَلى أنَّ قِياسَها الكِتابَةُ بِالألِفِ مُطْلَقًا لِأنَّهُ واوِيٌّ إلّا إذا أُرِيدَ عَدَمُ التِباسِ الألِفِ بِألِفِ النَّصْبِ. ورَأْيُ البَصْرِيِّينَ أرْجَحُ مِن ناحِيَةِ تَصارِيفِ هَذا اللَّفْظِ.وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ أصْلَهُ وِسْمٌ بِكَسْرِ الواوِ لِأنَّهُ مِنَ السِّمَةِ وهي العَلامَةُ، فَحُذِفَتِ الواوُ وعُوِّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ لِيُبْقى عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ ثُمَّ يُتَوَسَّلُ بِذَلِكَ إلى تَخْفِيفِهِ في الوَصْلِ، وكَأنَّهم رَأوْا أنْ لا وجْهَ لِاشْتِقاقِهِ مِنَ السُّمُوِّ لِأنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِأشْياءَ غَيْرِ سامِيَةٍ وقَدْ عَلِمْتَ وجْهَ الجَوابِ، ورَأْيُ الكُوفِيِّينَ أرْجَحُ مِن جانِبِ الِاشْتِقاقِ دُونَ التَّصْرِيفِ، عَلى أنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ لَمْ يُعْهَدْ دُخُولُها عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ. ورَدُّوا اسْتِدْلالَ البَصْرِيِّينَ بِتَصارِيفِهِ بِأنَّها يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ التَّصارِيفُ مِنَ القَلْبِ المَكانِيِّ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ اسْمٍ وسْمٍ، ثُمَّ نُقِلَتِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ فَجُعِلَتْ لامًا لِيُتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى حَذْفِها ورُدَّ في تَصَرُّفاتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي حُذِفَ مِنهُ لِأنَّهُ تُنُوسِيَ أصْلُهُ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ هَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ وبِأنَّ القَلْبَ لا يَلْزَمُ الكَلِمَةَ في سائِرِ تَصارِيفِها وإلّا لَما عُرِفَ أصْلُ تِلْكَ الكَلِمَةِ.
وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ التَّصارِيفَ هي الَّتِي يُعْرَفُ بِها الزّائِدُ مِنَ الأصْلِيِّ والمُنْقَلِبَ مِن غَيْرِهِ. وزَعَمابْنُ حَزْمٍ في كِتابِ المِلَلِ والنِّحَلِ أنَّ كِلا قَوْلَيِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ فاسِدٌ افْتَعَلَهُ النُّحاةُ ولَمْ يَصِحَّ عَنِ العَرَبِ وأنَّ لَفْظَ الِاسْمِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ بَلْ هو جامِدٌ، وتَطاوَلَ بِبَذاءَتِهِ عَلَيْهِمْ وهي جُرْأةٌ عَجِيبَةٌ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وإنَّما أُقْحِمَ لَفْظُ اسْمٍ مُضافًا إلى عَلَمِ الجَلالَةِ إذْ قِيلَ: بِسْمِ اللَّهِ، ولَمْ يُقَلْ بِاللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَشْرُوعُ فِيهِ مِن شُئُونِ أهْلِ التَّوْحِيدِ المَوْسُومَةِ بِاسْمِ الإلَهِ الواحِدِ فَلِذَلِكَ تُقْحَمُ كَلِمَةُ اسْمٍ في كُلِّ ما كانَ عَلى هَذا المَقْصِدِ كالتَّسْمِيَةِ عَلى النُّسُكِ قالَ تَعالى ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وقالَ ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]“ وكالأفْعالِ الَّتِي يُقْصَدُ بِها التَّيَمُّنُ والتَّبَرُّكُ وحُصُولُ المَعُونَةِ مِثْلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فاسْمُ اللَّهِ هو الَّذِي تُمْكِنُ مُقارَنَتُهُ لِلْأفْعالِ لا ذاتُهُ، فَفي مِثْلِ هَذا لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ بِاللَّهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَسْتَمِدُّ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرًا وتَصَرُّفا مِن تَصَرُّفاتِ قُدْرَتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ هو المَقْصُودَ بِالشُّرُوعِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أمْرٌ بِأنْ يَقُولَ سُبْحانَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ ”وسَبِّحْهُ“ أمْرٌ بِتَنْزِيهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، فاسْتِعْمالُ لَفْظِ الِاسْمِ في هَذا بِمَنزِلَةِ اسْتِعْمالِ سِماتِ الإبِلِ عِنْدَ القَبائِلِ، وبِمَنزِلَةِ اسْتِعْمالِ القَبائِلِ شِعارَ تَعارُفِهِمْ، واسْتِعْمالِ الجُيُوشِ شِعارَهُمُ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ. والخُلاصَةُ أنَّ كُلَّ مَقامٍ يُقْصَدُ فِيهِ التَّيَمُّنُ والِانْتِسابُ إلى الرَّبِّ الواحِدِ الواجِبِ الوُجُودِ يُعَدّى فِيهِ الفِعْلُ إلى لَفْظِ اسْمِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١] وفي الحَدِيثِ في دُعاءِ الِاضْطِجاعِ «بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ» وكَذَلِكَ المَقامُ الَّذِي يُقْصَدُ فِيهِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أيْ قُلْ سُبْحانَ اللَّهِ ”سَبَّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى“ وكُلُّ مَقامٍ يُقْصَدُ فِيهِ طَلَبُ التَّيْسِيرِ والعَوْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى يُعَدّى الفِعْلُ المَسْئُولُ إلى عَلَمِ الذّاتِ بِاعْتِبارِ ما لَهُ مِن صِفاتِ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ”فاسْجُدْ لَهُ“ وقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ بِكَ نُصْبِحُ وبِكَ نُمْسِي» أيْ بِقُدْرَتِكَ ومَشِيئَتِكَ وكَذَلِكَ المَقامُ الَّذِي يُقْصَدُ فِيهِ تَوَجَّهُ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] أيْ نَزِّهْ ذاتَهُ وحَقِيقَتَهُ عَنِ النَّقائِصِ. فَمَعْنى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْرَأُ قِراءَةً مُلابِسَةً لِبَرَكَةِ هَذا الِاسْمِ المُبارَكِ.
هَذا وقَدْ ورَدَ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ تَوَسُّعاتٍ في إطْلاقِ لَفْظِ الِاسْمِ مَرَّةً يَعْنُونَ بِهِ ما يُرادِفُ المُسَمّى كَقَوْلِ النّابِغَةِ
نَبَّئْتُ زُرْعَةَ والسَّفاهَةُ كاسْمِها ∗∗∗ يُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
يَعْنِي أنَّ السَّفاهَةَ هي هي لا تُعَرَّفُ لِلنّاسِ بِأكْثَرَ مِنِ اسْمِها، وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِعْمالِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الواضِحِ الشَّهِيرِ ويُطْلِقُونَ الِاسْمَ مُقْحَمًا زائِدًا كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ: ”إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما“ يَعْنِي ثُمَّ السَّلامُ عَلَيْكُما ولَيْسَ هَذا خاصًّا بِلَفْظِ الِاسْمِ بَلْ يَجِيءُ فِيما يُرادِفُهُ مِثْلَ الكَلِمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وكَذَلِكَ لَفْظٌ في قَوْلِ بَشّارٍ هاجِيًا:وكَذاكَ، كانَ أبُوكَ يُؤْثَرُ بِالهُنى ∗∗∗ ويَظَلُّ في لَفْظِ النَّدى يَتَرَدَّدُ
وقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمُ وما في مَعْناهُ كِنايَةً عَنْ وُجُودِ المُسَمّى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ أيْ أثْبِتُوا وُجُودَهم ووَضْعَ أسْماءٍ لَهم. فَهَذِهِ إطْلاقاتٌ أُخْرى لَيْسَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ في البَسْمَلَةِ مِن قَبِيلِها، وإنَّما نَبَّهْنا عَلَيْها لِأنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خَلَطَ بِها في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ، ذَكَرْتُها هُنا تَوْضِيحًا لِيَكُونَ نَظَرُكم فِيها فَسِيحًا فَشُدُّوا بِها يَدًا. ولا تَتَّبِعُوا طَرائِقَ قِدَدًا وقَدْ تَكَلَّمُوا عَلى مَلْحَظِ تَطْوِيلِ الباءِ في رَسْمِ البَسْمَلَةِ بِكَلامٍ كُلُّهُ غَيْرُ مُقْنِعٍ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا كَتَبُوا المُصْحَفَ طَوَّلُوها في سُورَةِ النَّمْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مَبْدَأُ كِتابِ سُلَيْمانَ فَهي مِنَ المَحْكِيِّ، فَلَمّا جَعَلُوها عَلامَةً عَلى فَواتِحِ السُّوَرِ نَقَلُوها بِرَسْمِها، وتَطْوِيلُ الباءِ فِيها صالِحٌ لِاتِّخاذِهِ قُدْوَةً في ابْتِداءِ الغَرَضِ الجَدِيدِ مِنَ الكَلامِ بِحَرْفٍ غَلِيظٍ أوْ مُلَوَّنٍ.والكَلامُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ ووَصْفِهِ يَأْتِي بِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ومُناسَبَةُ الجَمْعِ في البَسْمَلَةِ بَيْنَ عَلَمِ الجَلالَةِ وبَيْنَ صِفَتَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: إنَّ المُسَمِّي إذا قَصَدَ الِاسْتِعانَةَ بِالمَعْبُودِ الحَقِّ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ مُولِي النِّعَمِ كُلِّها جَلِيلِها ودَقِيقِها يَذْكُرُ عَلَمَ الذّاتِ إشارَةً إلى اسْتِحْقاقِهِ أنْ يُسْتَعانَ بِهِ بِالذّاتِ، ثُمَّ يَذْكُرُ وصْفَ الرَّحْمَنِ إشارَةً إلى أنَّ الِاسْتِعانَةَ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ وهي نِعَمٌ، وذِكْرُ الرَّحِيمِ لِلْوُجُوهِ الَّتِي سَنَذْكُرُها في عَطْفِ صِفَةِ الرَّحِيمِ عَلى صِفَةِ الرَّحْمَنِ.
وقالَ الأُسْتاذُ الإمامُ مُحَمَّد عَبْدُه: إنَّ النَّصارى كانُوا يَبْتَدِئُونَ أدْعِيَتَهم ونَحْوَها بِاسْمِ الأبِ والِابْنِ والرُّوحِ القُدُسِ إشارَةً إلى الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ عِنْدَهم، فَجاءَتْ فاتِحَةُ كِتابِ الإسْلامِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ مُوقِظَةً لَهم بِأنَّ الإلَهَ الواحِدَ وإنْ تَعَدَّدَتْ أسْماؤُهُ فَإنَّما هو تَعَدُّدُ الأوْصافِ دُونَ تَعَدُّدِ المُسَمَّياتِ، يَعْنِي فَهو رَدٌّ عَلَيْهِمْ بِتَغْلِيطٍ وتَبْلِيدٍ. وإذا صَحَّ أنَّ فَواتِحَ النَّصارى وأدْعِيَتَهم كانَتْ تَشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ إذِ النّاقِلُ أمِينٌ فَهي نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ.
وعِنْدِي أنَّ البَسْمَلَةَ كانَ ما يُرادِفُها قَدْ جَرى عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهي مِن كَلامِ الحَنِيفِيَّةِ، فَقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ ﴿يا أبَتِ إنِّيَ أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥]، وقالَ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] ومَعْنى الحَفِيِّ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الرَّحِيمِ. وحَكى عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] . ووَرَدَ ذِكْرُ مُرادِفِها في كِتابِ سُلَيْمانَ إلى مَلِكَةِ سَبَأٍ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] والمَظْنُونُ أنَّ سُلَيْمانَ اقْتَدى في افْتِتاحِ كِتابِهِ بِالبَسْمَلَةِ بِسُنَّةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ جَعَلَها إبْراهِيمُ كَلِمَةً باقِيَةً في وارِثِي نُبُوَّتِهِ، وأنَّ اللَّهَ أحْيا هَذِهِ السُّنَّةَ في الإسْلامِ في جُمْلَةِ ما أوْحى لَهُ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]
(سُورَةُ أُمِّ القُرْآنِ)
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ باءُ الجَرِّ تَأْتِي لِمَعانٍ: لِلْإلْصاقِ، والِاسْتِعانَةِ، والقَسَمِ، والسَّبَبِ، والحالِ، والظَّرْفِيَّةِ، والنَّقْلِ. فالإلْصاقُ حَقِيقَةً: مَسَحْتُ بِرَأْسِي، ومَجازًا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ. والِاسْتِعانَةُ: ذَبَحْتُ بِالسِّكِّينِ. والسَّبَبُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ [النساء: ١٦٠] . والقَسَمُ: بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ. والحالُ: جاءَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ. والظَّرْفِيَّةُ: زَيْدٌ بِالبَصْرَةِ. والنَّقْلُ: قُمْتُ بِزَيْدٍ. وتَأْتِي زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ، والبَدَلُ: فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْمًا أيْ بَدَلَهم، والمُقابَلَةُ: اشْتَرَيْتُ الفَرَسَ بِألْفٍ، والمُجاوَزَةُ: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أيْ عَنِ الغَمامِ، والِاسْتِعْلاءُ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] . وكَنّى بَعْضُهم عَنِ الحالِ بِالمُصاحَبَةِ، وزادَ فِيها كَوْنَها لِلتَّعْلِيلِ، وكَنّى عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالسَّبَبِ، وعَنِ الحالِ بِمَعْنى مَعَ بِمُوافَقَةِ مَعْنى اللّامِ. ويُقالُ اسْمٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ الوَصْلِ وضَمِّها، وسِمٌ بِكَسْرِ السِّينِ وضَمِّها، وسُمًى كَهُدًى، والبَصْرِيُّ يَقُولُ: مادَّتُهُ سِينٌ ومِيمٌ وواوٌ، والكُوفِيُّ يَقُولُ: واوٌ وسِينٌ ومِيمٌ، والأرْجَحُ الأوَّلُ، والِاسْتِدْلالُ في كُتُبِ النَّحْوِ.
ألْ لِلْعَهْدِ في شَخْصٍ أوْ جِنْسٍ، ولِلْحُضُورِ ولِلَمْحِ الصِّفَةِ ولِلْغَلَبَةِ ومَوْصُولَةٌ. فَلِلْعَهْدِ في شَخْصٍ: جاءَ الغُلامُ، وفي جِنْسٍ: اسْقِنِي الماءَ، ولِلْحُضُورِ: خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ، ولِلَمْحٍ: الحارِثُ، ولِلْغَلَبَةِ: الدَّبَرانِ. وزائِدَةٌ لازِمَةٌ، وغَيْرُ لازِمَةٍ، فاللّازِمَةُ: كالآنَ، وغَيْرُ اللّازِمَةِ:
باعَدَ أُمَّ العَمْرِ مِن أسِيرِها، وهَلْ هي مُرَكَّبَةٌ مِن حَرْفَيْنِ أمْ هي حَرْفٌ واحِدٌ ؟ وإذا كانَتْ مِن حَرْفَيْنِ فَهَلِ الهَمْزَةُ زائِدَةٌ أمْ لا ؟ مَذاهِبُ، واللَّهُ أعْلَمُ، لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ مُرْتَجَلٍ غَيْرِ مُشْتَقٍّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ، ومادَّتُهُ قِيلَ: لامٌ وياءٌ وهاءٌ، مِن لاهَ يَلِيهُ، ارْتَفَعَ. قِيلَ: ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الشَّمْسُ إلاهَةً بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وقِيلَ: لامٌ وواوٌ وهاءٌ مِن لاهَ يَلُوهُ لَوْهًا، احْتَجَبَ أوِ اسْتَنارَ، ووَزْنُهُ إذْ ذاكَ فَعَلَ أوْ فَعِلَ، وقِيلَ: الألِفُ زائِدَةٌ، ومادَّتُهُ هَمْزَةٌ ولامٌ مِن ألِهَ أيْ فَزِعَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أوْ ألَّهَ تَحَيَّرَ، قالَهُ أبُو عُمَرَ، وألَّهَ عَبَدَ، قالَهُ النَّضْرُ، أوْ ألَهَ سَكَنَ، قالَهُ المُبَرِّدُ. وعَلى هَذِهِ الأقاوِيلِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ اعْتِباطًا، كَما قِيلَ في ناسٍ أصْلُهُ أُناسٌ، أوْ حُذِفَتْ لِلنَّقْلِ ولَزِمَ مَعَ الإدْغامِ، وكِلا القَوْلَيْنِ شاذٌّ. وقِيلَ: مادَّتُهُ واوٌ ولامٌ وهاءٌ، مِن ولِهَ أيْ طَرِبَ، وأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ مِنَ الواوِ نَحْوَ أشاحَ، قالَهُ الخَلِيلُ والقَنّادُ، وهو ضَعِيفٌ لِلُزُومِ البَدَلِ. وقَوْلُهم في الجَمْعِ آلِهَةٌ، وتَكُونُ فِعالًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالكِتابِ يُرادُ بِهِ المَكْتُوبُ. وألْ في اللَّهِ إذا قُلْنا أصْلُهُ الإلاهُ، قالُوا لِلْغَلَبَةِ، إذِ الإلَهُ يَنْطَلِقُ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ وباطِلٍ، واللَّهُ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ، فَصارَ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا. وأُورِدَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ كالنَّجْمِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الحَذْفِ والنَّقْلِ أوِ الإدْغامِ لَمْ يُطْلَقْ عَلى كُلِّ إلَهٍ، ثُمَّ غُلِّبَ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ، ووَزْنُهُ عَلى أنَّ أصْلَهُ فِعالٌ، فَحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ عالٌ. وإذا قُلْنا بِالأقاوِيلِ السّابِقَةِ فَألْ فِيهِ زائِدَةٌ لازِمَةٌ، وشَذَّ حَذْفُها في قَوْلِهِمْ لاهَ أبُوكَ شُذُوذَ حَذْفِ الألِفِ في أقْبَلَ سَيْلٌ. أقْبَلَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ألْ في اللَّهِ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، ووَصَلَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهو اخْتِيارُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ والسُّهَيْلِيِّ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ وزْنَهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ فَعّالًا، وامْتِناعُ تَنْوِينِهِ لا مُوجِبَ لَهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ألْ حَرْفٌ داخِلٌ عَلى الكَلِمَةِ سَقَطَ لِأجْلِها التَّنْوِينُ. ويَنْفَرِدُ هَذا الِاسْمُ بِأحْكامٍ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ أصْلَهُ لاها بِالسُّرْيانِيَّةِ فَعُرِّبَ، قالَ:
كَحَلْفَةٍ مِن أبِي رَباحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها لاهُهُ الكِبارُ.
قالَ أبُو يَزِيدَ البَلْخِيِّ: هو أعْجَمِيٌّ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَقُولُونَ لاها، وأخَذَتِ العَرَبُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وغَيَّرُوها فَقالُوا اللَّهُ. ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ في اللَّهِ أنَّهُ صِفَةٌ ولَيْسَ اسْمَ ذاتٍ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ يُعْرَفُ بِهِ المُسَمّى، واللَّهُ - تَعالى - لا يُدْرَكُ حِسًّا ولا بَدِيهَةً، ولا تُعْرَفُ ذاتُهُ بِاسْمِهِ، بَلْ إنَّما يُعْرَفُ بِصِفاتِهِ، فَجَعْلُهُ اسْمًا لِلذّاتِ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ. وكانَ العِلْمُ قائِمًا مُقامَ الإشارَةِ، وهي مُمْتَنِعَةٌ في حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - وحُذِفَتِ الألِفُ الأخِيرَةُ مِنَ اللَّهِ لِئَلّا يُشْكِلَ بِخَطِّ اللّاهِ اسْمُ الفاعِلِ مِن لَها يَلْهُو، وقِيلَ: طُرِحَتْ تَخْفِيفًا، وقِيلَ هي لُغَةٌ فاسْتُعْمِلَتْ في الخَطِّ.(الرَّحْمَنِ): فَعْلانُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وأصْلُ بِنائِهِ مِنَ اللّازِمِ مِنَ المُبالَغَةِ وشَذَّ مِنَ المُتَعَدِّي، وألْ فِيهِ لِلْغَلَبَةِ، كَهي في الصَّعْقِ، فَهو وصْفٌ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِ اللَّهِ، كَما لَمْ يُسْتَعْمَلِ اسْمُهُ في غَيْرِهِ، وسَمِعْنا مَناقِبَهُ، قالُوا: رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ووَصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِهِ مِن تَعَنُّتِ المُلْحِدِينَ، وإذا قُلْتَ: اللَّهُ رَحْمَنٌ، فَفي صَرْفِهِ قَوْلانِ لِيُسْنَدَ أحَدُهُما إلى أصْلٍ عامٍّ، وهو أنَّ أصْلَ الِاسْمِ الصَّرْفُ، والآخَرُ إلى أصْلٍ خاصٍّ، وهو أنَّ أصْلَ فَعْلانَ المَنعُ لِغَلَبَتِهِ فِيهِ. ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ أعْجَمِيٌّ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ فَعُرِّبَ بِالحاءِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
(الرَّحِيمِ): فَعِيلٌ مُحَوَّلٌ مِن فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وهو أحَدُ الأمْثِلَةِ الخَمْسَةِ، وهي فَعّالٌ وفَعُولٌ ومِفْعالٌ وفَعِيلٌ وفَعِلٌ، وزادَ بَعْضُهم فِعِّيلًا فِيها نَحْوَ سِكِّيرٍ، ولَها بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ، قِيلَ: وجاءَ رَحِيمٌ بِمَعْنى مَرْحُومٍ، قالَ العَمَلَّسُ بْنُ عَقِيلٍ:
فَأمّا إذا عَضَّتْ بِكَ الأرْضُ عَضَّةً ∗∗∗ فَإنَّكَ مَعْطُوفٌ عَلَيْكَ رَحِيمٌ.
قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ: الفاتِحَةُ مَكِّيَّةٌ، ويُؤَيِّدُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] . والحِجْرُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ. وفي حَدِيثِ أُبَيٍّ: إنَّها السَّبْعُ المَثانِي والسَّبْعُ الطِّوالُ، أُنْزِلَتْ بَعْدَ الحِجْرِ بِمُدَدٍ، ولا خِلافَ أنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ كانَ بِمَكَّةَ، وما حُفِظَ أنَّهُ كانَتْ في الإسْلامِ صَلاةٌ بِغَيْرِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ ومُجاهِدٌ وسَوادُ بْنُ زِيادٍ والزُّهْرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ.الباءُ في بِسْمِ اللَّهِ لِلِاسْتِعانَةِ، نَحْوَ كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، ومَوْضِعُها نَصْبٌ، أيْ بَدَأْتُ، وهو قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وكَذا كُلُّ فاعِلٍ بُدِئَ في فِعْلِهِ بِالتَّسْمِيَةِ كانَ مُضْمَرًا لِأبْدَأ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِعْلًا غَيْرَ بَدَأْتُ وجَعَلَهُ مُتَأخِّرًا، قالَ: تَقْدِيرُهُ بِسْمِ اللَّهِ أقْرَأُ أوْ أتْلُو، إذِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ مَقْرُوءٌ، والتَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ عِنْدَهُ يُوجِبُ الِاخْتِصاصَ، ولَيْسَ كَما زَعَمَ. قالَ سِيبَوَيْهِ وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى ضَرَبْتُ زَيْدًا ما نَصُّهُ: وإذا قَدَّمْتَ الِاسْمَ فَهو عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَما كانَ ذَلِكَ، يَعْنِي تَأْخِيرُهُ عَرَبِيًّا جَيِّدًا وذَلِكَ قَوْلُكَ: زَيْدًا ضَرَبْتُ. والِاهْتِمامُ والعِنايَةُ هُنا في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، سَواءٌ مِثْلُهُ في ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، أوْ ضَرَبَ زَيْدًا عَمْرٌو، انْتَهى. وقِيلَ: مَوْضِعُ اسْمٍ رَفْعٌ التَّقْدِيرُ ابْتِدائِي ثابِتٌ، أوْ مُسْتَقِرٌّ بِاسْمِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، وأيُّ التَّقْدِيرَيْنِ أرْجَحُ يُرَجَّحُ الأوَّلُ، لِأنَّ الأصْلَ في العَمَلِ لِلْفِعْلِ، أوِ الثّانِي لِبَقاءِ أحَدِ جُزْأيِ الإسْنادِ.
والِاسْمُ هو اللَّفْظُ الدّالُّ بِالوَضْعِ عَلى مَوْجُودٍ في العِيانِ إنْ كانَ مَحْسُوسًا، وفي الأذْهانِ إنْ كانَ مَعْقُولًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ بِبِنْيَتِهِ لِلزَّمانِ، ومَدْلُولُهُ هو المُسَمّى، ولِذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ: فالكُلُّ اسْمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ، والتَّسْمِيَةُ جَعْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ المَعْنى، فَقَدِ اتَّضَحَتِ المُبايَنَةُ بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةِ. فَإذا أسْنَدْتَ حُكْمًا إلى اسْمٍ فَتارَةً يَكُونُ إسْنادُهُ إلَيْهِ حَقِيقَةً، نَحْوَ: زَيْدٌ اسْمُ ابْنِكَ، وتارَةً لا يَصِحُّ الإسْنادُ إلَيْهِ إلّا مَجازًا، وهو أنْ تُطْلِقَ الِاسْمَ وتُرِيدَ بِهِ مَدْلُولَهُ وهو المُسَمّى، نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١]، و﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] . والعَجَبُ مِنِ اخْتِلافِ النّاسِ هَلِ الِاسْمُ هو عَيْنُ المُسَمّى أوْ غَيْرُهُ، وقَدْ صَنَّفَ في ذَلِكَ الغَزالِيُّ وابْنُ السَّيِّدِ والسُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهم، وذَكَرُوا احْتِجاجَ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ وأطالُوا في ذَلِكَ. وقَدْ تَأوَّلَ السُّهَيْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] بِأنَّهُ أقْحَمَ الِاسْمَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ واذْكُرْ رَبَّكَ بِقَلْبِكَ ولِسانِكَ حَتّى لا يَخْلُوَ الذِّكْرُ والتَّسْبِيحُ مِنَ اللَّفْظِ بِاللِّسانِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ مُتَعَلِّقُهُ المُسَمّى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ، والذِّكْرُ بِاللِّسانِ مُتَعَلِّقُهُ اللَّفْظُ. وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً﴾ [يوسف: ٤٠] بِأنَّها أسْماءٌ كاذِبَةٌ غَيْرُ واقِعَةٍ عَلى حَقِيقَةٍ، فَكَأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا إلّا الأسْماءَ الَّتِي اخْتَرَعُوها، وهَذا مِنَ المَجازِ البَدِيعِ. وحُذِفَتِ الألِفُ مِن بِسْمِ هُنا في الخَطِّ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَلَوْ كُتِبَتْ بِاسْمِ القاهِرِ أوْ بِاسْمِ القادِرِ. فَقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: تُحْذَفُ الألِفُ. وقالَ الفَرّاءُ: لا تُحْذَفُ إلّا مَعَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ إنَّما كَثُرَ فِيهِ، فَأمّا في غَيْرِهِ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - فَلا خِلافَ في ثُبُوتِ الألِفِ.
والرَّحْمَنُ صِفَةٌ لِلَّهِ عِنْدَ الجَماعَةِ. وذَهَبَ الأعْلَمُ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ بَدَلٌ، وزَعَمَ أنَّ الرَّحْمَنَ عَلَمٌ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنَ الرَّحْمَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ الرَّحِيمِ ولا الرّاحِمِ، بَلْ هو مِثْلُ الدَّبَرانِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِن دَبَرَ صِيغَ لِلْعَلَمِيَّةِ، فَجاءَ عَلى بِناءٍ لا يَكُونُ في النُّعُوتِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى عَلَمِيَّتِهِ ووُرُودِهِ غَيْرَ تابِعٍ لِاسْمٍ قَبْلَهُ، قالَ - تَعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، وإذا ثَبَتَتِ العَلَمِيَّةُ امْتَنَعَ النَّعْتُ فَتَعَيَّنَ البَدَلُ. قالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: البَدَلُ فِيهِ عِنْدِي مُمْتَنِعٌ، وكَذَلِكَ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ الأوَّلَ لا يَفْتَقِرُ إلى تَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ أعْرَفُ الأعْلامِ كُلِّها وأبْيَنُها، ألا تَراهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ، ولَمْ يَقُولُوا: وما اللَّهُ، فَهو وصْفٌ يُرادُ بِهِ الثَّناءُ وإنْ كانَ يَجْرِي مَجْرى الأعْلامِ.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قِيلَ: دَلالَتُهُما واحِدٌ نَحْوَ نَدْمانَ ونَدِيمٍ. وقِيلَ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فالرَّحْمَنُ أكْثَرُ مُبالَغَةً، وكانَ القِياسُ التَّرَقِّي كَما تَقُولُ: عالِمٌ نِحْرِيرٌ، وشُجاعٌ باسِلٌ، لَكِنْ أرْدَفَ الرَّحْمَنَ الَّذِي يَتَناوَلُ جَلائِلَ النِّعَمِ وأُصُولَها بِالرَّحِيمِ لِيَكُونَ كالتَّتِمَّةِ والرَّدِيفِ لِيَتَناوَلَ ما دَقَّ مِنها ولَطُفَ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: الرَّحِيمُ أكْثَرُ مُبالَغَةً، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جِهَةَ المُبالَغَةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهُما، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّوْكِيدِ. فَمُبالَغَةُ فَعْلانَ مِثْلَ غَضْبانَ وسَكْرانَ مِن حَيْثُ الِامْتِلاءُ والغَلَبَةُ، ومُبالَغَةُ فَعِيلٍ مِن حَيْثُ التَّكْرارُ والوُقُوعُ بِمَحالِّ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ لا يَتَعَدّى فَعْلانُ ويَتَعَدّى فَعِيلٌ. تَقُولُ: زَيْدٌ رَحِيمُ المَساكِينِ، كَما تَعَدّى فاعِلًا، قالُوا: زَيْدٌ حَفِيظُ عِلْمِكَ وعِلْمِ غَيْرِكَ، حَكاهُ ابْنُ سِيدَهْ عَنِ العَرَبِ. ومَن رَأى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ولَمْ يَذْهَبْ إلى تَوْكِيدِ أحَدِهِما بِالآخَرِ احْتاجَ أنَّهُ يَخُصُّ كُلَّ واحِدٍ بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أصْلُ المَوْضُوعِ عِنْدَهُ واحِدًا لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: رَحْمانُ الدُّنْيا ورَحِيمُ الآخِرَةِ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الرَّحْمَنُ رَحْمانُ الدُّنْيا والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ» . وإذا صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: رَحْمانُ الآخِرَةِ ورَحِيمُ الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: لِأهْلِ السَّماءِ والأرْضِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: بِرَحْمَةٍ واحِدَةٍ وبِمِائَةِ رَحْمَةٍ. وقالَ المَزْنِيُّ: بِنِعْمَةِ الدُّنْيا والدِّينِ. وقالَ العَزِيزِيُّ: الرَّحْمَنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ في الأمْطارِ، ونِعَمِ الحَواسِّ، والنِّعَمِ العامَّةِ، الرَّحِيمُ بِالمُؤْمِنِينَ في الهِدايَةِ لَهم واللُّطْفِ بِهِمْ، وقالَ المُحاسِبِيُّ: بِرَحْمَةِ النُّفُوسِ ورَحْمَةِ القُلُوبِ. وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لِمَصالِحِ المَعادِ والمَعاشِ. وقالَ الصّادِقُ: خاصُّ اللَّفْظِ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ في الرِّزْقِ، وعامُّ اللَّفْظِ بِصِيغَةٍ خاصَّةٍ في مَغْفِرَةِ المُؤْمِنِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: الرَّحْمَنُ أمْدَحُ والرَّحِيمُ ألْطَفُ، وقِيلَ: الرَّحْمَنُ المُنْعِمُ بِما لا يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ، والرَّحِيمُ المُنْعِمُ بِما يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ، والرَّحِيمُ إنَّما هو في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] . ووَصْفُ اللَّهِ - تَعالى - بِالرَّحْمَةِ مَجازٌ عَنْ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ، ألا تَرى أنَّ المَلِكَ إذا عَطَفَ عَلى رَعِيَّتِهِ ورَقَّ لَهم أصابَهم إحْسانُهُ فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ إذْ ذاكَ صِفَةَ فِعْلٍ ؟ وقالَ قَوْمٌ: هي إرادَةُ الخَيْرِ لِمَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - بِهِ ذَلِكَ، فَتَكُونُ عَلى هَذا صِفَةَ ذاتٍ، ويَنْبَنِي عَلى هَذا الخِلافِ خِلافٌ آخَرُ، وهو أنَّ صِفاتِ اللَّهِ - تَعالى - الذّاتِيَّةَ والفِعْلِيَّةَ أهِيَ قَدِيمَةٌ أمْ صِفاتُ الذّاتِ قَدِيمَةٌ وصِفاتُ الفِعْلِ مُحْدَثَةٌ ؟ قَوْلانِ. وأمّا الرَّحْمَةُ الَّتِي مِنَ العِبادِ فَقِيلَ هي رِقَّةٌ تَحْدُثُ في القَلْبِ، وقِيلَ هي قَصْدُ الخَيْرِ أوْ دَفْعُ الشَّرِّ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَدْفَعُ الشَّرَّ عَمَّنْ لا يَرِقُّ عَلَيْهِ، ويُوصِلُ الخَيْرَ إلى مَن لا يَرِقُّ عَلَيْهِ.
وفِي البَسْمَلَةِ مِن ضُرُوبِ البَلاغَةِ نَوْعانِ: (أحَدُهُما) الحَذْفُ، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ في بِسْمِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، والحَذْفُ قِيلَ لِتَخْفِيفِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِمْ بِالرَّفاءِ والبَنِينَ، بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ، فَقُلْتُ إلى الطَّعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ”في تِسْعِ آياتٍ“ أيْ أعْرَسْتُ وهَلُمُّوا واذْهَبْ، قالَ أبُو القاسِمِ السُّهَيْلِيِّ: ولَيْسَ كَما زَعَمُوا، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ إظْهارُهُ وإضْمارُهُ في كُلِّ ما يُحْذَفُ تَخْفِيفًا، ولَكِنْ في حَذْفِهِ فائِدَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ مَوْطِنٌ يَنْبَغِي أنْ لا يُقَدَّمَ فِيهِ سِوى ذِكْرُ اللَّهِ - تَعالى - فَلَوْ ذُكِرَ الفِعْلَ، وهو لا يَسْتَغْنِي عَنْ فاعِلِهِ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ اللَّهِ مُقَدَّمًا، وكانَ في حَذْفِهِ مُشاكَلَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، كَما تَقُولُ في الصَّلاةِ: اللَّهُ أكْبَرُ، ومَعْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ولَكِنْ يُحْذَفُ لِيَكُونَ اللَّفْظُ في اللِّسانِ مُطابِقًا لِمَقْصُودِ القَلْبِ، وهو أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ ذِكْرٌ إلّا اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - . ومِنَ الحَذْفِ أيْضًا حَذْفُ الألِفِ في بِسْمِ اللَّهِ وفي الرَّحْمَنِ في الخَطِّ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. (النَّوْعُ الثّانِي): التَّكْرارُ في الوَصْفِ، ويَكُونُ إمّا لِتَعْظِيمِ المَوْصُوفِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ لِيَتَقَرَّرَ في النَّفْسِ. وقَدْ تَعَرَّضَ المُفَسِّرُونَ في كُتُبِهِمْ لِحُكْمِ التَّسْمِيَةِ في الصَّلاةِ، وذَكَرُوا اخْتِلافَ العُلَماءِ في ذَلِكَ، وأطالُوا التَّفارِيعَ في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ فَعَلُوا في غَيْرِ ما آيَةٍ، ومَوْضُوعُ هَذا كُتُبُ الفِقْهِ، وكَذَلِكَ تَكَلَّمَ بَعْضُهم عَلى التَّعَوُّذِ وعَلى حُكْمِهِ، ولَيْسَ مِنَ القُرْآنِ بِإجْماعٍ. ونَحْنُ في كِتابِنا هَذا لا نَتَعَرَّضُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، إلّا إذا كانَ لَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ، أوْ يُمْكِنُ اسْتِنْباطُهُ مِنهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الِاسْتِنْباطاتِ. واخْتُلِفَ في وصْلِ الرَّحِيمِ بِالحَمْدِ، فَقَرَأ قَوْمٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ بِسُكُونِ المِيمِ ويَقِفُونَ عَلَيْها ويَبْتَدِئُونَ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ، والجُمْهُورُ عَلى جَرِّ المِيمِ ووَصْلِ الألِفِ مِنَ الحَمْدِ. وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ إنَّهُ يَقْرَأُ الرَّحِيمَ الحَمْدُ بِفَتْحِ المِيمِ وصِلَةِ الألِفِ، كَأنَّكَ سَكَّنْتَ المِيمَ وقَطَعْتَ الألِفَ، ثُمَّ ألْقَيْتَ حَرَكَتَها عَلى المِيمِ وحَذَفْتَ ولَمْ تُرْوَ هَذِهِ قِراءَةً عَنْ أحَدٍ.
[سورة الفاتحة (1): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)
قَوْلُهُ تَعَالَى: الْأُولَى قَالَ الْعُلَمَاءُ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَسَمٌ مِنْ رَبِّنَا أَنْزَلَهُ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ سُورَةٍ، يُقْسِمُ لِعِبَادِهِ إِنَّ هَذَا الَّذِي وَضَعْتُ لَكُمْ يَا عِبَادِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَقٌّ، وإني أوفي لَكُمْ بِجَمِيعِ مَا ضَمَّنْتُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ وَعْدِي وَلُطْفِي وَبِرِّي. وَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِنَا وَعَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ خُصُوصًا بَعْدَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ الشَّرْعِ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَعَلَى الصِّفَاتِ، وَهَذَا صَحِيحٌ. الثَّانِيَةُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَكْتُبُ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ لَهُ: جَوِّدْهَا فَإِنَّ رَجُلًا جودها فغفر له. قال سيعد: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلَا نَظَرَ إِلَى قِرْطَاسٍ فِيهِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَقَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ فَغُفِرَ لَهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قِصَّةُ بِشْرٍ الْحَافِي، فَإِنَّهُ لَمَّا رَفَعَ الرُّقْعَةَ الَّتِي فيها بسم اللَّهِ وَطَيَّبَهَا طُيِّبَ اسْمُهُ(١)، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ رِدْفِ رَسُولِ الله
ﷺ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" إِذَا عَثَرَتْ بِكَ الدَّابَّةُ فَلَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولُ بقوته صنعته وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهُ يتصاغر حتى مِثْلَ الذُّبَابِ". وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى" وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً(٢) " قَالَ مَعْنَاهُ: إِذَا قُلْتَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ".
وَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابن مسعود قل: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَلْيَقْرَأْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" لِيَجْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا جُنَّةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ. فَالْبَسْمَلَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا عَلَى عَدَدِ مَلَائِكَةِ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ قال الله فيهم:" عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ" وَهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِمْ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فمن هناك هِيَ قُوَّتُهُمْ، وَبِبِسْمِ اللَّهِ اسْتَضْلَعُوا.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُمْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: إِنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، مُرَاعَاةً لِلَفْظَةِ" هِيَ" من كلمات سورة" إِنَّا أَنْزَلْناهُ" وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ ابْتَدَرُوا قَوْلُ الْقَائِلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَإِنَّهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعًا وَثَلَاثِينَ مَلِكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ".
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا مِنْ مُلَحِ التَّفْسِيرِ وَلَيْسَ مِنْ مَتِينِ الْعِلْمِ. الثالثة روى الشعبي ولأعمش أن رسول الله ﷺ كَانَ يَكْتُبُ" بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ" حَتَّى أُمِرَ أَنْ يُكْتَبَ" بِسْمِ اللَّهِ" فَكَتَبَهَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ:" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ" كَتَبَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ" فَلَمَّا نَزَلَتْ:" إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" كَتَبَهَا. وَفِي مُصَنَّفِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَقَتَادَةُ وَثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ: إِنَّ النبي صلى اله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ" النَّمْلِ". الرَّابِعَةُ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ تِيجَانُ السُّوَرِ. قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا. وقد اختلف العلماء في هذا (الْأَوَّلُ) لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
(الثَّانِي) أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ آيَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ، وَتَرَدَّدَ قَوْلُهُ فِي سَائِرِ السُّوَرِ، فَمَرَّةً قَالَ: هِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَمَرَّةٍ قَالَ: لَيْسَتْ بِآيَةٍ إِلَّا فِي الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ(٣) بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" إِذَا قَرَأْتُمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ والسبع المثاني وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحد آياتها". رفع هذا الحديث عبد الحميد ابن جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ هَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ يَقُولُ فِيهِ: مَحَلُّهُ الصِّدْقُ، وَكَانَ سفيان الثوري يضعه وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ. وَنُوحُ بْنُ أَبِي بِلَالٍ ثِقَةٌ مشهور. وحجة ابن المبارك واحد ق. لي الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" نَزَلَتْ عَلِيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي سُورَةِ الْكَوْثَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى(٤). الْخَامِسَةُ الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ ماك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار لآحاد وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ التَّوَاتُرُ الْقَطْعِيُّ الَّذِي لَا يُخْتَلَفُ فيه. قال ابن العربي:" ويكفيك أنها لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهَا، وَالْقُرْآنُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ". وَالْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا إِلَّا فِي النَّمْلِ وَحْدَهَا. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي ما سأل فإذا قال" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حمدني عبدي وإذا قال العبد" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عبدي وإذا قال العبد" مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" قَالَ مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مرة ف. ض إِلَى عَبْدِي فَإِذَا قَالَ" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:" قَسَمْتُ الصَّلَاةَ" يُرِيدُ الْفَاتِحَةَ، وَسَمَّاهَا صَلَاةً لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهَا، فَجَعَلَ الثَّلَاثَ الْآيَاتِ الْأُوَلَ لِنَفْسِهِ، وَاخْتَصَّ بِهَا تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا ثُمَّ الْآيَةَ الرَّابِعَةَ جَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ تَذَلُّلَ الْعَبْدِ وَطَلَبَ الِاسْتِعَانَةِ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ ثَلَاثَ آيات تتمة سبع ءايات. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثٌ قَوْلُهُ:" هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي" أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَلَمْ يَقُلْ: هَاتَانِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آيَةٌ.
قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ قَالَ مَالِكٌ:" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آيَةٌ، ثُمَّ الْآيَةُ السَّابِعَةُ إِلَى آخِرِهَا. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ الَّتِي قَسَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأُبَيٍّ:" كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ" قَالَ: فَقَرَأْتُ" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْهَا، وَكَذَا عَدَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَدُّوا" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ" آيَةً، وَكَذَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الْآيَةُ السَّادِسَةُ" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ عَدُّوا فِيهَا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" وَلَمْ يَعْدُّوا" أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُصْحَفِ وَهِيَ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّهِ وَنُقِلَتْ، كَمَا نُقِلَتْ فِي النَّمْلِ، وَذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُمْ وقلنا: مَا ذَكَرْتُمُوهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ لِكَوْنِهَا قُرْآنًا، أَوْ لِكَوْنِهَا فَاصِلَةً بَيْنَ السُّوَرِ كَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ: كُنَّا لَا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَوْ تَبَرُّكًا بِهَا، كما قد اتفقت الأمة على كتابتها فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ. وَقَدْ قَالَ الْجُرَيْرِيُّ(٥): سُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ: فِي صُدُورِ الرَّسَائِلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: لَمْ تَنْزِلْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" في شي مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي" طس"" إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَالْفَيْصَلُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُثْبَتُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَإِنَّمَا يُثْبَتُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الْقَطْعِيِّ الِاضْطِرَارِيِّ. ثُمَّ قَدِ اضْطَرَبَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ كل سورة، والحمد لله. فإن قبل: فَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ قُرْآنِيَّتَهَا، وَقَدْ تَوَلَّى الدَّارَقُطْنِيُّ جَمْعَ ذَلِكَ فِي جُزْءٍ صَحَّحَهُ. قُلْنَا: لَسْنَا نُنْكِرُ الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهَا، وَلَنَا أَخْبَارٌ ثَابِتَةٌ فِي مُقَابَلَتِهَا، رَوَاهَا الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ وَالْفُقَهَاءُ الْأَثْبَاتُ. رَوَتْ عَائِشَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فكانوا يستفتحون ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لَا يَذْكُرُونَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" لأفي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا. ثُمَّ إِنَّ مَذْهَبَنَا يَتَرَجَّحُ فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ الْمَعْقُولُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ انْقَضَتْ عَلَيْهِ الْعُصُورُ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْأَزْمِنَةُ وَالدُّهُورُ، مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَمَانِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ فِيهِ قَطُّ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَهَذَا يَرُدُّ أَحَادِيثَكُمْ. بَيْدَ أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَحَبُّوا قِرَاءَتَهَا فِي النَّفْلِ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الآثار الواردة في قراءتها أول عَلَى السَّعَةِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا فِي النَّافِلَةِ وَمَنْ يعرض القرآن عرضا.
وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا يَقْرَأُ بِهَا الْمُصَلِّي فِي الْمَكْتُوبَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي النَّوَافِلِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تُقْرَأُ أول السور فِي النَّوَافِلِ، وَلَا تُقْرَأُ أَوَّلَ أُمِّ الْقُرْآنِ.
وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ ابْتِدَاءَ الْقِرَاءَةِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ وَلَا تُتْرَكُ بِحَالٍ. وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَابُدَ فِيهَا مَنْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ شِهَابٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ مِنَ الْمُتَفَقِّهَةِ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْإِسْرَارِ بِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ،
وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ، وبه قال أحمد ابن حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مَثْلُ ذَلِكَ، حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الِاسْتِذْكَارِ). وَاحْتَجُّوا مِنَ الْأَثَرِ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَمَا رَوَاهُ عَمَّارُ بن رزيق(٦) عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أنس قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وخلف أبي بكر وعمر، فلم أسمع أحد منهم يجهر ببسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قُلْتُ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ تَتَّفِقُ الْآثَارُ عَنْ أَنَسٍ وَلَا تَتَضَادُّ وَيُخْرَجُ بِهِ مِنَ الْخِلَافِ فِي قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحْضُرُونَ بِالْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ يَذْكُرُ رَحْمَانَ اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَنَزَلَ:" وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها".
قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَبَقِيَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا على ذَلِكَ الرَّسْمِ وَإِنْ زَالَتِ الْعِلَّةُ، كَمَا بَقِيَ الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ وَإِنْ زَالَتِ الْعِلَّةُ، وَبَقِيَتِ الْمُخَافَتَةُ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ وَإِنْ زَالَتِ الْعِلَّةُ. السَّادِسَةُ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ كَتْبِهَا فِي أول كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ وَالرَّسَائِلِ، فَإِنْ كَانَ الكتاب ديوان شعر فر. ى مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَجْمَعُوا أَلَّا يَكْتُبُوا أَمَامَ الشِّعْرِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَلَّا يَكْتُبُوا فِي الشِّعْرِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وَذَهَبَ إِلَى رَسْمِ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِ كُتُبِ الشِّعْرِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ أبو بكر الخطيب: هو الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَسْتَحِبُّهُ. السَّابِعَةُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ: مُبَسْمِلٌ، وَهِيَ لُغَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي الشِّعْرِ، قَالَ عُمَرُ بن أبي ربيعة:
لقد بسملت ليلى غذاه لقيتها ... فيا حبذا ذلك الْحَبِيبُ الْمُبَسْمِلُ
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بَسْمَلَ.
قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ وَالْمُطَرِّزُ وَالثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: بَسْمَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. يُقَالُ: قَدْ أَكْثَرْتَ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، أَيْ مِنْ قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ. وَمِثْلُهُ حَوْقَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَهَلَّلَ، إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَسَبْحَلَ، إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَحَمْدَلَ، إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَحَيْصَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. وَجَعْفَلَ إِذَا قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ. وَطَبْقَلَ، إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ. وَدَمْعَزَ، إِذَا قَالَ: أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ. وَحَيْفَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُطَرِّزُ: الْحَيْصَلَةَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. وَجَعْفَلَ، إِذَا قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ. وَطَبْقَلَ، إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ. وَدَمْعَزَ، إِذَا قَالَ أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ. الثَّامِنَةُ نَدْبُ الشَّرْعِ إِلَى ذِكْرِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ كُلِّ فِعْلٍ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّحْرِ، وَالْجِمَاعِ وَالطَّهَارَةِ وَرُكُوبِ البحر، وإلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ" ... " وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرْ(٧) إِنَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ". وَقَالَ:" لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا". وَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ:" يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وكل مما يليك" وقال" إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِلَّا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ" وَقَالَ:" مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ". وَشَكَا إِلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي تَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرٍّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ". هَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ".
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا مَسَّ طَهُورَهُ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ يُفْرِغُ الْمَاءَ عَلَى يَدَيْهِ. التَّاسِعَةُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ أَفْعَالَهُمْ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ. وَمَوْضِعُ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِكُلِّ فِعْلٍ أَنْ نَفْتَتِحَ بِذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا. فَمَعْنَى" بِسْمِ اللَّهِ"، أَيْ بِاللَّهِ. وَمَعْنَى" بِاللَّهِ" أَيْ بِخَلْقِهِ وَتَقْدِيرِهِ يُوصَلُ إِلَى مَا يُوصَلُ إِلَيْهِ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ" بِسْمِ اللَّهِ" يَعْنِي بَدَأْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَبَرَكَتِهِ، وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَهُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى يَكُونَ الِافْتِتَاحُ بِبَرَكَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ. الْعَاشِرَةُ ذَهَبَ أبو عبيد مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى إِلَى أَنَّ" اسْمَ" صِلَةٌ زَائِدَةٌ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ لَبِيَدٍ:
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمِنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فقد اعتذر
فَذَكَرَ" اسْمَ" زِيَادَةً، وَإِنَّمَا أَرَادَ: ثُمَّ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا. وَقَدِ اسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ لَبِيَدٍ هَذَا عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فيه في هذا الباب وغيره، إ ن شاء الله تعالى. الحادية عشر اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى زِيَادَةِ" اسْمِ" فَقَالَ قُطْرُبٌ: زِيدَتْ لِإِجْلَالِ ذِكْرِهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: زِيدَتْ لِيَخْرُجَ بِذِكْرِهَا مِنْ حُكْمِ الْقَسَمِ إِلَى قَصْدِ التَّبَرُّكِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ: بِاللَّهِ. الثَّانِيَةَ عشر اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَعْنَى دُخُولِ الْبَاءِ عَلَيْهِ، هَلْ دَخَلَتْ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ؟ وَالتَّقْدِيرُ: ابْدَأْ بِسْمِ اللَّهِ. أَوْ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ؟ وَالتَّقْدِيرُ: ابتدأت بسم الله، قولان: الأول للقراء، والثاني للزجاج. ف" بسم الله" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ. وَقِيلَ:
الْمَعْنَى ابْتِدَائِي بِسْمِ اللَّهِ، فَ" بِسْمِ اللَّهِ" فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ الِابْتِدَاءِ. وَقِيلَ:
الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيِ ابْتِدَائِي مُسْتَقِرٌّ أَوْ ثَابِتٌ بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا أَظْهَرْتَهُ كَانَ" بِسْمِ اللَّهِ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِثَابِتٍ أَوْ مُسْتَقِرٍّ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ. وَفِي التَّنْزِيلِ" فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي" فَ" عِنْدَهُ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، رُوِيَ هَذَا عَنْ نُحَاةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ ابْتِدَائِي بِبِسْمِ اللَّهِ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ، فَ" بِاسْمِ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ ابْتِدَائِي. الثالثة عشر" بِسْمِ اللَّهِ"، تُكْتَبُ بِغَيْرِ أَلِفٍ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِبَاءِ الْإِلْصَاقِ فِي اللَّفْظِ وَالْخَطِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، بخلاف قوله:" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" فإنها تحذف لقلة الاستعمال .. اختلفوا فِي حَذْفِهَا مَعَ الرَّحْمَنِ وَالْقَاهِرِ، فَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَسَعِيدٌ الْأَخْفَشُ: تُحْذَفُ الْأَلِفُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: لَا تُحْذَفُ إِلَّا مَعَ" بِسْمِ اللَّهِ" فَقَطْ، لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ إِنَّمَا كَثُرَ فِيهِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَ وَاخْتُلِفَ فِي تَخْصِيصِ بَاءِ الْجَرِّ بِالْكَسْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ، فَقِيلَ: لِيُنَاسِبَ لَفْظُهَا عَمَلَهَا. وَقِيلَ لَمَّا كَانَتِ الْبَاءُ لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى الْأَسْمَاءِ خُصَّتْ بِالْخَفْضِ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَسْمَاءِ. الثَّالِثُ: ليفرق بينها وَبَيْنَ مَا قَدْ يَكُونُ مِنَ الْحُرُوفِ اسْمًا، نَحْوَ الْكَافِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ(٨):
وَرُحْنَا بِكَابْنِ الْمَاءِ يُجْنَبُ وَسْطَنَا
أَيْ بِمِثْلِ ابْنِ الْمَاءِ أو ما كان مثله. الخامسة عشر ايم، وَزْنُهُ افْعٌ، وَالذَّاهِبُ مِنْهُ الْوَاوُ لِأَنَّهُ مِنْ سَمَوْتُ، وَجَمْعُهُ أَسْمَاءٌ، وَتَصْغِيرُهُ سُمَيٌّ. وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ أَصْلِهِ، فَقِيلَ: فِعْلٌ، وَقِيلَ:
فُعْلٌ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَأَسْمَاءٌ يَكُونُ جَمْعًا لِهَذَا الْوَزْنِ، وَهُوَ مثل جذع وأجذع، وَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ، وَهَذَا لَا تُدْرَكُ صِيغَتُهُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ. وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: إِسْمٌ بِالْكَسْرِ، وَأُسْمٌ بِالضَّمِّ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى: مَنْ ضَمَّ الْأَلِفَ أَخَذَهُ مِنْ سَمَوْتُ أَسْمُو، وَمَنْ كَسَرَ أخذ من سمت أَسْمَي. وَيُقَالُ: سِمٌ وَسُمٌ، وَيُنْشَدُ:
وَاللَّهُ أَسْمَاكَ سُمًا مُبَارَكًا ... آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إِيثَارَكَا
وَقَالَ آخَرُ:
وَعَامُنَا أَعْجَبَنَا مَقْدِمُهُ ... يُدْعَى أَبَا السَّمْحِ وقرضاب سمه
مبتركا(٩) لكل عظم يلحمه
قرصب الرَّجُلُ: إِذَا أَكَلَ شَيْئًا يَابِسًا، فَهُوَ قِرْضَابٌ." سِمُهْ" بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ جَمِيعًا. وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
بِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ
وَسَكَنَتِ السِّينُ مِنْ" بِاسْمِ" اعْتِلَالًا(١٠) عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ، وَرُبَّمَا جَعَلَهَا الشَّاعِرُ أَلِفَ قَطْعٍ لِلضَّرُورَةِ، كَقَوْلِ الْأَحْوَصِ:
وَمَا أَنَا بِالْمَخْسُوسِ فِي جَذْمِ مَالِكٍ ... وَلَا مَنْ تَسَمَّى ثُمَّ يلتزم الاسما(١١)
السادسة عشر تَقُولُ الْعَرَبُ فِي النَّسَبِ إِلَى الِاسْمِ: سُمِوِيٌّ، وأنشئت اسْمِيٌّ، تَرَكْتَهُ عَلَى حَالِهِ، وَجَمْعُهُ أَسْمَاءٌ وَجَمْعُ الْأَسْمَاءِ أَسَامٍ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ: أُعِيذُكَ بِأَسْمَاوَاتِ اللَّهِ. السابعة عشر اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِ الِاسْمِ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ، فَقِيلَ: اسْمٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعِ به. وقيل لأن الاسم يسمو بِالْمُسَمَّى فَيَرْفَعُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَ الِاسْمُ اسْمًا لِأَنَّهُ عَلَا بِقُوَّتِهِ عَلَى قِسْمَيِ الْكَلَامِ: الْحَرْفِ وَالْفِعْلِ، وَالِاسْمُ أَقْوَى مِنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلِعُلُوِّهِ عَلَيْهِمَا سُمِّيَ اسْمًا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، لِأَنَّ الِاسْمَ عَلَامَةٌ لِمَنْ وُضِعَ لَهُ، فَأَصْلُ اسْمٍ عَلَى هَذَا" وَسَمَ". وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي التَّصْغِيرِ سُمَيٌّ وَفِي الْجَمْعِ أَسْمَاءٌ، وَالْجَمْعُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدَّانِ الْأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا، فَلَا يُقَالُ: وَسِيمٌ وَلَا أَوَسَامٌّ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ أَيْضًا فَائِدَةُ الْخِلَافِ وَهِيَ: الثامنة عشر فَإِنَّ مَنْ قَالَ الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُلُوِّ يَقُولُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفًا قَبْلَ وُجُودِ الْخَلْقِ وَبَعْدَ وُجُودِهِمْ وَعِنْدَ فَنَائِهِمْ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي أَسْمَائِهِ وَلَا صِفَاتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَمَنْ قَالَ الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ يَقُولُ: كَانَ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ بال اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، فَلَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ جَعَلُوا له أسماء وصفات، فإذا أفناهم بقي بال اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْخَطَأِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ! وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَقَعَ الْكَلَامُ فِي الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى وَهِيَ: التَّاسِعَةَ عشر فَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ فِيمَا نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ إِلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَارْتَضَاهُ ابْنُ فَوْرَكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسِيبَوَيْهِ. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: اللَّهُ عَالِمٌ، فَقَوْلُهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهِ عَالِمًا، فالاسم كونه عَالِمًا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: اللَّهُ خَالِقٌ، فَالْخَالِقُ هُوَ الرَّبُّ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ الِاسْمُ. فَالِاسْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ مِنْ غير تفصيل.
قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَزْعُمُ أَنْ لَا مَدْلُولَ لِلتَّسْمِيَاتِ إِلَّا الذَّاتُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَمَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ يُثْبِتُ لِلتَّسْمِيَاتِ مَدْلُولَاتٍ هِيَ أَوْصَافُ الذَّاتِ وَهِيَ غَيْرُ الْعِبَارَاتِ وَهِيَ الْأَسْمَاءُ عِنْدَهُمْ. وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي" الْبَقَرَةِ" وَ" الْأَعْرَافِ" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْلُهُ:" اللَّهُ" هَذَا الِاسْمُ أَكْبَرُ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَأَجْمَعُهَا، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ اسْمُ الله الأعظم ولم يتسم به غيره، لذلك لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ، وَهُوَ أَحَدُ تَأْوِيلَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" أَيْ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ" اللَّهُ". فَاللَّهُ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ الْحَقِّ الْجَامِعِ لِصِفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، الْمَنْعُوتِ بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، الْمُنْفَرِدِ بِالْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ. وَقِيلَ:
مَعْنَاهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ. وَقِيلَ:
مَعْنَاهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْمِ هَلْ هُوَ مُشْتَقٌّ أَوْ مَوْضُوعٌ لِلذَّاتِ عَلَمٌ؟. فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ وَأَصْلِهِ، فَرَوَى سِيبَوَيْهِ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ أَصْلَهُ إِلَاهُ، مِثْلَ فِعَالٍ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلًا مِنَ الْهَمْزَةِ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: مِثْلُ النَّاسِ أَصْلُهُ أُنَاسٌ. وَقِيلَ:
أَصْلُ الْكَلِمَةِ" لَاهٌ" وَعَلَيْهِ دَخَلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ سِيبَوَيْهِ. وَأَنْشَدَ:
لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ ... عَنِّي وَلَا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
كَذَا الرواية: فتخزوني، الخاء الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُ: تَسُوسُنِي. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: مَعْنَى" بسم الله" بسم الإله، فخذوا الْهَمْزَةَ وَأَدْغَمُوا اللَّامَ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ فَصَارَتَا لَامًا مُشَدَّدَةً، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:" لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي" وَمَعْنَاهُ، لَكِنَّ أَنَا، كَذَلِكَ قَرَأَهَا الْحَسَنُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ" وَلَهَ" إِذَا تَحَيَّرَ، وَالْوَلَهُ: ذَهَابُ الْعَقْلِ. يُقَالُ: رجل وله وَاِمْرَأَةٌ وَالِهَةٌ وَوَالِهٌ، وَمَاءٌ مُولَهٌ(١٢): أُرْسِلَ فِي الصحاري. فالله سبحانه تتحير الْأَلْبَابُ وَتَذْهَبُ فِي حَقَائِقِ صِفَاتِهِ وَالْفِكْرِ فِي مَعْرِفَتِهِ. فَعَلَى هَذَا أَصْلُ" إِلَاهٍ"" وَلَاهٌ" وَأَنَّ الْهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ كَمَا أُبْدِلَتْ فِي إِشَاحٍ وَوِشَاحٍ، وَإِسَادَةٍ وَوِسَادَةٍ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ. وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ" اللَّهُ" إِلَهًا لِأَنَّ الْخَلْقَ يَتَأَلَّهُونَ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ شَدَائِدِهِمْ. وَذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ الْخَلْقَ يَأْلَهُونَ إِلَيْهِ (بِنَصْبِ اللَّامِ) وَيَأْلِهُونَ أَيْضًا (بِكَسْرِهَا) وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِارْتِفَاعِ، فكانت العرب تقول لكل شي مُرْتَفِعٍ: لَاهًا فَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ: لَاهَتْ. وَقِيلَ:
هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلِهَ الرَّجُلُ إِذَا تَنَسَّكَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ قَالُوا: وَعِبَادَتَكَ. قَالُوا: فَاسْمُ اللَّهِ مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَعْنَاهُ الْمَقْصُودُ بِالْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُوَحِّدِينَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَعْنَاهُ لَا مَعْبُودَ غَيْرُ اللَّهِ. وَ" إِلَّا" فِي الْكَلِمَةِ بِمَعْنَى غَيْرِ، لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ" الْهَاءُ" الَّتِي هِيَ الْكِنَايَةُ عَنِ الْغَائِبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوهُ موجدا فِي فِطَرِ عُقُولِهِمْ فَأَشَارُوا إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ ثُمَّ زِيدَتْ فِيهِ لَامُ الْمِلْكِ إِذْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا فَصَارَ" لَهُ" ثُمَّ زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا. الْقَوْلُ الثَّانِي: ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو الْمَعَالِي وَالْخَطَّابِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُفَضَّلُ وَغَيْرُهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ: أَنَّ الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفها مِنْهُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ مِنْ بِنْيَةِ هَذَا الِاسْمِ، وَلَمْ يَدْخُلَا لِلتَّعْرِيفِ، أَلَّا تَرَى أَنَّكَ لَا تَقُولُ: يَا الرَّحْمَنُ وَلَا يَا الرَّحِيمُ، كَمَا تَقُولُ: يَا لله، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ بِنْيَةِ الِاسْمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي اشْتِقَاقِ اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لااشتقاق لَهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لا تصل بذكر المرحوم، فحاز أن يقال: الله رحمان بِعِبَادِهِ، كَمَا يُقَالُ: رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ. وَأَيْضًا لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ تُنْكِرْهُ الْعَرَبُ حِينَ سَمِعُوهُ، إِذْ كَانُوا لَا يُنْكِرُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:" وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ" الْآيَةَ. وَلَمَّا كَتَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: أَمَّا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَمَا نَدْرِي مَا" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"! وَلَكِنَ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، الْحَدِيثَ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّمَا جَهِلُوا الصِّفَةَ دُونَ الْمَوْصُوفِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: وَمَنِ الرَّحْمَنُ؟ قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَكَأَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقْرَأِ الْآيَةَ الْأُخْرَى:" وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ". وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ" الرَّحْمَنَ" مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَةِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِيهَا، فَلِذَلِكَ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ كَمَا يُثَنَّى" الرَّحِيمُ" وَيُجْمَعُ.
قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِقَاقِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عبد الرحمن ابن عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ". وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاشْتِقَاقِ، فَلَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ وَالشِّقَاقِ، وَإِنْكَارُ الْعَرَبِ لَهُ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ زَعَمَ الْمُبَرِّدُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ" الزَّاهِرِ" لَهُ: أَنَّ" الرَّحْمَنَ" اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ فَجَاءَ مَعَهُ بِ" الرَّحِيمِ". وَأَنْشَدَ(١٣):
لَنْ تُدْرِكُوا الْمُجِدَّ أَوْ تَشْرُوا عَبَاءَكُمُ ... بِالْخَزِّ أَوْ تَجْعَلُوا الْيَنْبُوتَ ضَمْرَانَا
أَوْ تَتْرُكُونَ(١٤) إِلَى الْقَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ... وَمَسْحَكُمْ صُلْبَهُمْ رَحْمَانَ قُرْبَانَا
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى:" الرَّحِيمُ" عربي و" الرحمن" عِبْرَانِيٌّ، فَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: النَّعْتُ قَدْ يَقَعُ لِلْمَدْحِ، كَمَا تَقُولُ: قَالَ جَرِيرٌ الشَّاعِرُ.
وَرَوَى مطرف عن قتادة في قوله عَزَّ وَجَلَّ:" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" قَالَ: مدح نفسه. قال أبو إسحاق: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّوْكِيدِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَفِي التَّوْكِيدِ أَعْظَمُ الْفَائِدَةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَيُسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِشْهَادِ، وَالْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: إِنَّهُ تَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَإِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَقْوِيَةٌ لِمَطَامِعِ الرَّاغِبِينَ، وَوَعْدٌ لَا يَخِيبُ آمِلُهُ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ بِمَعْنَيَيْنِ؟ فَقِيلَ: هَمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَنَدْمَانَ وَنَدِيمٍ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقِيلَ:
لَيْسَ بِنَاءُ فَعْلَانَ كَفَعِيلٍ، فَإِنَّ فَعْلَانَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى مُبَالَغَةِ الْفِعْلِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: رَجُلٌ غَضْبَانٌ، لِلْمُمْتَلِئِ غَضَبًا. وَفَعِيلٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ.
قَالَ عَمَلَّسُ(١٥):
فَأَمَّا إِذَا عَضَّتْ بِكَ الْحَرْبُ عَضَّةً ... فَإِنَّكَ مَعْطُوفٌ عَلَيْكَ رَحِيمٌ
فَ" الرَّحْمنِ" خَاصُّ الِاسْمِ عَامُّ الْفِعْلِ. وَ" الرَّحِيمِ" عَامُّ الِاسْمِ خَاصُّ الْفِعْلِ. هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ:" الرَّحْمنِ" اسْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ، يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ." والرَّحِيمِ" إِنَّمَا هُوَ فِي جِهَةِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً". وقال العرزمي(١٦):" الرَّحْمنِ" بجميع خلقه في الأمصار وَنِعَمِ الْحَوَاسِّ وَالنِّعَمِ الْعَامَّةِ، وَ" الرَّحِيمِ" بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْهِدَايَةِ لَهُمْ، وَاللُّطْفِ بِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ:" الرَّحْمنِ" إِذَا سُئِلَ أَعْطَى، وَ" الرَّحِيمِ" إِذَا لَمْ يُسْأَلْ غَضِبَ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ" لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ:" مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ غضب عليه". وقال: سألت أبا زراعة عَنْ أَبِي صَالِحٍ هَذَا، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْفَارِسِيُّ وَهُوَ خُوزِيٌّ(١٧) وَلَا أَعْرِفُ اسْمَهُ. وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فقال: الله يغضب إن تركت سؤله ... وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ، أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ، أَيْ أَكْثَرُ رَحْمَةً.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الرِّقَّةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي شي مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ: هَذَا وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي، لِأَنَّ الرِّقَّةَ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي شي، وَإِنَّمَا هُمَا اسْمَانِ رَفِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرْفَقُ مِنَ الْآخَرِ، وَالرِّفْقُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ". الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ" الرَّحْمنِ" مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ:" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ(١٨) " فَعَادَلَ الِاسْمَ الَّذِي لَا يشركه فيه غيره. وقال:" وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ(١٩) " فَأَخْبَرَ أَنَّ" الرَّحْمَنَ" هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ جَلَّ وَعَزَّ. وَقَدْ تَجَاسَرَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَتَسَمَّى بِرَحْمَانِ الْيَمَامَةِ، وَلَمْ يَتَسَّمَ بِهِ حَتَّى قَرْعَ مَسَامِعَهُ نَعْتُ الْكَذَّابِ فَأَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَعْتَ الْكَذَّابِ لِذَلِكَ، وَإِنَّ كَانَ كُلُّ كَافِرٍ كَاذِبًا، فَقَدْ صَارَ هَذَا الْوَصْفُ لِمُسَيْلِمَةَ عَلَمًا يُعْرَفُ بِهِ، أَلْزَمَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ الرَّحْمَنِ: إِنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، ذَكَرَهُ ابْنُ العربي. السادسة والعشرون" الرَّحِيمِ" صفة لِلْمَخْلُوقِينَ، وَلِمَا فِي" الرَّحْمنِ" مِنَ الْعُمُومِ" قُدِّمَ فِي كَلَامِنَا عَلَى" الرَّحِيمِ" مَعَ مُوَافَقَةِ التَّنْزِيلِ، قَالَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقِيلَ:
إِنَّ مَعْنَى" الرَّحِيمِ" أَيْ بالرحيم وصلتم إلى الله، فَ" الرَّحِيمِ" نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقد نعته تعالى بذلك فقال:" لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ" فَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ وَبِالرَّحِيمِ، أَيْ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ وَصَلْتُمْ إِلَيَّ، أَيْ بِاتِّبَاعِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَصَلْتُمْ إِلَى ثَوَابِي وَكَرَامَتِي وَالنَّظَرِ إِلَى وجهي، والله أعلم.
السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ" بِسْمِ اللَّهِ" إِنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَعَوْنٌ عَلَى كُلِّ دَوَاءٍ. وَأَمَّا" الرَّحْمنِ" فَهُوَ عَوْنٌ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمِّ بِهِ غَيْرَهُ. وَأَمَّا" الرَّحِيمِ" فَهُوَ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا. وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْحُرُوفِ، فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ:" أَمَّا الْبَاءُ فَبَلَاءُ اللَّهِ وَرَوْحُهُ وَنَضْرَتُهُ وَبَهَاؤُهُ وَأَمَّا السِّينُ فَسَنَاءُ اللَّهِ وَأَمَّا الْمِيمُ فَمُلْكُ اللَّهِ وَأَمَّا اللَّهُ فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَأَمَّا الرَّحْمَنُ فَالْعَاطِفُ عَلَى الْبَرِّ والفاجر منخلقه وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَالرَّفِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً". وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: الْبَاءُ بَهَاؤُهُ وَالسِّينُ سناؤه فلا شي أَعْلَى مِنْهُ وَالْمِيمُ مُلْكُهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شي قدير فلا شي يُعَازُّهُ. وَقَدْ قِيلَ إِنْ كُلَّ حَرْفٍ هُوَ افْتِتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَالْبَاءُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ بَصِيرٍ، وَالسِّينُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ سَمِيعٍ، وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ مَلِيكٍ، وَالْأَلْفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ، وَاللَّامُ مفتاح اسمه لطيف، والهاء مفتاح اسمه هادي، وَالرَّاءُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ رَازِقٍ، وَالْحَاءُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ حلم، وَالنُّونُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ نُورٍ، وَمَعْنَى هَذَا كُلِّهِ دعاء الله تعلى عند افتتاح كل شي. الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ وَاخْتُلِفَ فِي وَصْلِ" الرَّحِيمِ" بِ" الْحَمْدُ لِلَّهِ"، فَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:" الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ" يُسَكِّنُ الْمِيمَ وَيَقِفُ عَلَيْهَا، وَيَبْتَدِئُ بِأَلْفِ مَقْطُوعَةٍ. وَقَرَأَ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ. وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ:" الرَّحِيمِ الْحَمْدُ"، تُعْرِبُ" الرَّحِيمِ" بِالْخَفْضِ وَبِوَصْلِ الْأَلْفِ مِنَ" الْحَمْدُ". وَحَكَى الْكِسَائِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تُقْرَأُ" الرَّحِيمِ الْحَمْدُ" بِفَتْحِ الْمِيمِ وَصِلَةِ الْأَلْفِ، كَأَنَّهُ سَكَنْتَ الْمِيمَ وَقُطِعَتِ الْأَلْفُ ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْمِيمِ وَحُذِفَتْ.
قَالَ ابن عطية: ولم ترو هذه القراءة عَنْ أَحَدٍ فِيمَا عَلِمْتُ. وَهَذَا نَظَرُ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" الم اللَّهُ".
تفسير سورة الفاتحة
" بحول الله وكرمه" وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي فَضَائِلِهَا وَأَسْمَائِهَا وَفِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ
الْأُولَى: رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَهِيَ مَقْسُومَةٌ(٢٠) بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (. أَخْرَجَ مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى [عَبْدِ اللَّهِ بْنِ] عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سلم نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَبُو سَعِيدٍ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُهُ هَذَا مُرْسَلٌ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يُوقَفُ عَلَى اسْمِهِ أَيْضًا، رَوَاهُ عَنْهُ حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ. قُلْتُ: كَذَا قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: (لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ). وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ. وَالْحَدِيثُ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ" اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ(٢١) ثُمَّ قال) إِنِّي لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ).
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: أَبُو سعيد بن المعلى مِنْ جِلَّةِ الْأَنْصَارِ، وَسَادَاتِ الْأَنْصَارِ، تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَاسْمُهُ رَافِعٌ، وَيُقَالُ: الْحَارِثُ بْنُ نُفَيْعِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَيُقَالُ: أَوْسُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَيُقَالُ: أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْمُعَلَّى، تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ(٢٢) [سَنَةً]، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَةِ حين حولت، وسيأتي(٢٣). وقد أسند حديث بن أُبَيٍّ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على أُبَيٍّ وَهُوَ يُصَلِّي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ الرَّدِّ لَهُ: حَدَّثَنِي أبي حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ رَنَّ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ: حِينَ لُعِنَ، وَحِينَ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَحِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَحِينَ أُنْزِلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَأُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ. الثَّانِيَةُ: اختلف العلماء في تفصيل بَعْضِ السُّوَرِ وَالْآيِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَفْضِيلِ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا فَضْلَ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَهَا. ذَهَبَ إِلَى هَذَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ، وَأَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ الْبَسْتِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: تَفْضِيلُ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ خَطَأٌ، وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ تُعَادَ سُورَةٌ أَوْ تُرَدَّدَ دُونَ غَيْرِهَا. وَقَالَ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها" [البقرة: 106] قَالَ: مُحْكَمَةٌ مَكَانَ مَنْسُوخَةٍ.
وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ مَالِكٍ. وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ الْأَفْضَلَ يُشْعِرُ بِنَقْصِ الْمَفْضُولِ، وَالذَّاتِيَّةُ فِي الْكُلِّ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَلَامُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَقْصَ فِيهِ.
قَالَ الْبَسْتِيُّ: وَمَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ (مَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلُ أُمِّ الْقُرْآنِ): أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعْطِي لِقَارِئِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ من الثواب مثل مَا يُعْطِي لِقَارِئِ أُمِّ الْقُرْآنِ، إِذِ اللَّهُ بِفَضْلِهِ فَضَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَأَعْطَاهَا مِنَ الْفَضْلِ عَلَى قِرَاءَةِ كَلَامِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى غَيْرَهَا مِنَ الْفَضْلِ عَلَى قِرَاءَةِ كَلَامِهِ، وَهُوَ فَضْلٌ مِنْهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (أَعْظَمُ سُورَةٍ) أَرَادَ بِهِ فِي الْأَجْرِ، لَا أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ. وَقَالَ قَوْمٌ بِالتَّفْضِيلِ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى" وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ" [البقرة: 163] وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا مثلا في" تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ" [المسد: 1] وَمَا كَانَ مِثْلَهَا. وَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا، لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَمِمَّنْ قَالَ بِالتَّفْضِيلِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ(٢٤) وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَابْنِ الْحَصَّارِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى وَحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَا أُبَيُّ أَيُّ آيَةٍ مَعَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ) قال فقلت:" اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة: 255]. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: (لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: عَجَبِي مِمَّنْ يَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ مَعَ هَذِهِ النُّصُوصِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَوْلُهُ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا) وَسَكَتَ عَنْ سَائِرِ الْكُتُبِ، كَالصُّحُفِ الْمُنَزَّلَةِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَةَ أَفْضَلَهَا، وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ أَفْضَلَ الْأَفْضَلِ، صَارَ أَفْضَلَ الْكُلِّ. كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ أَفْضَلُ النَّاسِ. وَفِي الْفَاتِحَةِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ فِيهَا. وَهِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ عُلُومِ الْقُرْآنِ. وَمِنْ شَرَفِهَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَسَّمَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْقُرْبَةُ إِلَّا بِهَا، وَلَا يَلْحَقُ عَمَلٌ بِثَوَابِهَا، وَبِهَذَا المعنى صارت أم القرآن العظيم، كَمَا صَارَتْ" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، إِذِ الْقُرْآنُ تَوْحِيدٌ وَأَحْكَامٌ وَوَعْظٌ، وَ" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" فِيهَا التَّوْحِيدُ كُلُّهُ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ الْبَيَانُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأُبَيٍّ.
(أَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ) قَالَ:" اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" [البقرة: 255]. وَإِنَّمَا كَانَتْ أَعْظَمَ آيَةٍ لِأَنَّهَا تَوْحِيدٌ كُلُّهَا كَمَا صَارَ قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) أَفْضَلَ الذِّكْرِ، لِأَنَّهَا كَلِمَاتٌ حَوَتْ جَمِيعَ الْعُلُومِ فِي التَّوْحِيدِ، وَالْفَاتِحَةُ تَضَمَّنَتِ التَّوْحِيدَ وَالْعِبَادَةَ وَالْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ، وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّالِثَةُ: رَوَى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، هَذِهِ الْآيَاتُ مُعَلَّقَاتٌ بِالْعَرْشِ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ (. أَسْنَدَهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ لَهُ. الرَّابِعَةُ: فِي أَسْمَائِهَا، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ اسْمًا:) الْأَوَّلُ (: الصَّلَاةُ(٢٥)، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(٢٦): قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ) الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(الثَّانِي): [سورة] الْحَمْدُ، لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْحَمْدِ، كَمَا يُقَالُ: سُورَةُ الْأَعْرَافِ، وَالْأَنْفَالِ، وَالتَّوْبَةِ، وَنَحْوِهَا.
(الثَّالِثُ): فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تُفْتَتَحُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِهَا لَفْظًا، وَتُفْتَتَحُ بِهَا الْكِتَابَةُ فِي الْمُصْحَفِ خَطًّا، وَتُفْتَتَحُ بِهَا الصَّلَوَاتُ.
(الرَّابِعُ): أُمُّ الْكِتَابِ، وَفِي هَذَا الِاسْمِ خِلَافٌ، جَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ، وَكَرِهَهُ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ.
قَالَ الْحَسَنُ: أُمُّ الْكِتَابِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ" [آل عمران: 7]. وَقَالَ أَنَسٌ وَابْنُ سِيرِينَ: أُمُّ الْكِتَابِ اسْمُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ". [الزخرف: 4].
(الْخَامِسُ): أُمُّ الْقُرْآنِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا، فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ، وَكَرِهَهُ أَنَسٌ وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ تَرُدُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ: وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ: أُمُّ الْقُرَى: مَكَّةُ، وَأُمُّ خُرَاسَانَ: مَرْوٌ، وَأُمُّ الْقُرْآنِ: سُورَةُ الْحَمْدِ. وَقِيلَ:
سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا أَوَّلُهُ وَمُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ عُلُومِهِ، وَبِهِ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْضِ وَمِنْهَا دُحِيَتْ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْأُمُّ أُمًّا لِأَنَّهَا أَصْلُ النَّسْلِ، وَالْأَرْضُ أُمًّا، فِي قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ:
فَالْأَرْضُ مَعْقِلُنَا وَكَانَتْ أُمُّنَا ... فِيهَا مَقَابِرُنَا وَفِيهَا نُولَدُ
وَيُقَالُ لِرَايَةِ الْحَرْبِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِهَا وَاتِّبَاعِ الْجَيْشِ لَهَا. وَأَصْلُ أُمٍّ أُمَّهَةٌ، وَلِذَلِكَ تُجْمَعُ عَلَى أُمَّهَاتٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَأُمَّهاتُكُمُ". وَيُقَالُ أُمَّاتٌ بِغَيْرِ هَاءٍ. قَالَ:
فَرَجْتَ الظَّلَامَ بِأُمَّاتِكَا
وَقِيلَ:
إِنَّ أُمَّهَاتٍ فِي النَّاسِ، وَأُمَّاتٍ فِي الْبَهَائِمِ، حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ.
(السَّادِسُ): الْمَثَانِي، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقِيلَ:
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهَا ذُخْرًا لَهَا.
(السَّابِعُ): الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَضَمُّنِهَا جَمِيعَ عُلُومِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَوْصَافِ كَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْعِبَادَاتِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا، وَالِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِإِعَانَتِهِ تَعَالَى، وَعَلَى الِابْتِهَالِ إِلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَكِفَايَةِ أَحْوَالِ النَّاكِثِينَ، وَعَلَى بَيَانِهِ عَاقِبَةَ الْجَاحِدِينَ.
(الثَّامِنُ): الشِّفَاءُ، رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شفاء من كل سم)(٢٧).
(التَّاسِعُ): الرُّقْيَةُ، ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ، الَّذِي رَقَى سَيِّدَ الْحَيِّ: (مَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) فَقَالَ: يا رسول الله شي أُلْقِيَ فِي رَوْعِي، الْحَدِيثَ. خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ.
(الْعَاشِرُ): الْأَسَاسُ، شَكَا رَجُلٌ إِلَى الشَّعْبِيِّ وَجَعَ الْخَاصِرَةِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِأَسَاسِ الْقُرْآنِ فَاتِحَةِ الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شي أَسَاسٌ، وَأَسَاسُ الدُّنْيَا مَكَّةُ، لِأَنَّهَا مِنْهَا دُحِيَتْ، وأساس السموات عَرِيبَا(٢٨)، وَهِيَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ، وَأَسَاسُ الْأَرْضِ عَجِيبَا، وَهِيَ الْأَرْضُ السَّابِعَةُ السُّفْلَى، وَأَسَاسُ الْجِنَانِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهِيَ سُرَّةُ الْجِنَانِ عَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْجَنَّةُ، وَأَسَاسُ النَّارِ جَهَنَّمُ، وَهِيَ الدَّرْكَةُ السَّابِعَةُ السُّفْلَى عَلَيْهَا أُسِّسَتِ الدَّرْكَاتُ، وَأَسَاسُ الْخَلْقِ آدَمُ، وَأَسَاسُ الْأَنْبِيَاءِ نُوحٌ، وَأَسَاسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبُ، وَأَسَاسُ الْكُتُبِ الْقُرْآنُ، وَأَسَاسُ الْقُرْآنِ الْفَاتِحَةُ، وَأَسَاسُ الْفَاتِحَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِذَا اعْتَلَلْتَ أَوِ اشْتَكَيْتَ فَعَلَيْكَ بِالْفَاتِحَةِ تُشْفَى(٢٩).
(الْحَادِي عَشَرَ): الْوَافِيَةُ، قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، لِأَنَّهَا لَا تَتَنَصَّفُ وَلَا تَحْتَمِلُ الِاخْتِزَالَ، وَلَوْ قَرَأَ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ نِصْفَهَا فِي رَكْعَةٍ، وَنِصْفَهَا الْآخَرُ فِي رَكْعَةٍ لَأَجْزَأَ، وَلَوْ نُصِّفَتِ الْفَاتِحَةُ فِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُجْزِ.
(الثَّانِي عَشَرَ): الْكَافِيَةُ، قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: لِأَنَّهَا تَكْفِي عَنْ سِوَاهَا وَلَا يَكْفِي سِوَاهَا عَنْهَا. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا عِوَضًا). الْخَامِسَةُ: قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّ مَوْضِعَ الرُّقْيَةِ مِنْهَا إنما هو" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" [الفاتحة: الآية 5]. وَقِيلَ:
السُّورَةُ كُلُّهَا رُقْيَةٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلرَّجُلِ لَمَّا أَخْبَرَهُ: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) وَلَمْ يَقُلْ: أَنَّ فِيهَا رُقْيَةً، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ السُّورَةَ بِأَجْمَعِهَا رُقْيَةٌ، لِأَنَّهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَمَبْدَؤُهُ، وَمُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ عُلُومِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ والله أعلم.
السَّادِسَةُ: لَيْسَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالْمَثَانِي وَأُمِّ الْكِتَابِ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَةِ غَيْرِهَا بِذَلِكَ، قَالَ الله عز وجل:" كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ" [الزمر: 23] فَأَطْلَقَ عَلَى كِتَابِهِ: مَثَانِيَ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تُثَنَّى فِيهِ. وَقَدْ سُمِّيَتِ السَّبْعَ الطُّوَلَ أَيْضًا مَثَانِيَ، لِأَنَّ الْفَرَائِضَ وَالْقَصَصَ تُثَنَّى فِيهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُوتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي، قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَلُ. ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ، وَهِيَ مِنَ" الْبَقَرَةِ" إِلَى" الْأَعْرَافِ" سِتٌّ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّابِعَةِ، فَقِيلَ: يُونُسُ، وَقِيلَ:
الْأَنْفَالُ وَالتَّوْبَةُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ:
فَلِجُوا الْمَسْجِدَ وَادْعُوا رَبَّكُمْ ... وَادْرُسُوا هَذِي الْمَثَانِيَ وَالطُّوَلَ
وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي سُورَةِ" الْحِجْرِ"(٣٠) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّابِعَةُ: الْمَثَانِي جَمْعُ مَثْنَى، وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَ الْأُولَى، وَالطُّوَلُ جَمْعُ أَطْوَلَ. وَقَدْ سُمِّيَتِ الْأَنْفَالُ مِنَ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا تَتْلُو الطُّوَلَ فِي الْقَدْرِ. وَقِيلَ:
هِيَ الَّتِي تَزِيدُ آيَاتُهَا عَلَى الْمُفَصَّلِ وَتَنْقُصُ عَنِ الْمِئِينَ. وَالْمِئُونَ: هِيَ السُّوَرُ الَّتِي تَزِيدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا على مائة آية.
الباب الثاني في نزولها وأحكامها، وَفِيهِ عِشْرُونَ مَسْأَلَةً
الْأُولَى: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ: أَنَّهَا سِتٌّ، وَهَذَا شَاذٌّ. وَإِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ جَعَلَ" إِيَّاكَ نَعْبُدُ" آيَةً، وَهِيَ على عدة ثماني آيات، وهذا شاذ. وقول تعالى:" وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي" [الحجر: 87]، وَقَوْلُهُ: (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ) الْحَدِيثَ، يَرُدُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ قُرْآنًا لَأَثْبَتَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي مُصْحَفِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُثْبِتْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، كَالْمُعَوِّذَتَيْنِ عِنْدَهُ. فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قُدَامَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ إبراهيم قال: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: لِمَ لَمْ تَكْتُبْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي مُصْحَفِكَ؟ قَالَ: لَوْ كَتَبْتُهَا لَكَتَبْتُهَا مَعَ كُلِّ سُورَةٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ سَبِيلُهَا أَنْ تُفْتَتَحَ بِأُمِ الْقُرْآنِ قَبْلَ السُّورَةِ الْمَتْلُوَّةِ بَعْدَهَا، فَقَالَ: اخْتَصَرْتُ بِإِسْقَاطِهَا، وَوَثِقْتُ بِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا، وَلَمْ أُثْبِتْهَا فِي مَوْضِعٍ فَيَلْزَمُنِي أَنْ أَكْتُبَهَا مَعَ كُلِّ سُورَةٍ، إِذْ كَانَتْ تَتَقَدَّمُهَا فِي الصَّلَاةِ. الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا أَهِيَ مَكِّيَّةٌ أَمْ مَدَنِيَّةٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ وَغَيْرُهُمْ: هِيَ مَكِّيَّةٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ. وَيُقَالُ: نَزَلَ نِصْفُهَا بِمَكَّةَ، وَنِصْفُهَا بِالْمَدِينَةِ. حَكَاهُ أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" [الحجر: 87] وَالْحِجْرُ مَكِّيَّةٌ بِإِجْمَاعٍ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ. وَمَا حُفِظَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قَطُّ صَلَاةٌ بِغَيْرِ" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ"، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ). وَهَذَا خَبَرٌ عَنِ الْحُكْمِ، لَا عَنْ الِابْتِدَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ الطَّيِّبِ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقِيلَ: الْمُدَّثِّرُ، وَقِيلَ:
اقْرَأْ، وَقِيلَ:
الْفَاتِحَةُ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِخَدِيجَةَ: (إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ وَاللَّهِ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَمْرًا) قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ! مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ بِكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ. فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ لَهُ، قَالَتْ: يَا عَتِيقُ، اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ. فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى وَرَقَةَ، فَقَالَ: (وَمَنْ أَخْبَرَكَ). قَالَ: خَدِيجَةُ، فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ فَقَصَّا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً خَلْفِي يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا فِي الْأَرْضِ) فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، إِذَا أَتَاكَ فَاثْبُتْ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي. فَلَمَّا خَلَا نَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حَتَّى بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ"، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَأَتَى وَرَقَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: أَبْشِرْ ثُمَّ أَبْشِرْ، فَأَنَا أشهد أنك الذي بشر به عيسى بن مَرْيَمَ، وَأَنَّكَ عَلَى مِثْلِ نَامُوسِ مُوسَى، وَأَنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّكَ سَوْفَ تُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذَا، وَإِنْ يُدْرِكْنِي ذَلِكَ لَأُجَاهِدَنَّ مَعَكَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَرَقَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَقَدْ رَأَيْتُ الْقَسَّ فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ ثِيَابُ الْحَرِيرِ لِأَنَّهُ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي) يَعْنِي وَرَقَةَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَذَا مُنْقَطِعٌ. يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ نزولها بعد ما نزل عليه" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" [العلق: 1] و" يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ" [الْمُدَّثِّرُ: 1]. الثَّالِثَةُ: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظَنَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَنْزِلْ بِسُورَةِ الْحَمْدِ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا(٣١) مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمُ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَيْسَ كَمَا ظُنَّ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَقَدَّمَ الْمَلَكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُعْلِمًا بِهِ وَبِمَا يَنْزِلُ مَعَهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ جِبْرِيلُ شَارَكَ فِي نُزُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُعْلِمِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بِمَكَّةَ، نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ" [الشعراء: 193] وَهَذَا يَقْتَضِي جَمِيعَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلَ بِتِلَاوَتِهَا بِمَكَّةَ، وَنَزَلَ الْمَلَكُ بِثَوَابِهَا بِالْمَدِينَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ مَرَّتَيْنِ، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. فَإِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْقُرْآنِ والسنة، ولله الحمد والمنة.
الرَّابِعَةُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَحُكْمُ الْمُصَلِّي إِذَا كَبَّرَ أَنْ يَصِلَهُ بِالْفَاتِحَةِ وَلَا يَسْكُتَ، وَلَا يَذْكُرَ تَوْجِيهًا وَلَا تَسْبِيحًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالتَّوْجِيهِ وَالتَّسْبِيحِ وَالسُّكُوتِ، قَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ إِذَا افْتَتَحَا الصَّلَاةِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) الْحَدِيثَ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهُنَاكَ يَأْتِي الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ(٣٢).
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) وَاسْتَعْمَلَ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَمِيلُونَ إِلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ. الْخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: هِيَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادُ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْ نَسِيَهَا فِي صَلَاةِ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَا تُجْزِيهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا فِي رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ، فَقَالَ مَرَّةً: يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: يَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادُ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُعِيدُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ إِلْغَاءُ تِلْكَ الركعة ويأتي بركعة بدلا منها، كمن أَسْقَطَ سَجْدَةً سَهْوًا. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ: إِذَا قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ قَدْ قَرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ تَامَّةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ) وَهَذَا قَدْ قَرَأَ بِهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا يَأْتِي. وَيُحْتَمَلُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا فِي أَكْثَرِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا وَقَرَأَ غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَقَلُّهُ ثَلَاثُ، آيَاتٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ كَآيَةِ الدَّيْنِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ: أُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ فِي مِقْدَارِ آيَةٍ وَمِقْدَارِ كَلِمَةٍ مَفْهُومَةٍ، نَحْوَ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ" وَلَا أُسَوِّغُهُ فِي حَرْفٍ لَا يَكُونُ كَلَامًا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يَقْرَأُ الْمُصَلِّي بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا مِثْلُهَا مِنَ الْقُرْآنِ عَدَدَ آيِهَا وَحُرُوفِهَا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَهَا وَالنَّصَّ عَلَيْهَا قَدْ خَصَّهَا بِهَذَا الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهَا، وَمُحَالٌ أَنْ يجئ بِالْبَدَلِ مِنْهَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَتَرَكَهَا وَهُوَ قادر عليها، وإنما عليه أن يجئ بِهَا وَيَعُودَ إِلَيْهَا، كَسَائِرِ الْمَفْرُوضَاتِ الْمُتَعَيِّنَاتِ فِي الْعِبَادَاتِ. السَّادِسَةُ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَالْإِمَامُ يَحْمِلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَنَّهُ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا وَإِنْ أَدْرَكَهُ قَائِمًا فَإِنَّهُ يَقْرَأُ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ: السَّابِعَةُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ إِمَامِهِ فِي صَلَاةِ السر، فإن فعل فقد أساء، ولا شي عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَأَمَّا إِذَا جَهَرَ الْإِمَامُ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ: الثَّامِنَةُ فَلَا قِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهَا فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" [الأعراف: 204]، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ)، وَقَوْلِهِ فِي الْإِمَامِ: (إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)، وَقَوْلِهِ: (مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَى عَنْهُ الْبُوَيْطِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا تُجْزِئُ أَحَدًا صَلَاةٌ حَتَّى يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، جَهَرَ إِمَامُهُ أَوْ أَسَرَّ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ يَقُولُ فِي الْمَأْمُومِ: يَقْرَأُ إِذَا أَسَرَّ وَلَا يَقْرَأُ إِذَا جَهَرَ، كَمَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَقَالَ بِمِصْرَ: فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْرَأَ وَالْآخَرُ يُجْزِئُهُ أَلَّا يَقْرَأَ وَيَكْتَفِيَ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَالْكُوفِيُّونَ: لَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ شَيْئًا، جَهَرَ إِمَامُهُ أَوْ أَسَرَّ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ) وَهَذَا عَامٌّ، وَلِقَوْلِ جَابِرٍ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ. التَّاسِعَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِكُلِ أَحَدٍ عَلَى الْعُمُومِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)، وَقَوْلِهِ: (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ) ثَلَاثًا. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُنَادِيَ أَنَّهُ: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. كَمَا لَا يَنُوبُ سُجُودُ رَكْعَةٍ وَلَا رُكُوعُهَا عَنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى، فَكَذَلِكَ لَا تَنُوبُ قِرَاءَةُ رَكْعَةٍ عَنْ غَيْرِهَا، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَخَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ بِهِمُ الْقُدْوَةُ، وَفِيهِمُ الْأُسْوَةُ، كُلُّهُمْ يُوجِبُونَ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِ مَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيُزِيلُ كُلَّ
احْتِمَالٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن فضيل، وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي سُفْيَانَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: (وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) وَسَيَأْتِي. وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَبْطَأَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَقَامَ أَبُو نُعَيْمٍ الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ فَصَلَّى أَبُو نُعَيْمٍ بِالنَّاسِ، وَأَقْبَلَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى صَفَفْنَا خَلْفَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَجَعَلَ عُبَادَةُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لِعُبَادَةَ: سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَأَبُو نُعَيْمٍ يَجْهَرُ؟ قَالَ: أَجَلْ! صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: (هَلْ تَقْرَءُونَ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ) فَقَالَ بَعْضُنَا: إِنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ، قَالَ: (فَلَا. وَأَنَا أَقُولُ مَا لِي يُنَازَعُنِي الْقُرْآنُ فَلَا تَقْرَءُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ). وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْمَأْمُومِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ في القراءة خلق الْإِمَامِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَذَكَرَ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ كَانَ يَسْكُنُ إِيلِيَاءَ(٣٣)، وَأَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ أَوَّلُ مِنْ أَذَّنَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ: وَنَافِعُ بْنُ مَحْمُودٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَلَا أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ شَيْئًا. وَقَالَ فِيهِ أَبُو عُمَرَ: مَجْهُولٌ. وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ، قُلْتُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُ أَنَا، قُلْتُ: وَإِنْ جَهَرْتَ؟ قَالَ: وَإِنْ جَهَرْتُ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ جابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (الْإِمَامُ ضَامِنٌ فَمَا صَنَعَ فَاصْنَعُوا).
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا يَصِحُّ لِمَنْ قَالَ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَبِهَذَا أَفْتَى أَبُو هُرَيْرَةَ الْفَارِسِيُّ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا فِي نَفْسِهِ حِينَ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، ثُمَّ استدل بقول تَعَالَى:(٣٤) (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:) اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) الْحَدِيثَ. الْعَاشِرَةُ أَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَقَالَ: وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ (وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَمْ يُتَابَعْ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِيهَا عَنْ قَتَادَةَ، وَخَالَفَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ فَلَمْ يَذْكُرُوهَا، مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهَمَّامٌ وَأَبُو عَوَانَةَ وَمَعْمَرٌ وَعَدِيُّ بْنُ أَبِي عُمَارَةَ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَإِجْمَاعُهُمْ يَدُلُّ عَلَى وَهَمِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ قَتَادَةَ مُتَابَعَةُ التَّيْمِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ، تَرَكَهُ الْقَطَّانُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا هذه الزيادة أبو داود من حديت أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ (إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا) لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ: أَنَّ مُسْلِمًا صَحَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ. قُلْتُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا عِنْدَهُ إِدْخَالُهَا فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهَا. وَقَدْ صَحَّحَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حنبل وابن المنذر. وأما قول تَعَالَى:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا" [الأعراف: 204] فَإِنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ كَانَ الْمُشْرِكِينَ، عَلَى مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصلاة. وَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ) فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، وَاسْمُهُ فِيمَا قَالَ مَالِكٌ: عَمْرٌو، وَغَيْرُهُ يَقُولُ عَامِرٌ، وَقِيلَ يَزِيدُ، وَقِيلَ عُمَارَةُ، وَقِيلَ عَبَّادٌ، يُكْنَى أَبَا الْوَلِيدِ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ، وَهُوَ ثِقَةٌ،
وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُ. وَالْمَعْنَى فِي حَدِيثِهِ: لَا تَجْهَرُوا إِذَا جَهَرْتُ فَإِنَّ ذَلِكَ تَنَازُعٌ وَتَجَاذُبٌ وَتَخَالُجٌ، اقْرَءُوا فِي أَنْفُسِكُمْ. يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ وَفُتْيَا الْفَارُوقِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثَيْنِ. فَلَوْ فُهِمَ الْمَنْعُ جُمْلَةً مِنْ قَوْلِهِ: (مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ) لَمَا أَفْتَى بِخِلَافِهِ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ أُكَيْمَةَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِرَاءَةِ، حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُرِيدُ بِالْحَمْدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: (مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ) فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَسْنَدَهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ(٣٥) وَهُوَ ضَعِيفٌ، كِلَاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ جَابِرٍ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: رَوَاهُ سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل ابن يُونُسَ وَشَرِيكٌ وَأَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ وَأَبُو الْأَحْوَصِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ جَابِرٍ: مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ إِلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ، فَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ قَوْلَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ورواه يحيى ابن سَلَّامٍ صَاحِبَ التَّفْسِيرِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَوَابُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ. وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِبْطَالُ الرَّكْعَةِ الَّتِي لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَهُوَ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِلْغَاءِ الرَّكْعَةِ وَالْبِنَاءِ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يَعْتَدُّ الْمُصَلِّي بِرَكْعَةٍ لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ قِرَاءَتُهُ لِمَنْ خَلْفُهُ قِرَاءَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ جَابِرٍ وَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غيره.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمَّا قَالَ ﷺ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْأَصْلِ هَلْ يُحْمَلُ هَذَا النَّفْيُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، أَوْ عَلَى الْإِجْزَاءِ؟ اخْتَلَفَتِ الْفَتْوَى بِحَسْبِ اخْتِلَافِ حَالِ النَّاظِرِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَشْهَرُ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَالْأَقْوَى أَنَّ النَّفْيَ عَلَى الْعُمُومِ، كَانَ الْأَقْوَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْرَأِ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي تَكْرَارِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: (افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَ الْقِرَاءَةَ كَمَا يُعِيدُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْمَعَانِي فِي تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ يَرُدُّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ قَوْلَهُمْ فِي أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَأَنَّهَا وَغَيْرَهَا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ. وَقَدْ عَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادَهُ فِي قَوْلِهِ:" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ". وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ. فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْأَعْرَابِيِّ: (اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ، وهو تفسير قوله تعالى:" فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ" [المزمل: 20] وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ زَادَ فِي رِوَايَةٍ فَصَاعِدًا". وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (هِيَ خِدَاجٌ ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ) أَيْ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَالْخِدَاجُ: النَّقْصُ وَالْفَسَادُ.
قَالَ الْأَخْفَشُ: خَدَجَتِ النَّاقَةُ، إِذَا أَلْقَتْ وَلَدَهَا لِغَيْرِ تَمَامٍ، وَأَخْدَجَتْ إِذَا قَذَفَتْ بِهِ قَبْلَ وَقْتِ الْوِلَادَةِ وَإِنْ كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ. وَالنَّظَرُ يُوجِبُ فِي النُّقْصَانِ أَلَّا تَجُوزَ مَعَهُ الصَّلَاةُ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَمْ تَتِمْ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ وَهِيَ لَمْ تَتِمْ فَعَلَيْهِ إِعَادَتُهَا كَمَا أُمِرَ، عَلَى حَسَبِ حُكْمِهَا. وَمَنَ ادَّعَى أَنَّهَا تَجُوزُ مَعَ إِقْرَارِهِ بِنَقْصِهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ يَلْزَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ لا تجب في شي من الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ فِيمَنْ نَسِيَهَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا بِمِصْرَ فَقَالَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ يُحْسِنُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إِلَّا بِهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُنْقِصَ حَرْفًا مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا أَوْ نَقَصَ مِنْهَا حَرْفًا أَعَادَ صَلَاتَهُ وَإِنْ قَرَأَ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ قَالُوا: حَسَنٌ، قَالَ: لَا بَأْسَ إِذًا، فَحَدِيثٌ مُنْكَرُ اللَّفْظِ مُنْقَطِعُ الْإِسْنَادِ، لِأَنَّهُ يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ عَنْ عُمَرَ، وَمَرَّةً يَرْوِيهِ إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُمَرَ، وَكِلَاهُمَا مُنْقَطِعٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَلَيْسَ عِنْدَ يَحْيَى وَطَائِفَةٍ مَعَهُ، لِأَنَّهُ رَمَاهُ مَالِكٌ مِنْ كِتَابِهِ بِأَخَرَةٍ(٣٦)، وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْهُ. رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ فَأَعَادَ بِهِمُ الصَّلَاةَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهَذَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ شَهِدَهُ هَمَّامٌ مِنْ عُمَرَ، رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الَّذِي نَسِيَ الْقِرَاءَةَ، أَيُعْجِبُكَ مَا قَالَ عُمَرُ؟ فَقَالَ: أَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ فَعَلَهُ وَأَنْكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: يَرَى النَّاسُ عُمَرَ يَصْنَعُ هَذَا فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يُسَبِّحُونَ بِهِ! أَرَى أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ مَنْ فَعَلَ هَذَا. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أُصُولِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَلَّا يَقْرَأَ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ إِلَّا سُورَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ مَالِكٌ: وَسُنَّةُ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَقَرَأَ بِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ، وَقَالَ: وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَقْرَأَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَعَادَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةِ، وَيُسَبِّحُ فِي الأخريين إن شاء، وإن شاء قرأ،
وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت صَلَاتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرِ الْكُوفِيِّينَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: اقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ وَسَبِّحْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ.
قَالَ سُفْيَانُ: فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَعَادَ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ قِرَاءَةُ رَكْعَةٍ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إِنْ نسي أن يقرأ في ركعة من صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمِصْرِيِّ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادُ الْمَالِكِيُّ، قَالَ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ. وَفِي رِوَايَةِ: وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَحَدِيثٌ صَحِيحٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ، وَنَصٌّ فِي تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةِ، خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ لَا فِيمَا خَالَفَهَا. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا مِنْكُمْ، فَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ: وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. وَقَدْ أَبَى كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَرْكَ السُّورَةِ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، مِنْهُمْ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو وَائِلٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: لَا صَلَاةَ لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ مَعَهَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ آيَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ آيَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يحد، وقال: شي مِنَ الْقُرْآنِ مَعَهَا، وَكُلُّ هَذَا مُوجِبٌ لِتَعَلُّمِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، لِحَدِيثِ عُبَادَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشئ مَعَهَا. وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: سُنَّةٌ، فَضِيلَةٌ، وَاجِبَةٌ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مَنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِ مَجْهُودِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ أو شي مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا عَلِقَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، لَزِمَهُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي مَوْضِعِ الْقِرَاءَةِ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ تَكْبِيرٍ أَوْ تَهْلِيلٍ أَوْ تَحْمِيدٍ أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ تَمْجِيدٍ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ مَعَ إِمَامٍ فِيمَا أَسَرَّ فِيهِ الْإِمَامُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئْنِي مِنْهُ، قَالَ: (قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ، فَمَا لِي؟ قَالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي). السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: فَإِنْ عَجَزَ عن إصابة شي مِنْ هَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَدَعُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ جُهْدَهُ، فَالْإِمَامُ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ أَبَدًا أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي تَعَلُّمِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ، إِلَى أَنْ يَحُولَ الْمَوْتُ دُونَ ذَلِكَ وَهُوَ بِحَالِ الِاجْتِهَادِ فَيَعْذُرَهُ اللَّهُ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مَنْ لَمْ يواته لسانه إلى التكلم بالعربية من الأعجمين وَغَيْرِهِمْ تُرْجِمَ لَهُ الدُّعَاءُ الْعَرَبِيُّ بِلِسَانِهِ الَّذِي يَفْقَهُ لِإِقَامَةِ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُجْزِئُهُ الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِصَابَةُ الْمَعْنَى.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَخِلَافُ مَا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ، وَخِلَافُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَى مَا قَالَ. الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ: مَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَمَا أُمِرَ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْقِرَاءَةِ، فَطَرَأَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَمِعَ مَنْ قَرَأَهَا فَعَلِقَتْ بِحِفْظِهِ مِنْ مُجَرَّدِ السَّمَاعِ فَلَا يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ أَدَّى مَا مَضَى عَلَى حَسَبٍ مَا أُمِرَ بِهِ، فَلَا وَجْهَ
لِإِبْطَالِهِ. قاله في كتاب ابن سحنون.
الباب الثالث في التأمين، وفيه ثَمَانِ مَسَائِلَ
الْأُولَى: وَيُسَنُّ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ أَنْ يَقُولُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ سَكْتَةٍ عَلَى نُونِ" وَلَا الضَّالِّينَ": آمِينَ، لِيَتَمَيَّزَ مَا هُوَ قُرْآنٌ مِمَّا لَيْسَ بِقُرْآنٍ. الثَّانِيَةُ: ثَبَتَ فِي الْأُمَّهَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: فَتَرَتَّبَتِ الْمَغْفِرَةُ لِلذَّنْبِ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ أَرْبَعٍ تَضَمَّنَهَا هَذَا الْحَدِيثُ، الْأُولَى: تَأْمِينُ الْإِمَامِ، الثَّانِيَةُ: تَأْمِينُ مَنْ خَلْفَهُ، الثَّالِثَةُ: تَأْمِينُ الْمَلَائِكَةِ، الرَّابِعَةُ: مُوَافَقَةُ التَّأْمِينِ، قِيلَ فِي الْإِجَابَةِ، وَقِيلَ فِي الزَّمَنِ، وَقِيلَ فِي الصِّفَةِ مِنْ إِخْلَاصِ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبِ غَافِلٍ لَاهٍ). الثَّالِثَةُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُصَبِّحٍ الْمُقْرَائِيِّ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيُحَدِّثُ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ، فَإِذَا دَعَا الرَّجُلُ مِنَّا بِدُعَاءٍ قَالَ: اخْتِمْهُ بِآمِينَ، فَإِنَّ آمِينَ مِثْلَ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ.
قَالَ أَبُو زُهَيْرٍ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بأي شي يختم؟ قال: (بآمين فإنه خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ) فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَى الرَّجُلَ فَقَالَ لَهُ: اخْتِمْ يَا فُلَانُ وَأَبْشِرْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَبُو زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيُّ اسْمُهُ يَحْيَى بْنُ نُفَيْرٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (لَا تَقْتُلُوا الْجَرَادَ فَإِنَّهُ جُنْدُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ). وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: آمِينَ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كل حرف ملكا يقول: اللهم اغفر مَنْ قَالَ آمِينَ. وَفِي الْخَبَرِ (لَقَّنَنِي جِبْرِيلُ آمين عند فَرَاغِي مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّهُ كَالْخَاتَمِ عَلَى الْكِتَابِ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: (آمِينَ خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
قَالَ الْهَرَوِيُّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ طَابَعُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، لِأَنَّهُ يَدْفَعُ [بِهِ عَنْهُمُ](٣٧) الْآفَاتِ وَالْبَلَايَا، فَكَانَ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ الَّذِي يَصُونُهُ، وَيَمْنَعُ مِنْ إِفْسَادِهِ وَإِظْهَارِ مَا فِيهِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ (آمِينَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ).
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَرْفٌ يَكْتَسِبُ بِهِ قَائِلُهُ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ. الرَّابِعَةُ: مَعْنَى آمِينَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا، وُضِعَ مَوْضِعَ الدُّعَاءِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمُجَاهِدٍ وَهِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَصِحَّ، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقِيلَ مَعْنَى آمِينَ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنْ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا مَعْنَى آمِينَ؟ قَالَ: (رَبِّ افْعَلْ). وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ قُوَّةٌ لِلدُّعَاءِ، وَاسْتِنْزَالٌ لِلْبَرَكَةِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَاهُ لَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا. الْخَامِسَةُ: وَفِي آمِينَ لُغَتَانِ: الْمَدُّ عَلَى وَزْنِ فَاعِيلَ كَيَاسِينَ. وَالْقَصْرُ عَلَى وَزْنِ يَمِينَ.
قَالَ الشَّاعِرُ فِي الْمَدِّ:
يَا رَبِّ لَا تَسْلُبْنِي حُبَّهَا أَبَدًا ... وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا
وَقَالَ آخَرُ:
آمِينَ آمِينَ لَا أَرْضَى بِوَاحِدَةٍ ... حَتَّى أُبَلِّغَهَا أَلْفَيْنِ آمِينَا
وَقَالَ آخَرُ فِي الْقَصْرِ:
تَبَاعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إِذْ سَأَلْتُهُ ... أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدًا
وَتَشْدِيدُ الْمِيمِ خَطَأٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ التَّشْدِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ، مِنْ أَمَّ إِذَا قَصَدَ، أَيْ نحن قاصدون نحوك، ومنه قوله: " وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ" [المائدة: 2]. حَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيُّ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ مِثْلُ أَيْنَ وَكَيْفَ، لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ. وَتَقُولُ مِنْهُ: أَمَّنَ فُلَانٌ تَأْمِينًا. السَّادِسَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَقُولُهَا الْإِمَامُ وَهَلْ يَجْهَرُ بِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ إِلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ: لَا يَجْهَرُ بِهَا. وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيُّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: هُوَ مُخَيَّرٌ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُ آمِينَ وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ خَلْفَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا فَقَالَ: (إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَالَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَرَأَ" وَلَا الضَّالِّينَ" قَالَ:" آمِينَ" يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَزَادَ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، هَذَا صَحِيحٌ وَالَّذِي بَعْدَهُ". وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ" بَابُ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ". وَقَالَ عَطَاءٌ:" آمِينَ" دُعَاءٌ، أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً(٣٨).
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَبِهِ يَقُولُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، يَرَوْنَ أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يُخْفِيهَا. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَفِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ" آمِينَ". وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: تَرَكَ النَّاسُ آمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ:" غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" قَالَ:" آمِينَ" حَتَّى يَسْمَعَهَا أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَسُمَيٍّ فَمَعْنَاهُمَا التَّعْرِيفُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ آمِينَ، وَهُوَ إِذَا قَالَ الْإِمَامُ:" وَلَا الضَّالِّينَ" لِيَكُونَ قَوْلُهُمَا مَعًا، ولا يتقدموه بقول: آمين، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا). وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْحَارِثِ: لَا يَقُولُهَا الْمَأْمُومُ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ الْإِمَامَ يَقُولُ:" وَلَا الضَّالِّينَ". وَإِذَا كَانَ بِبُعْدٍ لَا يَسْمَعُهُ فَلَا يَقُلْ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يَتَحَرَّى قَدْرَ الْقِرَاءَةِ وَيَقُولُ: آمِينَ. السَّابِعَةُ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: الْإِخْفَاءُ بِآمِينَ أَوْلَى مِنَ الْجَهْرِ بِهَا لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً" [الأعراف: 5]. قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قول تعالى:" قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما" [يونس: 89]. قَالَ: كَانَ مُوسَى يَدْعُو وَهَارُونَ يُؤَمِّنُ، فَسَمَّاهُمَا اللَّهُ دَاعِيَيْنِ. الْجَوَابُ: أَنَّ إِخْفَاءَ الدُّعَاءِ إِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنَ الرِّيَاءِ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَشُهُودُهَا إِشْهَارُ شِعَارٍ ظَاهِرٍ، وَإِظْهَارُ حَقٍّ يُنْدَبُ الْعِبَادُ إِلَى إِظْهَارِهِ، وَقَدْ نُدِبَ الْإِمَامُ إِلَى إِشْهَارِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالتَّأْمِينِ فِي آخِرِهَا، فَإِذَا كَانَ الدُّعَاءُ مِمَّا يُسَنُّ الْجَهْرُ فِيهِ فَالتَّأْمِينُ عَلَى الدُّعَاءِ تَابِعٌ لَهُ وَجَارٍ مُجْرَاهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ. الثَّامِنَةُ كَلِمَةُ آمِينَ لَمْ تَكُنْ قَبْلَنَا إِلَّا لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي (نَوَادِرِ الْأُصُولِ): حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا رَزِينٌ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ أَحَدًا قَبْلَهُمُ السَّلَامُ وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَصُفُوفُ الْمَلَائِكَةِ وَآمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَعْنَاهُ أَنَّ مُوسَى دَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ، وَأَمَّنَ هَارُونُ، فَقَالَ الله تبارك اسمه عند ما ذَكَرَ دُعَاءَ مُوسَى فِي تَنْزِيلِهِ:" قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما" [يونس: 89] وَلَمْ يَذْكُرْ مَقَالَةَ هَارُونَ، وَقَالَ مُوسَى: رَبَّنَا، فَكَانَ مِنْ هَارُونَ التَّأْمِينُ، فَسَمَّاهُ دَاعِيًا فِي تَنْزِيلِهِ، إِذْ صَيَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ دَعْوَةً. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَمِينَ خَاصٌّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: (ما حسدتكم اليهود على شي مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ .... ، الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شي مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى آمِينَ فَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ آمِينَ).
قَالَ عُلَمَاؤُنَا(٣٩) رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إِنَّمَا حَسَدَنَا أَهْلُ الْكِتَابِ لِأَنَّ أَوَّلَهَا حَمْدٌ لِلَّهِ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ ثُمَّ خُضُوعٌ لَهُ وَاسْتِكَانَةٌ، ثُمَّ دُعَاءٌ لَنَا بِالْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ثُمَّ الدعاء عليهم مع قولنا آمين.
الباب الرابع فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والاعراب وفضل الحامدين، وفيه ست وثلاثون مسألة
(٢) راجع ج 10 ص 271.
(٣) ورد هذا الحديث مضطربا في الأصول والتصويب عن سنن الدارقطني وتهذيب التهذيب. وعبد الحميد بن جعفر هذا، يكنى أبا الفضل، ويقال: أبو حفص، وليس من كنيته أبو بكر. وروى عنه أبو بكر الحنفي. راجع تهذيب التهذيب.
(٤) راجع 20 ص 216.
(٥) الجريري (بضم الجيم وفتح الراء وكسر الثانية وسكون ياء بينهما، نسبة الى جرير بن عباد بن ضبيعة): وهو سعيد بن أياس الجريري أبو مسعود البصري.
(٦) كذا في تهذيب التهذيب وفي الأصول:" عمار عن رزيق" وهو خطأ".
(٧) التخمير: التغطية. والوكاء: الخيط الذي تشد به الصرة والكيس وغيرهما. أي شدوا رموس الأسقية بالوكاء لئلا يدخلها حيوان أو يسقط فيها شي.
(٨) هو امر القيس. وتمام البيت وشرحه يأتي في ص 211 من هذا الجزء.
(٩) رجل مبترك: معتمد على الشيء ملح. ويلحمه: ينزع عنه اللحم.
(١٠) كان الأصل اسم نقاب حركة الهمزة إلى السين ثم حذفت الهمزة ولما وصلت الباء به سكنت السين تخفيفا.
(١١) المخسوس: المرذول. وجذم كل شي: أصله. ومالك: جد أعلى للشاعر.
(١٢) قوله، ماء مولة. هو بضم الميم وتخفيف اللام، وتشدد وتفتح الواو.
(١٣) قائله جرير، والينبوت: ضرب من الشجر.
(١٤) انظر شرح القاموس واللسان مادة" رحم".
(١٥) هو عملس بن عقيل، كما في هامش بعض نسخ الأصل ولسان العرب مادة رحم.
(١٦) هو عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي، كما في الخلاصة.
(١٧) نسبة إلى خوزستان بلاد بين فارس والبصرة.
(١٨) آية 110 سورة الإسراء ج 10 ص 342.
(١٩) آية 45 سورة الزخرف ج 16 ص 95.
(٢٠) أي وقال الله هي مقسومة.
(٢١) راجع ج 7 ص 389
(٢٢) قال ابن حجر في الإصابة: (وهو خطأ فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ، وسياق الحديث يأبى ذلك.
(٢٣) راجع ج 2 ص 149
(٢٤) ضبطه ابن خلكان فقال: (بفتح الراء بعد الالف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة، وقيل فيها أيضا: راهويه بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء.
(٢٥) في تفسير الآلوسي وغيره: سورة الصلاة.
(٢٦) أي في الحديث القدسي.
(٢٧) الذي في مسند الدارمي عن عبد الملك بن عمير: قال قال رسول الله (في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء).
(٢٨) وفي بعض الأصول: غريبا (بالغين المعجمة).
(٢٩) كذا في نسخ الأصل. ولو كان جوابا للأمر لكان (تشف) مجزوما.
(٣٠) راجع ج 15 ص 249
(٣١) النقيض: الصوت.
(٣٢) راجع ج 7 ص 153.
(٣٣) إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس.
(٣٤) أي في الحديث القدسي.
(٣٥) قد ترجمه ابن حجر في التهذيب وابن خلكان في الوفيات ولم يذكروا عنه ضعفا في الحديث ولكن ابن سعد في الطبقات قد وصفه بذلك.
(٣٦) أي بتأخر وبعد عن الخير.
(٣٧) الزيادة عن اللسان مادة (أمن).
(٣٨) اللجة: الصوت.
(٣٩) هذا حمل منهم للحديث على الفاتحة مع آمين في آخرها.
القَوْلُ في تَفْسِيرِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾
رُوِيَ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ، رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: البَسْمَلَةُ تِيجانُ السُوَرِ.
ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ ﷺ: تَعِسَ الشَيْطانُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا تَقُلْ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ، ولَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ؛ فَإنَّهُ يَصْغُرُ حَتّى يَصِيرَ أقَلَّ مِن ذُبابٍ».
وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] قالَ: مَعْناهُ: إذا قُلْتَ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ).
ورُوِيَ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «كَيْفَ تَفْتَتِحُ الصَلاةَ يا جابِرُ ؟ قالَ: بِالحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ: "قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"».
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: " «أتانِي جِبْرِيلُ، فَعَلَّمَنِي الصَلاةَ، فَقَرَأ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، -يَجْهَرُ بِها-"».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ الحَدِيثانِ يَقْتَضِيانِ أنَّها آيَةٌ مِنَ الحَمْدِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الصَحِيحُ؛ إذْ قالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: «هَلْ لَكَ ألّا تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى تَعْلَمَ سُورَةً ما أُنْزِلَ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها"؟ قالَ: فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ في المَشْيِ رَجاءَ ذَلِكَ، فَقالَ لِي: كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَلاةَ؟ قالَ: فَقَرَأْتُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها».
ويَرُدُّهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، يَقُولُ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾».
ويَرُدُّهُ أنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، ولا عن أبِي بَكْرٍ، ولا عن عُمَرَ، ولا عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّهم قَرَءُوا قط في صَلاتِهِمْ: «بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ».
ويَرُدُّهُ عَدَدُ آياتِ السُورَةِ؛ لِأنَّ الإجْماعَ أنَّها سَبْعُ آياتٍ إلّا ما رُوِيَ عن حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ أنَّها سِتُّ آياتٍ، وهَذا شاذٌّ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عن عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ جَعَلَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] آيَةً، فَهي عَلى عَدِّهِ ثَمانِي آياتٍ، وهَذا أيْضًا شاذٌّ.
وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] هو الفَصْلُ في ذَلِكَ.
والشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَعُدُّ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) آيَةً مِنَ الحَمْدِ، وكَثِيرٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ والكُوفَةِ، ولا يَعُدُّونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ والقُرّاءُ لا يَعُدُّونَ البَسْمَلَةَ آيَةً.
والَّذِي يَحْتَمِلُهُ عِنْدِي حَدِيثُ جابِرٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ -إذا صَحّا- أنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأى قِراءَةَ جابِرٍ وحِكايَتَهُ أمْرَ الصَلاةِ قِراءَةً في غَيْرِ الصَلاةِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ، فَأمَرَهُ بِالبَسْمَلَةِ لِهَذا، لا لِأنَّها آيَةٌ.
وكَذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَآها قِراءَةَ تَعْلِيمٍ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ أُبَيٍّ لِأنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ السُورَةِ، ووَسَمَها مِنَ الفَضْلِ بِما لَها، فَلَمْ يُدْخِلْ مَعَها ما لَيْسَ مِنها، ولَيْسَ هَذا القَصْدُ في حَدِيثِ جابِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، واللهُ أعْلَمُ.
وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: إنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ رَدَّ الناسُ عَلَيْهِ.
ورَوى الشَعْبِيُّ والأعْمَشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَكْتُبُ «بِاسْمِكَ اللهُمَّ»، حَتّى أُمِرَ أنْ يَكْتُبَ: «بِسْمِ اللهِ» فَكَتَبَها، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أوِ ادْعُوا الرَحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] كَتَبَ: «بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ»، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كَتَبَها»،
ورَوى عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلٍ: «أنَّ جِبْرِيلَ أوَّلَ ما جاءَ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُ: قُلْ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"».
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ".
وفي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ خَدِيجَةَ، وحَمْلِها رَسُولَ اللهِ ﷺ إلى ورَقَةَ، «أنَّ جِبْرِيلَ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِما السَلامُ: قُلْ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" فَقالَها: فَقالَ: اقْرَأْ، قالَ: ما أنا بِقارِئٍ»... الحَدِيثَ.
والبَسْمَلَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا. فَقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ رِوايَةً بَلَغَتْهم أنَّ مَلائِكَةَ النارِ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] إنَّما تَرَتَّبَ عَدَدُهم عَلى حُرُوفِ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، لِكُلِّ حَرْفٍ مَلَكٌ، وهم يَقُولُونَ في كُلِّ أفْعالِهِمْ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" فَمِن هُنالِكَ هي قُوَّتُهُمْ، وبِاسْمِ اللهِ اسْتَضْلَعُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ مِن مِلَحِ التَفْسِيرِ، ولَيْسَتْ مِن مَتِينِ العِلْمِ، وهي نَظِيرُ قَوْلِهِمْ في لَيْلَةِ القَدْرِ: إنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، مُراعاةً لِلَفْظَةِ (هِيَ) في كَلِماتِ سُورَةِ: (إنّا أنْزَلْناهُ)، ونَظِيرُ قَوْلِهِمْ في عَدَدِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ ابْتَدَرُوا قَوْلَ القائِلِ: "رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فِيهِ"، فَإنَّها بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ حَرْفًا، قالُوا: فَلِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ رَأيْتُ بِضْعَةً وثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَها أيُّهم يَكْتُبُها أوَّلَ».
والباءُ فِي: بِسْمِ اللهِ مُتَعَلِّقَةٌ عِنْدَ نُحاةِ البَصْرَةِ بِاسْمٍ تَقْدِيرُهُ: ابْتِداءٌ مُسْتَقِرٌّ أو ثابِتٌ بِسْمِ اللهِ. وعِنْدَ نُحاةِ الكُوفَةِ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ابْتَدَأْتُ "بِسْمِ اللهِ"، فَـ: "بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، كَذا أطْلَقَ القَوْلَ قَوْمٌ.
والظاهِرُ مِن مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْمٍ كَما تَقَدَّمَ، و"بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِثابِتٍ أو مُسْتَقِرٍّ بِمَنزِلَةِ "فِي الدارِ" مِن قَوْلِكَ: (زَيْدٌ في الدارِ).
وكُسِرَتْ باءُ الجَرِّ لِيُناسِبَ لَفْظُها عَمَلَها، أو لِكَوْنِها لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأسْماءِ، فَخُصَّتْ بِالخَفْضِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا في الأسْماءِ، ولِيُفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ ما قَدْ يَكُونُ مِنَ الحُرُوفِ اسْمًا نَحْوَ (الكافِ) في قَوْلِ الأعْشى [البسيط]:
أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ *** كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والْفُتُلُ
وحُذِفَتِ الألِفُ مِن "بِسْمِ اللهِ" في الخَطِّ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ إذا كُتِبَ "بِاسْمِ الرَحْمَنِ، وبِاسْمِ القاهِرِ": فَقالَ الكِسائِيُّ، وسَعِيدٌ الأخْفَشُ: يُحْذَفُ الألِفُ. وقالَ يَحْيى بْنُ زِيادٍ: لا تُحْذَفُ إلّا مَعَ "بِسْمِ اللهِ" فَقَطْ؛ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ إنَّما كَثُرَ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَأمّا في غَيْرِ اسْمِ اللهِ تَعالى فَلا خِلافَ في ثُبُوتِ الألِفِ.
واسْمٌ أصْلُهُ "سِمُوٌّ" بِكَسْرِ السِينِ أو "سُمُوٌّ" بِضَمِّها، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُمُوِّ، يُقالُ: سَما يَسْمُو، فَعَلى هَذا تُضَمُّ السِينُ في قَوْلِكَ: سُمُوٌّ، ويُقالُ: سَمِيَ يَسْمى فَعَلى هَذا تُكْسَرُ، وحُذِفَتِ الواوُ مِن سُمُوٍّ، وكُسِرَتِ السِينُ مِن "سِمٍ"، كَما قالَ الشاعِرُ [الرجز]:
بِسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ ∗∗∗......................................
وسُكِّنَتِ السِينُ مِن بِسْمِ اعْتِلالًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وإنَّما اسْتُدِلَّ عَلى هَذا الأصْلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ بِقَوْلِهِمْ في التَصْغِيرِ (سُمَيٌّ)، وفي الجَمْعِ أسْماءٌ، وفي جَمْعِ الجَمْعِ (أسامِيُّ).
وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُ اسْمٍ واسْمٌ مِنَ (السِمَةِ)، وهي العَلامَةُ؛ لِأنَّ الِاسْمَ عَلامَةٌ لِمَن وُضِعَ لَهُ، وحُذِفَتْ فاؤُهُ اعْتِلالًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
والتَصْغِيرُ والجَمْعُ المَذْكُورانِ يَرُدّانِ هَذا المَذْهَبَ الكُوفِيَّ، وأمّا المَعْنى فِيهِ فَجَيِّدٌ، لَوْلا ما يَلْزَمُهم مِن أنْ يُقالَ في التَصْغِيرِ "وُسَيْمٌ"، وفي الجَمْعِ "أوسامٌ"؛ لِأنَّ التَصْغِيرَ والجَمْعَ يَرُدّانِ الأشْياءَ إلى أُصُولِها.
وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَوْضِعِ "الِاسْمَ والمُسَمّى" هَلْ هُما واحِدٌ؟ فَقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْمَسْألَةِ، وأنْحى في خُطْبَتِهِ عَلى المُتَكَلِّمِينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ ونَحْوِها.
ولَكِنْ بِحَسْبِ ما قَدْ تُدُووِلَ القَوْلُ فِيها، فَلْنَقُلْ: إنَّ الِاسْمَ "كَزَيْدٍ، وأسَدٍ، وفَرَسٍ" قَدْ يَرِدُ في الكَلامِ، يُرادُ بِهِ الذاتُ، كَقَوْلِكَ: "زَيْدٌ قائِمٌ" "والأسَدُ شُجاعٌ"، وقَدْ يَرِدُ ويُرادُ بِهِ التَسْمِيَةُ ذاتُها، كَقَوْلِكَ: "أسَدٌ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ"، فَفي الأوَّلِ يُقالُ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، بِمَعْنى "يُرادُ بِهِ المُسَمّى"، وفي الثانِي: لا يُرادُ بِهِ المُسَمّى، ومِن الوُرُودِ الأوَّلِ قَوْلُكَ: "يا رَحْمَنُ، اغْفِرْ لِي" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، ومِنَ الوُرُودِ الثانِي قَوْلُكَ: "الرَحْمَنُ وصْفُ للهِ تَعالى".
وأمّا "اسْمٌ" الَّذِي هو "ألِفٌ، وسِينٌ، ومِيمٌ"، فَقَدْ يَجْرِي في لُغَةِ العَرَبِ مَجْرى الذاتِ، يُقالُ: "ذاتٌ، ونَفْسٌ، واسْمٌ، وعَيْنٌ" بِمَعْنًى.
وعَلى هَذا حَمَلَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١]، وقَوْلَهُ: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقَوْلَهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]، وعَضَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِ لَبِيَدٍ [الطويل]:
إلى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا ∗∗∗ ومَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
وقالُوا: إنَّ لَبَيْدًا أرادَ التَحِيَّةَ.
وقَدْ يَجْرِي "اسْمٌ" في اللُغَةِ مَجْرى ذاتِ العِبارَةِ، وهو الأكْثَرُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١]، عَلى أشْهَرِ التَأْوِيلاتِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ».
وعَلى هَذا النَحْوِ اسْتَعْمَلَ النَحْوِيُّونَ الِاسْمَ في تَصْرِيفِ أقْوالِهِمْ.
فالَّذِي يَتَنَخَّلُ مِن هَذا أنَّ الأسْماءَ قَدْ تَجِيءُ يُرادُ بِها ذَواتُ المُسَمَّياتِ، وفي هَذا يُقالُ: الِاسْمُ هو المُسَمّى، وقَدْ تَجِيءُ يُرادُ بِها ذَواتُها نَفْسُها لا مُسَمَّياتُها.
ومَرَّ بِي أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْمِ. أهُوَ المُسَمّى؟ فَقالَ: "لَيْسَ بِهِ، ولا هو غَيْرُهُ"، يُرِيدُ دائِمًا في كُلِّ مَوْضِعٍ، وهَذا مُوافِقٌ لِما قُلْناهُ.
والمَكْتُوبَةُ الَّتِي لَفَظَها (اللهُ) أبْهَرُ أسْماءِ اللهِ تَعالى، وأكْثَرُها اسْتِعْمالًا، وهو المُتَقَدِّمُ لِسائِرِها في الأغْلَبِ، وإنَّما تَجِيءُ الأُخَرُ أوصافًا.
واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِهِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هو اسْمٌ مُرْتَجَلٌ، لا اشْتِقاقَ لَهُ مِن فِعْلٍ، وإنَّما هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى، والألِفُ واللامُ لازِمَةٌ لَهُ، لا لِتَعْرِيفٍ ولا لِغَيْرِهِ، بَلْ هَكَذا وُضِعَ الِاسْمُ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ألِهَ الرَجُلُ إذا عَبَدَ، وتَألَّهَ إذا تَنَسَّكَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ [الرجز]:
للهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ ∗∗∗ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَألُّهِي
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعالى: "وَيَذَرَكَ وإلَهَتَكَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وغَيْرَهُ قالَ: وعِبادَتَكَ، قالُوا: فاسْمُ اللهِ مُشْتَقٌّ مِن هَذا الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ خَلْقٍ ويَعْبُدُهُ، حَكاهُ النَقّاشُ في صَدْرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَإلَهٌ فِعالٌ مِن هَذا.
واخْتُلِفَ -كَيْفَ تَعَلَّلَ (إلَهٌ) حَتّى جاءَ (اللهُ)؟: فَقِيلَ: حُذِفَتِ الهَمْزَةُ حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ودَخَلَتِ الألِفُ واللامُ لِلتَّعْظِيمِ عَلى (لاهٍ)، وقِيلَ: بَلْ دَخَلَتا عَلى (إلَهٍ) ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ (ألَّلاهُ)، ثُمَّ أُدْغِمَتِ اللامُ في اللامِ. وقِيلَ: إنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ (لاهٍ)، وعَلَيْهِ دَخَلَتِ الألِفُ واللامُ، والأوَّلُ أقْوى.
ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ أصْلَ إلَهٍ (وَلاهٌ) وأنَّ الهَمْزَةَ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ كَما هي في إشاحٍ ووِشاحٍ وإسادَةٍ ووِسادَةٍ.
وقِيلَ: إنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ (وَلاهٌ) كَما قالَ الخَلِيلُ، إلّا أنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن (وَلِهَ) الرَجُلُ إذا تَحَيَّرَ؛ لِأنَّهُ تَعالى تَتَحَيَّرُ الألْبابُ في حَقائِقِ صِفاتِهِ، والفِكْرُ في المَعْرِفَةِ بِهِ، وحُذِفَتِ الألِفُ الأخِيرَةُ مِنَ اللهِ لِئَلّا يُشْكِلَ بِخَطِّ اللاتِ.
وقِيلَ: طُرِحَتْ تَخْفِيفًا، وقِيلَ: هي لُغَةٌ فاسْتُعْمِلَتْ في الخَطِّ، ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ [الرجز]:
أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ أمْرِ اللهْ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الْجَنَّةِ الْمُغِلَّهْ
(والرَحْمَنُ) صِفَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الرَحْمَةِ، ومَعْناها أنَّهُ انْتَهى إلى غايَةِ الرَحْمَةِ، كَما يَدُلُّ عَلى الِانْتِهاءِ سَكْرانُ وغَضْبانُ، وهي صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِاللهِ ولا تُطْلَقُ عَلى البَشَرِ. وهي أبْلَغُ مِن فَعِيلٍ، وفَعِيلٌ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ؛ لِأنَّ راحِمًا يُقالُ لِمَن رَحِمَ ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً، ورَحِيمًا يُقالُ لِمَن كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ، والرَحْمَنُ النِهايَةُ في الرَحْمَةِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: الرَحْمَنُ الرَحِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالنَدْمانِ والنَدِيمِ، نَعَمْ إنَّهُما مِن فِعْلٍ واحِدٍ، ولَكِنَّ أحَدَهُما أبْلَغُ مِنَ الآخَرِ.
وأمّا المُفَسِّرُونَ فَعَبَّرُوا عَنِ "الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" بِعِباراتٍ، فَمِنها أنَّ العَرْزَمِيَّ قالَ: مَعْناهُ الرَحْمَنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ في الأمْطارِ، ونِعَمِ الحَواسِّ، والنِعَمِ العامَّةِ، الرَحِيمُ بِالمُؤْمِنِينَ في الهِدايَةِ لَهُمْ، واللُطْفِ بِهِمْ.
ومِنها أنَّ أبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ وابْنَ مَسْعُودٍ رَوَيا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «الرَحْمَنُ رَحْمَنُ الدُنْيا والآخِرَةِ، والرَحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ».
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَحْمَنُ اسْمٌ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الرَحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللهُ. والرَحِيمُ: إنَّما هو مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ تَتَعاضَدُ.
وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: كانَ الرَحْمَنُ، فَلَمّا اخْتُزِلَ، وسُمِّيَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ الكَذّابُ قالَ اللهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ: (الرَحْمَنُ الرَحِيمُ)، فَهَذا الِاقْتِرانُ بَيْنَ الصِفَتَيْنِ لَيْسَ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنَ الرَحِيمِ كانَ قَبْلَ أنْ يَنْجُمَ أمْرُ مُسَيْلِمَةَ. وأيْضًا فَتَسَمِّي مُسَيْلِمَةَ بِهَذا لَمْ يَكُنْ مِمّا تَأصَّلَ وثَبَتَ.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَعْرِفُ لَفْظَةَ الرَحْمَنِ، ولا كانَتْ في لُغَتِها، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَرَبِ: ﴿وَما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ، وإنَّما وقَفَتِ العَرَبُ عَلى تَعْيِينِ الإلَهِ الَّذِي أُمِرُوا بِالسُجُودِ لَهُ لا عَلى نَفْسِ اللَفْظِة.
واخْتُلِفَ في وصْلِ الرَحِيمِ بِالحَمْدِ: فَرُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ (الرَحِيمْ الحَمْدُ)» تُسَكَّنُ المِيمُ، ويُوقَفُ عَلَيْها ويُبْتَدَأُ بِألِفٍ مَقْطُوعَةٍ، وقَرَأ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ (الرَحِيمِ الحَمْدُ) يُعْرِبُ (الرَحِيمِ) بِالخَفْضِ، وتُوصَلُ الألِفُ مِنَ الحَمْدِ، ومَن يشاءَ أنْ يُقَدِّرَ أنَّهُ أسْكَنَ المِيمَ، ثُمَّ لَمّا وصَلَ حَرَّكَها لِلِالتِقاءِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِألِفِ الوَصْلِ فَذَلِكَ سائِغٌ، والأوَّلُ أخْصَرَ.
وحَكى الكِسائِيُّ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّها تُقْرَأُ (الرَحِيمَ الحَمْدُ) بِفَتْحِ المِيمِ وصِلَةِ الألِفِ، كَأنَّها سُكِّنَتِ المِيمُ وقُطِعَتِ الألِفُ، ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى المِيمِ وحُذِفَتْ، ولَمْ تُرْوَ هَذِهِ قِراءَةً عن أحَدٍ فِيما عَلِمْتُ، وهَذا هو نَظَرُ يَحْيى بْنِ زِيادٍ في قَوْلِهِ تَعالى:(الم * اللهُ) [آل عمران: 1 - 2].
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الفَاتحة
قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُوسى بْنُ جَعْفَرٍ، عن أبِيهِ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ.
ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] والحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إنَّها السَبْعُ المَثانِي، والسَبْعُ الطُوَلِ» نَزَلَتْ بَعْدَ الحِجْرِ بِمَدَدٍ، ولا خِلافَ أنْ فَرْضَ الصَلاةِ كانَ بِمَكَّةَ، وما حَفِظَ أنَّهُ كانَتْ قَطُّ في الإسْلامِ صَلاةٌ بِغَيْرٍ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾.
ورُوِيَ عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، وسِوادَةَ بْنِ زِيادٍ، والزُهْرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ سُورَةَ الحَمْدِ مَدَنِيَّةٌ.
وأمّا أسْماؤُها - فَلا خِلافَ أنَّها يُقالُ لَها: فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّ مَوْضِعَها يُعْطِي ذَلِكَ، واخْتَلَفَ هَلْ يُقالُ لَها: أُمُّ الكِتابِ؟: فَكَرِه الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ذَلِكَ، فَقالَ: أُمُّ الكِتابِ الحَلّالِ والحَرامِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: يُقالُ لَها: أُمُّ الكِتابِ. وقالَ البُخارِيُّ: سُمِّيَتْ أُمَّ الكِتابِ لِأنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتابَتِها في المُصْحَفِ، وبِقِراءَتِها في الصَلاةِ.
وفي تَسْمِيَتِها بِأُمِّ الكِتابِ حَدِيثٌ رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ، واخْتَلَفَ هَلْ يُقالُ لَها أُمُّ القُرْآنِ؟: فَكَرِهُ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ، وجَوَّزَهُ جُمْهُورُ العُلَماءِ.
قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: أُمُّ القُرى مَكَّةُ، وأُمُّ خُراسانَ مَرْوٌ، وأُمُّ القُرْآنِ سُورَةُ الحَمْدِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اسْمُها أُمُّ القُرْآنِ.
وأمّا المَثانِي فَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ.
وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَلَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ قَبْلَها ذُخْرًا لَها.
وأمّا فَضْلُ هَذِهِ السُورَةِ فَقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّها لَمْ يَنْزِلْ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها».
ويُرْوى أنَّها تَعْدِلُ ثُلْثَيِ القُرْآنِ، وهَذا العَدْلُ إمّا أنْ يَكُونَ في المَعانِي، وإمّا أنْ يَكُونَ تَفْضِيلًا مِنَ اللهِ تَعالى لا يُعَلَّلُ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ عَدْلُ ﴿قُلْ هو اللهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وعَدْلُ ﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١] وغَيْرُها.
وَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «لِلْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ فَضْلُ ثَلاثِينَ حَسَنَةً عَلى سائِرِ الكَلامِ».
ووَرَدَ حَدِيثٌ آخَرُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ كُتِبَتْ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، ومَن قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كُتِبَتْ لَهُ ثَلاثُونَ حَسَنَةً».
وهَذا الحَدِيثُ هو في الَّذِي يَقُولُها مِنَ المُؤْمِنِينَ مُؤْتَجِرًا طالِبَ ثَوابٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( الحَمْد لِلَّهِ ) في ضِمْنِها التَوْحِيدُ الَّذِي هو مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَفي قَوْلِهِ تَوْحِيدٌ وحَمْدٌ، وفي قَوْلِ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ" تَوْحِيدٌ فَقَطْ.
فَأمّا إذا أُخِذا بِمَوْضِعِهِما مِن شَرْعِ المِلَّةِ، ومَحَلِّهُما مِن دَفْعِ الكُفْرِ والإشْراكِ، فَـ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" أفْضَلُ، والحاكِمُ بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «أفْضَلُ ما قُلْتُهُ أنا والنَبِيُّونَ مِن قَبْلِي: لا إلَهَ إلّا اللهُ».
فِيها أبْحاثٌ (البَحْثُ الأوَّلُ) اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها، هَلْ هي مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ أمْ لا؟ فَنَقَلَ العَلّامَةُ أبُو بَكْرٍ التُّونُسِيُّ إجْماعَ عُلَماءِ كُلِّ مِلَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَتَحَ كُلَّ كِتابٍ بِها، ورَوى السُّيُوطِيُّ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ السِّرْمِينِيُّ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فاتِحَةُ كُلِّ كِتابٍ، وذَهَبَ هَذا الرّاوِي إلى أنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، إلى أنْ نَزَلَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ فَأمَرَ بِكِتابَةِ: بِسْمِ اللَّهِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ فَأمَرَ بِكِتابَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ النَّمْلِ، فَأمَرَ بِكِتابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،» ولِما اشْتُهِرَ أنَّ مَعانِيَ الكُتُبِ في القُرْآنِ، ومَعانِيَهُ في الفاتِحَةِ، ومَعانِيَها في البَسْمَلَةِ، ومَعانِيَ البَسْمَلَةِ في الباءِ، فَلَوْ كانَتْ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ لَأُمِرَ أوَّلَ الأمْرِ بِكِتابَتِها، ولَكانَتْ مَعانِي القُرْآنِ في كُلِّ كِتابٍ، واللّازِمُ مُنْتَفٍ، فَكَذا المَلْزُومُ، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ لا يَسْتَلْزِمُ النَّفْيَ لِاحْتِمالِ نَفْيِ العِلْمِ إذْ ذاكَ، ولا ضَيْرَ، وأنَّ المُخْتَصَّ بِالقُرْآنِ اللَّفْظُ العَرَبِيُّ بِهَذا التَّرْتِيبِ، والكُتُبُ السَّماوِيَّةُ بِأسْرِها خِلافًا لِلْغَيْطِيِّ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ، وما في القُرْآنِ مِنها مُتَرْجَمٌ، فَلَرُبَّما لِهَذِهِ الألْفاظِ مَدْخَلٌ في الِاشْتِمالِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي، فَلا تَكُونُ في غَيْرِ القُرْآنِ كَما تَوَهَّمَهُ السِّرْمِينِيُّ، وإنْ كانَ هُناكَ بَسْمَلَةٌ، عَلى أنَّ في أوَّلِ الدَّلِيلَيْنِ بِظاهِرِهِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الخُصُوصِيَّةِ، (البَحْثُ الثّانِي) وهو مِن أُمَّهاتِ المَسائِلِ حَتّى أفْرَدَهُ جَمْعٌ بِالتَّصْنِيفِ، اخْتَلَفَ النّاسُ في البَسْمَلَةِ في غَيْرِ النَّمْلِ، إذْ هي فِيها بَعْضُ آيَةٍ بِالِاتِّفاقِ عَلى عَشَرَةِ أقْوالٍ، (الأوَّلُ) إنَّها لَيْسَتْ آيَةً مِنَ السُّوَرِ أصْلًا، (الثّانِي) أنَّها آيَةٌ مِن جَمِيعِها غَيْرَ بَراءَةٌ، (الثّالِثُ) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ دُونَ غَيْرِها، (الرّابِعُ) أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِنها فَقَطِ، (الخامِسُ) أنَّها آيَةٌ فَذَّةٌ، أُنْزِلَتْ لِبَيانِ رُؤُسِ السُّوَرِ تَيَمُّنًا، ولِلْفَصْلِ بَيْنَها، (السّادِسُ) أنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُها آيَةً مِنها، وغَيْرَ آيَةٍ لِتَكَرُّرِ نُزُولِها بِالوَصْفَيْنِ، (السّابِعُ) أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِن جَمِيعِ السُّوَرِ، (الثّامِنُ) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، وجُزْءُ آيَةٍ مِنَ السُّوَرِ، (التّاسِعُ) عَكْسُهُ، (العاشِرُ) أنَّها آياتٌ فَذَّةٌ، وإنْ أُنْزِلَتْ مِرارًا فابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُبارَكِ، وأهْلُ مَكَّةَ كابْنِ كَثِيرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ كَعاصِمٍ، والكِسائِيِّ، وغَيْرِهِما، سِوى حَمْزَةَ، وغالِبِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ والإمامِيَّةِ عَلى الثّانِي، وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ، وحَمْزَةُ ونُسِبَ لِلْإمامِ أحْمَدَ بِالثّالِثِ، وأهْلُ المَدِينَةِ ومِنهم مالِكٌ، والشّامِ ومِنهُمُ الأوْزاعِيُّ، والبَصْرَةِ ومِنهم أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الخامِسِ، وهو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِنا، وعَلى المَرْءِ نُصْرَةُ مَذْهَبِهِ، والذَّبُّ عَنْهُ وذَلِكَ بِإقامَةِ الحُجَجِ عَلى إثْباتِهِ وتَوْهِينِ أدِلَّةِ نُفاتِهِ، وكُنْتُ مِن قَبْلُ أعُدُّ السّادَةَ الشّافِعِيَّةَ لِي غَزِيَّةً، ولا أعُدُّ نَفْسِي إلّا مِنها، وقَدْ مَلَكَتْ فُؤادِي غُرَّةُ أقْوالِهِمْ، كَما مَلَكَتْ فُؤادَ قَيْسٍ لَيْلى العامِرِيَّةُ، فَحَيْثُ لاحَتْ لا مُتَقَدَّمَ ولا مُتَأخَّرَ لِي عَنْها.
أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى فَصادَفَ قَلْبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا
إلى أنْ كانَ ما كانَ فَصِرْتُ مَشْغُولًا بِأقْوالِ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ، وأقَمْتُ مِنها بِرِياضِ شَقائِقِ النُّعْمانِ، واسْتَوْلى عَلَيَّ مِن حُبِّها ما جَعَلَنِي أتَرَنَّمُ بِقَوْلِ القائِلِ:مَحا حُبُّها حُبَّ الأُلى كُنَّ قَبْلَها ∗∗∗ وحَلَّتْ مَكانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِن قَبْلُ
وقَدْ أطالَ الفَخْرُ في هَذا المَقامِ المَقالَ، وأوْرَدَ سِتَّ عَشْرَةَ حُجَّةً لِإثْباتِ أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ كَما هو نَصُّ كَلامِهِ، ولا عِبْرَةَ بِالتَّرْجَمَةِ، فَها أنا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى رادُّهُ، ولا فَخْرَ، وناصِرٌ مَذْهَبِيِ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ التَّأْيِيدُ، والنَّصْرُ، فَأقُولُ: قالَ (الحُجَّةُ الأُولى) رَوى الشّافِعِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: «(قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ آيَةً، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيَةً، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آيَةً، ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آيَةً، ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ آيَةً، ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ آيَةً)،» وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ، (الحُجَّةُ الثّانِيَةُ) رَوى سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، أُولاهُنَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ )» .(الحُجَّةُ الثّالِثَةُ) رَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ألا أُخْبِرُكَ بِآيَةٍ لَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ بَعْدَ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ غَيْرِي؟ فَقُلْتُ: بَلى، قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ تَسْتَفْتِحُ القُرْآنَ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ؟ فَقُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَ: هي هِيَ)،» (الحُجَّةُ الرّابِعَةُ) رَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: (كَيْفَ تَقُولُ إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ؟ قالَ: أقُولُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: قُلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ )،» ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾،» ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ إذا افْتَتَحَ السُّورَةَ في الصَّلاةِ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكانَ يَقُولُ: مَن تَرَكَ قِراءَتَها فَقَدْ نَقَصَ، ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: فَأيْنَ السّابِعَةُ؟ فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبِإسْنادِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إذا قَرَأْتُمْ أُمَّ القُرْآنِ فَلا تَدَعُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإنَّها إحْدى آياتِها)،» وبِإسْنادِهِ أيْضًا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: (قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإذا قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: فَوَّضَ إلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ)،» وبِإسْنادِهِ أيْضًا «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في المَسْجِدِ، والنَّبِيُّ يُحَدِّثُ أصْحابَهُ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فافْتَتَحَ الصَّلاةَ، وتَعَوَّذَ، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ: (يا رَجُلُ، قَطَعْتَ عَلى نَفْسِكَ الصَّلاةَ، أما عَلِمْتَ أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ الحَمْدِ، فَمَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِنها، ومَن تَرَكَ آيَةً مِنها فَقَدْ قَطَعَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، فَإنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بِها، فَمَن تَرَكَ آيَةً مِنها فَقَدْ بَطَلَتْ صَلاتُهُ)،» وبِإسْنادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ)».
(الحُجَّةُ الخامِسَةُ) قِراءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ واجِبَةٌ في أوَّلِ الفاتِحَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ آيَةً مِنها، (بَيانُ الأوَّلِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الباءُ صِلَةٌ لِأنَّ الأصْلَ أنْ تَكُونَ لِكُلِّ حَرْفٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فائِدَةٌ، وإذا كانَ الحَرْفُ مُفِيدًا كانَ التَّقْدِيرُ: اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، ولَمْ يَثْبُتْ في غَيْرِ القِراءَةِ لِلصَّلاةِ، فَوَجَبَ إثْباتُهُ في القِراءَةِ فِيها صَوْنًا لِلنَّصِّ عَنِ التَّعْطِيلِ.
(الحُجَّةُ السّادِسَةُ) التَّسْمِيَةُ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ القُرْآنِ، وكُلُّ ما لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بِخَطِّ القُرْآنِ، ألا تَرى أنَّهم مَنَعُوا كِتابَةَ أسامِي السُّوَرِ في المُصْحَفِ، ومَنَعُوا مِنَ العَلاماتِ عَلى الأعْشارِ، والأخْماسِ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَمْنَعُوا أنْ يَخْتَلِطَ بِالقُرْآنِ ما لَيْسَ بِقُرْآنٍ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَما كَتَبُوها بِخَطِّ القُرْآنِ.
(الحُجَّةُ السّابِعَةُ) أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، والبَسْمَلَةَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَهُما، فَوَجَبَ جَعْلُها مِنهُ.
(الحُجَّةُ الثّامِنَةُ) أطْبَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الفاتِحَةَ سَبْعُ آياتٍ إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ، وأبُو حَنِيفَةَ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ آيَةً، لَكِنْ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيَةٌ، وسَنُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ مَرْجُوحٌ ضَعِيفٌ، فَحِينَئِذٍ يَبْقى أنَّ الآياتِ لا تَكُونُ سَبْعًا إلّا بِجَعْلِ البَسْمَلَةِ آيَةً تامَّةً مِنها.
(الحُجَّةُ التّاسِعَةُ) أنْ نَقُولَ: قِراءَةُ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الفاتِحَةِ واجِبَةٌ، فَوَجَبَ كَوْنُها آيَةً مِنها، بَيانُ الأوَّلِ: أنَّ أبا حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ أنَّ قِراءَتَها أفْضَلُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فالظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأها، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْنا قِراءَتُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ وإذا ثَبَتَ الوُجُوبُ ثَبَتَ أنَّها مِنَ السُّورَةِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ)،» وأعْظَمُ الأعْمالِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ، فَقِراءَةُ الفاتِحَةِ بِدُونِ قِراءَتِها تُوجِبُ كَوْنَ الصَّلاةِ عَمَلًا أبْتَرَ، ولَفْظُهُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ النُّقْصانِ والخَلَلِ بِدَلِيلِ أنَّهُ ذَكَرَ ذَمًّا لِلْكافِرِ الشّانِئِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لِلصَّلاةِ الخالِيَةِ عَنْها في غايَةِ النُّقْصانِ والخَلَلِ، وكُلُّ مَن أقَرَّ بِذَلِكَ قالَ بِالفَسادِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ.
(الحُجَّةُ العاشِرَةُ) ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ما أعْظَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ؟ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ في قَوْلِهِ، وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المِقْدارَ آيَةٌ تامَّةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّها لَيْسَتْ بِتامَّةٍ في النَّمْلِ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ في غَيْرِها، ولَيْسَ إلّا الفاتِحَةُ.
(الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ) عَنْ أنَسٍ أنَّ مُعاوِيَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى بِالنّاسِ صَلاةً جَهْرِيَّةً، فَقَرَأ أُمَّ القُرْآنِ، ولَمْ يَقْرَإ البَسْمَلَةَ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ، ناداهُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ: أنَسِيتَ، أيْنَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حِينَ اسْتَفْتَحْتَ القُرْآنَ؟ فَأعادَ مُعاوِيَةُ الصَّلاةَ وجَهَرَ بِها.
(الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ) أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ كانُوا عِنْدَ الشُّرُوعِ في أعْمالِ الخَيْرِ يَبْتَدِئُونَ بِاسْمِ اللَّهِ، فَقَدْ قالَ نُوحٌ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ وسُلَيْمانُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى رَسُولِنا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّهِ ثَبَتَ أيْضًا في حَقِّنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ”فاتَّبَعُوهُ“ وإذا ثَبَتَ في حَقِّنا ثَبَتَ أنَّها آيَةٌ مِن سُورَةِ الفاتِحَةِ.
(الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ) أنَّهُ تَعالى قَدِيمٌ والغَيْرُ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ المُناسَبَةِ العَقْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ سابِقًا عَلى ذِكْرِ غَيْرِهِ، والسَّبْقُ في الذِّكْرِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ قِراءَةُ البَسْمَلَةِ سابِقَةً، وإذا ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ هَذا التَّقْدِيمِ فَما رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ القِراءَةِ ثَبَتَ أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
(الحُجَّةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ) أنَّهُ لا شَكَّ أنَّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ النَّمْلِ، ثُمَّ إنّا نَراهُ مُكَرَّرًا بِخَطِّ القُرْآنِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ القُرْآنِ، كَما أنّا رَأيْنا قَوْلَهُ تَعالى: ”ويْل يَوْمئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ“، ”فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تَكْذِبانِ“ مُكَرَّرًا كَذَلِكَ، قُلْنا: إنَّ الكُلَّ مِنهُ.
(الحُجَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ) رُوِيَ: «(أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)» الحَدِيثَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْزاءَ هَذِهِ الكَلِمَةِ كُلَّها مِنَ القُرْآنِ، مَجْمُوعُها مِنهُ، وهو مُثْبَتٌ فِيهِ، فَوَجَبَ الجَزْمُ بِأنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، إذْ لَوْ جازَ إخْراجُهُ مَعَ هَذِهِ المُوجِباتِ، والشُّهْرَةِ لَكانَ جَوازُ إخْراجِ سائِرِ الآياتِ أوْلى، وذَلِكَ يُوجِبُ الطَّعْنَ في القُرْآنِ العَظِيمِ.
(الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ) قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُنْزِلُ هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُ بِكِتابَتِها بِخَطِّ المُصْحَفِ فِيهِ، وبَيَّنّا أنَّ حاصِلَ الخِلافِ في أنَّهُ: هَلْ تَجِبُ قِراءَتُهُ؟ وهَلْ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ؟ فَنَقُولُ: ثُبُوتُ هَذِهِ الأحْكامِ أحْوَطُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ)،» انْتَهى كَلامُهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ البَعْضَ مِنهُ مُجابٌ عَنْهُ، والبَعْضَ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْنا، لِأنَّ الصَّحِيحَ مِن مَذْهَبِنا أنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهي مِنَ القُرْآنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الفاتِحَةِ نَفْسِها، وقَدْ أوْجَبَ الكَثِيرُ مِنّا قِراءَتَها في الصَّلاةِ، وذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ في شَرْحِ الكَنْزِ: أنَّ الأصَحَّ أنَّها واجِبَةٌ، وذَكَرَ الزّاهِدِيُّ عَنِ المُجْتَبى: أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها واجِبَةٌ في كُلِّ رَكْعَةٍ تَجِبُ فِيها القِراءَةُ، وهي الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ ابْنُ وهْبانَ في مَنظُومَتِهِ:
ولَوْ لَمْ يُبَسْمِلْ ساهِيًا كُلَّ رَكْعَةٍ ∗∗∗ فَيَسْجُدُ إذْ إيجابُها قالَ الأكْثَرُ
وفِي غُنْيَةِ المُتَمَلِّي: وهو الأحْوَطُ، وبِهِ أقُولُ خِلافًا لِقاضِي خانْ، وصاحِبِ الخُلاصَةِ، وغَيْرِهِمْ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، والقَوْلُ عَنْ بَعْضِ هَذا أنَّهُ مِن طُغْيانِ القَلَمِ غايَةُ الطُّغْيانِ، ونِهايَةٌ في التَّعَصُّبِ مِن غَيْرِ إتْقانٍ، ولْنَتَكَلَّمْ عَلى ما ذَكَرَهُ هَذا العَلّامَةُ عَلى التَّفْصِيلِ، (فَنَقُولُ): أمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الأُولى مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ بِالوَجْهِ الَّذِي رَواهُ مُخالِفٌ لِما في البَيْضاوِيِّ المُخالِفِ لِما في الكُتُبِ الحَدِيثِيَّةِ، فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّ أبا مُلَيْكَةَ لَمْ يَثْبُتْ سَماعُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وبِتَقْدِيرِهِ لِلْمُعاصَرَةِ، يُقالُ: إنَّ هَذا اللَّفْظَ لَمْ يُوجَدْ في المَشْهُورِ، ولَعَلَّهُ نَقَلَ بِالمَعْنى لِبَعْضِ الرِّواياتِ الآتِيَةِ عَلى حَسَبِ ما يَلُوحُ لَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ بِلَفْظِ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ )،» وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ: «(كانَ إذا قَرَأ قَطَّعَ قِراءَتَهُ آيَةً آيَةً يَقُولُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ )،» وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ بِلَفْظِ: «(أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرَأ في الصَّلاةِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَعَدَّها آيَةً ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ اثْنَيْنِ، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثَلاثَ آياتٍ، ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أرْبَعَ آياتٍ، وقالَ: هَكَذا ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وجَمَعَ خَمْسَ أصابِعِهِ)،» والدّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «(كانَ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِها، قَطَّعَها آيَةً آيَةً وعَدَّها عَدَّ الأعْرابِ، وعَدَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولَمْ يَعُدَّ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ )،» والرِّوايَةُ الأُولى والثّانِيَةُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: عَنَتْ بِهِما بَيانَ كَيْفِيَّةِ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِسائِرِ القُرْآنِ، وذَكَرَتْ بَعْضًا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، ولَمْ تَسْتَوْعِبْ، ولَيْسَ فِيهِما سِوى إثْباتِ أنَّها آيَةٌ، وهو مُسَلَّمٌ، لَكِنْ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ فَلا، وكَذا في الرِّوايَةِ الثّالِثَةِ إثْباتُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَؤُها في الصَّلاةِ، ويَعُدُّها آيَةً لِوُقُوفِهِ عَلَيْها، وهو مُسَلَّمُنا أيْضًا، وهي الآيَةُ الأُولى مِنَ القُرْآنِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ مِنهُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وهَكَذا إلى الخامِسَةِ، وجَمَعَتِ الأصابِعَ، وانْقَطَعَ الكَلامُ، وأمّا الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ فَلَيْسَتْ نَصًّا أيْضًا في أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في بَعْضِ الأوْقاتِ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، ولا دَوامَ، لا وضْعًا ولا اسْتِعْمالًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِها، أيِ الآياتُ قَطَّعَها آيَةً آيَةً، ولَمْ يُوصِلْ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وعَدَّها عَدَّ الأعْرابِ، واحِدَةً واحِدَةً، وعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولَمْ يُسْقِطْها لِوُجُوبِها في الصَّلاةِ، ولِلِاعْتِناءِ بِها في غَيْرِها لِما فِيها مِن عَظائِمِ الأسْرارِ ودَقائِقِ الأفْكارِ، ومِن هَذا أوْجَبَ الكَثِيرُ مِن عُلَمائِنا سُجُودَ السَّهْوِ عَلى مَن تَرَكَها، وقَدْ أزالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ ظَنَّ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ لِاسْتِعْمالِها في أوائِلِ الرَّسائِلِ، ومَبادِي الشُّؤُونِ، ولَمْ يَعُدَّ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولَمْ يَقِفْ عَلَيْها، بَلْ وصَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تِلْكَ المَرَّةَ، لِبَيانِ الجَوازِ وعَدَمِ تَخَيُّلِ شَيْءٍ يُنافِي كَوْنَها آيَةً، بَلْ هُناكَ ما يُشْعِرُ بِهِ، فَإنَّ تَقارُبَ الآيِ في الطُّولِ والقِصَرِ كَتَقارُبِ الفَقَراتِ، شَيْءٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، وعَدَمُ التَّشابُهِ في المَقاطِعِ لا يَضُرُّ، فَأيْنَ أفْواجًا مِنَ الفَتْحِ، فَلُزُومُ الرِّعايَةِ غَيْرُ لازِمٍ، وكَوْنُ المَوْصُوفِ في آيَةٍ والصِّفَةِ في آيَةٍ أُخْرى مَسْبُوقٌ بِالمَثَلِ، وسابِقٌ عَلى الأمْثالِ، ومَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وعَرَفَ الَّذِينَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وجَدَهُ تامًّا، وعَدَّ تَوَقُّفَهُ عَلى الشَّرْطِ المَفْهُومِ مِن غَيْرِ المَغْضُوبِ كَلامًا ناقِصًا، وعَلى هَذا لَمْ يَثْبُتْ في هَذِهِ الرِّوايَةِ سِوى أنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ، وهو مُسَلَّمٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ، وأمّا إنَّها مِنَ الفاتِحَةِ، فَدُونَهُ خَرْطُ القَتادِ.وأمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الثّانِيَةِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: «( ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ سَبْعُ آياتٍ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْداهُنَّ، وهي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ، وهي أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ)،» وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «(إذا قَرَأْتُمُ الحَمْدَ، فاقْرَءُوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنَّها أُمُّ القُرْآنِ، وأُمُّ الكِتابِ، والسَّبْعُ المَثانِي، و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْدى آياتِها)،» ومَعْنى الرِّوايَةِ الأُولى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ سَبْعُ آياتٍ، وبِهِ قالَ الحَنَفِيُّونَ، ولَمّا لاحَظَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوَهُّمَ السّامِعِينَ مِن عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلْبَسْمَلَةِ مَعَ تِلْكَ الشُّبْهَةِ السّالِفَةِ كَوْنِها لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ أزالَ هَذا التَّوَهُّمَ بِوَجْهٍ بَلِيغٍ فَقالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْداهُنَّ، أيْ مِثْلُ إحْداهُنَّ في كَوْنِها آيَةً مِنَ القُرْآنِ، ومَعْنى الثّانِيَةِ: إذا أرَدْتُمْ قِراءَةَ الحَمْدَ إلى آخِرِ ما يَلِيهِ فاقْرَءُوا قَبْلَهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنَّها أيِ الحَمْدَ إلى الآخَرِ أُمُّ القُرْآنِ، وأُمُّ الكِتابِ، والسَّبْعُ المَثانِي، وهَذا كالتَّعْلِيلِ، أوِ التَّرْغِيبِ، بِقِراءَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلى آخِرِها، وقَوْلُهُ: و﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحْدى آياتِها عَلى حَدِّ ما ذُكِرَ في مَعْنى الرِّوايَةِ الأُولى، وهو كالتَّعْلِيلِ، أوِ التَّرْغِيبِ أيْضًا في قِراءَةِ البَسْمَلَةِ، وما ذَكَرْناهُ، وإنْ كانَ فِيهِ ارْتِكابُ مَجازٍ، لَكِنْ دَعانا إلَيْهِ إجْراءُ صَدْرِ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ أُجْرِيَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ فَلا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ المَجازِ في الصَّدْرِ كَما لا يَخْفى، وهو ارْتِكابٌ خِلافُ الأصْلِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الحُجَّةِ الثّالِثَةِ فَلَيْسَ سِوى إثْباتِ أنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ القُرْآنِ كَما أقَرَّ هو بِهِ، ولَسْنا مِمَّنْ نُخالِفُهُ فِيهِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ في الرّابِعَةِ، فالحَدِيثُ الأوَّلُ، والثّانِي، والثّالِثُ، والسّادِسُ مَعَ ضَعْفِهِ، والثّامِنُ لا تَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، والرّابِعُ مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ حُكْمَهُ الرَّفْعُ لِجَوازِ الِاجْتِهادِ، وإنْ قُلْنا أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ الآيَةَ إنَّما تُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ الشّارِعِ كَمَعْرِفَةِ السُّورَةِ مَثَلًا، ولِذَلِكَ عَدُّوا ”الم“ آيَةً حَيْثُ وقَعَتْ، ولَمْ يَعُدُّوا ”المر“ لِأنّا لَمْ نَقُلْ: إنَّها جُزْءُ آيَةٍ، واجْتَهَدَ فَجَعَلَها آيَةً، بَلْ قُلْنا: إنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنَ القُرْآنِ، واجْتَهَدَ وجَعَلَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ قالَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ تَوْقِيفٍ، لَكِنْ عَلى ظَنِّهِ واجْتِهادِهِ أنَّهُ تَوْقِيفٌ، والخامِسُ لِي شَكٌّ في صِحَّتِهِ بِهَذا اللَّفْظِ، ولَعَلَّهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي خَرَّجَهُ بِهِ الدّارَقُطْنِيّ، وقَدْ سَلَفَ بِتَقْرِيرِهِ، ولَيْسَ لِي اعْتِمادٌ عَلى الفَخْرِ في الأحادِيثِ، ولَيْسَ مِن حُفّاظِها، وأُراهُ إذا نَقَلَ بِالمَعْنى غَيَّرَ، ولَيْسَ عِنْدِي تَفْسِيرُ الثَّعْلَبِيِّ لِأراهُ، فَإنَّ النَّقْلَ مِنهُ، والسّابِعُ لا تَلُوحُ عَلَيْهِ طَلاوَةُ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا فَصاحَتُهُ، وهو أفْصَحُ مَن نَطَقَ بِالضّادِ بَلْ مَن مارَسَ الأحادِيثَ جَزَمَ بِوَضْعِ هَذا، ولَعَمْرِي لَوْ كانَ صَحِيحًا لاكْتَفى بِهِ الشّافِعِيَّةُ أوْ لَقَدَّمُوهُ عَلى سائِرِ أدِلَّتِهِمْ، ويالَيْتَهُ ذَكَرَ إسْنادَهُ لِنَراهُ، وأمّا الحُجَّةُ الخامِسَةُ فَفِيها أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ وُجُوبَها في أوَّلِ الفاتِحَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِها آيَةً مِنها، واسْتِدْلالُهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واهٍ جِدًّا مِن وُجُوهٍ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ، فَلا نُتْعِبُ البَنانَ بِبَيانِها، وأمّا الحُجَّةُ السّادِسَةُ فَهو أقْوى ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى كَوْنِ البَسْمَلَةِ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ الفاتِحَةِ فَلا، وتَعَرَّضَ نُفاةُ كَوْنِها قُرْآنًا لِلتَّكَلُّمِ في هَذا الدَّلِيلِ مِمّا لا يَرْضاهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ، والإنْصافُ نِصْفُ الدِّينِ، والِانْقِيادُ لِلْحَقِّ مِن أخْلاقِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الحُجَّةُ السّابِعَةُ فَلَنا لا عَلَيْنا كَما لا يَخْفى، وأمّا الحُجَّةُ الثّامِنَةُ فَدُونَ إثْباتِ مَدارِها - وهو تَوْهِينُ كَلامِ مَوْلانا أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - جِبالٌ راسِياتٌ، وأمّا الحُجَّةُ التّاسِعَةُ فَهي كالحُجَّةِ الخامِسَةِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، واسْتِدْلالُهُ بِقَوْلِهِ: (كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ) إلَخْ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الفاتِحَةَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاةِ المُفْتَتَحَةِ بِالتَّكْبِيرِ المُقارِنِ لِلنِّيَّةِ الَّذِي هو رُكْنٌ مِنها، فَحَيْثُ لَمْ تُفْتَتَحْ بِالبَسْمَلَةِ عُدَّتْ بَتْراءَ، فَبَطَلَتْ، وكَذا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ الَّذِي أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، كُلٌّ مِنهُما أمْرٌ ذُو بالٍ، فَإذا لَمْ يُفْتَتَحْ بِالبَسْمَلَةِ كانَ أبْتَرَ باطِلًا، فَحُسْنُ الظَّنِّ بِدِيانَةِ العَلّامَةِ وعِلْمِهِ أنَّهُ كانَ يُبَسْمِلُ أوَّلَ صَلاتِهِ، وعِنْدَ رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، وسائِرِ انْتِقالاتِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وأمّا الحُجَّةُ العاشِرَةُ فَلا تَقُومُ عَلَيْنا لِأنّا أعْلَمْناكَ بِمَذْهَبِنا، وأمّا الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ فَقُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرٌ أبْعَدُ تَسْلِيمِها أنَّ مُعاوِيَةَ لَمّا لَمْ يَقْرَإ البَسْمَلَةَ وتَرَكَ الواجِبَ ولَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ، أعادَ الصَّلاةَ لِتَقَعَ سَلِيمَةً مِنَ الخَلَلِ، ولِهَذا أمْهَلُوهُ إلى أنْ فَرَغَ لِيَرَوْا أيَجْبُرُ الخَلَلَ بِسُجُودِ السَّهْوِ أمْ لا، واعْتِراضُهم عَلَيْهِ بِتَرْكِ واجِبٍ يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ لَيْسَ أغْرَبَ مِنِ اعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِ في تِلْكَ الصَّلاةِ أيْضًا بِتَرْكِ هَيْئَةٍ، حَيْثُ رَوى الشّافِعِيُّ نَفْسُهُ كَما نَقَلَهُ الفَخْرُ نَفْسُهُ أنَّ مُعاوِيَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى بِهِمْ، ولَمْ يَقْرَأْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولَمْ يُكَبِّرْ عِنْدَ الخَفْضِ إلى الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَلَمّا سَلَّمَ، ناداهُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: يا مُعاوِيَةُ، سَرَقْتَ مِنَ الصَّلاةِ، أيْنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأيْنَ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟ ثُمَّ أنَّهُ أعادَ الصَّلاةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ، والتَّكْبِيرِ، وهَذا لا يَضُرُّنا، نَعَمْ، يَبْقى الجَهْرُ، والبَحْثُ عَنْهُ مَخْفِيٌّ الآنَ، وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ فَفِيها كَما تَقَدَّمَ أنَّ الوُجُوبَ لا يَسْتَلْزِمُ الجُزْئِيَّةَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ يَبْتَدِئُونَ عِنْدَ الشُّرُوعِ بِأعْمالِ الخَيْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى رَسُولِنا ذَلِكَ إلَخْ، واسْتَدَلَّ عَلى الوُجُوبِ عَلَيْهِ، إذْ وجَبَ عَلَيْهِمْ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ لا أدْرِي ما أقُولُ فِيهِ سِوى أنَّهُ جَهْلٌ بِالتَّفْسِيرِ، وعَدَمُ اطِّلاعٍ عَلى أخْبارِ البَشِيرِ النَّذِيرِ، وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ فَلا تُجْدِيهِ نَفْعًا في مُقابَلَتِنا أيْضًا، وفِيها ما في أخَواتِها، وأمّا الحُجَجُ الباقِيَةُ فَكَكَثِيرٍ مِنَ الماضِيَةِ، لا تَنْفَعُ في البَحْثِ مَعَنا إلّا بِتَسْوِيدِ القِرْطاسِ، وتَضْيِيعِ نَفائِسِ الأنْفاسِ، عَلى أنَّ بَعْضَ ما ذَكَرَهُ مُعارَضٌ بِما أخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ)،» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، وأنَّها سَبْعٌ بِدُونِها، حَيْثُ جَعَلَ الوُسْطى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والثَّلاثَ قَبْلَها لِلَّهِ تَعالى، والثَّلاثَ بَعْدَها لِلْعَبْدِ، ولَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّها مِنَ القُرْآنِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ أصَحُّ مِن رِوايَةِ الثَّعْلَبِيِّ، ولا أُقَدِّمُ ثَعْلَبِيًّا عَلى مُسْلِمٍ، وكَذا مِن رِوايَةِ السِّجِسْتانِيِّ، ومَتى خالَفَ الرّاوِي الثِّقَةُ مَن هو أوْثَقُ مِنهُ بِزِيادَةٍ أوْ نَقْصٍ فَحَدِيثُهُ شاذٌّ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ النَّفْيِ والإثْباتِ كَما ظَنَّهُ مَن لَيْسَ لَهُ في هَذا الفَنِّ رُسُوخٌ، ولا ثَباتٌ، وحَمْلُ النِّصْفِ فِيهِ عَلى النِّصْفِ في المَعْنى أوِ الصِّنْفِ مِن عَدَمِ الإنْصافِ، إذْ ذاكَ مَجازٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ولا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، وجَعْلُهُ حَقِيقَةً لَكِنْ بِاعْتِبارِ الدُّعاءِ والثَّناءِ يُكَذِّبُهُ العَدُّ والقَوْلُ، بِأنَّ مَدارَ الرِّوايَةِ العَلاءُ، وقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، فَهو عَلى جَلالَةِ الرَّجُلِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، لِأنَّ المُوَثَّقَ كَثِيرٌ، وتَقْدِيمَ الجَرْحِ عَلى التَّعْدِيلِ لَيْسَ بِالمُطْلَقِ، بَلْ إنْ لَمْ يَكْثُرِ المُعَدِّلُونَ جِدًّا، وقَدْ كَثُرُوا هُنا، وكَوْنُ التَّقْسِيمِ لِما يَخُصُّ الفاتِحَةَ والبَسْمَلَةَ مُشْتَرِكَةً مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، إذْ هي عِنْدَ الخَصْمِ أشْرَفُ الأجْزاءِ، وكَوْنُ المُرادِ بَعْضَ قِراءَةِ الصَّلاةِ إذِ الظّاهِرُ لا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ لِوُجُودِ الأعْمالِ، وضَمِّ السُّورَةِ، ويَتَحَقَّقُ البَعْضُ بِهَذا البَعْضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذِ اللّائِقُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مُسْتَقِلًّا بِمَبْدَءٍ، ومَقْطَعٍ، والثّانِي مَوْجُودٌ، والأوَّلُ عَلى قَوْلِنا، وأيْضًا الفاتِحَةُ سُورَةٌ كالكَوْثَرِ والمُلْكِ، وقَدْ نَصَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ بِأنَّ الأُولى ثَلاثُ آياتٍ، والثّانِيَةَ ثَلاثُونَ، ووَقَفَهم عَلَيْها، ولَمْ يَعُدَّ البَسْمَلَةَ، ولَوْ عَدَّها مُسْتَقِلَّةً لَزادَ العَدَدَ أوْ جُزْءًا لَوَرَدَ، وعَلى المُثْبِتِ البَيانُ، وأنّى هُوَ، عَلى أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الثّانِي اسْتِلْزامَهُ لِلتَّحَكُّمِ بِدَعْوى الِاسْتِقْلالِ في الفاتِحَةِ، والبَعْضِيَّةِ في غَيْرِها، وقَوْلُ الرّازِيِّ هَذا غَيْرُ بَعِيدٍ، فَـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ آيَةٌ تارَةً، وجُزْءُ آيَةٍ أُخْرى، كَما في ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ، بَعِيدٌ بَلْ قِياسٌ باطِلٌ لِوُجُودِ المُقْتَضِي لِلْجُزْئِيَّةِ هُناكَ، وانْتِفائِهِ هُنا، وأيْضًا نَزَلَ الكَثِيرُ مِنَ السُّوَرِ بِلا بَسْمَلَةٍ، ثُمَّ ضُمَّتْ بَعْدُ، وحَدِيثُ الصَّحِيحِ في بَدْءِ الوَحْيِ يُبْدِي صِحَّةَ ما قُلْنا، وهَذا يُبْعِدُ كَوْنَها آيَةً مِنَ السُّورَةِ أوْ جُزْءَ آيَةٍ، وكَوْنُها لَمْ تَنْزِلْ بَعْدُ يُبْعِدُ الثّانِيَ إنْ لَمْ يُبْعِدِ الأوَّلَ، وحَدِيثُ أنَّها أوَّلُ ما نَزَلَتْ، لَيْسَ بِالقَوِيِّ، بَلِ الثّابِتِ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ إلَخْ، عَلى أنَّ الأوَّلِيَّةَ إنْ سَلِمَتْ وسُلِّمَتْ لا تَضُرُّنا، وبِالجُمْلَةِ يَكادُ أنْ يَكُونَ اعْتِقادُ عَدَمِ كَوْنِ البَسْمَلَةِ جُزْءًا مِن سُورَةٍ مِنَ الفِطْرِيّاتِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَلَّمَ لَهُ وِجْدانَهُ، فَهي آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ مُسْتَقِلَّةٌ، ولا يَنْبَغِي لِمَن وقَفَ عَلى الأحادِيثِ أنْ يَتَوَقَّفَ في قُرْآنِيَّتِها، أوْ يُنْكِرَ وُجُوبَ قِراءَتِها، ويَقُولَ بِسُنِّيَّتِها، فَواللَّهِ لَوْ مُلِئَتْ لِي الأرْضُ ذَهَبًا، لا أذْهَبُ إلى هَذا القَوْلِ، وإنْ أمْكَنَنِي - والفَضْلُ لِلَّهِ تَعالى - تَوْجِيهُهُ، كَيْفَ وكُتُبُ الأحادِيثِ مَلْأى بِما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، وهو الَّذِي صَحَّ عِنْدِي عَنِ الإمامِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَنُصَّ بِشَيْءٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَيْفَ لا يَنُصُّ إلى آخِرِ عُمْرِهِ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الخَطِيرِ الدّائِرِ عَلَيْهِ أمْرُ الصَّلاةِ مِن صِحَّتِها أوِ اسْتِكْمالِها، ويُمْكِنُ أنْ يُناطَ بِهِ بَعْضُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وأُمُورُ الدِّياناتِ، كالطَّلاقِ، والحَلِفِ، والتَّعْلِيقِ، وهو الإمامُ الأعْظَمُ، والمُجْتَهِدُ الأقْدَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والإخْفاءُ بِها في الجَهْرِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى السُّنِّيَّةِ، فَإنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِها لا يُنافِي إخْفاءَها اتِّباعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «(لَمْ يَجْهَرِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبَسْمَلَةِ حَتّى ماتَ)،» ورَوى مُسْلِمٌ، «عَنْ أنَسٍ: (صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ فَلَمْ أسْمَعْ مِنهم أحَدًا يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» ولَمْ يَرِدْ نَفْيُ القِراءاتِ بَلْ سَماعُها لِلْإخْفاءِ بِدَلِيلِ ما صُرِّحَ بِهِ عَنْهُ، فَكانُوا لا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، رَواهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ عَنْهُ: «(أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُسِرُّ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأبا بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ)،» ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ، ولا نُسَلِّمُ ضَعْفَهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعَنِي أبِي وأنا أقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ، إيّاكَ والحَدَثَ في الإسْلامِ، فَقَدْ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وخَلْفَ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ فابْتَدَءُوا القِراءَةَ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَإذا صَلَّيْتَ فَقُلِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» أيِ اجْهَرْ بِها، وأخْفِ البَسْمَلَةَ، وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وابْنِ المُبارَكِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، والحَسَنِ ابْنِ أبِي الحُسَيْنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والأعْمَشِ، والزُّهْرِيِّ، ومُجاهِدٍ، وأحْمَدَ، وغَيْرُهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، وأحادِيثُ الجَهْرِ لَمْ يَصِحَّ مِنها سِوى حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ عَنْهُ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» وهو مُعارَضٌ بِما تَقَدَّمَ عَنْهُ، أوْ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَجْهَرُ بِها أحْيانًا لِبَيانِ أنَّهُ تُقْرَأُ فِيها كَما جَهَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالثَّناءِ لِلتَّعْلِيمِ، وكَما شُرِعَ الجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ لِلْإعْلامِ، وحَتّى ماتَ، هُناكَ قَيْدٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ فَلا يَتَنافَيانِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الحُفّاظِ لَيْسَ حَدِيثٌ صَرِيحٌ في الجَهْرِ إلّا وفي إسْنادِهِ مَقالٌ، وعَنِالدّارَقُطْنِيّ أنَّهُ صَنَّفَ كِتابًا في الجَهْرِ، فَأقْسَمَ عَلَيْهِ بَعْضُ المالِكِيَّةِ لِيُعَرِّفَهُ الصَّحِيحَ فَقالَ: لَمْ يَصِحَّ في الجَهْرِ حَدِيثٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الرِّوايَةَ عَنْ أنَسٍ سِتٌّ مُتَعارِضَةٌ، فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ الجَهْرُ وأُخْرى الإخْفاءُ، لِلْخَوْفِ مِن بَنِي أُمَيَّةَ المُخالِفِينَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، إذْ مَذْهَبُهُ الجَهْرُ لا يَضُرُّنا، إذْ يُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعارُضِ الأقْوى إسْنادًا، وهو هُنا ما يُوافِقُنا، إذْ هو عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وتُهْمَةُ الرّاوِي المُخالِفِ بِالكَذِبِ عَلى أنَسٍ أهْوَنُ عِنْدِي مِن تُهْمَةِ أنَسٍ صاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُقَدَّمِي أصْحابِهِ.
* * *
(ومِن عَجائِبِ الرّازِيِّ ) كَيْفَ يُبْدِي احْتِمالَ التُّهْمَةِ، ويَرْوِي اعْتِراضَ أهْلِ المَدِينَةِ عَلى سَيِّدِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ الشَّنِيعِ، والمَحَلِّ الرَّفِيعِ، فَهَلّا خافُوا، وسَكَتُوا، وصافَوْا، والأعْجَبُ مِن هَذا أنَّهُ ذَكَرَ سِتَّ حُجَجٍ لِإثْباتِ الجَهْرِ هي أخْفى مِنَ العَدَمِ، (الأُولى) أنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ السُّورَةِ، فَحُكْمُها حُكْمُها سِرًّا وجَهْرًا، وكَوْنُ البَعْضِ سِرِّيًّا، والبَعْضِ جَهْرِيًّا مَفْقُودٌ، ويَرُدُّهُ ما عَلِمْتَهُ في الرُّدُودِ، وبِفَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّها مِنَ السُّورَةِ، أيُّ مانِعٍ مِن إسْرارِ البَعْضِ، والجَهْرِ بِالبَعْضِ، وقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ”فاتْبَعُوهُ“ ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ كالسِّرِّ في الجَهْرِ والإخْفاءِ في رَكَعاتِ صَلاةٍ واحِدَةٍ، أوْ يُقالُ: إنَّ حالَ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ القُرْآنُ كانَ خَلْوَةً أوَّلًا، وجَلْوَةً ثانِيًا، ناسَبَ حالُهُ حالَهُ بَلْ إذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الثّابِتِ عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ: «(كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا)» إلَخْ، ظَهَرَ لَكَ سَرٌّ أعْظَمُ، فَرَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُجْتَهِدِ الأقْدَمِ، (الثّانِيَةُ) أنَّها ثَناءٌ وتَعْظِيمٌ، فَوَجَبَ الإعْلانُ بِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ ويَرُدُّهُ أنَّ غالِبَ مُشْتَمَلاتِ الصَّلاةِ كَذَلِكَ أفَيُجْهَرُ بِها.
(الثّالِثَةُ) إنَّ الجَهْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى الِافْتِخارِ بِهِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِمُنْكِرِهِ، وهو مُسْتَحْسَنٌ عَقَلًا، فَيَكُونُ كَذَلِكَ شَرْعًا، ولا يَخْفى إلّا ما فِيهِ عَيْبٌ، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الحُجَّةُ قَوِيَّةٌ في نَفْسِي، راسِخَةٌ في عَقْلِي، لا تَزُولُ البَتَّةَ، بِسَبَبِ كَلِماتِ المُخالِفِينَ، ويَرُدُّهُ ما رَدَّ سابِقَهُ، وقَدْ يَخْفى الشَّرِيفُ.
لَيْسَ الخُمُولُ بِعارِ
عَلى امْرِئٍ ذِي جَلالِ
فَلَيْلَةُ القَدْرِ تَخْفى
وتِلْكَ خَيْرُ اللَّيالِي
ويالَيْتَ شِعْرِي أكانَ تَسْبِيحُهُ اللَّهَ تَعالى في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ مَعِيبًا فَيُخْفِيهِ، أوْ جَيِّدًا فَيَجْهَرُ بِهِ ويُبْدِيهِ، ولا أظُنُّ بِالرَّجُلِ إلّا خَيْرًا، فَإنَّ الحُجَّةَ قَوِيَّةٌ في نَفْسِهِ راسِخَةٌ في عَقْلِهِ (الرّابِعَةُ) ما أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ مُعاوِيَةَ صَلّى بِأهْلِ المَدِينَةِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فاعْتَرَضَ عَلَيْهِ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، فَأعادَ الحَدِيثَ بِمَعْناهُ، ويَرُدُّهُ مُعارِضُوهُ، أوْ يُقالُ: لَمْ يُقْرَأْ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ بِبَعْضِ القَرائِنِ وما راءٍ كَمَن سَمِعا.(الخامِسَةُ) ما رَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «(كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْهَرُ في الصَّلاةِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،» وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأمّا عَلِيٌّ فَقَدْ تَواتَرَ عَنْهُ، ومَنِ اقْتَدى في دِينِهِ بِعَلِيٍّ فَقَدِ اهْتَدى، ويَرُدُّهُ المُعارِضُ وبِتَقْدِيرِ نَفْيِهِ يُقالُ: إنَّ الجَهْرَ كانَ أحْيانًا لِغَرَضٍ، وفي الأخْبارِ الَّتِي ذَكَرْناها ما يُعارِضُ أيْضًا نِسْبَتَهُ إلى عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وما زُعِمَ مِن تَواتُرِ نِسْبَتِهِ إلى عَلِيٍّ مَمْنُوعٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، نَعَمِ ادَّعَتْهُ الشِّيعَةُ، فَذَهَبُوا إلى الجَهْرِ في السِّرِّيَّةِ والجَهْرِيَّةِ، ولَوْ عَمِلَ أحَدٌ بِجَمِيعِ ما يَزْعُمُونَ تَواتُرَهُ عَنِ الأمِيرِ كَفَرَ، فَلَيْسَ إلّا الإيمانُ بِبَعْضٍ والكُفْرُ بِبَعْضٍ، وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ مَنِ اقْتَدى في دِينِهِ بِعَلِيٍّ فَقَدِ اهْتَدى مُسَلَّمٌ، لَكِنْ إنْ سَلَّمَ لَنا خَبَرَ ما كانَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ودُونَهُ مَهامُّهُ، فَيُحْمَلُ عَلى أنَّ الشّائِعَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ تَقْدِيمُ ما عَلَيْهِ الشَّيْخانِ، وإذا اخْتَلَفا فَما عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ، حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَقّى في التَّخْصِيصِ إلَيْهِ، فَقالَ أوَّلًا: «(أصْحابِي كالنُّجُومِ، بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ)،» وثانِيًا: «(عَلَيْكم بِسُنَّتِي، وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ بَعْدِي)،» وثالِثًا: «(اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ )،» ورابِعًا: «(إنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أبا بَكْرٍ )».
(السّادِسَةُ) أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوِ: بِإعانَةِ بِسْمِ اللَّهِ اشَرَعُوا، ولا شَكَّ أنَّ اسْتِماعَ هَذِهِ الكَلِمَةِ يُنَبِّهُ العَقْلَ عَلى أنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ويُنَبِّهُهُ عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الخَيْراتِ إلّا إذا وقَعَ الِابْتِداءُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِإظْهارِها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، ويَرُدُّهُ مَعَ رَكاكَةِ هَذا التَّقْدِيرِ وعَدَمِ قائِلٍ بِهِ أنَّ انْفِهامَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ، لَوْ صَرَفَ عُشْرَ مِعْشارِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لَحَصَلَ ضِعْفُ أضْعافِهِ مِن دُونِ غائِلَةٍ كَثِيرَةٍ، فَيُغْنِي عَنْهُ، ثُمَّ أنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَلامًا لا يَنْفَعُ إلّا في تَكْثِيرِ السَّوادِ وإرْهابِ ضُعَفاءِ الطَّلَبَةِ بِجُيُوشِ المِدادِ.
(البَحْثُ الثّالِثُ في مَعْناها) فالباءُ إمّا: لِلِاسْتِعانَةِ، أوِ المُصاحَبَةِ، أوِ الإلْصاقِ، أوِ الِاسْتِعْلاءِ، أوْ زائِدَةٌ، أوْ قَسَمِيَّةٌ، والأرْبَعَةُ الأخِيرَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وإنِ اسْتُؤْنِسَ لِبَعْضٍ بِبَعْضِ الآياتِ، واخْتُلِفَ في الأرْجَحِ مِنَ الأوَّلَيْنِ، فالَّذِي يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ البَيْضاوِيِّ أرْجَحِيَّةُ الأوَّلِ، وأُيِّدَ بِأنَّ جَعْلَهُ لِلِاسْتِعانَةِ يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ زِيادَةُ مَدْخَلٍ في الفِعْلِ حَتّى كَأنَّهُ لا يَتَأتّى ولا يُوجَدُ بِدُونِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ أرْجَحِيَّةُ الثّانِي، وأُيِّدَ بِأنَّ باءَ المُصاحَبَةِ أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ مِن باءِ الِاسْتِعانَةِ لا سِيَّما في المَعانِي، وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأفْعالِ، وبِأنَّ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى تَأدُّبٌ مَعَهُ، وتَعْظِيمٌ لَهُ، بِخِلافِ جَعْلِهِ لِلْآلَةِ، فَإنَّها مُبْتَذَلَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِذاتِها، وأنَّ ابْتِداءَ المُشْرِكِينَ بِأسْماءِ آلِهَتِهِمْ كانَ عَلى وجْهِ التَّبَرُّكِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، وأنَّ الباءَ إذا حُمِلَتْ عَلى المُصاحَبَةِ كانَتْ أدَلَّ عَلى مُلابَسَةِ جَمِيعِ أجْزاءِ الفِعْلِ لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى مِنها إذا جُعِلَتْ داخِلَةً عَلى الآلَةِ، ويُناسِبُهُ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «(تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ يُسَمِّي أوْ لَمْ يُسَمِّ)،» وأنَّ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى مَعْنًى ظاهِرٌ يَفْهَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، مِمَّنْ يَبْتَدِئُ بِهِ، والتَّأْوِيلُ المَذْكُورُ في كَوْنِهِ آلَةً لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِنَظَرٍ دَقِيقٍ، وإنَّ كَوْنَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى آلَةً لِلْفِعْلِ لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُوَصِّلُ إلَيْهِ بِبَرَكَتِهِ، فَقَدْ رَجَعَ بِالآخِرَةِ إلى مَعْنى التَّبَرُّكُ، فَلْنَقُلْ بِهِ أوَّلًا، وإنَّ جَعْلَ اسْمِهِ تَعالى آلَةً لِقِراءَةِ الفاتِحَةِ لا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ البَسْمَلَةَ مِنَ السُّورَةِ، وإنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ)،» مِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لَهُ، وإنَّ في الأوَّلِ جَعْلُ المَوْجُودِ حِسًّا كالمَعْدُومِ، وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ مَوْجُودٌ في القِراءَةِ، فَإذا جُعِلَتِ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ كانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ القَلَمِ، فَلا يَكُونُ مَقْرُوءًا، وهو مَقْرُوءٌ، وإنَّ فِيهِ الإيجازَ والتَّوَصُّلَ بِتَقْلِيلِ اللَّفْظِ إلى تَكْثِيرِ المَعْنى لِتَقْدِيرِ: مُتَبَرِّكًا، وهو لِكَوْنِهِ حالًا، فِيهِ بَيانُ هَيْئَةِ الفاعِلِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ لا بُدَّ لِكُلِّ فِعْلٍ مُتَقَرَّبٍ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن إعانَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَدَلَّ الحالُ عَلى زائِدٍ، وعِنْدِي أنَّ الِاسْتِعانَةَ أوْلى، بَلْ يَكادُ أنْ تَكُونَ مُتَعَيِّنَةً، إذْ فِيها مِنَ الأدَبِ والِاسْتِكانَةِ وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ ما لَيْسَ في دَعْوى المُصاحَبَةِ، ولِأنَّ فِيها تَلْمِيحًا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ إلى إسْقاطِ الحَوْلِ والقُوَّةِ، ونَفْيِ اسْتِقْلالِ قَدْرِ العِبادِ، وتَأْثِيرِها، وهو اسْتِفْتاحٌ لِبابِ الرَّحْمَةِ، وظَفَرٌ بِكَنْزِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ولِأنَّ هَذا المَعْنى أمَسُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولِأنَّهُ كالمُتَعَيِّنِ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لِيَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَسْتُ بِقارِئٍ)» عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وما ذَكَرُوهُ في تَأْيِيدِ المُصاحَبَةِ كُلُّهُ مَرْدُودٌ، (أمّا الأوَّلُ) فَلِأنَّ دُونَ إثْباتِ الأكْثَرِيَّةِ خَرْطُ القَتادِ، (وأمّا الثّانِي) فَلِأنَّهُ تَوَهُّمٌ نَشَأ مِن تَمْثِيلِهِمْ في الآلَةِ بِالمَحْسُوساتِ، ولَيْسَتْ كُلُّ اسْتِعانَةٍ بِآلَةٍ مُمْتَهَنَةٍ، ولا شَكَّ في صِحَّةِ اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ، وقَدْ ورَدَ في الشَّرْعِ قالَ تَعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ فَهو إذَنْ عَلى أنَّ جِهَةَ الِابْتِذالِ مِمّا لا تَمُرُّ بِبالٍ، والقَلْبُ قَدْ أحاطَ بِجِهاتِهِ جِهَةٌ أُخْرى، وأيْضًا في تَخْصِيصِ الِاسْتِعانَةِ بِالآلَةِ نَظَرٌ، لِأنَّها قَدْ تَكُونُ بِها، وبِالقُدْرَةِ، ولَوْ سُلِّمَ فَأيُّ مانِعٍ مِنَ الإشارَةِ بِها هُنا إلى أنَّهُ كَما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، فَهو المَقْصُودُ بِالعَرَضِ، إذْ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ.
(وأمّا الثّالِثُ) فَلِأنَّ المُشْرِكِينَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِآلِهَتِهِمْ أقْرَبُ، إذْ هم وسائِطُهم في التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى، وهي أشْبَهُ بِالآلَةِ.
(وأمّا الرّابِعُ) فَلِأنَّ الآلَةَ لا بُدَّ مِن وُجُودِها في كُلِّ جُزْءٍ إلى آخِرِ الفِعْلِ، وإلّا لَمْ يَتِمَّ، ولا نُسَلِّمُ اللُّزُومَ بَيْنَ مُصاحَبَةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، ومُلابَسَتِهِ لِجَمِيعِ أجْزائِهِ، وما ذَكَرَهُ مِنَ الحَدِيثِ فَهو بِالِاسْتِعانَةِ أنْسَبُ، لِأنَّها مُشْعِرَةٌ بِتَبَرِّي العَبْدِ مِن حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، وإثْباتِ الحَوْلِ والقُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا مِن بابِ العَقائِدِ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْها قَلْبُ كُلِّ مُسْلِمٍ يُسَمِّي أوْ لَمْ يُسَمِّ.
(وأمّا الخامِسُ) فَلِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ مَعْنى المُصاحَبَةِ التَّبَرُّكُ، فَظاهِرُ البُطْلانِ، وقَدْ رَجَعَ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ، وإنْ أرادَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنها بِالقَرِينَةِ، فَنَدَّعِيهِ نَحْنُ بِها، إذا قَصَدَ الآلِيَّةَ لِتَوَقُّفِ الِاعْتِدادِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْها، وأمّا كَوْنُ التَّبَرُّكِ مَعْنًى ظاهِرًا لِكُلِّ أحَدٍ، فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مِن خُصُوصِ المُصاحَبَةِ، (وأمّا السّادِسُ) فَلِأنَّ الِانْحِصارَ فِيهِ مَمْنُوعٌ، وأمّا السّابِعُ فَلِأنَّ ما يُفْتَتَحُ بِهِ الشَّيْءُ لا مانِعَ مِن كَوْنِهِ جُزْءًا، فالفاتِحَةُ مُفْتَتَحُ القُرْآنِ وجُزْؤُهُ، ولَوْ سَلَّمَ فَجَعَلَها مُفْتَتَحًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداها، قالَهُ الشِّهابُ، ولا يَضُرُّ الحَنَفِيَّ ما فِيهِ.
(وأمّا الثّامِنُ) فَلِأنَّ مَعْنى الحَدِيثِ: أفْعَلُ كَذا مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّنِي مَعَ ذِكْرِ اسْمِهِ مُسْتَعِينًا بِهِ شَيْءٌ، إذْ مَنِ اسْتَعانَ بِجَنابِهِ أعانَهُ، ومَن لاذَ بِبابِهِ حَفِظَهُ، وصانَهُ، وإنِ اسْتَبْعَدَتُ هَذا، ورَدَدْتُ ما قِيلَ في الرَّدِّ مِن أنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ الإخْبارُ بِأنَّهُ لا يَضُرُّ مَعَ ذِكْرِ اسْمِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقٍ، والمُصاحَبَةُ تَسْتَدْعِي أمْرًا حاصِلًا عِنْدَها، نَحْوَ: جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ، والقِراءَةُ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ، فَتَعَذَّرَتْ حَقِيقَةُ المُصاحَبَةِ، بِأنَّ المُصاحَبَةَ هُنا لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً، وكَوْنُها إخْبارًا بِنَفْيِ صُحْبَةِ الضَّرَرِ يُفْهَمُ مِنهُ صُحْبَةُ النَّفْعِ والبَرَكَةِ، وهي دَفْعُ الوَسْوَسَةِ عَنِ القارِئِ مَعَ جَزِيلِ الثَّوابِ، فَلا ضَيْرَ أيْضًا، لِأنَّهُ مُجَرَّدُ اسْتِئْناسٍ، ولا يُوحِشُنا، إذْ ما نَسْتَأْنِسُ بِهِ كَثِيرٌ، (وأمّا التّاسِعُ) فَلِأنَّ جَعْلَ المَوْجُودِ كالمَعْدُومِ لِلْجَرْيِ لا عَلى المُقْتَضى مِنَ المُحَسِّناتِ، والنُّكْتَةُ هاهُنا أنْ شَبَّهَ اسْمَ اللَّهِ بِناءً عَلى يَقِينِ المُؤْمِنِ بِما ورَدَ مِنَ السُّنَّةِ والقَطْعِ بِمُقْتَضاها بِالأمْرِ المَحْسُوسِ، وهو حُصُولُ الكُتُبِ بِالقَلَمِ، وعَدَمٌ بِعَدَمِهِ، ثُمَّ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ لِوُقُوعِها في الحَرْفِ.
(وأمّا العاشِرُ) فَلِأنَّهُ لا يَخْفى حالُ التَّشْبِيهِ بِالقَلَمِ، (وأمّا الحادِيَ عَشَرَ) فَلِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ التَّبَرُّكَ مَعْنى المُصاحَبَةِ أوْ لازِمُ مَعْناهُ، بَلْ هو مَعْلُومٌ مِن أمْرٍ خارِجٍ، هو أنَّ مُصاحَبَةَ اسْمِهِ سُبْحانَهُ يُوجَدُ مَعَها ذَلِكَ، وهو جارٍ في الِاسْتِعانَةِ بِاسْمِهِ عَزَّ شَأْنُهُ عَلى أنَّ في الِاسْتِعانَةِ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، ويُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ عَدَمُ اخْتِيارِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَها لِنَزَغاتِ الشَّيْطانِ الِاعْتِزالِيَّةِ مِنِ اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِفِعْلِهِ، فَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ هو وأصْحابُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رَدُّهُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ، فَذَهَبَ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى تَقْدِيرِهِ: أتْلُو، لِأنَّ تالِيَهُ مَتْلُوٌّ، وهَكَذا يُضْمَرُ الخاصُّ الفِعْلِيُّ كُلُّ فاعِلٍ فِعْلًا، يَجْعَلُ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ، وهو مِنَ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ، كَنَظائِرِهِ لِلُزُومِها في مُتَعارَفِ اللِّسانِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ كَلامُ الصّادِقِيِّ، ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا مُتَكَلِّمًا مَخْصُوصًا، فَهو عَلى حَدٍّ، ولَوْ تَرى فَيَنْوِي كُلٌّ بِالضَّمِيرِ نَفْسِهِ، فَلا يَضُرُّ تَقَدُّمُها عَلى قِراءَةِ هَذا القارِئِ، بَلْ عَلى وُجُودِهِ، ويَتَأتّى القَوْلُ بِجُزْئِيَّتِها مِنَ الكُلِّ أوِ الجُزْءِ بِلا خَفاءٍ، ولَمّا خَفِيَ ذَلِكَ عَلى البَعْضِ جَعَلَ المُقَدَّرَ فِعْلَ أمْرٍ مُتَوَجِّهٍ إلى العِبادِ، لِيَتَّحِدَ قائِلُ المَلْفُوظِ والمُقَدَّرِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ عَنِ اخْتِيارٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّمَ التَّسْمِيَةَ حَثًّا لِلْعِبادِ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ، وهو المُناسِبُ لِلتَّعْلِيمِ، وذَهَبَ النَّحْوِيُّونَ إلى تَقْدِيرِهِ عامًّا نَحْوَ: أبْتَدِئُ وأُيِّدَ بِوُجُوهٍ مِنها: أنَّ فِعْلَ الِابْتِداءِ يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ في كُلِّ تَسْمِيَةٍ دُونَ فِعْلِ القِراءَةِ، وتَقْدِيرُ العامِّ أوْلى، ألا تَراهم يُقَدِّرُونَ مُتَعَلِّقَ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا، أوْ صِفَةً، أوْ حالًا، أوْ صِلَةً، بِالكَوْنِ والِاسْتِقْرارِ حَيْثُما وقَعَ، ويُؤْثِرُونَهُ لِعُمُومِ صِحَّةِ تَقْدِيرِهِ.
(ومِنها) أنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالغَرَضِ مِنَ التَّسْمِيَةِ، وهو وُقُوعُها مُبْتَدَأً، فَتَقْدِيرُهُ أوْقَعُ بِالمَحَلِّ، وأنْتَ إذا قَدَّرْتَ: أقْرَأُ، قَدَّرْتَ: أبْتَدِئُ بِالقِراءَةِ، لِأنَّ الواقِعَ في أثْنائِها قِراءَةٌ أيْضًا، والبَسْمَلَةُ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فِيهِ، ومِنها ظُهُورُ فِعْلِ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهو أقْطَعُ)،» وأمّا ظُهُورُ القِراءَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فَلِأنَّ الأهَمَّ ثُمَّ هو القِراءَةُ غَيْرُ مَنظُورٍ فِيهِ إلى ابْتِدائِها، ولِذا قُدِّمَ الفِعْلُ، ولا كَذَلِكَ في التَّسْمِيَةِ.
وما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أمَسُّ وأخَصُّ بِالمَقْصُودِ، وأتَمُّ شُمُولًا، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القِراءَةَ واقِعَةٌ بِكَمالِها، مَقْرُونَةٌ بِالتَّسْمِيَةِ، مُسْتَعانًا بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها كُلِّها بِخِلافِ تَقْدِيرِ: أبْتَدِئُ، إذْ لا تَعَرُّضَ لَهُ لِذَلِكَ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الِاسْتِشْهادِ بِتَقْدِيرِ النُّحاةِ الكَوْنَ والِاسْتِقْرارِ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهم فَعَلُوهُ تَمْثِيلًا، حَيْثُ لا يَقْصِدُونَ عامِلًا بِعَيْنِهِ بَلْ يُرِيدُونَ الكَلامَ عَلى العامِلِ مِن حَيْثُ هُوَ، فَهو كَتَمْثِيلِهِمْ بِزَيْدٍ، وعَمْرٍو، لا لِخُصُوصِيَّتِهِما، بَلْ لِيَقَعَ الكَلامُ عَلى مِثالٍ، فَيَكُونَ أقْرَبَ إلى الفَهْمِ، ولا يُقالُ إذا أُبْهِمَ الفاعِلُ يُقَدَّرُ بِهِما عَلى أنَّ الِابْتِداءَ هُنا لَيْسَ أعَمَّ مِنَ القِراءَةِ، لِأنَّ المُرادَ بِهِ ابْتِداءُ القِراءَةِ، وهو أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ لِصِدْقِها عَلى قِراءَةِ الأوَّلِ، والوَسَطِ، والآخِرِ، واخْتِصاصِ ابْتِداءِ القِراءَةِ بِالأوَّلِ، فَلَيْسَ هَذا هو الكَوْنُ والِاسْتِقْرارُ الَّذِي قَدَّرَهُما النُّحاةُ فِيما تَقَدَّمَ، ودَعْوى عُمُومِ أبْتَدِئُ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لَكِنَّهُ يُعْلَمُ بِقَرِينَةِ المَقامِ أنَّ المُبْتَدَأ بِهِ هو القِراءَةُ، أوْ بِاعْتِبارِ أصْلِ العامِلِ في الجَمِيعِ، لا يَخْفى فَسادُها، فَإنَّهُ إذا دَلَّ المَقامُ عَلى إرادَتِهِ فَما مَعْنى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ حِينَئِذٍ، وكَوْنُهُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والأصْلِ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ في حالٍ، فاْفْهَمْ، (وأمّا ما ذُكِرَ ثانِيًا) مِن أنَّ رَدَّ فِعْلِ البُداءَةِ مُسْتَقِلٌّ بِالغَرَضِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القِراءَةَ أمَسُّ وأشْمَلُ، والوُقُوعَ في الِابْتِداءِ بِالبِدايَةِ فِعْلًا لا بِإضْمارِ الِابْتِداءِ، فَمَتى ابْتَدَأ بِالبَسْمَلَةِ حَصَلَ لَهُ المَقْصُودُ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلى شَيْءٍ، كَمَن صَلّى فَبَدَأ بِتَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، لا يَحْتاجُ في كَوْنِهِ بادِئًا إلى الإضْمارِ، لَكِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى بَرَكَتِها وشُمُولِها لِجَمِيعِ ما فَعَلَهُ، ومِن هَذا يَظْهَرُ ما في باقِي الكَلامِ مِنَ الوَهَنِ، (وأمّا ما ذُكِرَ ثالِثًا) فَفِيهِ أنَّ كَوْنَ التَّسْمِيَةِ مُبْتَدَأً بِها حاصِلٌ بِالفِعْلِ لا بِإضْمارِ الفِعْلِ، ولَمْ يَرِدِ الحَدِيثُ بِأنَّ كُلَّ أمْرٍ ذِي بالٍ لَمْ يَقُلْ أوْ لَمْ يُضْمِرْ فِيهِ أبَدًا بِبِسْمِ اللَّهِ، فَهو كَذا عَلى أنَّ المُحافَظَةَ عَلى مُوافَقَةِ لَفْظِ الحَدِيثِ إنَّما يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ نُكْتَةً في كَلامِ المُصَنِّفِينَ، ومَن يَنْخَرِطُ في سِلْكِهِمْ، لا في كَلامِ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ، وأيْضًا البَحْثُ إنَّما هو في تَرْجِيحِ تَقْدِيرِ الفِعْلِ العامِّ، كَأبْدَأُ أوْ أشْرَعُ، وما شاكَلَهُما لا في تَرْجِيحِ خُصُوصِ أقْرَأُ، أعْنِي فِعْلًا مَصْدَرُهُ القِراءَةُ عَلى خُصُوصِ أبْدَأُ، أعْنِي فِعْلًا مَصْدَرُهُ البُداءَةُ، فَفِيما ذُكِرَ خُرُوجٌ عَنْ قانُونِ الأدَبِ ومَوْضِعِ النِّزاعِ.
وذَهَبَ البَعْضُ إلى تَقْدِيرِ: ابْتِدائِي، مَثَلًا، وفِيهِ زِيادَةُ إضْمارٍ، لِوُجُوبِ إضْمارِ الخَبَرِ حِينَئِذٍ، فَيَكُونُ المُضْمَرُ ثَلاثُ كَلِماتٍ، ودِلالَةُ الِاسْمِيَّةٍ عَلى الثُّبُوتِ مُعارَضَةٌ بِدِلالَةِ المُضارِعِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، إلّا أنَّهُ تَبْقى المُخالَفَةُ بَيْنَ جُمْلَتَيِ البَسْمَلَةِ والحَمْدِ، ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ، وجَعَلَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ هَذا الجارَّ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مُضْمَرٍ، هو ابْتِداءُ العالَمِ، وظُهُورُهُ، لِأنَّ سَبَبَ وُجُودِهِ الأسْماءُ الإلَهِيَّةُ، وهي المُسَلَّطَةُ عَلَيْهِ كَجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ، إذْ لا يُحْمَدُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِأسْمائِهِ مِن بابِ الإشارَةِ، فَلا يُنْظَرُ فِيهِ إلى الظّاهِرِ، ولا يُتَقَيَّدُ بِالقَواعِدِ، ولا أرى الِاعْتِراضَ عَلَيْهِ مِنَ الإنْصافِ، وقَدْ ذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ تَقْدِيرَ المُتَعَلِّقِ هُنا مُؤَخَّرًا أحْرى، لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمٌ عَلى الفِعْلِ ذاتًا، فَلْيُقَدَّمْ عَلى الفِعْلِ ذِكْرًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى البُرْهانِ اللَّمِّيِّ وهو أشْرَفُ مِنَ البُرْهانِ الأنِّيِّ، ولِذا قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، وتَحْنِيكُ طِفْلِ الذِّهْنِ بِحَلاوَةِ هَذا الِاسْمِ يُعِينُ عَلى فِطامِهِ عَنْ رَضْعِ ضَرْعِ السَّوِيِّ بِدُونِ وضْعِ مَرارَةِ الحُدُوثِ، عَلى أنَّ بَرَكَةَ التَّبَرُّكِ طافِحَةٌ بِالأهَمِّيَّةِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ في التَّقْدِيمِ قَطْعَ عِرْقِ الشَّوْكَةِ رَدًّا عَلى مَن يَدَّعِيها ناسَبَ مَقامَ الرِّسالَةِ، وظَهَرَ سِرُّ تَقْدِيمِ الفِعْلِ في أوَّلِ آيَةٍ نَزَلَتْ، إذِ المَقامُ إذْ ذاكَ مَقامُ نُبُوَّةٍ، ولا رَدَّ، ولا تَبْلِيغَ فِيها، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، والبَلاغَةُ: مُطابَقَةُ الكَلامِ لِمُقْتَضى الحالِ، وقَدِ اعْتَرَكَتِ الأفْهامُ هُنا في تَوْجِيهِ القَصْرِ لِظَنِّهِ مِن ذِكْرِ الِاخْتِصاصِ، حَتّى ادَّعاهُ بَعْضُهم بِأنْواعِهِ الثَّلاثَةِ، وأفْرَدَ البَعْضُ البَعْضَ، فَمُقْتَصِرٌ عَلى قَصْرِ الإفْرادِ، وقائِلٌ بِهِ، وبِالقَلْبِ، وفي القَلْبِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وعِنْدِي هُنا يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ، وإنَّ تَقْدِيرَهُ مُؤَخَّرًا مُؤَخَّرٌ عَنْ ساحَةِ التَّحْقِيقِ، لِأنَّهُ إمّا أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ الباءِ، أوْ بَعْدَ اسْمٍ، أوْ بَعْدَ اسْمِ اللَّهِ، أوْ بَعْدَ البَعْدِ، أمّا تَقْدِيرُهُ بَعْدَ الباءِ فَلا يَقُولُهُ مَن عَرَفَ الباءَ.
وأمّا بَعْدَ الِاسْمِ فَلِاسْتِلْزامِهِ الفَصْلَ، ولَوْ تَعَقُّلًا، حَيْثُ أوْجَبُوا الحَذْفَ هُنا بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ، وأمّا بَعْدَ اسْمِ اللَّهِ فَلِاسْتِلْزامِهِ الفَصْلَ كَذَلِكَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وأمّا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَيَتَّسِعُ الخُرْقُ، وأمّا بَعْدَ التَّمامِ فَيَظْهَرُ نَقْصٌ دَقِيقٌ، لِأنَّ في الجُمْلَةِ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِما يُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ، فَكانَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ عِلَّةً لِلْقِراءَةِ المُقَيَّدَةِ بِاسْمِ اللَّهِ، فَإذا تَأخَّرَ العامِلُ المُقَيَّدُ المَعْلُولَ وتَقَدَّمَتْ عِلَّتُهُ، أشْعَرَ بِالِانْحِصارِ، ولا يَظْهَرُ وجْهُهُ، وإذا قَدَّرْنا العامِلَ مُقَدَّمًا كَما هو الأصْلُ أمْنًا مِنَ المَحْذُورِ، ويَحْصُلُ اخْتِصاصٌ أيْضًا، إذْ كَأنَّهُ قِيلَ مَثَلًا: أقْرَأُ مُسْتَعِينًا، أوْ مُتَبَرِّكًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وانْتِفاءُ العِلَّةِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ المَعْلُولَ في المَقامِ الخِطابِيِّ، إذا لَمْ تَظْهَرْ عِلَّةٌ أُخْرى، فَيُفِيدُ الِاخْتِصاصَ لا سِيَّما عِنْدَ القائِلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، فَيُشْعِرُ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الدّائِرَةِ، والِاقْتِصارُ هُنا لَيْسَ كالِاقْتِصارِ هُناكَ، والتَّخَلُّصُ بِتَقْدِيرِ التَّرْكِيبِ: مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللَّهِ، لِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ أقْرَأُ فِيهِ ما لا يَخْفى عَلى الطَّبْعِ السَّلِيمِ، وفي تَقْدِيمِ الحادِثِ تَعَقُّلًا، وحَذْفُهُ ذِكْرًا، وعَدَمُ وُجُودِ شَيْءٍ في الظّاهِرِ مُسْتَقِلًّا سِوى الِاسْمِ القَدِيمِ رَمْزٌ خَفِيٌّ إلى تَقْدِيمِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ في العِلْمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ التَّقَدُّمُ المُطْلَقُ، وعَدَمُ ظُهُورِ شَيْءٍ سِواهُ، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا ضَرَرَ في ذَلِكَ ارْتُكِبَ، والتَّبَرُّكُ كالوُجُوبِ يَقْتَضِي التَّقَدُّمَ بِالذِّكْرِ مَكْسُورًا، لا مَضْمُومًا، وها هو كَما تَرى، ومِنَ الأكابِرِ مَن قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، ولا حُلُولَ، وقَدْ عُدَّ أكْمَلَ مِنَ الأوَّلِ، والمَراتِبُ أرْبَعٌ، وتَحْنِيكُ الرَّحْمَةِ يُغْنِي عَنْ كُلِّ دَرٍّ، ويَفْطِمُ طِفْلَ الذِّهْنِ عَنْ ثَدْيِ جَوارِي الفِكْرِ، وكَأنَّ مَن قَدَّرَ العامِلَ مُؤَخَّرًا رَأى ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾، «(وبِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي)،» وأمْثالَهُما، فَجَرى مَجْراها، والفَرْقُ ظاهِرٌ لِلنّاظِرِ، وهَذا مِن نَسائِمِ الأسْحارِ فَتَيَقَّظْ لَهُ، ونَمْ عَنْ غَيْرِهِ.
والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ بَعْضٍ، ولَغْوٌ عِنْدَ آخَرِينَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِهِما، فَقِيلَ: اللَّغْوُ ما يَكُونُ عامِلُهُ مَذْكُورًا، والمُسْتَقِرُّ ما يَكُونُ عامِلُهُ مَحْذُوفًا مُطْلَقًا، وقِيلَ: المُسْتَقِرُّ ما يَكُونُ عامِلُهُ عامًّا كالحُصُولِ، والِاسْتِقْرارِ، وهو مُقَدَّرٌ، واللَّغْوُ بِخِلافِهِ، وقِيلَ: اللَّغْوُ ما يَكُونُ عامِلُهُ خارِجًا عَنِ الظَّرْفِ غَيْرَ مَفْهُومٍ مِنهُ، سَواءٌ ذُكِرَ أوْ لا، والمُسْتَقِرُّ ما فُهِمَ مِنهُ مَعْنى عامِلِهِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو مِنَ الأفْعالِ العامَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ اصْطِلاحٌ، وحَيْثُ لا مُشاحَّةَ فِيهِ، أخْتارُ الأوَّلَ، فَيَكُونُ الظَّرْفُ هُنا مُسْتَقِرًّا، كَيْفَما قُدِّرَ العامِلُ، وإنَّما كُسِرَتِ الباءُ وحَقُّ الحُرُوفِ المُفْرَدَةُ أنْ تُفْتَحَ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ، والأصْلُ في البِناءِ لِثِقَلِهِ، وكَوْنِهِ مُقابِلًا لِلْإعْرابِ الوُجُودِيِّ السُّكُونُ لِخِفَّتِهِ، وكَوْنِهِ عَدَمِيًّا، إلّا أنَّها مِن حَيْثُ كَوْنِها كَلِماتٍ بِرَأْسِها مَظِنَّةٌ لِلِابْتِداءِ، وهو بِالسّاكِنِ مُتَعَذِّرٌ أوْ مُتَعَسِّرٌ، كانَ حَقُّها الفَتْحَ إذْ هو أخُو السُّكُونِ في الخِفَّةِ المَطْلُوبَةِ في كَثِيرِ الدَّوْرِ عَلى الألْسِنَةِ لِامْتِيازِها مِن بَيْنِ الحُرُوفِ بِلُزُومِ الحَرْفِيَّةِ، والجَرِّ، وكُلٌّ مِنهُما يُناسِبُ الكَسْرَ، أمّا الحَرْفِيَّةُ فَلِأنَّها تَقْتَضِي عَدَمَ الحَرَكَةِ والكَسْرِ لِقِلَّتِهِ، إذْ لا يُوجَدُ في الفِعْلِ، ولا في غَيْرِ المُنْصَرِفِ، ولا في الحُرُوفِ إلّا نادِرًا، يُناسِبُ العَدَمَ، وأمّا الجَرُّ، فَلِمُوافَقَةِ حَرَكَةِ الباءِ أثَرُها، ولا نَقْضَ بِواوِ العَطْفِ اللّازِمَةِ لِلْحَرْفِيَّةِ، ولا بِكافِ التَّشْبِيهِ اللّازِمَةِ لِلْجَرِّ، لِأنَّ المَجْمُوعَ سَبَبُ الِامْتِيازِ، ولَمْ يُوجَدْ في كُلٍّ، لَكِنْ يَبْقى النَّقْضُ واوَ القَسَمِ وتائِهِ، ويُجابُ بِأنَّ عَمَلَها بِالنِّيابَةِ عَنِ الباءِ الَّتِي هي الأصْلُ في حُرُوفِهِ، فَكَأنَّ الجَرَّ لَيْسَ أثَرًا لَهُما، وهَذِهِ عِلَلٌ نَحْوِيَّةٌ مُسْتَخْرَجَةٌ بَعْدَ الوُقُوعِ لِإبْداءِ مُناسَبَةٍ، فَلا تَتَحَمَّلُ مُناقَشَةً لِضَعْفِها كَما قِيلَ:
عَهْدُ الَّذِي أهْوى ومِيثاقُهُ ∗∗∗ أضْعَفُ مِن حُجَّةِ نَحْوِيٍّ
فَلا نُسْهِرُ جَفْنَ الفِكْرِ فِيما لَها وعَلَيْها، وقالَ بَعْضُهم مِن بابِ الإشارَةِ: كُسِرَتِ الباءُ في البَسْمَلَةِ تَعْلِيمًا لِلتَّوَصُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى والتَّعَلُّقِ بِأسْمائِهِ بِكَسْرِ الجَنابِ والخُضُوعِ وذُلِّ العُبُودِيَّةِ، فَلا يُتَوَصَّلُ إلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَعْرِفَةِ إلّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الذُّلِّ، والكَسْرِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ سَيِّدِي عُمَرُ بْنُ الفارِضِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ الفائِضُ بِقَوْلِهِ:ولَوْ كُنْتَ لِي مِن نُقْطَةِ الباءِ خَفْضَةً ∗∗∗ رُفِعْتَ إلى ما لَمْ تَنَلْهُ بِحِيلَةِ
بِحَيْثُ تَرى أنْ لا تَرى ما عَدَدْتَهُ ∗∗∗ وأنَّ الَّذِي أعْدَدْتَهُ غَيْرُ عُدَّةِ
فَإنَّ الخَفْضَ يُقابِلُ الرَّفْعَ، فَمَن خَفَضَهُ النَّظَرُ إلى ذُلِّ العُبُودِيَّةِ، رَفَعَهُ القَدَرُ إلى مُشاهَدَةِ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، ولا يُنالُ هَذا الرَّفْعُ بِحِيلَةٍ، بَلْ هو بِمَحْضِ المَوْهِبَةِ الإلَهِيَّةِ الجَلِيلَةِ، ومَن تَنَزَّلَ لِيَرْتَفِعَ، فَتَنَزُّلُهُ مَعْلُولٌ، وسَعْيُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، انْتَهى.وهُوَ أمْرٌ مَخْصُوصٌ بِباءِ البَسْمَلَةِ، لا يُمْكِنُ أنْ يَجْرِيَ في باءِ الجَرِّ مُطْلَقًا، كَما لا يَخْفى، وعِنْدِي في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ الباءَ هي المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى الألِفِ البَسِيطَةِ المُجَرَّدَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى سائِرِ المَراتِبِ، فَهي إشارَةٌ إلى الوُجُودِ الحَقِّ، والباءُ إمّا إشارَةٌ إلى صِفاتِهِ الَّتِي أظْهَرَتْها نُقْطَةُ الكَوْنِ، ولِذَلِكَ لَمّا قِيلَ لِلْعارِفِ الشِّبْلِيِّ: أنْتَ الشِّبْلِيُّ؟ فَقالَ: أنا النُّقْطَةُ تَحْتَ الباءِ، وقالَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ:
الباءُ لِلْعارِفِ الشِّبْلِيِّ مُعْتَبَرٌ ∗∗∗ وفي نُقَيْطَتِها لِلْقَلْبِ مُدَّكَرُ
سِرُّ العُبُودِيَّةِ العَلْياءِ مازَجَها ∗∗∗ لِذاكَ نابَ مَنابَ الحَقِّ فاعْتَبِرُوا
ألَيْسَ يُحْذَفُ مِن بِسْمِ حَقِيقَتُهُ ∗∗∗ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ فَذا وِزْرُ
والصِّفاتُ إمّا جَمالِيَّةٌ أوْ جَلالِيَّةٌ، ولِلْأُولى السَّبْقُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ: «(سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)،» وباءُ الجَرِّ إشارَةٌ إلَيْها، لِأنَّها الواسِطَةُ في الإضافَةِ، والإفاضَةِ، فَناسَبَها الكَسْرُ وخَفْضُ الجَناحِ لِيَتِمَّ الأمْرُ ويَظْهَرَ السِّرُّ، وفي الِابْتِداءِ بِها هُنا تَعْجِيلٌ لِلْبِشارَةِ، ورَمْزٌ إلى أنَّ المَدارَ هو الرَّحْمَةُ كَما قالَ ﷺ: «(لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، قِيلَ: حَتّى أنْتَ يا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: حَتّى أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ)،» وقَدْ تَدَرَّجَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإظْهارِها، فَرَمَزَ بِالباءِ وأشارَ بِاللَّهِ، وصَرَّحَ أتَمَّ تَصْرِيحٍ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأمّا إشارَةٌ إلى الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، والتَّعَيُّنِ الأوَّلِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «(أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ نُورُ نَبِيِّكَ يا جابِرُ )،» وبِواسِطَتِهِ حَصَلَتِ الإفاضَةُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ: لَوْلاكَ ما خَلَقْتُ الأفْلاكَ، ولِكَوْنِ الغالِبِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لا سِيَّما عَلى مُؤْمِنِي الأُمَّةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ناسَبَ ظُهُورَ الكَسْرِ فِيما يُشِيرُ إلى مَرْتَبَتِهِ، وفي الِابْتِداءِ بِهِ هُنا رَمْزٌ إلى صِفَةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ والدّاعِي إلى اللَّهِ، وفي ذَلِكَ مَعَ بَيانِ صِفَةِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ بِأنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ تَشْوِيقٌ تامٌّ، وتَرْغِيبٌ عَظِيمٌ، وقَدْ تَدَرَّجَ أيْضًا جَلَّ شَأْنُهُ في وصْفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ في القُرْآنِ إلى أنْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ واكْتَفى بِالرَّمْزِ هَهُنا لِعَدَمِ ظُهُورِ الآثارِ بَعْدُ، وأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ، ثُمَّ يَنْهَمِلُ، وما مِن سُورَةٍ إلّا افْتَتَحَها الرَّبُّ بِالرَّمْزِ إلى حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَعْظِيمًا لَهُ، وبِشارَةً لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، ولَمّا كانَ الجَلالُ في سُورَةِ بَراءَةٌ ظاهِرًا، تَرَكَ الإشارَةَ بِالبَسْمَلَةِ، وأتى بِباءٍ مَفْتُوحَةٍ لِتَغَيُّرِ الحالِ، وإرْخاءِ السِّتْرِ عَلى عَرائِسِ الجَمالِ، ولَمْ يَتْرُكْ سُبْحانَهُ وتَعالى الرَّمْزَ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولا يَسَعُنا الإفْصاحُ بِأكْثَرَ مِن هَذا في هَذا البابِ خَوْفًا مِن قالِ أرْبابِ الحِجابِ، وخَلْفَهُ سِرٌّ جَلِيلٌ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.والِاسْمُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأسْماءِ العَشَرَةِ الَّتِي بُنِيَتْ أوائِلُها عَلى السُّكُونِ، وهِيَ: ابْنٌ، وابْنَةٌ، وابْنُمٌ، واسْمٌ، واسْتٌ، واثْنانِ، واثْنَتانِ، وامْرُؤٌ، وامْرَأةٌ، وايْمُنُ اللَّهِ، وايْمُ اللَّهِ مِنهُ، وإلّا فَأحَدَ عَشَرَ إنِ اعْتُدَّ بِابْنِمٍ، فَإذا نَطَقُوا بِها زادُوا هَمْزَةً لِبَشاعَةِ الِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ غَيْرِ المَدّاتِ عِنْدَهُمْ، وفِيها يَمْتَنِعُ، والأمْرُ ذَوْقِيٌّ، وهو مِمّا حُذِفَ عَجُزُهُ، كَيَدٍ، وما عَدا الثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ مِمّا تَقَدَّمَ.
وأصْلُهُ سُمُوٌّ، حُذِفَتِ الواوُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِتَعاقُبِ الحَرَكاتِ، وسُكِّنَ السِّينُ وحُرِّكَ المِيمُ، واجْتُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ فَوَزْنُهُ افْعٌ، وتَصْرِيفُهُ إلى أسْماءٍ، وسُمَيٍّ وسُمِّيَتْ دُونَ أوْسامٍ ووَسِيمٍ، ووَسَمْتُ يَشْهَدُ لَهُ، والجَرْحُ بِالقَلْبِ لا يُقْبَلُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ، كالعُلُوِّ، لِأنَّهُ لِدِلالَتِهِ عَلى مُسَمّاهُ يُعْلِيهِ مِن حَضِيضِ الخَفاءِ إلى ذُرْوَةِ الظُّهُورِ والجَلاءِ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: هو مِنَ السِّمَةِ، لِأنَّهُ عَلامَةٌ عَلى مُسَمّاهُ، وأصْلُهُ وسْمٌ، فَحُذِفَتِ الواوُ وعَوَّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ، وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ، فَوَزْنُهُ اعْلٌ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ أنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُعْهَدْ داخِلَةً عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ، وزِيادَةُ الإعْلالِ أقْيَسُ مِن عَدَمِ النَّظِيرِ، وأيْضًا كَوْنُها عِوَضًا يَقْتَضِي كَوْنَها مَقْصُودَةً لِذاتِها ووَصْلًا كَوْنُها مَقْصُودَةً تَبَعًا، والعِوَضُ كَجُزْءِ أصْلٍ دُونَ الوَصْلِ، فَما هو إلّا جَمْعٌ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَلِذا قِيلَ: لا حَذْفٌ ولا تَعْوِيضٌ وإنَّما قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةِ كَإعاءٍ وإشاحٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فَجُعِلَتْ هَمْزَتَهُ هَمْزَةَ وصْلٍ، وقَدْ تُقْطَعُ لِلضَّرُورَةِ، ورَجَحَ الأوَّلُ لِهاتَيِكَ الشَّهادَةِ، وفِيهِ لُغاتٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى ثَمانِيَ عَشْرَةَ، ونَظَمَها فَقالَ:
لِلِاسْمِ عَشْرُ لُغاتٍ مَعَ ثَمانِيَةْ ∗∗∗ بِنَقْلِ جَدِّي شَيْخِ النّاسِ أكْمَلِها
سْمٌ سِماتٌ سَمًا واسْمٌ وزِدْ سِمَةً ∗∗∗ كَذا سَماءٌ بِتَثْلِيثٍ لِأوَّلِها
هَذا، وقَدْ طالَ التَّشاجُرُ في أنَّ الِاسْمَ هَلْ هو عَيْنُ المُسَمّى أوْ غَيْرُهُ؟ فالأشاعِرَةُ عَلى الأوَّلِ، والمُعْتَزِلَةُ عَلى الثّانِي، وقَدْ تَحَيَّرَ نَحارِيرُ الفُضَلاءِ في تَحْرِيرِ مَحَلِّ البَحْثِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ حَرِيًّا بِهَذا التَّشاجُرِ، حَتّى قالَ مَوْلانا الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ: إنَّ هَذا البَحْثَ يَجْرِي مَجْرى العَبَثِ، وذَكَرَ وجْهًا ادَّعى لُطْفَهُ ودِقَّتَهُ، وقَدْ كَفانا الشِّهابُ مُؤْنَةَ رَدِّهِ، وقَدْ أرادَ السَّيِّدُ النِّحْرِيرُ في شَرْحِ المَواقِفِ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ، ولِلسُّهَيْلِيِّ في ذَلِكَ كَلامٌ ادَّعى أنَّهُ الحَقُّ وصَنَّفَ في رَدِّهِ ابْنُ السَّيِّدِ رِسالَةً مُسْتَقِلَّةً وادَّعى الشِّهابُ أنَّهُ إلى الآنَ لَمْ يَتَحَرَّرْ، وأنَّهُ لَمْ يَرَ مَعَ سَعَةِ اطِّلاعِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما فِيهِ ثَلْجُ الصُّدُورِ ولا شِفاءُ الغَلِيلِ، ولَمْ يَأْتِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في حَواشِيهِ عَلى البَيْضاوِيِّ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ بِشَيْءٍ يُزِيحُ الإشْكالَ، ويُرِيحُ البالَ، وها أنا مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ذاكِرٌ شَيْئًا إذا قُبِلَ فَهو غايَةُ ما أتَمَنّاهُ، وقَدْ يُوجَدُ في الإسْقاطِ ما لا يُوجَدُ في الإسْقاطِ، وإنْ رُدَّ فَقَدْ رُدَّ قَبْلِي كَلامُ أُلُوفٍ كُلٌّ مِنهم فَرْدٌ يُقابَلُ بِصُفُوفٍ.وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
(١)﴿اللَّهِ﴾ هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات. فيؤمنون مثلا، بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم [به] كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء.
فَاتِحَةُ الْكِتَابِ
يُقَالُ لَهَا: الْفَاتِحَةُ، أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا، وَبِهَا تُفْتَحُ(١) الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ(٢) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَ أَنَسٌ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ كَرِهَا تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: إِنَّمَا ذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَلِذَا كَرِهَا(٣) -أَيْضًا -أَنْ يُقَالَ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي [الْحَدِيثِ](٤) الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ " وَيُقَالُ لَهَا: الْحَمْدُ، وَيُقَالُ لَهَا: الصَّلَاةُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ(٥) عَنْ رَبِّهِ: " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي " الْحَدِيثَ. فَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ: صَلَاةً؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا. وَيُقَالُ لَهَا: الشِّفَاءُ؛ لِمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُمٍّ(٦) ". وَيُقَالُ لَهَا: الرُّقْيَةُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ حِينَ رَقَى بِهَا الرَّجُلَ السَّلِيمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ". وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمَّاهَا: أَسَاسَ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَأَسَاسُهَا(٧) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَسَمَّاهَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْوَاقِيَةُ. وَسَمَّاهَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: الْكَافِيَةُ؛ لِأَنَّهَا تَكْفِي عَمَّا عَدَاهَا وَلَا يَكْفِي مَا سِوَاهَا عَنْهَا، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمُرْسَلَةِ: " أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا "(٨) . وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الصَّلَاةِ وَالْكَنْزِ ذَكَرَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، قَالَهُ(٩) ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ، قَالَهُ(١٠) أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ. وَيُقَالُ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِمَكَّةَ، وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الْحِجْرِ: ٨٧] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ(١١) . وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ نِصْفَهَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، نَقْلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْهُ. وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِلَا خِلَافٍ، [وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: ثَمَانٌ، وَقَالَ حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ: سِتَّةٌ(١٢) وَهَذَانَ شَاذَّانِ](١٣) . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْبَسْمَلَةِ: هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخَلْقٌ مِنَ الْخَلَفِ، أَوْ بَعْضُ آيَةٍ أَوْ لَا تُعَدُّ مِنْ أَوَّلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ(١٤) فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثقة.
قَالُوا: وَكَلِمَاتُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كتاب التفسير: وسميت أم الكتب، أنه يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ(١٥) وَقِيلَ: إِنَّمَا(١٦) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ(١٧) إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جَامِعِ أَمْرٍ(١٨) أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ -إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ -أُمًّا، فَتَقُولُ(١٩) لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ، أُمُّ الرَّأْسِ، وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا أُمًّا، وَاسْتَشْهَدَ(٢٠) بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهَا ... جِمَاعُ أُمُورٍ لَيْسَ(٢١) نَعْصِي لَهَا أَمْرَا(٢٢)
يَعْنِي: الرُّمْحُ. قَالَ: وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ: أُمَّ الْقُرَى لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ جَمِيعِهَا وَجَمْعِهَا مَا سِوَاهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْهَا.
وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْفَاتِحَةُ؛ لِأَنَّهَا تُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ، وَافْتَتَحَتِ الصَّحَابَةُ بِهَا كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، وَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي، قَالُوا: لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَثَانِي مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ هَذَا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ(٢٣) . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ الْقُرْآنِ: " هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ(٢٤) "(٢٥) . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِهِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي "(٢٦) . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَارِثٍ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَوْصِلِيُّ، ثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَبْعُ آيَاتٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَاهُنَّ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وهي أم الكتاب(٢٧) "(٢٨) .
وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ(٢٩) أَوْ مِثْلِهِ، وَقَالَ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ(٣٠) . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ(٣١) وَابْنِ عَبَّاسٍ(٣٢) وَأَبِي هُرَيْرَةَ(٣٣) أَنَّهُمْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الْحِجْرِ: ٨٧] بِالْفَاتِحَةِ، وَأَنَّ الْبَسْمَلَةَ هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا عِنْدَ الْبَسْمَلَةِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: لِمَ لَمْ تَكْتُبِ الْفَاتِحَةَ فِي مُصْحَفِكِ؟ قَالَ: لَوْ كَتَبْتُهَا لِكَتَبْتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: يَعْنِي حَيْثُ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَاكْتَفَيْتُ بِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا عَنْ كِتَابَتِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ(٣٤) وَنَقْلَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ أَحَدَ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ هَذَا [أَحَدُهَا](٣٥) وَقِيلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ(٣٦) . وَقِيلَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الْعَلَقِ: ١] وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَاللَّهُ(٣٧) الْمُسْتَعَانُ. ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْفَاتِحَةِ
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى صلَّيت وَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٤] ثُمَّ قَالَ: " لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ". قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ: " لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ". قَالَ: " نَعَمْ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، بِهِ(٣٨) . وَرَوَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ(٣٩) . وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ لِلْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، مَا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ مالك عن العلاء بن عبد
الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الحُرَقي: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ أَخْبَرَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ، قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى يَدِي، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أُنْزِلَ(٤٠) فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ(٤١) مِثْلُهَا ". قَالَ أُبَيٌّ: فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي؟ قَالَ: " كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ(٤٢) الصَّلَاةَ؟ قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى(٤٣) آخِرِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ "(٤٤) . فَأَبُو سَعِيدٍ هَذَا لَيْسَ بِأَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، كَمَا اعْتَقَدَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَمَنْ تَبِعَهُ(٤٥) ، فَإِنَّ ابْنَ الْمُعَلَّى صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَهَذَا تَابِعِيٌّ مِنْ مَوَالِي خُزَاعَةَ، وَذَاكَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ أَبُو سَعِيدٍ هَذَا مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عفَّان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ: " يَا أُبَيُّ "، فَالْتَفَتَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ قَالَ: أُبَيُّ، فَخَفِّفْ. ثُمَّ انصرف إلى رسول الل هـ ﷺ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أيْ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: " وَعَلَيْكَ السَّلَامُ " [قَالَ](٤٦) " مَا مَنَعَكَ أيْ أُبَيُّ إِذْ(٤٧) دَعَوْتُكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟ ". قَالَ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ، كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: " أَوَلَسْتَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ(٤٨) ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢٤] ". قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَعُودُ، قَالَ: " أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ تُنَزَّلْ لَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ(٤٩) مِثْلُهَا؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنِّي لِأَرْجُو أَلَّا أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا " قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي يُحَدِّثُنِي، وَأَنَا أَتَبَطَّأُ(٥٠) ، مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَدِيثَ، فَلِمَا دَنَوْنَا مِنَ الْبَابِ قُلْتُ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّورَةُ الَّتِي وَعَدْتَنِي(٥١) قَالَ: " مَا تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ ". قَالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ، قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلَهَا؛ إِنَّهَا السَّبْعُ المثاني ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِي، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ(٥٢) أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَهُ(٥٣) ، وَعِنْدَهُ: إِنَّهَا مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي الْبَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ [الْإِمَامِ](٥٤) أَحْمَدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي مَعْمَر، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَذَكَرَهُ مُطَوَّلًا بِنَحْوِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ(٥٥) . وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَمَّارٍ حُسَيْنِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي "، هَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، يَعْنِي ابْنَ الْبَرِيدِ(٥٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وقد أَهَرَاقَ الْمَاءَ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ. قَالَ: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، وَأَنَا خَلْفَهُ حَتَّى دَخَلَ رَحْلَهُ، وَدَخَلْتُ أَنَا الْمَسْجِدَ، فَجَلَسْتُ كَئِيبًا حَزِينًا، فَخَرَجَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَطَهَّرَ، فَقَالَ: " عَلَيْكَ(٥٧) السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " ثُمَّ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَابِرٍ بأَخْير سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " اقْرَأِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَتَّى تَخْتِمَهَا "(٥٨) . هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَابْنُ عَقِيلٍ تَحْتَجُّ(٥٩) بِهِ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ هَذَا هُوَ الصَّحَابِيُّ، ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ هُوَ الْعَبْدِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَيَاضِيُّ، فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ(٦٠) . وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ عَلَى تَفَاضُلِ بَعْضِ الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا هُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَابْنُ الْحِصَارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّهُ لَا تَفَاضُلَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلِئَلَّا يُوهِمَ التفضيل نقص
الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ فَاضِلًا نَقَلَهُ القُرطُبي عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَأَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانِ الْبَسْتِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَرِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ [أَيْضًا](٦١) .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدِ، بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّب، فَهَلْ مِنْكُمْ(٦٢) رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رجل ما كنا نَأبِنُه برقية، فرقاه، فبرأ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَنًا، فَلَمَّا رَجَعَ(٦٣) قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً، أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ قَالَ: لَا مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لَا تُحَدِّثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ، أَوْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ(٦٤) ﷺ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " وَمَا كَانَ يُدْريه أَنَّهَا رُقْيَةٌ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ ".
وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِهَذَا.
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ، وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، بِهِ(٦٥) . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ هُوَ الَّذِي رَقَى ذَلِكَ السَّلِيمَ، يَعْنِي: اللَّدِيغَ يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ، إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ، مَا فُتِحَ قَطُّ. قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُوتِيتَهُ. وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ.
وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الحُرَقي(٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا أُمَّ(٦٧) الْقُرْآنِ فَهِيَ خِداج -ثَلَاثًا-غَيْرُ تَمَامٍ ". فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٢] ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
[الْفَاتِحَةِ: ٣] ، قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٤] ، قَالَ(٦٨) مَجَّدَنِي عَبْدِي " -وَقَالَ مَرَّةً: " فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي -فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٥] ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٦، ٧] ، قَالَ(٦٩) هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ".
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ(٧٠) . وَقَدْ رَوَيَاهُ -أَيْضًا-عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ(٧١) وَفِي هَذَا السِّيَاقِ: " فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْعَلَاءِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْج، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ هَكَذَا(٧٢) .
وَرَوَاهُ -أَيْضًا-مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي السَّائِبِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(٧٣) .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَة عَنْهُ فَقَالَ: كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، مَنْ قَالَ: عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ(٧٤) .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مُطَوَّلًا(٧٥) .
قَالَ(٧٦) ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا عَنْبسة بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُطَرَّف بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلَهُ مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. ثُمَّ قَالَ: هَذَا لِي وَلَهُ مَا بقي "(٧٧)
وهذا غريب من هذا الوجه.
ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ(٧٨) مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ أَطْلَقَ فِيهِ لَفْظَ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ الْقِرَاءَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] ، أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(٧٩) وَهَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " ثُمَّ بَيَّنَ تَفْصِيلَ هَذِهِ الْقِسْمَةِ فِي قِرَاءَةِ الفاتحة فَدَلَّ عَلَى عِظَمِ(٨٠) الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ أَرْكَانِهَا، إِذْ أُطْلِقَتِ الْعِبَادَةُ وَأُرِيدَ بِهَا(٨١) جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْهَا وَهُوَ الْقِرَاءَةُ؛ كَمَا أَطْلَقَ لَفْظَ الْقِرَاءَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨] ، وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْفَجْرِ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ أَنَّهُ يَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ، فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ اتِّفَاقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ نَذْكُرُهَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، أَمْ تُجْزِئُ هِيَ أَوْ غَيْرُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ، بَلْ مَهْمَا قَرَأَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠] ، وَبِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ(٨٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ "(٨٣) قَالُوا: فَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْفَاتِحَةَ وَلَا غَيْرَهَا، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَهُوَ قَوْلُ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُمْ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، حَيْثُ قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاج " وَالْخِدَاجُ هُوَ: النَّاقِصُ كَمَا فسَّر بِهِ فِي الْحَدِيثِ: " غَيْرُ تَمَامٍ ". وَاحْتَجُّوا -أَيْضًا-بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ "(٨٤) . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ "(٨٥) وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَوَجْهُ الْمُنَاظَرَةِ هَاهُنَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى مَأْخَذِهِمْ فِي ذَلِكَ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
ثُمَّ إِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي مُعْظَمِ الرَّكَعَاتِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّمَا تجب قراءتها في ركعة واحدة من
الصَّلَوَاتِ، أَخْذًا بِمُطْلَقِ الْحَدِيثِ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ".
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَتَعَيَّنُ(٨٦) قِرَاءَتُهَا، بَلْ لَوْ قَرَأَ بِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠] ، [كَمَا تَقَدَّمَ](٨٧) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَسُورَةٍ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا "(٨٨) . وَفِي صِحَّةِ هَذَا نَظَرٌ، وَمُوَضِّحُ(٨٩) تَحْرِيرِ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: هَلْ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا، كَمَا تَجِبُ عَلَى إِمَامِهِ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ قِرَاءَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَا الْفَاتِحَةُ وَلَا غَيْرُهَا، لَا فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَلَا السِّرِّيَّةِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ " وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ(٩٠) . وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ وَهَبِ بْنِ كَيْسَان، عَنْ جَابِرٍ مِنْ كَلَامِهِ(٩١) . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ فِي السِّرِّيَّةِ، لِمَا(٩٢) تَقَدَّمَ، وَلَا تَجِبُ(٩٣) فِي الْجَهْرِيَّةِ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كبَّر فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ(٩٤) .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ؛ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا "(٩٥) . وَقَدْ صَحَّحَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَيْضًا، فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإمام أحمد بن حنبل(٩٦) .
وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ هَاهُنَا بَيَانُ اخْتِصَاصِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ بِأَحْكَامٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ(٩٧) الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْني، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا وَضَعْتَ جَنْبَكَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَقَرَأْتَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْمَوْتَ "(٩٨)
الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ الِاسْتِعَاذَةِ(٩٩) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٩٩، ٢٠٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦ -٩٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤ -٣٦] .
فَهَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ لَيْسَ لَهُنَّ رَابِعَةٌ فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِمُصَانَعَةِ الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ عَنْهُ طبعُهُ الطَّيب الْأَصْلِ(١٠٠) إِلَى الْمُوَادَّةِ(١٠١) وَالْمُصَافَاةِ، وَيَأْمُرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الْعَدُوِّ الشَّيْطَانِيِّ لَا مَحَالَةَ؛ إِذْ لَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلَا إِحْسَانًا وَلَا يَبْتَغِي غَيْرَ هَلَاكِ ابْنِ آدَمَ، لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ آدَمَ مِنْ قَبْلُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٧] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فَاطِرٍ: ٦] وَقَالَ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الْكَهْفِ: ٥٠] ، وَقَدْ أَقْسَمَ لِلْوَالِدِ إِنَّهُ لَمِنَ النَّاصِحِينَ، وَكَذَبَ، فَكَيْفَ مُعَامَلَتُهُ لَنَا وَقَدْ قَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] ، وَقَالَ(١٠٢) تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨، ٩٩]
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ: نَتَعَوَّذُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى ظَاهِرِ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَلِدَفْعِ الْإِعْجَابِ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِبَادَةِ؛ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ حَمْزَةُ فِيمَا ذَكَرَهُ(١٠٣) ابْنُ قَلُوقَا عَنْهُ، وَأَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارة الْهُذَلِيُّ الْمَغْرِبِيُّ فِي كِتَابِ " الْكَامِلِ ".
وَرُوِي عَنْ أبي هريرة -أيضا-وهو غريب.
[وَنَقْلَهُ فَخْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ(١٠٤) فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ الظَّاهِرِيِّ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ عَنِ الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ الْقَارِئَ يَتَعَوَّذُ بعد الفاتحة، واستغربه ابن العربي. وحكى قول ثالث وَهُوَ الِاسْتِعَاذَةُ أَوَّلًا وَآخِرًا جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ نَقَلَهُ فَخْرُ الدِّينِ(١٠٥) ](١٠٦) .
وَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ فِيهَا، إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التِّلَاوَةِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُمْ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٦] أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ آتَشَ(١٠٧) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيِّ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَفْتَحَ صَلَاتَهُ وكبَّر قَالَ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ". وَيَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا(١٠٨) اللَّهُ " ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزه ونَفْخِه ونَفْثه ".
وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الرِّفَاعِيُّ(١٠٩) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ فسَر الْهَمْزَ بِالْمَوْتَةِ وَهِيَ الْخَنْقُ، والنَّفخ بِالْكِبْرِ، وَالنَّفْثَ بِالشِّعْرِ. كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، عَنْ عَاصِمٍ العَنزيّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، ثَلَاثًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، ثَلَاثًا، سُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ثَلَاثًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنْ هَمْزه ونَفْخه ونفْثه ".
قَالَ عَمْرٌو: وَهَمْزُهُ الْمَوْتَةُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ(١١٠) .
وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضيل، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وهَمْزه وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ ".
قَالَ: هَمْزُهُ: الْمَوْتَةُ، ونَفْثُه: الشِّعْرُ، ونفخه: الكِبْر(١١١) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كبَّر ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ "، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قَالَ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ(١١٢) . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْبَرِيدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: تَلَاحَى رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَمزّع أَنْفُ أَحَدِهِمَا غَضَبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنِّي لِأَعْلَمُ شَيْئًا لَوْ قَالَهُ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ".
وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ(١١٣) ، بِهِ(١١٤) .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ زَائِدَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ بُنْدَار، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ -أَيْضًا-مِنْ حَدِيثِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: استَب رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى خُيّل إِلَيَّ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَتَمزّع أَنْفُهُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ مِنَ الْغَضَبِ " قَالَ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ". قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاذٌ يَأْمُرُهُ، فَأَبَى [وَمَحَكَ](١١٥) ، وَجَعَلَ يَزْدَادُ غَضَبًا. وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ(١١٦) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مُرْسَلٌ، يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَلْقَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ سَنَةِ عِشْرِينَ.
قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كَمَا تَقَدَّمَ وَبَلَّغَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ شَهِدَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَد: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، فَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مغضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لو قالها لذهب عنه ما يجد،
لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ(١١٧) ﷺ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ(١١٨) .
وَقَدْ رَوَاهُ -أَيْضًا-مَعَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ(١١٩) .
وَقَدْ جَاءَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا هَاهُنَا، وَمَوْطِنُهَا كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوَّلَ مَا نَزَلَ بِالْقُرْآنِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اسْتَعِذْ. قَالَ: " أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " ثُمَّ قَالَ: قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، بِلِسَانِ جِبْرِيلَ(١٢٠) . وَهَذَا الْأَثَرُ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرَفَ، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا وَانْقِطَاعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِمُتَحَتِّمَةٍ يَأْثَمُ تَارِكُهَا، وَحَكَى فَخْرُ الدِّينِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وُجُوبَهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا كُلَّمَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا تَعَوَّذَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ فَقَدْ كَفَى فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ، وَاحْتَجَّ فَخْرُ الدِّينِ لِعَطَاءٍ بِظَاهِرِ الْآيَةِ: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ وَهُوَ أَحَدُ مَسَالِكِ الْوُجُوبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَاجِبَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَوَّذُ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَيَتَعَوَّذُ لِقِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وقال الشافعي في الإملاء، يجهر بالتعوذ، وَإِنْ أَسَرَّ فَلَا يَضُرُّ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ بِالتَّخْيِيرِ لِأَنَّهُ أَسَرَّ ابْنُ عُمَرَ وَجَهَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الرَّكْعَةِ الْأُولَى: هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ فِيهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَرَجَّحَ عَدَمَ الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا قَالَ الْمُسْتَعِيذُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ كَفَى ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَزَادَ(١٢١) بَعْضُهُمْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ: أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِمُطَابَقَةِ أَمْرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: ثُمَّ الِاسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا هِيَ لِلتِّلَاوَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وقال أبو يوسف:
بَلْ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَوَّذُ الْمَأْمُومُ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ، وَيَتَعَوَّذُ فِي الْعِيدِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَالْجُمْهُورُ بَعْدَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
وَمِنْ لَطَائِفِ الِاسْتِعَاذَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَلِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ فِي ثَلَاثٍ مِنَ الْمَثَانِي، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥] ، وَقَدْ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ لِمُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ الْبَشَرِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ، وَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَشَرِيُّ كَانَ شَهِيدًا، وَمِنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنِيُّ كَانَ طرِيدًا، وَمَنْ غَلَبَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرُ كَانَ مَأْجُورًا، وَمَنْ قَهَرَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنُ كَانَ مَفْتُونًا أَوْ مَوْزُورًا، وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ يَرَى الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ بِالَّذِي يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الشيطان.
فصل: والاستعاذة هِيَ الِالْتِجَاءُ إِلَى اللَّهِ وَالِالْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالْعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جَلْبِ الْخَيْرِ كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ... وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ ... وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ(١٢٢)
فَصْلٌ مَعْنَى الِاسْتِعَاذَةِ
وَمَعْنَى أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَيْ: أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ، أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ فِعْلِ مَا أُمِرْتُ بِهِ، أَوْ يَحُثَّنِي عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيتُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يكفُّه عَنِ الْإِنْسَانِ إِلَّا اللَّهُ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُصَانَعَةِ شَيْطَانِ الْإِنْسِ وَمُدَارَاتِهِ(١٢٣) بِإِسْدَاءِ الْجَمِيلِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ طَبْعُهُ عمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَذَى، وَأَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ رَشْوَةً وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ؛ لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ وَلَا يَكُفُّهُ عَنْكَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَا أَعْلَمُ لَهُنَّ رَابِعَةً، قَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٩٩] ، فَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَامَلَةِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْبَشَرِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٠٠] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ": ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٦ -٩٨] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " حم السَّجْدَةِ ": ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤ -٣٦] .
والشيطان فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَن إِذَا بَعُدَ، فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ، وَبَعِيدٌ بِفِسْقِهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْعَرَبِ؛ قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي ذِكْرِ مَا أُوتِيَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ(١٢٤) السَّلَامُ:
أَيُّمَا شاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ ... ثُمَّ يُلْقى فِي السِّجْن وَالْأَغْلَالِ(١٢٥)
فَقَالَ: أَيُّمَا شَاطِنٍ، وَلَمْ يَقُلْ: أَيُّمَا شَائِطٍ.
وَقَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ -وَهُوَ: زِيَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ ضَبَابِ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيان-:
نَأَتْ بِسُعَادٍ عَنْكَ نَوًى شَطُونُ ... فَبَانَتْ والفؤادُ بِهَا رَهِينُ(١٢٦)
يَقُولُ: بَعُدَتْ بِهَا طَرِيقٌ بَعِيدَةٌ.
[وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْعَرَبُ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلَانٌ إِذَا فَعَل فِعْل الشَّيْطَانِ وَلَوْ كَانَ مِنْ شَاطَ لَقَالُوا: تَشَيَّطَ](١٢٧) . وَالشَّيْطَانُ(١٢٨) مُشْتَقٌّ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى(١٢٩) الصَّحِيحِ؛ وَلِهَذَا يُسَمُّونَ كُلَّ مَا(١٣٠) تَمَرَّدَ مِنْ جِنِّيٍّ وَإِنْسِيٍّ وَحَيَوَانٍ شَيْطَانًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٢] . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ "، فقلت: أو للإنس شَيَاطِينُ؟ قَالَ: " نَعَمْ "(١٣١) . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -أَيْضًا-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ(١٣٢) فَقَالَ: " الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ "(١٣٣) . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَكِبَ برْذونًا، فَجَعَلَ يتبخْتر به، فجعل لا يَضْرِبُهُ فَلَا يَزْدَادُ إِلَّا تَبَخْتُرًا، فَنَزَلَ عَنْهُ، وَقَالَ: مَا حَمَلْتُمُونِي(١٣٤) إِلَّا عَلَى شَيْطَانٍ، مَا نَزَلْتُ عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْتُ نَفْسِي. إِسْنَادُهُ(١٣٥) صَحِيحٌ(١٣٦) .
والرّجيم: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: أَنَّهُ مَرْجُومٌ مَطْرُودٌ عَنِ الْخَيْرِ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الْمُلْكِ: ٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٦ -١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الْحِجْرِ: ١٦ -١٨] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
[وَقِيلَ: رَجِيمٌ بِمَعْنَى رَاجِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجُمُ النَّاسَ بِالْوَسَاوِسِ وَالرَّبَائِثِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ](١٣٧) .
(١٣٨)
(٢) في أ: "الصلوات".
(٣) في أ: "كذا".
(٤) زيادة من أ.
(٥) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(٦) في أ: "اسم".
(٧) في أ: "وأساسها".
(٨) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/١٦٥) من طريق مكحول عن عبادة به مرسلا، ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٣٨) من طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة به مرفوعا بهذا اللفظ، وهذا غير محفوظ. وقد جاء من طريق أخرى موصولة ذكرها الفاضل محمد طرهوني فى كتابه "موسوعة فضائل القرآن" (١/٤٠-٤٣)
(٩) في أ: "قال".
(١٠) في أ: "قال".
(١١) في جـ: "والله تعالى أعلم".
(١٢) في أ: "ست".
(١٣) زيادة من جـ.
(١٤) في أ: "تقريرها".
(١٥) صحيح البخاري (٨/١٥٥) "فتح".
(١٦) في أ: "أنها".
(١٧) في أ: "إليها".
(١٨) في أ: "كل أمر جامع أمرا"، وفي و: "كل جامع أمرا".
(١٩) في أ: "فيقول".
(٢٠) في أ: "واستشهدوا".
(٢١) في أ، و: "لا".
(٢٢) تفسير الطبري (١/١٠٧) .
(٢٣) في أ: "الله تعالى".
(٢٤) في جـ: "العظيم الذي أوتيته".
(٢٥) المسند (٢/٤٤٨) .
(٢٦) تفسير الطبري (١/١٠٧) .
(٢٧) بعدها في أ، جـ: "وفاتحة الكتاب".
(٢٨) ورواه الثعلبي في تفسيره (١/ق ١٨) من طريق محمد بن حسان عن المعافى بن عمران عن عبد الحميد به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٤٥) من طريق نوح بن أبي بلال عن المقبري به.
(٢٩) في أ: "نحوه".
(٣٠) سنن الدارقطني (١/٣١٢) من طريق أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح به مرفوعا، ثم قال أبو بكر الحنفي: "ثم لقيت نوحا فحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه".
(٣١) شعب الإيمان للبيهقي برقم (٢٣٥٣) من طريق الثوري عن السدي عن عبد خير عن علي بن أبي طالب.
(٣٢) شعب الإيمان برقم (٢٣٥٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٣٣) شعب الإيمان برقم (٢٣٥٤) .
(٣٤) دلائل النبوة للبيهقي (٢/١٥٨) وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/١٠) بعد أن أورده من طريق البيهقي: "وهو مرسل، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل".
(٣٥) زيادة من جـ.
(٣٦) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٣، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٦١) .
(٣٧) في أ، و: "وبالله".
(٣٨) المسند (٣/٤٥٠) وصحيح البخاري برقم (٥٠٠٦) وبرقم (٤٤٧٤) .
(٣٩) صحيح البخاري برقم (٤٦٤٧، ٤٧٠٣) وسنن أبي داود برقم (١٤٥٨) وسنن النسائي (٢/١٣٩) وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٨٥) .
(٤٠) في أ: "ما نزل".
(٤١) في أ: "القرآن".
(٤٢) في جـ، ط: "فتحت".
(٤٣) في جـ: "إلى".
(٤٤) الموطأ (١/٨٣) .
(٤٥) جامع الأصول (٨/٤٦٦) .
(٤٦) زيادة من جـ، والمسند.
(٤٧) في جـ، ط: "أن".
(٤٨) في هـ، أ: "أوحي إلي" والمثبت من جـ، ط، و، والمسند.
(٤٩) في أ: "القرآن".
(٥٠) في جـ، أ: "أتباطأ".
(٥١) في جـ: "وعدتني بها".
(٥٢) بداية المخطوطة ب.
(٥٣) المسند (٢/٤١٢، ٤١٣) وسنن الترمذي برقم (٢٨٧٨) .
(٥٤) زيادة من جـ، ط، أ.
(٥٥) زوائد المسند (٥/١١٤) .
(٥٦) في أ: "اليزيد".
(٥٧) في جـ، ط: "وعليك".
(٥٨) المسند (٤/١٧٧) .
(٥٩) في ط: "يحتج".
(٦٠) وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في كتابه "تعجيل المنفعة" (ص ١٤٥) .
(٦١) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٦٢) في جـ، ط: "معكم".
(٦٣) في جـ: "رجعنا".
(٦٤) في طـ: "النبي".
(٦٥) صحيح البخاري برقم (٥٠٠٧) وصحيح مسلم برقم (٢٢٠١) .
(٦٦) في "أ": الحرمي".
(٦٧) في جـ، ط، ب: "بأم".
(٦٨) في جـ، ط: "قال الله".
(٦٩) في جـ، ط، ب: "آمين قال".
(٧٠) صحيح مسلم برقم (٣٩٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠١٣) .
(٧١) صحيح مسلم برقم (٣٩٥) وسنن النسائي (٢/١٣٥) .
(٧٢) صحيح مسلم برقم (٣٩٥) .
(٧٣) صحيح مسلم برقم (٣٩٥) .
(٧٤) سنن الترمذي برقم (٢٩٥٣) .
(٧٥) لم أقع عليه في المطبوع من المسند، وذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (١/٢٣٠) .
(٧٦) في جـ، ط، ب: "وقال".
(٧٧) تفسير الطبري (١/٢٠١) ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/١٧) من طريق زيد بن الحباب به، وفي إسناده انقطاع، سعد بن إسحاق لم يسمع من جابر، وقد حاول الشيخ أحمد شاكر إثبات اتصاله في حاشيته على الطبري ولكن لا يسلم له بما قال، والله أعلم.
(٧٨) في جـ، ط، ب، أ، و: "مما يختص بحكم الفاتحة".
(٧٩) صحيح البخاري برقم (٧٤٩٠) وصحيح مسلم برقم (٤٤٦) .
(٨٠) في جـ، ط، ب: "عظمة".
(٨١) في جـ، ط، ب: "به".
(٨٢) في جـ، ط: "المسيء في صلاته".
(٨٣) صحيح البخاري برقم (٧٩٣) وصحيح مسلم برقم (٣٩٧) .
(٨٤) صحيح البخاري برقم (٧٥٦) وصحيح مسلم برقم (٣٩٤) .
(٨٥) صحيح ابن خزيمة برقم (٤٩٠) وصحيح ابن حبان برقم (٤٥٩) "موارد".
(٨٦) في جـ، ط: "لا يتعين".
(٨٧) زيادة من جـ، ط.
(٨٨) سنن ابن ماجة برقم (٨٣٩) وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٩١) : "هذا إسناد ضعيف، أبو سفيان السعدي واسمه طريف بن شهاب، وقيل: ابن سعد، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه". وأبو سفيان قد توبع، تابعه قتادة، فرواه عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" أخرجه أبو داود في السنن برقم (٨١٨) .
(٨٩) في جـ، ط: "وموضع".
(٩٠) راه أحمد في المسند (٣/٣٣٩) وقد أطنب الإمام الزيلعي في الكلام على طرق هذا الحديث في كتابه "نصب الراية" (٢/٦-١٤) مما أغنى عن ذكره هاهنا.
(٩١) راه البيهقي في السنن الكبرى (٢/١٦٠) من طريق مالك، وقال: "هذا هو الصحيح عن جابر من قوله: غير مرفوع".
(٩٢) في جـ: "كما".
(٩٣) في جـ، ط، ب: "ولا تجب ذلك".
(٩٤) صحيح مسلم برقم (٤١٤) .
(٩٥) سنن أبي داود برقم (٦٠٤) وسنن النسائي (٢/١٤١، ١٤٢) وسنن ابن ماجة برقم (٨٤٦) قال أبو داود: "وهذه الزيادة: "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد". وقد صحح هذه الزيادة مسلم في صحيحه، وتعقبه الدارقطني في التتبع (ص ٢٣٩) . وانظر جواب أبي مسعود الدمشقي في: حاشية التتبع، وللشيخ ناصر الألباني بحث حول هذه الزيادة في الإرواء (٢/١٢١) وهو حسن.
(٩٦) في جـ: "أحمد".
(٩٧) في جـ: "سعد".
(٩٨) مسند البزار برقم (٣١٠٩) "كشف الأستار" وفيه غسان بن عبيد، قال ابن عدي: "الضعف على أحاديثه بين".
(٩٩) في ط، أ: "الكلام على تفسير أحكام الاستعاذة، وفي جـ: "الكلام على تفسيرها".
(١٠٠) في جـ: "الأصيل".
(١٠١) في جـ، أ، ط: "الموالاة".
(١٠٢) في جـ، ط: "وقال الله".
(١٠٣) في جـ، ط: "فيما نقله".
(١٠٤) في و: "الدينوري".
(١٠٥) تفسير القرطبي (١/٨٨) .
(١٠٦) زيادة من ط، أ، و.
(١٠٧) في جميع النسخ والمسند: "أنس" والصواب ما أثبتناه.
(١٠٨) في جـ، ب، و: "ويقول: الله أكبر".
(١٠٩) المسند (٣/٥٠) وسنن أبي داود برقم (٧٧٥) وسنن الترمذي برقم (٢٤٢) وسنن النسائي (٢/١٣٢) وسنن ابن ماجة برقم (٨٠٤) .
(١١٠) سنن أبي داود برقم (٧٦٤) وسنن ابن ماجه برقم (٨٠٧) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٤٣) من طريق شعبة به.
(١١١) سنن ابن ماجة برقم (٨٠٨) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٤٧٢) من طريق محمد بن فضيل به، وقال البوصيري في الزوائد (١/٢٨٥) : "هذا إسناد ضعيف، عطاء بن السائب اختلط بآخره، وسمع منه محمد بن الفضيل بعد الاختلاط".
(١١٢) المسند (٥/٢٥٣) .
(١١٣) في أ: "الجعدية".
(١١٤) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢٣) .
(١١٥) زيادة من جـ، ب، أوأبي داود، وفي أ: و "ومحل".
(١١٦) المسند (٥/٢٤٤) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨٠) وسنن الترمذي برقم (٣٤٥٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢١، ١٠٢٢٢) .
(١١٧) في جـ، ط: "النبي".
(١١٨) صحيح البخاري برقم (٦١١٥) .
(١١٩) صحيح مسلم برقم (٢٦١٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢٤، ١٠٢٢٥) .
(١٢٠) تفسير الطبري (١/١١٣) .
(١٢١) في أ: "وقرأ".
(١٢٢) ذكر البيتين الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١١/٢٧٥) وقال: "وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله- أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله -سبحانه وتعالى- وأخبرني العلامة شمس الدين ابن القيم -رحمه الله- أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع".
(١٢٣) في جـ: "بمداراته".
(١٢٤) في جـ، ب: "عليه الصلاة والسلام".
(١٢٥) البيت في تفسير الطبري (١/١١٢) واللسان، مادة "عكا" ومادة "شطن".
(١٢٦) البيت في تفسير الطبري (١/١١٢) .
(١٢٧) زيادة من جـ، ط.
(١٢٨) في جـ، ط، ب: "فالشيطان".
(١٢٩) في جـ، ط: "وهو".
(١٣٠) في جـ، ط، ب: "من".
(١٣١) المسند (٥/١٧٨) .
(١٣٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "من الأصفر".
(١٣٣) رواه الطبري في تفسيره (١/١١١) .
(١٣٤) في ب: "ما حملتمون".
(١٣٥) في ط، ب، أ، و: "إسناد".
(١٣٦) رواه الطبري في تفسيره (١/١١١) .
(١٣٧) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(١٣٨) اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (1)
سورة الفاتحة هي السورة الوحيدة التي أمر الإسلام أتباعه أن يقرءوها في كل صلاة. وفي جميع الركعات، وفي كل الأوقات، ولهذا أصبح حفظها ميسورا لكل مؤمن.
وهذه السورة على صغر حجمها، وقلة آياتها، قد اشتملت بوجه إجمالي على مقاصد الدين من توحيد، وتعبد، وأحكام، ووعد ووعيد.
ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسيرها بالتفصيل، أن نمهد لذلك بالكلام عما يأتي:
أولا: متى نزلت سورة الفاتحة؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن الرأي الراجح بين المحققين من العلماء أنها نزلت بمكة، بل هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة.
وقيل: إنها مدنية. وقيل: إنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة.
قال القرطبي: الأول أصح لقوله- تعالى- في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وسورة الحجر مكية بالإجماع. ولا خلاف في أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه لم يكن في الإسلام قط صلاة بغير الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يدل على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب . وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء .
ثانيا: عدد آياتها: وهي سبع آيات لقوله- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. قال العلماء: السبع المثاني هي الفاتحة.
وقال ابن كثير: هي سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد: هي ثماني آيات لأنه جعل إِيَّاكَ نَعْبُدُ آية. وقال حسين الجعفي: هي ست آيات وهذان القولان شاذان .
ثالثا: أسماؤها: لسورة الفاتحة أسماء كثيرة من أشهرها:
1- الفاتحة أو فاتحة الكتاب، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا. وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا، وتفتتح بها الصلوات، وإن لم تكن هي أول ما نزل من القرآن. وقد اشتهرت بهذا الاسم في أيام النبوة.
وقد أصبح هذا الاسم علما بالغلبة لتلك الطائفة من الآيات التي مبدؤها الْحَمْدُ لِلَّهِ..
ونهايتها.. وَلَا الضَّالِّينَ.
2- أم القرآن أو الكتاب وسميت بذلك لاشتمالها إجمالا على المقاصد التي ذكرت فيه تفصيلا، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء.
قال ابن جرير: والعرب تسمى كل أمر جامع أمّا، وكل مقدم له توابع تتبعه أما فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: أم الرأس . وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أما .
3- السبع المثاني جمع مثنى كفعلي اسم مكان. أو مثنى- بالتشديد- من التثنية على غير قياس. وسميت بذلك لأنها سبع آيات في الصلاة، أى تكرر فيها أخرج الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم .
4- وتسمى- أيضا- سورة الحمد . 5- و الكنز . 6- و الواقية .
7- و الشفاء ، لحديث. هي الشفاء من كل داء.
8- و الكافية لأنها تكفي عن سواها ولا يكفى سواها عنها.
9- و الأساس . 10- و الرقية .
هذا، وقد ذكر القرطبي للفاتحة اثنى عشر اسما، كما ذكر السيوطي لها في كتابه الإتقان خمسة وعشرين اسما.
رابعا: فضلها: ورد في فضل سورة الفاتحة أحاديث كثيرة منها:
ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلى- رضي الله عنه- قال:
كنت أصلي في المسجد، فدعاني النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم أجبه فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلّي.
فقال: ألم يقل الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ.
ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد . ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت: يا رسول الله. ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته .
وروى مسلّم والنسائي، عن ابن عباس، قال:
بينما جبريل قاعد عند النبي صلّى الله عليه وسلّم سمع نقيضا من فوقه- أي: صوتا- فرفع رأسه فقال:
هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فسلّم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، ولم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته .
وروى مسلّم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا) : غير تمام فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: قال الله- تعالى-: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال:
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن جابر، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: ألا أخبرك بأخير سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: اقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى تختمها .
تلك هي بعض الأحاديث التي وردت في فضل هذه السورة الكريمة.
وقد ذكر العلماء أنه يسن للمسلّم قبل القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، استجابة لقوله- تعالى- فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ .
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ألتجئ إلى الله وأتحصن به، واستجير بجنابه من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي.
قال ابن كثير: والشيطان في لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء.
وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع الشر، وبعيد بفسقه عن كل خير.
وقيل: مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار. والأول أصح إذ عليه يدل كلام العرب، فهم:
يقولون تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشيطان، ولو كان من شاط. لقالوا: تشيط، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح .
والرجيم: فعيل بمعنى مفعول أي أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير، وقيل:
رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشكوك.
قال بعض العلماء: وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة مع أنه قد أمر بها على وجه العموم في جميع الشئون، لأن القرآن مصدر الهداية والشيطان مصدر الضلال، فهو يقف للإنسان بالمرصاد في هذا الشأن على وجه خاص، فيثير أمامه ألوانا من الشكوك فيما يقرأ، وفيما يفيد من قراءته، وفيما يقصد بها، فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته، فعلمنا الله أن نتقي ذلك كله بهذه الاستعاذة التي هي في الواقع عنوان صدق، وتعبير حق، عن امتلاء قلب المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله، وقوة عزيمته في طرد الوساوس والشكوك، واستقبال الهداية بقلب طاهر،وعقل واع، وإيمان ثابت .
قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه، وهو قول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
والآن وبعد هذا التمهيد الموجز الذي تكلمنا فيه عن نزول سورة الفاتحة، وعن عدد آياتها، وعن أشهر أسمائها، وعن بعض الأحاديث التي وردت في فضلها نحب أن نبدأ في تفسير السورة الكريمة فنقول- وبالله التوفيق-:
{ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ }
الاسم: اللفظ الذى يدل على ذات أو معنى. وقد اختلف النحويون في اشتقاقه على وجهين، فقال البصريون: هو مشتق من السمو، وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم، لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به.
وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهي العلامة، لأن الاسم علامة لمن وضع له، فأصل اسم على هذا وسم .
ويرى المحققون أن رأي البصريين أرجح، لأنه يقال في تصغير اسم سُمىَ، وفي جمعه أسماء، والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها. ولو كان أصله وسم - كما قال الكوفيون - لقيل في جمعه: أوسام، وفي تصغيره وسيم.
ولفظ الجلالة وهو الله علم على ذات الخالق - عز وجل - تفرد به - سبحانه - ولا يطلق على غيره، ولا يشاركه فيه أحد.
قال القرطبي: قوله الله هذا الاسم أكبر أسمائه - سبحانه - وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره، ولذلك لم يثن ولم يجمع: فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإِلهية، المنعوت بنعوت الربوبيه، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو - سبحانه -
و { ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } صفتان مشتقتان من الرحمة. والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإِحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفاً لله - تعالى-، ولذا فسرها بعض العلماء بإرادة الإِحسان. وفسرها آخرون بالإِحسان نفسه.
والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته - تعالى - لا نعرف حقيقتها، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإِحسان.
وقد كثرت أقوال المفسرين في العلاقة بين هاتين الصفتين، فبعضهم يرى أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم على جميع الخلق. وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم على المؤمنين خاصه. ويرى آخرون أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } هو المنعم بجلائل النعم، وأن { ٱلرَّحِيمِ } هو المنعم بدقائقها.
ويرى فريق ثالث أن الوصفين بمعنى واحد وأن الثاني منهما تأكيد للأول. والذى يراه المحققون من العلماء أن الصفتين ليستا بمعنى واحد، بل روعي فب كل منهما معنى لم يراع في الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، ويلزم منه الدوام كغضبان وسكران. والرحيم بمعنى دائم الرحمة، لأن صيغته فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف. فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائمة.
أو أن { ٱلرَّحْمـٰنِ } صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة والإِحسان. و { ٱلرَّحِيمِ } صفة فعل تدل على وصول الرحمة والإِحسان وتعديهما إلى المنعم عليه.
ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر في القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ في أسماء الذات. قال - تعالى-:
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } و
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }
{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ }
وهكذا...
أما لفظ الرحيم فقد كثر في القرآن استعماله وصفاً فعلياً، وجاء في الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال - تعالى -
{ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ }
{ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً }
{ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }
إلخ.
قال بعض العلماء وهذا الرأي في نظرنا هو أقوى الآراء، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال في القرآن: إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها .
والجار والمجرور بسم متعلق بمحذوف تقديره ابتدئ.
والمعنى: ابتدئ قراءتي متبركاً ومتيمناً باسم الله الذى هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والذى رحمته وسعت كل شيء، وأتبرأ مما كان يفعله المشركون والضالون، من ابتدائهم قراءتهم وأفعالهم باسم اللات أو باسم العزى أو باسم غيرهما من الآلهة الباطلة.
هذا وقد أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله - تعالى -
{ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ }
ثم اختلفوا بعد ذلك في كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ألخ.
فبعضهم يرى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة، ومن حججهم أن السلف قد أثبتوها في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا آمين . فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.
وبهذا الرأي قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير والشافعي، وأحمد في أحد قوليه.
ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا: إنها آية فذة. من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها، ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة، لما اختلف الناس في ذلك، ولما اضطربت أقوالهم في كونها آية من كل سورة أو من الفاتحة فقط.
وكما وقع الخلاف بين العلماء في كونها آية مستقلة أو آية من كل سورة، فقد وقع الخلاف بينهم - أيضاً - في وجوب قراءتها فى الصلاة، وفي الجهر بها أو الإِسرار إذا قرئت.
وتحقيق القول في ذلك مرجعه إلى كتب الفقه، وإلى كتب التفسير التي عنيت بتفسير آيات الأحكام.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وهي مقدمة لتلاوة كل سورة من سور القرآن، وروي عن بعض الصحابة: إننا كنا نعرف نهاية سورة وابتداء سورة بنزول قوله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) وروي عن جعفر الصادق بن محمد رضي الله عنهما، أنه قال: البسملة تيجان السور ، وقد قال عبد الله بن المبارك: إنها جزء من كل سورة؛ ولذلك يجب ابتداء السورة بقراءتها.على أنها جزء منها، وقال الشافعي: إنها جزء من الفاتحة ، وتَردَّد في عدها جزءًا من كل سورة، ولكنها مهما تكن ليست جزءا من غير الفاتحة، وهي لازمة للفصل بين سورة وسورة من السور التي ابتدأت بذكرها. ولأن ثمة كلامًا في كون سورة براءة ليست مستقلة عن سورة الأنفال، وعدها الأكثرون جزءا منها - لم تكن مبتدأة بالبسملة، وينسب إلى الإمام مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه أنها ليست جزءا من سورة الفاتحة أو غيرها، ومؤدى هذا القول أنها ليست من القرآن ككلمة آمين في آخر الفاتحة؛ إذ إن الفاتحة ضراعة إلى الله تعالى، فناسب أن تذكر بعدها آمين ، وعدَّ القرطبي في كتابه أحكام القرآن أن في مذهب مالك أن البسملة ليست من القرآن هو الصحيح، وذكر أن القرآن كله متواتر، والبسملة ليست متواترة، فلا تعد من القرآن، ولكن تكون علامة على انتهاء سورة، وابتداء سورة أخرى. ومع أنه قرر ذلك - يقرر أن مالكا يرى أنها يُبتدأ بها في الفرض والنافلة، كما رواه ابن نافع، وفي الحق أن ذلك القول غريب عن القرآن، وذلك لأن البسملة متواترة تواتر كل أجزاء القرآن، فلم تثبت بحديث آحاد، بل ثبتت بالقرآن نفسه، فقد كتبت في مصحف عثمان وما قبله، ولا تواتر أبلغ من هذا، وما كان للشيخين أبي بكر وعمر، وذي النورين وجميع الصحابة أن يدوِّنوا في المصحف ما ليس من القرآن، و آمين هي التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنطق بها في عقب قراءة الفاتحة. إن ادعاء أنها ثبتت بخبر آحاد يقتضي ذكر ذلك الخبر، ورواته، ومقدار قوتهم، وضعفهم، وعددهم، وليس كذلك، بل هي ثبتت مقترنة بسور القرآن على أنها ثابتة بين كل سورة وسورة.والسورة التي لم تصدر بها، ثبت عدم تقدمها لهذه السورة بالتواتر، فهي متواترة بالذكر في كل السور، ومتواترة بالسلب في سورة واحدة. ولهذا نرى أن نسبة ذلك القول إلى إمام دار الهجرة مالك هو في ذاته موضع نظر، وقد اقترن ذلك بادعاء أنه لم يقرأها أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقول القرطبي عفا الله عنه: فى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة انقرضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة والدهور من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) اتباعًا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإن لنا أن نرد ذلك القول، ونأخذ ذلك من كلامه هو، فهو قد روى أن عمر، وعليًّا، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، كانوا يقرأونها ويسرون بها. وروى هو أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسر بها ولا يجهر، فقد روي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان يصلي بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يُسمعنا قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وروي عنه أيضا: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلف أبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ بسم الله الرحمن الرحيم . فالأمر أمر الجهر بها، لَا أمر تركها، وفرق كبير بين الترك لها أصلا، وترك الجهر بها. وبذلك ينتفي ما ادعاه من أن أحدا لم يقرأها، اتباعا للسنة إن كانت سنة، وذلك لأنهم قرأوها خفية وفي سر، آخذين ذلك من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن كتاب الله عز وجل: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)). وننتهي من هذا إلى أن البسملة جزء من القرآن الكريم، وهي فاصلة بين السور تدل على الانتهاء من سورة والابتداء بسورة أخرى. وإن الشافعي يعُدها جزءا من الفاتحة، ومهما يكن فإنه لابد من البدء بقراءتها، وغيره يوجب البدء بها لَا على أنها جزء من الفاتحة، ولكن على أنها قرآن يبدأ به في أول كل سورة. والأكثرون عدوها على أنها يبتدأ بها سرا لَا جهرًا أو تضرعًا في خفية، ودون الجهر من القول، والله سبحانه وتعالى أعلم. * * * (التعوذ في ابتداء التلاوة) قال الله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، فُهِم من هذا النص الكريم أنه عند التلاوة لابد أن يقدمها بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم تكون بعدها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وقد حكي ذلك عن عطاء وغيره، فقالوا: إن الاستعاذة واجبة عند كل تلاوة في غير الصلاة ، وإنما في الصلاة فلا وجوب، ويظهر أن ذلك بالاتفاق؛ لأنه يكون زيادة واجب في الصلاة لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل وجوب في عبادة من غير إيجاب من صاحب الشرع يُرَد ولا يؤخذ به. وكان النخعي، ومعه قوم يتعوذون استحبابًا في كل ركعة في الصلاة، فحيث كانت قراءة قرآن تعوذوا استحبابًا، وروي عن أبي حنيفة التعوذ في قراءة الركعة الأولى فقط.ومن المتفق عليه أمران: أحدهما: أن الاستعاذة ليست جزءا من الصلاة، ولا شرطا لقراءة الفاتحة، كما هو مقرر عند الشافعي، لَا سرا ولا جهرا؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه التزم بها لَا جهرا ولا خفية. الثاني: أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليست قرآنا، وإنما استجابة لقول الله تعالى: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، وكلمة أعوذ بالله هي الكلمة التي يرددها الناس عند الاستعاذة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في الاستعاذة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وروى ابن مسعود أنه تعوَّذ بها أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا ابْنَ أمِّ عَبْدٍ، أعوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرجيمِ هكلذ أقْرَانِي جِبْرِيلُ عَنِ اللوح عَنِ القَلَم ، وإن هذا النص يستفاد منه أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هي المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وننتهي من هذا إلى أنها مستحبة وليست واجبة، ولكن إذا قالها أيُسِرُّ أم يجهر؟ الجمهور على أنه يجهر عند الصلاة بها، وقال حمزة: يسرُّ بها، ومن قال إن الاستعاذة تكون بعد القراءة لأن الله يقول: (فَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ...، فالقراءة تسبق الاستعاذة امتثالا لأمر الله تعالى؛ ولكيلا يكون القارئ متغنيا، ولا متلقيا، وليكون في حضرة الله في قراءته وبعدها، ويكون طائعا لله تعالى في كل أحواله. الفاتحة أو فاتحة الكتاب قال جار الله الزمخشري في كتابه الكشاف: إنها مكية؛ لأنها أنزلت بمكة، وذلك هو المشهور، وقيل إنها أنزلت بمكة مرة، والمدينة مرة أخرى عند تحويل القبلة إلى الكعبة، والظاهر أنها مكية، نزلت عند فرض الصلاة بمكة، وكونها نزلت بعد ذلك بالمدينة تكرار للنزول، ولا نحسب ثمة حاجة للتكرار فإنها متى نزلت كانت واجبة التلاوة على أنها جزء من القرآن ولاحاجة إلى تكرار نزولها. وتسمى أم القرآن، لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى، بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد، وتسمى أيضا سورة الكنز، وسورة الوافية لذلك الشمول الإجمالي الذي اشتملت عليه فيما ذكرنا، وتسمى المثاني لأنها تثنى في كل ركعة ولأنها السبع المثاني. وتسمى سورة الصلاة، لأنها مأمور بقراءتها فيها، وتسمى الشفاء والشافية وهي سبع آيات بالاتفاق . وكلها أسماء سميت بها لمعان فيها، ولاحظَها من جوانبها من سماها، فكل اسم يمثل جانبا من جوانبها. ابتدئت الفاتحة كما ابتدئت كل سورة ما عدا براءة بـ بسم الله الرحمن الرحيم ، وعدها الشافعي وفقهاء مكة جزءا من الفاتحة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدَّ الفاتحة سبع آيات، ولا تكون سبع آيات إلا إذا عدت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ جزءا منها، وعند أهل المدينة ومالك ليست جزءا من الفاتحة، وقد علمت القول المختلف في ذلك، وقد قررنا أنها جزء من القرآن وابتداء لكل سورة، وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: ما بين دفتي المصحف قرآن ، وقد كانت مكتوبة في مصحف عثمان رضي الله عنه والمصحفين من قبله، وتواتر المصحف بتواتر القرآن، والإجماع انعقد على ذلك، ولم تنقل بخبر آحاد كما ادعى بعض المالكية. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (بِسْمِ) الباء هنا هي حرف جر يدل على السببية، وهي مبنية على الكسر كـ لام الأمر، والمعنى: بسبب اسم الله الذي لَا. يعبد سواه وأنه الرحمن الرحيم أبتدئ، فهي متعلقة بمحذوف يُذكر بعدها، لبيان اختصاص الابتداء أو التبرك باسم الله تعالى، فالتأخير يفيد الاهتمام بمتعلّق الباء ومزيد الاختصاص بالاستعانة والتيمن والتبرك به. والبسملة يبدأ بها في كل أمر ذي بال، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم فَهُو أَبْتَر والفعل الذي تعلقت به الباء محذوف، وكما ذكرنا يقدر مؤخرا، لأن المقدم يكون محل التخصيص. ولأن البسملة يبدأ بها كل أمر ذي بال، فإنه يقدر الفعل على حسب ما نبتدئ البسملة، ويرى بعض المفسرين أن يقدر الفعل المحذوف أبتدئ ، لأنه يكون صالحا، لكل أمر ذي بال وشأن، والآخرون قالوا: إنه يقدر في القرآن أتلو أو أقرأ أو أرتل أو نحو ذلك، وبعض العلماء قال: إنها في القرآن الكريم في معنى القسم بأن القرآن حق لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكون على هذا للقسم، ويقدر الفعل بـ أُقسم . والمعنى على ذلك في أول كل سورة اجعل قسمك بالله الرحمن الرحيم أن ما تتلو هو الحق الذي لاريب فيه، فهو الكتاب لَا ريب فيه هدى للمتقين.و (اللَّهِ) هو لفظ الجلالة الدال على أنه وحده له كمال العبودية، واسم الله - قال بعض العلماء إنه المراد فيه الذات العلية فهو اسم يعني المسمى. والمعنى هو القسم بالذات العلية، وقرر بعض العلماء أن الاسم الأعلى هو المقصود بالافتتاح تبركا وتيمنا باسم الذات العلية، ولها المكان الأقدس من العباد تبارك الله، والاسم ذاته يتيمن به ويتبرك، فليس المراد بالاسم الذات؛ لأنها مذكورة، كما قال تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)، وقوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، وهذا ما نميل إليه؛ لأنه لَا يحتاج إلى تحول من المعنى الأصلي لكلمة الاسم إلى غيره، ولأن إطلاق الاسم على المسمى من قبيل المجاز، ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، ولأن قصد الاسم الأسمى ابتداءً يفيد معنيين، وهو تقديس الاسم في كلمة بسم الله، وتقديس المسمى وهو الله سبحانه. ولو أطلق الاسم على المسمى، لكان تقديسا للذات العلية من غير إعالاء للاسم في ذاته، ولا شك أن الأول أبلغ تسبيح لله تعالى لقاء التبرك بذكره، والتيمن به سبحانه وتعالى علوا كبيرا. وكلمة (اللَّهِ) تعالى لَا تطلق إلا على الذات العلية خالق الكون، ومنشئ الوجود على غير مثال سبق، بديع السماوات والأرض. وقالوا: إن أصل كلمة الله: الإله، ثم كان حذف الهمزة، مع تقدير أنها مطوية في الكلام مقدرة فيه. والإله تطلق على المعبود، وتعم المعبود بحق وبغير حق، ولكن كلمة (اللَّهِ) تعالى لا تطلق إلا على المعبود بحق، فيُقال: آلهة المشركين، وآلهة الرومان، وآلهة المصريين، ولا يقال: الله إلا في مقام أنه الخالق المدبر المنشئ المستحق للعبادة؛ ولذلك كانت ألفاظ القرآن الكثيرة في مخاطبة المشركين، على أن الله تعالى معروف بأنه المنشئ، وأنه غير آلهتهم، فكانوا يقولون: الآلهة هبل، واللات، والعزى، ومناة الثالثة؛ يقولون عنها إله وآلهة ولا يقولون عن واحدة منها إنه الله ، لقد قال تعالىعنهم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وكان يحتج عليهم بأنهم يعبدون مع الله آلهة أخرى، وجدل القرآن الكريم لهم لإلزامهم بالتوحيد بأنهم يعترفون بأن الله تعالى خالق السماوات والأرض فهو الجدير وحده بالعبادة، اقرأ قوله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)) ونرى من هذا أن العرب كانوا يعرفون الله سبحانه وتعالى، وأنه الخالق لكل شيء وما كانوا يطلقون كلمة الله إلا على الخالق المدبر المنفرد بالإيجاد والإبداع، وما كانوا يطلقون على آلهتهم كلمة الله، وهذا عُرْف لغتهم ودلالتها. (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هذان وصفان لله تعالى قُرنا في البسملة، وكلاهما يدل على كمال رحمة الله تعالى في ذاته وعلى خلقه، والرحمة رقة في القلب، والله تعالى لَا يتصف بذلك؛ لأن هذا من صفات الحوادث، والله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما يراد من الأوصاف التي يتصف بمثلها العباد غايتها، وثمرتها، وثمرة الرحمة الإنعام الكامل، والنفع ودفع الضر، والرزق، وغفران الذنوب، وكلاءة الله تعالى لهم، والقيام على كل ما يمدهم به بالخير والنعمة.والوصفان اقترنا واجتمعا في البسملة، كما اجتمعا في بسملة كتاب سليمان عليه السلام لبلقيس، إذ قال تعالى: (إِنَّه مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّه بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وهذه بسملة كبسملة أوائل السور، كما اجتمع الوصفان في آيتين أخريين من آيات القرآن، ففي أول سورة فصلت ذكر للقرآن الكريم، وقال سبحانه عن الذكر (تَنزِيلٌ منَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) وجاء في سورة الحشر (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ). ولا شك أن الوصفين من أسماء الله الحسنى وصفاته، ولا شك أن لكل منهما معنًى قائمًا بذاته، منفردًا به عن الآخر. يقول الزمخشري (نقلا عن الزجاج): إن صيغة فَعْلان من الصيغ التي تدل على الامتلاء، كغضبان، وشبعان، وسكران، وجوعان، فإنها تدل على الامتلاء من الفعل الذي اشتُقت منه، فكذلك الرحمن معناها الممتلئ رحمة، ورحيم تدل على الاتصاف بالرحمة التي تليق بذاته العلية من غير امتلاء. ولذلك يقول الزمخشري ومن تبعه في دراساته البيانية للقرآن الكريم: إن الرحمن أبلغ من الرحيم ، وإن كان كلامه تعالى كله فوق الكلام البشرى وما ترى فيه من تفاوت، وإن كان كله في أعلى درجات البيان لَا يساويه بيان للإنسان. وبدراسة اللفظين في القرآن يتبين لنا الفرق بينهما في الاستعمال القرآني السامي في بلاغته إلى ما لَا يتسامى إليه كلام بشر، ولا يدانيه شيءٌ من الكلام الإنساني. وعند الاتجاه إلى استقراء الآيات القرآنية نجد القرآن الكريم جمع بين الوصفين في آيتين غير البسملة وقد ذكرتا، وذكر وصف الرحمن منفردا في نحو ستينموضعًا من كتاب الله العزيز، وكان يذكر ذلك الوصف السامي غير مضاف إلى فعل من الأفعال، ولا واقع على أحد كقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى...)، وكقوله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)، وقوله تعالى: (الرَّحْمَن عَلَّمَ الْقُرْآنَ)، ومثل قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). وهكذا في نحو ستين آية يذكر وصف الرحمن مجردا من الإضافة إلى شيء أو شخص أو فعل كما يذكر الله تعالى، وذكر وصف الرحيم منفردًا عن الرحمن في أكثر من ثلاثين ومائة آية، ونجد أنها مضافة إلى رحمته سبحانه وتعالى بالعباد مثل قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ)، ومثل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ)، ومثل قوله تعالى: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). ومن هذه الموازنات بين استعمال القرآن لكلمة رحمن ، واستعماله لكلمة رحيم ننتهي إلى ما يأتي: أولا: أن وصف الرحمن وصف ذاتي للذات العلية لَا يتعلق بفعل ولا بشخص يذكر، ولكنه وصف لله أو اسم له كلفظ الجلالة، ولكنه يشعرنا بالرحمة، كما أنه لفظ يشعر بالألوهية واستحقاق العبادة؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن كلمة الرحمن اسم لله تعالى، وأما الرحيم فهو وصف لله تعالى يتعلق برحمته بالعباد المكلفين المخاطبين بشريعته، والذين طلب منهم أن يقوموا بحق الله تعالى في إجابة أوامره، واجتناب نواهيه؛ ولذلك يقترن كثيرا بالتوبة والمغفرة.ثانيا: أن الرحمة في الرحمن أكثر من الرحيم ، ولذلك قالوا: إن رحمة الرحمن، هي الرحمة بالوجود كله، فبرحمة الرحمن يرزق الله من في السماوات والأرض، وبرحمته الواسعة ينزل الغيث، ويرسل الرياح، ومهَّد الأرض، وجعل الجبال، وبرحمة الرحمن بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وبرحمة الرحمن جازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). وهكذا كانت رحمة الرحمن شاملة الوجود كله، والرحيم متعلق في رحمته بالمكلفين. ثالثا: أن الرحمن أكثر رحمة لما في الوصف بالرحمة فيه من شمول يشمل الوجود الإنساني كله، ووصف الرحيم خاص بالمكلفين، كما يدل على ذلك سياق اللفظ في القرآن الكريم. ومن هذا الاستقراء والتتبع، واستنباط المعاني لألفاظ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من استعمال القرآن ننتهي إلى أن بيان معاني (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نتلو القرآن مبتدئين تالين لآياته باسمه الأقدس. نتبرك به ونتيمن ونسبح باسمه، وهو الله الإله المتفرد بالخلق والتكوين والتدبير والمتفرد بالعبودية وحده جل جلاله لأنه بديع السماوات والأرض والوجود كله، وهو الرحمن ذو الرحمة الواسعة التي تعم الوجود كله في السماوات والأرض، والدنيا والآخرة، المدبر للوجود برحمته، وهو الرحيم بعباده يغفر لهم ويتوب عليهم، ويشرع لهم من الشرائع ما يكون خيرًا لهم في معادهم ومعاشهم، وهو بكل شيء عليم.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الظلال:
الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
والحمد لله.. لقد منَّ علي بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي. ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدث إلي بهذا القرآن.. أنا العبد القليل الصغير.. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟
وعشت - في ظلال القرآن - أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة.. أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال.. كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال. ولثغة الأطفال.. وأعجب.. ما بال هذا الناس؟! ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل. النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟
عشت أتملى - في ظلال القرآن - ذلك التصور الكلامل الشامل الرفيع النظيف للوجود.. لغاية الوجود كله، وغاية الوجود الإنساني.. وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية، في شرق وغرب، وفي شمال وجنوب.. وأسأل.. كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن، وفي الدرك الهابط، وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتع الزكي، وذلك المرتقى العالي، وذلك النور الوضيء؟
وعشت - في ظلال القرآن - أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله.. ثم أنظر.. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية، والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملى عليها وبين فطرتها التي فطرها الله عليها. وأقول في نفسي: أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم؟ يا حسرة على العباد !
وعشت - في ظلال القرآن - أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود.. أكبر في حقيقته، وأكبر في تعدد جوانبه.. إنه عالم الغيب والشهادة لا عالم الشهادة وحده. وإنه الدنيا والآخرة، لا هذه الدنيا وحدها.. والنشأة الإنسانية ممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول كله إنما هو قسط من ذلك النصيب. وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك. فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع. على أن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هي رحلة في كون حي مأنوس، وعالم صديق ودود. كون ذي روح تتلقى وتستجيب، وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال. . تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده. . أي راحة، وأي سعة وأي أنس، وأي ثقة يفيضها على القلب هذا التصور الشامل الكامل الفسيح الصحيح؟
وعشت - في ظلال القرآن - أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد.. إنه إنسان بنفخة من روح الله: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. . وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض: وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة. . ومسخر له كل ما في الأرض: وسخر لكم ما في الأرض جميعا.. ولأن الإنسان بهذا القدر من الكرامة والسمو جعل الله الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة من النفخة الإلهية الكريمة. جعلها آصرة العقيدة في الله.. فعقيدة المؤمن هي وطنه، وهي قومه، وهي أهله.. ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها، لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج !. .
والمؤمن ذو نسب عريق، ضارب في شعاب الزمان. إنه واحد من ذلك الموكب الكريم، الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف، وموسى وعيسى، ومحمد.. عليهم الصلاة والسلام.. وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. .
هذا الموكب الكريم، الممتد في شعاب الزمان من قديم، يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة، وأزمات متشابهة، وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور، وتغير المكان، وتعدد الأقوام. يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى، والاضطهاد والبغي، والتهديد والتشريد. ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو، مطمئن الضمير، واثقا من نصر الله، متعلقا بالرجاء فيه، متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد: وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا. فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم. ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد. . موقف واحد وتجربة واحدة. وتهديد واحد. ويقين واحد. ووعد واحد للموكب الكريم.. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف. وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد. .
الحياة في ظلال القرآن
وفي ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء، ولا للفلتة العارضة: إنا كل شيء خلقناه بقدر. . وخلق كل شيء فقدره تقديرا. . وكل أمر لحكمة. ولكن حكمة الغيب العميقة قد لا تتكشف للنظرة الإنسانية القصيرة: فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل
الله فيه خيرا كثيرا. . وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون. . والأسباب التي تعارف عليها الناس قد تتبعها آثارها وقد لا تتبعها، والمقدمات التي يراها الناس حتمية قد تعقبها نتائجها وقد لا تعقبها. ذلك أنه ليست الأسباب والمقدمات هي التي تنشئ الآثار والنتائج، وإنما هي الإرادة الطليقة التي تنشئ الآثار والنتائج كما تنشئ الأسباب والمقدمات سواء: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. . وما تشاءون إلا أن يشاء الله. . والمؤمن يأخذ بالأسباب لأنه مأمور بالأخذ بها. والله هو الذي يقدر آثارها ونتائجها.. والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وإلى حكمته وعلمه هو وحده الملاذ الأمين، والنجوة من الهواجس والوساوس: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم. .
ومن ثم عشت - في ظلال القرآن - هادئ النفس، مطمئن السريرة، قرير الضمير.. عشت أرى يد الله في كل حادث وفي كل أمر. عشت في كنف الله وفي رعايته. عشت أستشعر إيجابية صفاته تعالى وفاعليتها.. أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء؟. . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير. . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. . واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. . فعال لما يريد. . ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. إن الله بالغ أمره. . ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها. . أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه. . ومن يهن الله فما له من مكرم. . ومن يضلل الله فما له من هاد. . إن الوجود ليس متروكا لقوانين آلية صماء عمياء. فهناك دائما وراء السنن الإرادة المدبرة، والمشيئة المطلقة.. والله يخلق ما يشاء ويختار. كذلك تعلمت أن يد الله تعمل. ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة، وأنه ليس لنا أن نستعجلها، ولا أن نقترح على الله شيئا. فالمنهج الإلهي - كما يبدو في ظلال القرآن - موضوع ليعمل في كل بيئة، وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية، وفي كل حالة من حالات النفس البشرية الواحدة.. وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض، آخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته، وقوته وضعفه، وحالاته المتغيرة التي تعتريه.. إن ظنه لا يسوء بهذا الكائن فيحتقر دوره في الأرض، أو يهدر قيمته في صورة من صور حياته، سواء وهو فرد أو وهو عضو في جماعة. كذلك هو لا يهيم مع الخيال فيرفع هذا الكائن فوق قدره وفوق طاقته وفوق مهمته التي أنشأه الله لها يوم أنشأه.. ولا يفترض في كلتا الحالتين أن مقومات فطرته سطحية تنشأ بقانون أو تكشط بجرة قلم !.. الإنسان هو هذا الكائن بعينه. بفطرته وميوله واستعداداته يأخذ المنهج الإلهي بيده ليرتفع به إلى أقصى درجات الكمال المقدر له بحسب تكوينه ووظيفته، ويحترم ذاته وفطرته ومقوماته، وهو يقوده في طريق الكمال الصاعد إلى الله.. ومن ثم فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل - الذي يعلمه خالق هذا الإنسان ومنزل هذا القرآن - ومن ثم لم يكن معتسفا ولا عجولا في تحقيق غاياته العليا من هذا المنهج. إن المدى أمامه ممتد فسيح، لا يحده عمر فرد، ولا تستحثه رغبة فان، يخشى أن يعجله الموت عنتحقيق غايته البعيدة، كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد، ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصبرون على الخطو المتزن ! وفي الطريق العسوف التي يسلكونها تقوم المجازر، وتسيل الدماء، وتتحطم القيم، وتضطرب الأمور. ثم يتحطمون هم في النهاية وتتحطم مذاهبهم المصطنعة تحت مطارق الفطرة التي لا تصمد لها المذاهب المعتسفة ! فأما الإسلام فيسير هينا لينا مع الفطرة، يدفعها من هنا، ويردعها من هناك، ويقومها حين تميل، ولكنه لا يكسرها ولا يحطمها. إنه يصبر عليها صبر العارف البصير الواثق من الغاية المرسومة.. والذي لا يتم في هذه الجولة يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو المائة أو الألف.. فالزمن ممتد، والغاية واضحة، والطريق إلى الهدف الكبير طويل، وكما تنبت الشجرة الباسقة وتضرب بجذورها في التربة، وتتطاول فروعها وتتشابك.. كذلك ينبت الإسلام ويمتد في بطء وعلى هينة وفي طمأنينة. ثم يكون دائما ما يريده الله أن يكون.. والزرعة قد تسقى عليها الرمال، وقد يأكل بعضها الدود، وقد يحرقها الظمأ. وقد يغرقها الري. ولكن الزارع البصير يعلم أنها زرعة للبقاء والنماء، وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل، فلا يعتسف ولا يقلق، ولا يحاول إنضاجها بغير وسائل الفطرة الهادئة المتزنة، السمحة الودود.. إنه المنهج الإلهي في الوجود كله.. ولن تجد لسنة الله تبديلا. .
والحق في منهج الله أصيل في بناء هذا الوجود. ليس فلتة عابرة، ولا مصادفة غبر مقصودة.. إن الله سبحانه هو الحق. ومن وجوده تعالى يستمد كل موجود وجوده: ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير. . وقد خلق الله هذا الكون بالحق لا يتلبس بخلقه الباطل: ما خلق الله ذلك إلا بالحق. . ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ! والحق هو قوام هذا الوجود فإذا حاد عنه فسد وهلك: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. . ومن ثم فلا بد للحق أن يظهر، ولا بد للباطل أن يزهق.. ومهما تكن الظواهر غير هذا فإن مصيرها إلى تكشف صريح: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. .
والخير والصلاح والإحسان أصيلة كالحق، باقية بقاءه في الأرض: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبدا رابيا، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع، زبد مثله. كذلك يضرب الله الحق والباطل. فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال. .. ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء. .
أي طمأنينة ينشئها هذا التصور؟ وأي سكينة يفيضها على القلب؟ وأي ثقة في الحق والخير والصلاح؟ وأي قوة واستعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير؟
أثر الحياة في ظلال القرآن
من فترة الحياة - في ظلال القرآن - إلى يقين جازم حاسم.. إنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة.. إلا بالرجوع إلى الله. .
والرجوع إلى الله - كما يتجلى في ظلال القرآن - له صورة واحدة وطريق واحد.. واحد لا سواه.. إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم.. إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها. والتحاكم إليه وحده في شؤونها. وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والارتكاس في الحمأة، والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين. .
إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار، إنما هو الإيمان.. أو.. فلا إيمان.. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. . ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين. .
والأمر إذن جد.. إنه أمر العقيدة من أساسها.. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها. .
إن هذه البشرية - وهي من صنع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. . إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم. . ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه، ولا تسلك في أمر نفسها، وفي أمر إنسانيتها، وفي أمر سعادتها أو شقوتها.. ما تعودت أن تسلكه في أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة.. وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع الجهاز. ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه، فترده إلى المصنع الذي منه خرج، ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب، الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف، الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه وأنشأه: إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟. .
ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة. البشرية المسكينة الحائرة، البشرية التي لن تجد الرشد، ولن تجد الهدى، ولن تجد الراحة، ولن تجد السعادة، إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير، كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير !
ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألم بها من نكبات. .
لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعد ما فسدت الأرض، وأسنت الحياة، وتعفنت القيادات، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة، و ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. .
تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور.. فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته. لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم، كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا، كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور، قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء.. نعم ! لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال، والعظمة والارتفاع، والبساطة واليسر، والواقعية والإيجابية، والتوازن والتناسق. .. بحيث لا يخطر للبشرية على بال، لولا أن الله أراده لها، وحققه في حياتها.. في ظلال القرآن، ومنهج القرآن، وشريعة القرآن.
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة. ونحي الإسلام عن القيادة. نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة. صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان !
إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية. يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى؛ ثم يقولون لها: اختاري !!! اختاري إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة، وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله !!! وهذا خداع لئيم خبيث. فوضع المسألة ليس هكذا أبدا.. إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني. إنما هو منشئ لهذا الإبداع وموجه له الوجهة الصحيحة.. ذلك كي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض. هذا المقام الذي منحه الله له، وأقدره عليه، ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه، وسخر له من القوانين الكونية ما يعينه على تحقيقه، ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع.. على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله، ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام، والتقيد بشرطه في عقد الخلافة، وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله. فأما أولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة، والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى.. فهم سيئو النية، شريرون، يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال، وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح، وأن تؤوب من المتاهة المهلكة وأن تطمئن إلى كنف الله. ..
وهنالك آخرون لا ينقصهم حسن النية، ولكن ينقصهم الوعي الشامل، والإدراك العميق.. هؤلاء يبهرهم ما كشفه الإنسان من القوى والقوانين الطبيعية، وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة. فيفصل ذلك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية، وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة، ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا، وللقيم الإيمانية مجالا آخر، ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غير متأثرة بالقيم الإيمانية، وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا. اتبعوا منهج الله أم خالفوا عنه. حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس !
هذا وهم.. إنه فصل بين نوعين من السنن الإلهية هما في حقيقتهما غير منفصلين. فهذه القيم الإيمانية هي بعض سنن الله في الكون كالقوانين الطبيعية سواء بسواء. ونتائجها مرتبطة ومتداخلة، ولا مبرر للفصل بينهما في حس المؤمن وفي تصوره.. وهذا هو التصور الصحيح الذي ينشئه القرآن في النفس حين تعيش في ظلال القرآن. ينشئه وهو يتحدث عن أهل الكتب السابقة وانحرافهم عنها وأثر هذا الانحراف في نهاية المطاف: ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. وينشئه وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه: فقلت: استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا. . وينشئه وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. .
إن الإيمان بالله، وعبادته على استقامة، وإقرار شريعته في الأرض. .. كلها إنفاذ لسنن الله. وهي سنن ذات فاعلية إيجابية، نابعة من ذات المنبع الذي تنبثق منه سائر السنن الكونية التي نرى آثارها الواقعية بالحس والاختبار.
ولقد تأخذنا في بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الكونية، حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية.. هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق، ولكنها تظهر حتما في نهايته.. وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه. لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية في حياته مع القيم الإيمانية. وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقهما. وظل يهبط ويهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا. .
وفي الطرف الآخر تقف الحضارة المادية اليوم. تقف كالطائر الذي يرف بجناح واحد جبار، بينما جناحه الآخر مهيض، فيرتقي في الإبداع المادي بقدر ما يرتكس في المعنى الإنساني. ويعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية ما يصرخ منه العقلاء هناك.. لولا أنهم لا يهتدون إلى منهج الله وهو وحده العلاج والدواء.
إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون. فإنفاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثر إيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون.. والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير أصلها الكبير. فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم، كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم. وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الكبير وللوجود الإنساني، ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير، ونظافة في الشعور، وضخامة في الاهتمامات، ورفعة في الخلق، واستقامة في السلوك. .. وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه القوانين الطبيعية وما نسميه القيم الإيمانية.. فكلها أطراف من سنة الله الشاملة لهذا الوجود.
والإنسان كذلك قوة من قوى الوجود. وعمله وإرادته، وإيمانه وصلاحه، وعبادته ونشاطه. ... هي كذلك قوى ذات آثار إيجابية في هذا الوجود وهي مرتبطة بسنة الله الشاملة للوجود.. وكلها تعمل متناسقة، وتعطي ثمارها كاملة حين تتجمع وتتناسق، بينما تفسد آثارها وتضطرب وتفسد الحياة معها، وتنتشر الشقوة بين الناس والتعاسة حين تفترق وتتصادم: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. . فالارتباط قائم وثيق بين عمل الإنسان وشعوره وبين ماجريات الأحداث في نطاق السنة الإلهية الشاملة للجميع. ولا يوحي بتمزيق هذا الارتباط، ولا يدعو إلى الإخلال بهذا التناسق، ولا يحول بين الناس وسنة الله الجارية، إلا عدو للبشرية يطاردها دون الهدى، وينبغي لها أن تطارده، وتقصيه من طريقها إلى ربها الكريم. .
هذه بعض الخواطر والانطباعات من فترة الحياة في ظلال القرآن. لعل الله ينفع بها ويهدي. وما تشاءون إلا أن يشاء الله.
{بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ}
مقدمة السورة:
الفاتحة مكية وآياتها سبع
يردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات السبع، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى، وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن، وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا، غير الفرائض والسنن. ولا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله ﷺ من حديث عبادة بن الصامت: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " .
إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجيهات، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها. .
بسم الله الرحمن الرحيم:
تبدأ السورة: (بسم الله الرحمن الرحيم). . ومع الخلاف حول البسملة: أهي آية من كل سورة أم هي آية من القرآن تفتتح بها عند القراءة كل سورة، فإن الأرجح أنها آية من سورة الفاتحة، وبها تحتسب آياتها سبعا. وهناك قول بأن المقصود بقوله تعالى: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم). . هو سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات (من المثاني) لأنها يثنى بها وتكرر في الصلاة.
والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه ﷺ في أول ما نزل من القرآن باتفاق، وهو قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك. . .). . وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن الله (هو الأول والآخر والظاهر والباطن). . فهو - سبحانه - الموجود الحق الذي يستمد منه كل موجود وجوده، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه. فباسمه إذن يكون كل ابتداء. وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه.
ووصفه - سبحانه - في البدء بالرحمن الرحيم، يستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها. . وهو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن. فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم، ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن. ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان. . ومهما يختلف في معنى الصفتين: أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة، فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا تقصيه في هذه الظلال؛ إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها.
وإذا كان البدء باسم الله وما ينطوي عليه من توحيد الله وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي. . فإن استغراق معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي الرحمن الرحيم يمثل الكلية الثانية في هذا التصور، ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد.
مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعُ آياتٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَتُسَمّى أُمَّ القُرْآنِ، لِأنَّها مُفْتَتَحُهُ ومَبْدَؤُهُ فَكَأنَّها أصْلُهُ ومَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ تُسَمّى أساسًا. أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والتَّعَبُّدِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ وبَيانِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ ومَنازِلِ الأشْقِياءِ. وسُورَةُ الكَنْزِ والوافِيَةُ والكافِيَةُ لِذَلِكَ. وسُورَةُ الحَمْدِ والشُّكْرِ والدُّعاءِ. وتَعْلِيمِ المَسْألَةِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها والصَّلاةِ لِوُجُوبِ قِراءَتِها أوِ اسْتِحْبابِها فِيها. والشّافِيَةُ والشِّفاءُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هِيَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ». و «السَّبْعُ المَثانِي» لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِالِاتِّفاقِ، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومِنهم مَن عَكَسَ، وتُثَنّى في الصَّلاةِ، أوِ الإنْزالُ إنْ صَحَّ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، وقَدْ صَحَّ أنَّها مَكِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ وهو مَكِّيٌّ بِالنَّصِّ.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ الفاتِحَةِ، ومِن كُلِّ سُورَةٍ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ مَكَّةَ والكُوفَةِ وفُقَهاؤُهُما وابْنُ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى والشّافِعِيُّ. وخالَفَهم قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشّامِ وفُقَهاؤُها ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ، ولَمْ يَنُصَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِشَيْءٍ فَظُنَّ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ عِنْدَهُ.
وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ عَنْها فَقالَ: ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. ولَنا أحادِيثُ كَثِيرَةٌ: مِنها ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، أُولاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاتِحَةَ وعَدَّ « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» آيَةً» ومِن أجْلِهِما اخْتُلِفَ في أنَّها آيَةٌ بِرَأْسِها أمْ بِما بَعْدَها، والإجْماعُ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والوِفاقُ عَلى إثْباتِها في المَصاحِفِ مَعَ المُبالَغَةِ في تَجْرِيدِ القُرْآنِ حَتّى لَمْ تُكْتَبْ آمِينَ. والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللَّهِ أقْرَأُ لِأنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ مَقْرُوءٌ. وكَذَلِكَ يُضْمَرُ كُلُّ فاعِلٍ ما يَجْعَلُ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ، وذَلِكَ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ أبْدَأُ لِعَدَمِ ما يُطابِقُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ. أوِ ابْتِدائِي لِزِيادَةِ إضْمارٍ فِيهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ هاهُنا أوْقَعُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ لِأنَّهُ أهُمُّ وأدَلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأدْخَلُ في التَّعْظِيمِ وأوْفَقُ لِلْوُجُودِ فَإنَّ اسْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُقَدَّمٌ عَلى القِراءَةِ، كَيْفَ لا وقَدْ جَعَلَ آلَةً لَها مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ لا يَتِمُّ ولا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا ما لَمْ يَصْدُرْ بِاسْمِهِ تَعالى لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ»
، وقِيلَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، والمَعْنى مُتَبَرَّكًا باسِمِ اللَّهِ تَعالى اقْرَأْ، وهَذا وما بَعْدَهُ إلى آخِرِ السُّورَةِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ لِيَعْلَمُوا كَيْفَ يُتَبَرَّكُ بِاسْمِهِ، ويُحْمَدُ عَلى نِعَمِهِ، ويُسْألُ مِن فَضْلِهِ، وإنَّما كُسِرَتْ ومِن حَقِّ الحُرُوفِ المُفْرَدَةِ أنْ تُفْتَحَ، لِاخْتِصاصِها بِاللُّزُومِ الحَرْفِيَّةِ والجَرِّ، كَما كُسِرَتْ لامُ الأمْرِ ولامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى المُظْهَرِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما وبَيْنَ لامِ الِابْتِداءِ، والِاسْمُ عِنْدَ أصْحابِنا البَصْرِيِّينَ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي حُذِفَتْ أعْجازُها لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وبُنِيَتْ أوائِلُها عَلى السُّكُونِ، وأُدْخِلَ عَلَيْها مُبْتَدَأٌ بِها هَمْزَةُ الوَصْلِ، لِأنَّ مِن دَأْبِهِمْ أنْ يَبْتَدِئُوا بِالمُتَحَرِّكِ ويَقِفُوا عَلى السّاكِنِ. ويَشْهَدُ لَهُ تَصْرِيفُهُ عَلى أسْماءٍ وأسامِيَّ وسُمًى وسَمَيْتُ ومَجِيءُ سُمى كَهُدى لُغَةٌ فِيهِ قالَ:
واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا... آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيَثارَكا
والقَلْبُ بَعِيدٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ لِأنَّهُ رِفْعَةٌ لِلْمُسَمّى وشِعارٌ لَهُ. ومِنَ السِّمَةِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأصْلُهُ وسَمَ حُذِفَتِ الواوُ وعُوِّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ لِيَقِلَّ إعْلالُهُ. ورُدَّ بِأنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُعْهَدْ داخِلَةً عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ في كَلامِهِمْ، ومِن لُغاتِهِ سِمٌ وسُمٌ قالَ:بِسْمَ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ
والِاسْمُ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ فَغَيْرُ المُسَمّى، لِأنَّهُ يَتَألَّفُ مِن أصْواتٍ مُتَقَطِّعَةٍ غَيْرِ قارَّةٍ، ويَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ، ويَتَعَدَّدُ تارَةً ويَتَّحِدُ أُخْرى. والمُسَمّى لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ذاتُ الشَّيْءِ فَهو المُسَمّى لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذا المَعْنى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ المُرادُ بِهِ اللَّفْظُ لِأنَّهُ كَما يَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ، يَجِبُ تَنْزِيهُ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لَها عَنِ الرَّفَثِ وسُوءِ الأدَبِ. أوِ الِاسْمُ فِيهِ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما
وَإنْ أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ، كَما هو رَأْيُ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ، انْقَسَمَ انْقِسامَ الصِّفَةِ عِنْدَهُ: إلى ما هو نَفْسُ المُسَمّى، وإلى ما هو غَيْرُهُ، وإلى ما لَيْسَ هو ولا غَيْرَهُ. وإنَّما قالَ: بِسْمِ اللَّهِ ولَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ، لِأنَّ التَّبَرُّكَ والِاسْتِعانَةَ بِذِكْرِ اسْمِهِ. أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ اليَمِينِ والتَّيَمُّنِ. ولَمْ تُكْتَبِ الألِفُ عَلى ما هو وضْعُ الخَطِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وطُوِّلَتِ الباءُ عِوَضًا عَنْها.واللَّهُ أصْلُهُ إلَهٌ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ وعُوِّضَ عَنْها الألِفُ واللّامُ ولِذَلِكَ قِيلَ: يا أللَّهُ، بِالقَطْعِ إلّا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ. والإلَهُ في الأصْلِ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ.
واشْتِقاقُهُ مِن ألَهَ ألَهَةً وأُلُوهَةً وأُلُوهِيَّةً بِمَعْنى عَبَدَ، ومِنهُ تَألَّهَ واسْتَأْلَهَ، وقِيلَ مِن ألِهَ إذا تَحَيَّرَ لِأنَّ العُقُولَ تَتَحَيَّرُ في مَعْرِفَتِهِ. أوْ مِن ألِهْتُ إلى فُلانٍ أيْ سَكَنْتُ إلَيْهِ، لِأنَّ القُلُوبَ تَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ، والأرْواحَ تَسْكُنُ إلى مَعْرِفَتِهِ.
أوْ مِن ألِهَ إذا فَزِعَ مِن أمْرٍ نَزَلَ عَلَيْهِ، وألَهَهُ غَيْرُهُ أجارَهُ إذِ العائِذُ يَفْزَعُ إلَيْهِ وهو يُجِيرُهُ حَقِيقَةً أوْ بِزَعْمِهِ. أوْ مِن ألِهَ الفَصِيلُ إذا ولِعَ بِأُمِّهِ، إذِ العِبادُ يَوْلَعُونَ بِالتَّضَرُّعِ إلَيْهِ في الشَّدائِدِ. أوْ مِن ولِهَ إذا تَحَيَّرَ وتَخَبَّطَ عَقْلُهُ، وكانَ أصْلُهُ وِلاهٌ فَقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً لِاسْتِثْقالِ الكَسْرَةِ عَلَيْها اسْتِثْقالَ الضَّمَّةِ في وُجُوهٍ، فَقِيلَ إلَهٌ كَإعاءٍ وإشاحٍ، ويَرُدُّهُ الجَمْعُ عَلى آلِهَةٍ دُونَ أوْلِهَةٍ. وقِيلَ أصْلُهُ لاهٌ مَصْدَرُ لاهَ يَلِيهُ لَيْهًا ولاهًا، إذا احْتَجَبَ وارْتَفَعَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَحْجُوبٌ عَنْ إدْراكِ الأبْصارِ، ومُرْتَفِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَمّا لا يَلِيقُ بِهِ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
كَحِلْفَةٍ مِن أبِي رَباحٍ... ∗∗∗ يُشْهِدُها لاهَهُ الكُبارُ
وَقِيلَ عَلَمٌ لِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ لِأنَّهُ يُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، ولِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنِ اسْمٍ تَجْرِي عَلَيْهِ صِفاتُهُ ولا يَصْلُحُ لَهُ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سِواهُ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ وصْفًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، تَوْحِيدًا مِثْلَ: لا إلَهَ إلّا الرَّحْمَنُ، فَإنَّهُ لا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ، والأظْهَرُ أنَّهُ وصْفٌ في أصْلِهِ لَكِنَّهُ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ وصارَ لَهُ كالعَلَمِ مِثْلَ: الثُّرَيّا والصَّعِقِ أُجْرِيَ مَجْراهُ في إجْراءِ الأوْصافِ عَلَيْهِ، وامْتِناعِ الوَصْفِ بِهِ، وعَدَمِ تَطَرُّقِ احْتِمالِ الشَّرِكَةِ إلَيْهِ، لِأنَّ ذاتَهُ مِن حَيْثُ هو بِلا اعْتِبارٍ أمْرٌ آخَرُ حَقِيقِيٌّ أوْ غَيْرُهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ لِلْبَشَرِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُدَلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ، ولِأنَّهُ لَوْ دَلَّ عَلى مُجَرَّدِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ لَما أفادَ ظاهِرُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ مَعْنًى صَحِيحًا، ولِأنَّ مَعْنى الِاشْتِقاقِ هو كَوْنُ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُشارِكًا لِلْآخَرِ في المَعْنى والتَّرْكِيبِ، وهو حاصِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأُصُولِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ أصْلُهُ لاها بِالسُّرْيانِيَّةِ فَعُرِّبَ بِحَذْفِ الألِفِ الأخِيرَةِ، وإدْخالِ اللّامِ عَلَيْهِ، وتَفْخِيمِ لامِهِ إذا انْفَتَحَ ما قَبْلَهُ أوِ انْضَمَّ سُنَّةً، وقِيلَ مُطْلَقًا، وحَذْفُ ألِفِهِ لَحْنٌ تُفْسُدُ بِهِ الصَّلاةُ، ولا يَنْعَقِدُ بِهِ صَرِيحُ اليَمِينِ، وقَدْ جاءَ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ:ألا لا بارَكَ اللَّهُ في سُهَيْلٍ... ∗∗∗ إذا ما اللَّهُ بارَكَ في الرِّجالِ
وَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) اسْمانِ بُنِيا لِلْمُبالَغَةِ مِن رَحِمَ، كالغَضْبانِ مِن غَضِبَ، والعَلِيمِ مِن عَلِمَ، والرَّحْمَةُ في اللُّغَةِ: رِقَّةُ القَلْبِ، وانْعِطافٌ يَقْتَضِي التَّفَضُّلَ والإحْسانَ، ومِنهُ الرَّحِمُ لِانْعِطافِها عَلى ما فِيها. وأسْماءُ اللَّهِ تَعالى إنَّما تُؤْخَذُ بِاعْتِبارِ الغاياتِ الَّتِي هي أفْعالٌ دُونَ المَبادِي الَّتِي تَكُونُ انْفِعالاتٍ. و (الرَّحْمَنِ) أبْلَغُ مِنَ (الرَّحِيمِ)، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى كَما في قَطَّعَ وقَطَعَ وكُبّارٍ وكِبارٍ، وذَلِكَ إنَّما يُؤْخَذُ تارَةً بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ، وأُخْرى بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ، فَعَلى الأوَّلِ قِيلَ: يا رَحْمَنَ الدُّنْيا لِأنَّهُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، ورَحِيمَ الآخِرَةِ لِأنَّهُ يَخُصُّ المُؤْمِنَ، وعَلى الثّانِي قِيلَ: يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ورَحِيمَ الدُّنْيا، لِأنَّ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ كُلُّها جِسامٌ، وأمّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَجَلِيلَةٌ وحَقِيرَةٌ، وإنَّما قُدِّمَ والقِياسُ يَقْتَضِي التَّرَقِّيَ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، لِتَقَدُّمِ رَحْمَةِ الدُّنْيا، ولِأنَّهُ صارَ كالعِلْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ لِأنَّ مَعْناهُ المُنْعِمُ الحَقِيقِيُّ البالِغُ في الرَّحْمَةِ غايَتَها، وذَلِكَ لا يَصْدُقُ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّ مَن عَداهُ فَهو مُسْتَعِيضٌ بِلُطْفِهِ وإنْعامِهِ يُرِيدُ بِهِ جَزِيلَ ثَوابٍ أوْ جَمِيلَ ثَناءٍ أوْ مَزِيجَ رِقَّةِ الجِنْسِيَّةِ أوْ حُبَّ المالِ عَنِ القَلْبِ، ثُمَّ إنَّهُ كالواسِطَةِ في ذَلِكَ لِأنَّ ذاتَ النِّعَمِ ووُجُودَها، والقُدْرَةَ عَلى إيصالِها، والدّاعِيَةَ الباعِثَةَ عَلَيْهِ، والتَّمَكُّنَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، والقُوى الَّتِي بِها يَحْصُلُ الِانْتِفاعُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن خَلْقِهِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ غَيْرُهُ. أوْ لِأنَّ الرَّحْمَنَ لَمّا دَلَّ عَلى جَلائِلِ النِّعَمِ وأُصُولِها ذَكَرَ الرَّحِيمَ لِيَتَناوَلَ ما خَرَجَ مِنها، فَيَكُونَ كالتَّتِمَّةِ والرَّدِيفِ لَهُ. أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ.والأظْهَرُ أنَّهُ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وإنَّ حَظَرَ اخْتِصاصِهِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ لَهُ مُؤَنَّثٌ عَلى فُعْلى أوْ فَعْلانَةٍ إلْحاقًا لَهُ بِما هو الغالِبُ في بابِهِ. وإنَّما خَصَّ التَّسْمِيَةَ بِهَذِهِ الأسْماءِ لِيَعْلَمَ العارِفُ أنَّ المُسْتَحَقَّ لِأنْ يُسْتَعانَ بِهِ في مَجامِعِ الأُمُورِ هو المَعْبُودُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي هو مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها عاجِلِها وآجِلِها، جَلِيلِها وحَقِيرِها، فَيَتَوَجَّهُ بِشَراشِرِهِ إلى جَنابِ القُدْسِ، ويَتَمَسَّكُ بِحَبْلِ التَّوْفِيقِ، ويَشْغَلُ سِرَّهُ بِذِكْرِهِ والِاسْتِعْدادِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ.
شرح الكلمات:
البسملة: قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم.
الإسم: لفظ جُعل علامة على مُسَمّى يعرف به ويتميّز عن غيره.
الله: إسم علم على ذات الربّ تبارك وتعالى يُعرف به.
الرحمن: اسم من أسماء الله تعالى مشتق من الرحمة دال على كثرتها فيه تعالى.
الرحيم: إسم وصفة لله تعالى مشتق من الرحمة ومعناه ذو الرحمة بعباده المفيضها عليهم في الدنيا والآخرة.
معنى البسملة:
ابتدىء قراءتي متبركا باسم الله الرحمن الرحيم مستعينا به عز وجل.
حكم البسملة:
مشروع للعبد مطلوبٌ منه أن يُبَسْمِل عند قراءة كل سورة من كتاب الله تعالى الا عند قراءة سورة التوبة فإنه لا يبسمل وان كان في الصلاة المفروضة يبسمل سراً إن كانت الصلاة جهرية.
ويسن للعبد أن يقول باسم الله. عند الأكل والشرب، ولبس الثوب. وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند الركوب. وعند كل أمر ذي بال.
كما يجب عليه أن يقول بسم الله والله أكبر عند الذبح والنحر.
الفاتِحَةُ في الأصْلِ أوَّلُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْتَحَ؛ كالكِتابِ، والثَّوْبِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ تَدْرِيجٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ كالكَلامِ التَّدْرِيجِيِّ حُصُولًا؛ والسُّطُورِ والأوْراقِ التَّدْرِيجِيَّةِ قِراءَةً وعَدًّا؛ والتّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ؛ أوْ هي مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفَتْحِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ؛ إشْعارًا بِأصالَتِهِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ بِالذّاتِ؛ وبِالباقِي بِواسِطَتِهِ؛ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ واسِطَةٌ في تَعَلُّقِهِ بِالباقِي ثانِيًا؛ حَتّى يَرُدَّ أنَّهُ لا يَتَسَنّى في الخاتِمَةِ؛ لِما أنَّ خَتْمَ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ آخِرِهِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ انْقِطاعِ المُلابَسَةِ عَنْ أجْزائِهِ الأُوَلِ؛ بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ الفَتْحَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ فَتْحٌ لَهُ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ وهو بِعَيْنِهِ فَتَحٌ لِلْجُمُوعِ بِواسِطَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ؛ وكَذا الكَلامُ في الخاتِمَةِ؛
فَإنَّ بُلُوغَ آخِرِ الشَّيْءِ يَعْرِضُ لِلْآخِرِ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ ولِلْكُلِّ بِواسِطَتِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَحَقَّقَتْهُ؛ والمُرادُ بِالأوَّلِ ما يَعُمُّ الإضافِيَّ؛ فَلا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّ إطْلاقَ الفاتِحَةِ عَلى السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِتَمامِها؛ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الأوَّلِ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ؛ لا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ عَلى ما عَلَيْهِ اصْطِلاحُ أهْلِ الأُصُولِ؛ ولا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِهَذا الِاسْمِ في أوائِلِ عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ قَبْلَ تَحَصُّلِ المَجْمُوعِ بِنُزُولِ الكُلِّ؛ لِما أنَّ التَّسْمِيَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ؛ أوْ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالإذْنِ؛ فَيَكْفِي فِيها تَحَصُّلُهُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أوْ في اللَّوْحِ؛ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ وأمْلاهُ جِبْرِيلُ عَلى السَّفَرَةِ؛ ثُمَّ كانَ يُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ ما في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ؛ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ؛ لا بِمَعْنى "مِن"؛ كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ؛ لِما عَرَفْتَ أنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ لا جُزْئِيٌّ لَهُ؛ ومَدارُ التَّسْمِيَةِ كَوْنُهُ مَبْدَأً لِلْكِتابِ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ لا في القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ ولا في التَّعْلِيمِ؛ ولا في النُّزُولِ كَما قِيلَ؛ أمّا الأوَّلُ فَبَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى تُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ؛ وأمّا الأخِيرانِ فَلِأنَّ اعْتِبارَ المَبْدَئِيَّةِ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ؛ أوْ مِن حَيْثُ النُّزُولُ يَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والتَّرْتِيبَ النُّزُولِيَّ لَيْسا عَلى نَسَقِ التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ وتُسَمّى أُمَّ القرآن؛ لِكَوْنِها أصْلًا ومَنشَأً لَهُ؛ إمّا لِمَبْدَئِيَّتِها لَهُ؛ وإمّا لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّعَبُّدِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ وبَيانِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ؛ أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ؛ والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ والِاطِّلاعِ عَلى مَعارِجِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ؛ والمُرادُ بِالقرآن هو المُرادُ بِالكِتابِ؛ وتُسَمّى أُمَّ الكِتابِ أيْضًا؛ كَما يُسَمّى بِها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِكَوْنِهِ أصْلًا لِكُلِّ الكائِناتِ؛ والآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى مَعانِيها؛ لِكَوْنِها بَيِّنَةً تُحْمَلُ عَلَيْها المُتَشابِهاتُ؛ ومَناطُ التَّسْمِيَةِ ما ذُكِرَ في أُمِّ القرآن؛ لا ما أوْرَدَهُ الإمامُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن أنَّهُ يُبْدَأُ بِقِراءَتِها في الصَّلاةِ؛ فَإنَّهُ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالتَّسْمِيَةِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وتُسَمّى سُورَةَ الكَنْزِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: « "إنَّها أُنْزِلَتْ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ"؛» أوْ لِما ذُكِرَ في أُمِّ القرآن؛ كَما أنَّهُ الوَجْهُ في تَسْمِيَتِها: "الأساسَ"؛ و"الكافِيَةَ"؛ و"الوافِيَةَ"؛ وتُسَمّى سُورَةَ "الحَمْدِ"؛ و"الشُّكْرِ"؛ و"الدُّعاءِ"؛ و"تَعْلِيمِ المَسْألَةِ"؛ لِاشْتِمالِها عَلَيْها؛ وسُورَةَ "الصَّلاةِ"؛ لِوُجُوبِ قِراءَتِها فِيها؛ وسُورَةَ "الشِّفاءِ"؛ و"الشّافِيَةِ"؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «هِيَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ؛» «وَ"السَّبْعَ المَثانِيَ"؛» لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ تُثَنّى في الصَّلاةِ؛ أوْ لِتَكَرُّرِ نُزُولِها عَلى ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ مَرَّةً بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ؛ وبِالمَدِينَةِ أُخْرى حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ؛ وقَدْ صَحَّ أنَّها مَكِّيَّةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾؛ وهو مَكِّيٌّ بِالنَّصِّ.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في شَأْنِ التَّسْمِيَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ؛ فَقِيلَ: إنَّها لَيْسَتْ مِنَ القرآن أصْلًا؛ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ؛ والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ قُدَماءِ الحَنَفِيَّةِ؛ وعَلَيْهِ قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشّامِ؛ وفُقَهاؤُها؛ وقِيلَ: إنَّها آيَةٌ فَذَّةٌ مِنَ القرآن؛ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ والتَّبَرُّكِ بِها؛ وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ؛ وقِيلَ: هي آيَةٌ تامَّةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ صُدِّرَتْ بِها؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَدْ نُسِبَ إلى ابْنِ عُمَرَ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلاقُ عِبارَةِ ابْنِ الجَوْزِيِّ في "زادِ المَسِيرِ"؛ حَيْثُ قالَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها أُنْزِلَتْ مَعَ كُلِّ سُورَةٍ؛ وهو أيْضًا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ والزُّهْرِيِّ؛ وعَطاءٍ؛ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ؛ وعَلَيْهِ قُرّاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ؛ وفُقَهاؤُهُما؛ وهو القَوْلُ الجَدِيدُ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ ولِذَلِكَ يُجْهَرُ بِها عِنْدَهُ؛ فَلا عِبْرَةَ بِما نُقِلَ عَنِ الجَصّاصِ مِن أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ الشّافِعِيِّ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أحَدٌ؛ وقِيلَ: إنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ؛ مَعَ كَوْنِها قُرْآنًا في سائِرِ السُّوَرِ أيْضًا؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِها جُزْءًا مِنها أوْ لا؛ ولا لِكَوْنِها آيَةً تامَّةً أوْ لا؛ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ عَلى ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ؛ ونُقِلَ عَنِ الخَطابِيِّ أنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وقِيلَ: إنَّها آيَةٌ تامَّةٌ في الفاتِحَةِ؛ وبَعْضٌ في البَواقِي؛ وقِيلَ: بَعْضُ آيَةٍ في الفاتِحَةِ؛ وآيَةٌ تامَّةٌ في البَواقِي؛ وقِيلَ: إنَّها بَعْضُ آيَةٍ في الكُلِّ؛ وقِيلَ: إنَّها آياتٌ مِنَ القرآن مُتَعَدِّدَةٌ بِعَدَدِ السُّوَرِ المُصَدَّرَةِ بِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنها؛ وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مَعْزِيٍّ في الكُتُبِ إلى أحَدٍ؛ وهُناكَ قَوْلٌ آخَرُ؛ ذَكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ؛ ولَمْ يَنْسُبْهُ إلى أحَدٍ؛ وهُوَ: إنَّها آيَةٌ تامَّةٌ في الفاتِحَةِ؛ ولَيْسَتْ بِقُرْآنٍ في سائِرِ السُّوَرِ؛ ولَوْلا اعْتِبارُ كَوْنِها آيَةً تامَّةً لَكانَ ذَلِكَ أحَدَ مَحْمَلَيْ تَرَدُّدِ الشّافِعِيِّ؛ فَإنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّها بَعْضُ آيَةٍ في الفاتِحَةِ؛ وأمّا في غَيْرِها فَقَوْلُهُ فِيها مُتَرَدِّدٌ؛ فَقِيلَ: بَيْنَ أنْ يَكُونَ قُرْآنًا أوْ لا؛ وقِيلَ: بَيْنَ أنْ يَكُونَ آيَةً تامَّةً أوْ لا؛ قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: والصَّحِيحُ مِنَ الشّافِعِيِّ هو التَّرَدُّدُ الثّانِي؛ وعَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ في كَوْنِها آيَةً كامِلَةً؛ وفي كَوْنِها مِنَ الفاتِحَةِ؛ رِوايَتانِ؛ ذَكَرَهُما ابْنُ الجَوْزِيِّ؛ ونُقِلَ أنَّهُ مَعَ مالِكٍ وغَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ مِنَ القرآن؛ هَذا والمَشْهُورُ مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ هي الثَّلاثُ الأُوَلُ؛ والِاتِّفاقُ عَلى إثْباتِها في المَصاحِفِ - مَعَ الإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَقْضِي بِنَفْيِ القَوْلِ الأوَّلِ؛ وثُبُوتِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الأخِيرَيْنِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى خُصُوصِيَّةِ أحَدِهِما؛ فَإنَّ كَوْنَها جُزْءًا مِنَ القرآن لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها جُزْءًا مِن كُلِّ سُورَةٍ مِنهُ؛ كَما لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها آيَةً مُنْفَرِدَةً مِنهُ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّ مَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وأرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ وما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن أنَّهُ ﷺ قالَ: « "فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ؛ أُولاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"؛» وما رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِن «أنَّهُ ﷺ قَرَأ سُورَةَ الفاتِحَةِ؛ وعَدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ؛ آيَةً؛» وإنْ دَلَّ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى نَفْيِ القَوْلِ الثّانِي فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنها نَصًّا في إثْباتِ القَوْلِ الثّالِثِ؛ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى كَوْنِها آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ مُتَعَدِّدَةً بِعَدَدِ السُّوَرِ المُصَدَّرَةِ بِها؛ لا عَلى ما هو المَطْلُوبُ مِن كَوْنِها آيَةً تامَّةً مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها؛ إلّا أنْ يُلْتَجَأ إلى أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَها آيَةً مُتَعَدِّدَةً بِعَدَدِ السُّوَرِ المُصَدَّرَةِ بِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنها؛ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ؛ وأمّا الثّانِي فَساكِتٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِحالِها في بَقِيَّةِ السُّورِ؛ وأمّا الثّالِثُ فَناطِقٌ بِخِلافِهِ مَعَ مُشارَكَتِهِ لِلثّانِي في السُّكُوتِ المَذْكُورِ؛ والباءُ فِيها مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفِعْلُ المُصَدَّرُ بِها؛ كَما أنَّها كَذَلِكَ في تَسْمِيَةِ المُسافِرِ عِنْدَ الحُلُولِ والِارْتِحالِ؛ وتَسْمِيَةِ كُلِّ فاعِلٍ عِنْدَ مُباشَرَةِ الأفْعالِ؛ ومَعْناها الِاسْتِعانَةُ؛ أوِ المُلابَسَةُ؛ تَبَرُّكًا؛ أيْ "بِاسْمِ اللَّهِ أقْرَأُ"؛ أوْ "أتْلُو"؛ وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ؛ والقَصْدِ إلى التَّخْصِيصِ؛ كَما في "إيّاكَ نَعْبُدُ"؛ وتَقْدِيرُ "أبْدَأُ" - لِاقْتِضائِهِ اقْتِصارَ التَّبَرُّكِ عَلى البِدايَةِ - مُخِلٌّ بِما هو المَقْصُودُ؛ أعْنِي شُمُولَ البَرَكَةِ لِلْكُلِّ؛ وادِّعاءُ أنَّ فِيهِ امْتِثالًا بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى مَعًا؛ وفي تَقْدِيرِ "أقْرَأُ" مِن جِهَةِ المَعْنى فَقَطْ؛ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإنَّ مَدارَ الِامْتِثالِ هو البَدْءُ بِالتَّسْمِيَةِ؛ لا تَقْدِيرُ فِعْلِهِ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ في الحَدِيثِ الكَرِيمِ « "كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ"؛» لَمْ يَقُلْ فِيهِ أوْ لَمْ يُضْمِرْ فِيهِ "أبْدَأُ"؛ وهَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ؛ تَلْقِينًا لَهُمْ؛ وإرْشادًا إلى كَيْفِيَّةِ التَّبَرُّكِ بِاسْمِهِ تَعالى؛ وهِدايَةً إلى مِنهاجِ الحَمْدِ وسُؤالِ الفَضْلِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بِما ذُكِرَ مِن تَعْلِيمِ المَسْألَةِ؛ وإنَّما كُسِرَتْ - ومِن حَقِّ الحُرُوفِ المُفْرَدَةِ أنْ تُفْتَحَ - لِاخْتِصاصِها بِلُزُومِ الحَرْفِيَّةِ والجَرِّ؛ كَما كُسِرَتْ لامُ الأمْرِ؛ ولامُ الإضافَةِ - داخِلَةً عَلى المُظْهَرِ - لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما وبَيْنَ لامِ الِابْتِداءِ؛ والِاسْمُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأسْماءِ المَحْذُوفَةِ الأعْجازِ؛ المَبْنِيَّةِ الأوائِلِ عَلى السُّكُونِ؛ قَدْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها عِنْدَ الِابْتِداءِ هَمْزَةٌ؛ لِأنَّ مِن دَأْبِهِمُ البَدْءَ بِالمُتَحَرِّكِ؛ والوَقْفَ عَلى السّاكِنِ؛ ويَشْهَدُ لَهُ تَصْرِيفُهم عَلى "أسْماءٌ" و"سُمِّيَ" و"سُمِّيَتْ"؛ و"سُمًى" - كَـ "هُدًى" - لُغَةٌ فِيهِ؛ قالَ:
واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا
والقَلْبُ بَعِيدٌ؛ غَيْرُ مُطَّرِدٍ؛ واشْتِقاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ لِأنَّهُ رَفْعٌ لِلْمُسَمّى؛ وتَنْوِيهٌ لَهُ؛ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِنَ السِّمَةِ؛ وأصْلُهُ "وَسْمٌ"؛ حُذِفَتِ الواوَ؛ وعَوَّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ؛ لِيَقِلَّ إعْلالُها؛ ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُعْهَدْ داخِلَةً عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ في كَلامِهِمْ؛ ومِن لُغاتِهِمْ "سِمٌ"؛ و"سُمٌ"؛ قالَ:بِاسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ ∗∗∗
وَإنَّما لَمْ يَقُلْ: "بِاللَّهِ"؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ اليَمِينِ؛ والتَّيَمُّنِ؛ أوْ لِتَحْقِيقِ ما هو المَقْصُودُ بِالِاسْتِعانَةِ هَهُنا؛ فَإنَّها تَكُونُ تارَةً بِذاتِهِ (تَعالى) - وحَقِيقَتُها طَلَبُ المَعُونَةِ؛ عَلى إيقاعِ الفِعْلِ وإحْداثِهِ؛ أيْ "إفاضَةُ القُدْرَةِ"؛ المُفَسَّرَةُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ مِن أصْحابِنا بِما يَتَمَكَّنُ بِهِ العَبْدُ مِن أداءِ ما لَزِمَهُ؛ المُنْقَسِمَةُ إلى مُمْكِنَةٍ؛ ومُيَسَّرَةٍ؛ وهي المَطْلُوبَةُ بِـ "إيّاكَ نَسْتَعِينُ" -؛ وتارَةً أُخْرى بِاسْمِهِ - عَزَّ وعَلا - وحَقِيقَتُها طَلَبُ المَعُونَةِ في كَوْنِ الفِعْلِ مُعْتَدًّا بِهِ شَرْعًا؛ فَإنَّهُ ما لَمْ يُصَدَّرْ بِاسْمِهِ (تَعالى) يَكُونُ بِمَنزِلَةِ المَعْدُومِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الِاسْتِعانَتَيْنِ واقِعَةً؛ وجَبَ تَعْيِينُ المُرادِ بِذِكْرِ الِاسْمِ؛ وإلّا فالمُتَبادَرُ مِن قَوْلِنا "بِاللَّهِ"؛ عِنْدَ الإطْلاقِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ الوَصْفِ بِـ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" هي الِاسْتِعانَةُ الأُولى؛ إنْ قِيلَ: فَلْيُحْمَلِ الباءُ عَلى التَّبَرُّكِ؛ ولْيُسْتَغْنَ عَنْ ذِكْرِ الِاسْمِ لِما أنَّ التَّبَرُّكَ لا يَكُونُ إلّا بِهِ؛ قُلْنا: ذاكَ فَرْعُ كَوْنِ المُرادِ بِـ "اللَّهِ" هو الِاسْمُ؛ وهَلِ التَّشاجُرُ إلّا فِيهِ؟! فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ؛ لِيَنْقَطِعَ احْتِمالُ إرادَةِ المُسَمّى؛ ويَتَعَيَّنُ حَمْلُ الباءِ عَلى الِاسْتِعانَةِ الثّانِيَةِ؛ أوِ التَّبَرُّكِ؛ وإنَّما لَمْ يُكْتَبِ الألِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ قالُوا: وطُوِّلَتِ الباءُ عِوَضًا عَنْها.وَ " اللَّهِ "؛ أصْلُهُ "الإلَهُ"؛ فَحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وُجُوبُ الإدْغامِ؛ وتَعْوِيضُ الألِفِ واللّامِ عَنْها؛ حَيْثُ لَزِماهُ وجُرِّدا عَنْ مَعْنى التَّعْرِيفِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: "يالَلَّهُ"؛ بِالقَطْعِ؛ فَإنَّ المَحْذُوفَ القِياسِيَّ في حُكْمِ الثّابِتِ؛ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّدارُكِ بِما ذُكِرَ مِنَ الإدْغامِ والتَّعْوِيضِ؛ وقِيلَ: عَلى قِياسِ تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ؛ فَيَكُونُ الإدْغامُ والتَّعْوِيضُ مِن خَواصِّ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِيَمْتازَ بِذَلِكَ عَمّا عَداهُ امْتِيازَ مُسَمّاهُ عَمّا سِواهُ؛ بِما لا يُوجَدُ فِيهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ؛ و"الإلَهُ" في الأصْلِ اسْمُ جِنْسٍ؛ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ؛ أيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وصْفِ الحَقِّيَّةِ والبُطْلانِ؛ لا مَعَ اعْتِبارِ أحَدِهِما؛ لا بِعَيْنِهِ؛ ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ؛ كالنَّجْمِ؛ والصَّعْقِ؛ وأمّا "اللَّهُ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فَعَلَمٌ مُخْتَصٌّ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ؛ لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ أصْلًا؛ واشْتِقاقُهُ مِن "الإلاهَةُ"؛ و"الأُلُوهَةُ"؛ و"الأُلُوهِيَّةُ"؛ بِمَعْنى العِبادَةِ؛ حَسْبَما نَصَّ عَلَيْهِ الجَوْهَرِيُّ؛ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مِنها بِمَعْنى "المَأْلُوهُ"؛ كَـ "الكِتابُ"؛ بِمَعْنى "المَكْتُوبُ"؛ لا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مِنها؛ بِدَلِيلِ أنَّهُ يُوصَفُ؛ ولا يُوصَفُ بِهِ؛ حَيْثُ يُقالُ: إلَهٌ واحِدٌ؛ ولا يُقالُ: شَيْءٌ إلَهٌ؛ كَما يُقالُ: كِتابٌ مَرْقُومٌ؛ ولا يُقالُ: شَيْءٌ كِتابٌ؛ والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المَوْضُوعَ لَهُ في الصِّفَةِ هو الذّاتُ المُبْهَمَةُ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِها بِمَعْنًى مُعَيَّنٍ؛ وقِيامِهِ بِها؛ فَمَدْلُولُها مُرَكَّبٌ مِن ذاتٍ مُبْهَمَةٍ؛ لَمْ يُلاحَظْ مَعَها خُصُوصِيَّةٌ أصْلًا؛ ومِن مَعْنًى مُعَيَّنٍ قائِمٍ بِها؛ عَلى أنَّ مِلاكَ الأمْرِ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةُ؛ فَبِأيِّ ذاتٍ يَقُومُ ذَلِكَ المَعْنى يَصِحُّ إطْلاقُ الصِّفَةِ عَلَيْها؛ كَما في الأفْعالِ؛ ولِذَلِكَ تَعْمَلُ عَمَلَها كاسْمَيِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ؛ والمَوْضُوعُ لَهُ في الِاسْمِ المَذْكُورِ هو الذّاتُ المُعَيَّنَةُ؛ والمَعْنى الخاصُّ؛ فَمَدْلُولُهُ مُرَكَّبٌ مِن ذَيْنِكَ المَعْنَيَيْنِ مِن غَيْرِ رُجْحانٍ لِلْمَعْنى عَلى الذّاتِ؛ كَما في الصِّفَةِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَها؛ وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن "ألِهَ"؛ بِمَعْنى "تَحَيَّرَ"؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَحارُ في شَأْنِهِ العُقُولُ والأفْهامُ؛ وأمّا "ألَهَ"؛ كَـ "عَبَدَ"؛ وزْنًا ومَعْنًى؛ فَمُشْتَقٌّ مِن "الإلَهُ"؛ المُشْتَقِّ مِن "إلْهٌ"؛ بِالكَسْرِ؛ وكَذا "تَألَّهَ"؛ و"اسْتَأْلَهَ"؛ اشْتِقاقَ "اسْتَنْوَقَ"؛ و"اسْتَحْجَرَ"؛ مِنَ النّاقَةِ؛ والحَجَرِ؛ وقِيلَ: مِن "ألِهَ إلى فُلانٍ"؛ أيْ "سَكَنَ إلَيْهِ"؛ لِاطْمِئْنانِ القُلُوبِ بِذِكْرِهِ تَعالى؛ وسُكُونِ الأرْواحِ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ وقِيلَ: مِن "ألِهَ" إذا فَزِعَ مِن أمْرٍ نَزَلَ بِهِ؛ و"آلَهَهُ غَيْرُهُ"؛ إذا أجارَهُ؛ إذِ العائِذُ بِهِ (تَعالى) يَفْزَعُ إلَيْهِ؛ وهو يُجِيرُهُ حَقِيقَةً؛ أوْ في زَعْمِهِ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "لاهٌ"؛ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن "لاهَ"؛ "يَلِيهُ؛ بِمَعْنى احْتَجَبَ؛ وارْتَفَعَ؛ أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ مُبالَغَةً؛ وقِيلَ: هو اسْمُ عَلَمٍ لِلذّاتِ الجَلِيلِ ابْتِداءً؛ وعَلَيْهِ مَدارُ أمْرِ التَّوْحِيدِ في قَوْلِنا: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"؛ ولا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِذاتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ أصْلًا؛ كافٍ في ذَلِكَ؛ ولا يَقْدَحُ فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ بِطَرِيقِ الغَلَبَةِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ في الأصْلِ؛ وقِيلَ: هو وصْفُ الأصْلِ؛ لَكِنَّهُ لِما غَلَبَ عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ أصْلًا؛ صارَ كالعَلَمِ؛ ويَرُدُّهُ امْتِناعُ الوَصْفِ بِهِ؛ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِالمُنَكَّرِ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ هو المَعْبُودُ بِالحَقِّ؛ فَمَعْناها لا فَرْدَ مِن أفْرادِ المَعْبُودِ بِالحَقِّ إلّا ذَلِكَ المَعْبُودُ بِالحَقِّ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "لاها"؛ بِالسُّرْيانِيَّةِ؛ فَعُرِّبَ بِحَذْفِ الألِفِ الثّانِيَةِ؛ وإدْخالِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ؛ وتَفْخِيمِ لامِهِ إذا لَمْ يَنْكَسِرْ ما قَبْلَهُ سُنَّةً؛ وقِيلَ: مُطْلَقًا؛ وحَذْفُ ألِفِهِ لَحْنٌ؛ تَفْسَدُ بِهِ الصَّلاةُ؛ ولا يَنْعَقِدُ بِهِ صَرِيحُ اليَمِينِ؛ وقَدْ جاءَ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ في قَوْلِهِ:
ألا لا بارَكَ اللَّهُ في سُهَيْلٍ ∗∗∗ إذا ما اللَّهُ بارَكَ في الرِّجالِ
وَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ صِفَتانِ مَبْنِيَّتانِ مِن "رَحِمَ"؛ بَعْدَ جَعْلِهِ لازِمًا بِمَنزِلَةِ الغَرائِزِ؛ بِنَقْلِهِ إلى "رَحُمَ"؛ بِالضَّمِّ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "الرَّحِيمِ" لَيْسَ بِصِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ؛ بَلْ هي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ؛ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ؛ في قَوْلِهِمْ: هو رَحِيمٌ فُلانًا؛ والرَّحْمَةُ في اللُّغَةِ: رِقَّةُ القَلْبِ؛ والِانْعِطافُ؛ ومِنهُ "الرَّحِمُ"؛ لِانْعِطافِها عَلى ما فِيها؛ والمُرادُ هَهُنا: التَّفَضُّلُ؛ والإحْسانُ؛ وإرادَتُهُما؛ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ - بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا - عَلى مُسَبِّبِهِ البَعِيدِ؛ أوِ القَرِيبِ؛ فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ (تَعالى) تُؤْخَذُ بِاعْتِبارِ الغاياتِ الَّتِي هي أفْعالٌ؛ دُونَ المَبادِئِ الَّتِي هي انْفِعالاتٌ؛ والأوَّلُ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ (تَعالى)؛ وإنَّما امْتَنَعَ صَرْفُهُ إلْحاقًا لَهُ بِالأغْلَبِ في بابِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الِاخْتِصاصِ العارِضِ؛ فَإنَّهُ كَما حُظِرَ وُجُودُ "فَعْلى"؛ حُظِرَ وُجُودُ "فَعْلانَةٌ"؛ فاعْتِبارُهُ يُوجِبُ اجْتِماعَ الصَّرْفِ؛ وعَدَمِهِ؛ فَلَزِمَ الرُّجُوعُ إلى أصْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ قَبْلَ الِاخْتِصاصِ بِأنْ تُقاسَ إلى نَظائِرِها مِن بابِ "فَعَلَ يَفْعَلُ"؛ فَإذا كانَ كُلُّها مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ - لِتَحَقُّقِ وُجُودِ "فَعْلى" فِيها - عُلِمَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أيْضًا في أصْلِها مِمّا تَحَقَّقَ فِيها وُجُودُ "فَعْلى"؛ فَتُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ؛ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في "الرَّحِيمِ"؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ورَحِيمَ الدُّنْيا؛ وتَقْدِيمُهُ - مَعَ كَوْنِ القِياسِ تَأْخِيرَهُ - رِعايَةٌ لِأُسْلُوبِ التَّرَقِّي إلى الأعْلى؛ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ عالِمٌ نِحْرِيرٌ؛ وشُجاعٌ باسِلٌ؛ وجَوادٌ فَيّاضٌ؛ لِأنَّهُ بِاخْتِصاصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ صارَ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ قَرِينًا لِلِاسْمِ الجَلِيلِ الخاصِّ بِهِ (تَعالى)؛ ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى جَلائِلِ النِّعَمِ وعَظائِمِها وأُصُولِها أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَقائِقِها وفُرُوعِها؛ وإفْرادُ الوَصْفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ بِالذِّكْرِ لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ.أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق(٣).
وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال.
وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء(٤).
وأما قول النحويين(٥): (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن: إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا(٦) من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به.
ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف(٧).
وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة(٨)، وفي الكاف يقولون: حرف جر(٩).
وهذِه حروف أدوات عاملة(١٠)، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي(١١).
وإنما جرت(١٢) الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف(١٣) والعادة(١٤) والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة(١٥) لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد(١٦)، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء(١٧). ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه الفاعل، فلم يبق إذا غير الجر، فعدلوا إليه ضرورة(١٨) [و](١٩) الجار والمجرور جميعا في موضع نصب(٢٠)، ألا ترى أنهم عطفوا عليه بالنصب(٢١) فقالوا: مررت بزيد ومحمدا، ونظرت إلى عمرو وخالدا، وعلى هذا(٢٢) ما أنشده سيبويه:
مُعَاويَ إِنَّناَ بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالجِبَالِ ولَا الحَدِيدَا(٢٣) عطف الحديد على موضع بالجبال(٢٤)، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا)(٢٥)، تريد(٢٦) بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد](٢٧) الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد)(٢٨).
(وجميع(٢٩) الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و (فائه) و (همزة) الاستفهام و (لام) الابتداء.
فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة(٣٠) في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] إن شاء الله(٣١) ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية(٣٢)، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون اسما في بعض المواضع).
فأما المتعلق به (الباء) في قوله ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله)(٣٣) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره(٣٤).
وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت(٣٥) في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74، 96، الحاقة: 52] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء(٣٦).
ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير(٣٧) الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف(٣٨). هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها في اللفظ، فلأنها(٣٩) للوصل، وقد استغنى عنها بالباء(٤٠).
فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال(٤١) نحويو(٤٢) الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و (الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم)(٤٣)، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به(٤٤).
وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر(٤٥)، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى(٤٦). وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما(٤٧) ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه(٤٨).
وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود(٤٩). وقالوا: أصله سِمْو(٥٠)، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء(٥١) وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا(٥٢)(٥٣)، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر(٥٤) كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي(٥٥) تلزم أبدا(٥٦).
قالوا: و(٥٧) لا يصح مذهب الكوفيين في هذا الحرف، لأنه لا يعرف شيء حذفت منه فاء الفعل، فدخلت عليه ألف الوصل كالعدة والزنة.
وأيضا فلو كان من الوسم لكان تصغيره (وسيما)، كما يقول: (وعيدة) و (وصيلة) في تصغير: صلة وعدة(٥٨).
وأما معنى (الاسم) ففيه مذهبان(٥٩): أحدهما: أنه بمعنى التسمية(٦٠)، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا.
والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى(٦١) كقوله(٦٢) تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد.
وسئل أحمد بن يحيى(٦٣) عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى(٦٤)، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول(٦٥).
وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار(٦٦).
وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن(٦٧).
وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية(٦٨)، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة(٦٩)، وذلك أنك إذا قلت: زيد(٧٠)، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك.
ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب(٧١)، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل)(٧٢) لأنهم أنشدوا: باسم الذي في كل سورة سمه(٧٣)
بالكسر والضم
وقوله(٧٤): أما أصل هذِه الكلمة(٧٥)، فقد حكى أصحاب سيبويه عنه فيه(٧٦) قولين:
أحدهما: قال: كان أصل هذا الاسم إلاها(٧٧)، ففاؤها (همزة)، وعينها (لام)، و (الألف) ألف فعال الزائدة، واللام (هاء)، ثم حذف (الفاء) حذفا لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب)(٧٨) في (الخبء)، و (ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك(٧٩) لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل)(٨٠) إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون(٨١) لم تقلب.
ويدل عليه(٨٢) أيضًا تثبيتهم(٨٣) (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي)(٨٤)، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت(٨٥) كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه(٨٦).
وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد القياس(٨٧)، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في (القسم(٨٨) و (النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي(٨٩).
فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء).
ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء(٩٠).
القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ)(٩١) (اللام) فاء الفعل، و (الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و (الهاء) لام، والذي دلّه(٩٢) على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء)(٩٣) إذا صارت مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه)(٩٤)، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا(٩٥)، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه(٩٦).
فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في(٩٧) القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى(٩٨).
وحكى أبو بكر محمد بن السري(٩٩) أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني(١٠٠) من القولين اللذين ذكرهما سيبويه.
وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل(١٠١)، وابن كيسان(١٠٢) وأبو بكر القفال(١٠٣)، والحسين(١٠٤) بن الفضل(١٠٥) إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري سبحانه وتعالى، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65](١٠٦) وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد(١٠٧).
ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: 127] قال معناه: عبادتك(١٠٨). وقال أبو زيد(١٠٩): تَأله الرجل إذا نسك(١١٠)، وأنشد:
سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ(١١١) مِنْ تَأَلُّهِي(١١٢)
وقد سَمَّت(١١٣) العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و (الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي(١١٤): تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا(١١٥)
وإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا.
وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ [فصلت: 37] [فصلت: 37] الآية(١١٦)، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه)(١١٧) كإزار وآزرة، وإناء وآنية.
قال الله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] وهي أصنام كان يعبدها(١١٨) قوم فرعون معه(١١٩)، وعلى هذا قال قائلهم:
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ(١٢٠) الكُبارُ(١٢١) يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني(١٢٢) من قول سيبويه.
قالوا: وهو(١٢٣) اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له(١٢٤)، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة(١٢٥).
وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي -رحمه الله- قال: أبنا(١٢٦) أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري(١٢٧)، أبنا(١٢٨) أبو الفضل المنذري(١٢٩)، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: 91] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده(١٣٠) خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق(١٣١) ومتعبد، قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح(١٣٢)، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه(١٣٣).
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه(١٣٤).
وتسمى المفازة ميلها.
وقال الأعشى(١٣٥):
وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا(١٣٦) ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته(١٣٧).
وعند متكلمي أصحابنا(١٣٨): أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان(١٣٩).
وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة(١٤٠)؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين.
والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب(١٤١)، والدليل على جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي(١٤٢) في (إزار) و (عِمَاد)، أو تكون عين الفعل.
فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين:
أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه.
فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة(١٤٣)، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ(١٤٤) وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية(١٤٥) في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة(١٤٦)، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها.
والوجه الثاني: (لام)(١٤٧) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست(١٤٨) بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان انقلابها عن الياء(١٤٩) بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك(١٥٠)) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام(١٥١).
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة(١٥٢).
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن(١٥٣) بشار: سألت أبا العباس(١٥٤) لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير(١٥٥): أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ(١٥٦) هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا(١٥٧)
فأنكر عليه بعض الناس(١٥٨)، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر:
أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة(١٥٩) هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا(١٦٠)
فقال(١٦١): إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون "الرحمن" في الجاهلية، الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي ﷺ يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة(١٦٢)، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 60] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ(١٦٣) لقنه(١٦٤) من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت(١٦٥) وزيد بن(١٦٦) عمرو، وورقة بن نوفل(١٦٧)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم.
ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية(١٦٨)، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى(١٦٩) بعده بالرحيم الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم(١٧٠).
والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان(١٧١). قال الليث: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان، اشتقاقهما(١٧٢) من الرحمة(١٧٣).
وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة(١٧٤). وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: 60] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة(١٧٥). وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين(١٧٦).
فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره(١٧٧)؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع(١٧٨) الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين(١٧٩) والألوف).
والجواب: أنه بدئ(١٨٠) بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به(١٨١) إلا الله عز وجل، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع(١٨٢) الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب(١٨٣).
وقال وكيع: الرحيم أشد مبالغة؛ لأنه ينبئ عن رحمته في الدنيا والآخرة ورحمة الرحمانية في الدنيا دون الآخرة(١٨٤).
وقال آخرون: إنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، ولهفان ولهيف، وجيء بهما للتأكيد والإشباع، كقولهم: جادٌّ ومُجِدُّ(١٨٥)، وقول طَرْفَه(١٨٦):
مَتَى أَدْنُ مِنْه يَنْأَ مِنِّي(١٨٧) وَيَبْعُدِ(١٨٨) وقول عدي(١٨٩):
وأَلْفى قَولَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا(١٩٠)
في أمثال لهذا، وروي عن ابن عباس أنه قال. الرحمن الرحيم، اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر(١٩١).
قال الحسين(١٩٢) بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر(١٩٣). يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي(١٩٤) على الرفق مالا يعطي على العنف"(١٩٥)، وسمعت من يقول(١٩٦): معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة.
وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى(١٩٧).
(٢) نقل الواحدي الكلام عن (الباء) من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 122 بالنص في الغالب، وقد يتصرف بالعبارة أحيانا. وللباء معان كثيرة أوصلها المزني إلى واحد وعشرين معنى. انظر: "الحروف" للمزني ص 54، "حروف المعاني" للزجاجي ص 47، 86، 87، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14.
(٣) "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، وفيه (ألصقت محل قدرتك أو ما اتصل بمحل قدرتك به أو بما اتصل به ..). وسمى سيبويه هذا المعنى: إلزاقا واختلاطا "الكتاب" 4/ 217، قال ابن هشام: وهو معنى لا يفارقها، ولهذا لم يذكر سيبويه غيره. "مغني اللبيب" 1/ 101، ولكن نجد سيبويه ذكر معنى الإضافة في "الكتاب" 1/ 421.
(٤) "سر صناعة الإعراب" 1/ 123، انظر: "الكتاب" 1/ 121، "المقتضب" 1/ 177، "مغني اللبيب" 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 14.
(٥) "سر صناعة الإعراب" 1/ 120.
(٦) في (ب): (لتعلموا).
(٧) (اليوم تنساه) جملة يستعملها النحويون تجمع الحروف الزوائد وهي عشرة حروف، والمراد أن (الباء) و (الكاف) ليستا من الحروف الزوائد. انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 120، "التبصرة والتذكرة" للصيمري 2/ 788.
(٨) عند أبي الفتح: (فأما حذاق أصحابنا فلا يسمونها بذلك، يقولون في الباء واللام أنهما حرفا إضافة). "سر صناعة الإعراب" 1/ 121، وهذا قول سيبويه. انظر: "الكتاب" 1/ 421، وانظر: "المقتضب" 1/ 183، 4/ 136 - 143، ووسمها ابن هشام في "مغني اللبيب" بالزيادة 1/ 106.
(٩) انظر: "الكتاب" 4/ 217، "المقتضب" 4/ 140، "مغني اللبيب" 1/ 176 - 179.
(١٠) في (ب): (عاملات).
(١١) قوله: (وهذِه حروف أدوات ..) ليس من كلام أبي الفتح والنص في "سر صناعة الإعراب": (وهذا موضع لابد فيه من ذكر العلة التي لها صارت حروف الإضافة هذِه جارة .. إلى أن قال: إنما جرت الأسماء ..) 1/ 123. وعن عمل حروف الجر، وهل هي حروف أو أسماء؟. انظر: "الكتاب" 1/ 419 - 420، "المقتضب" 4/ 136، "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 408. قال الصيمري في "التبصرة والتذكرة": الحروف تنقسم قسمين: أحدهما يستعمل حرفا وغير حرف، والآخر يكون حرفا لا غير. فأما== ما يستعمل حرفا وغير حرف فنحو (على) و (عن) و (كاف التشبيه) و (منذ) و (مذ) فهذِه تكون حروفا في حال، وأسماء في أخرى .. وأما ما لا يستعمل إلا حرفا في هذا الباب: فالباء الزائدة .. واللام الزائدة .. و (من) و (إلى) و (في) و (رب) و (حتى) إذا كانت غاية. "التبصرة والتذكرة" 1/ 282 - 285.
(١٢) في (ج): (وإنما تدخل جرت).
(١٣) في (ج): (القرن).
(١٤) في (أ)، (ج): (في الاستعمال) وفي "سر صناعة الإعراب" (لضعف هذِه الأفعال في العرف والعاة والاستعمال عن إفضائها إلى هذِه الأسماء ..) 1/ 124.
(١٥) في (ج): (موصولة).
(١٦) في "سر صناعة الإعراب": (نظرت إلى عمرو) 1/ 124.
(١٧) هذا مذهب البصريين في سبب تسميتها حروف جر، أما الكوفيون فيسمونها حروف خفض، قالوا: لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 93.
(١٨) من "سر صناعة الإعراب" 1/ 124، 125، مع اختصار بعض الجمل.
(١٩) الواو ساقطة من (ب).
(٢٠) "سر صناعة الإعراب" 1/ 130، وانظر: "المقتضب" 4/ 33، قال النحاس عند قوله ﴿بسم الله﴾: (موضع الباء وما بعدها عند الفراء نصب، وعند البصريين رفع، وقال الكسائي: الباء لا موضع لها من الإعراب). "إعراب القرآن" 1/ 116، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 4.
(٢١) هذا أحد وجهين ذكرهما أبو الفتح للدلالة على صحة دعوى أن الفعل إذا أوصله حرف جر إلى الاسم، فإن الجار والمجرور في موضع نصب بالفعل الذي قبلهما. "سر صناعة الإعراب" 1/ 130.
(٢٢) (على هذا) مكرر في (ب).
(٢٣) البيت لـ (عقيبة الأسدي) ونسبه بعضهم لعبد الله بن الزبير، ومعنى (أسجح) سهل علينا حتى نصبر، فلسنا بجبال ولا حديد. والبيت من شواهد سيبويه، استشهد به في مواضع من كتابه 1/ 67، 2/ 291، 2/ 344، 3/ 91، وورد في "المقتضب" 2/ 337، 4/ 112، 4/ 371، "جمل الزجاجي" ص 54، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "مغني اللبيب" 2/ 477، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 440، "الإنصاف" ص 284، "شرح المفصل" 2/ 109، 4/ 9. والشاهد فيه: نصب الحديد، وعطفه على موضع الباء، وقد أنكر بعضهم على سيبويه استشهاده بالبيت، ورووه مجرورًا، ورد ذلك السيرافي وقال: إن البيت جاء بروايتين.
انظر: "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 22، 300، "الخزانة" 2/ 260 - 264.
(٢٤) في (ب): (الجبال).
(٢٥) انظر: "الكتاب" 1/ 92، والنص من "سر صناعة الإعراب" 1/ 131.
(٢٦) في "سر صناعة الإعراب" (يريد) وهذا أقرب، فأبو الفتح يقول: يريد سيبويه.
(٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢٨) بنصه من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144.
(٢٩) بنصه عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 144.
(٣٠) قال الثعلبي العلة في كسرها أن (الباء) حرف ناقص ممال، والإمالة من دلائل الكسرة. "تفسير الثعلبي" 1/ 15.
(٣١) في "سر صناعة الإعراب" وسنذكر العلة في كسر (اللام) في موضعها ... ، 1/ 144، وقد تكلم الواحدي عن العلة في كسر (اللام) عند الكلام عن اللام الجارة في لفظ الجلالة في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ونقل في ذلك عن أبي الفتح ابن جني.
(٣٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 116، "تفسير الثعلبي" 1/ 15/ ب، "المشكل" لمكي 1/ 5، "الكشاف" 1/ 23.
(٣٣) في (ب): (إعراب باسم بالله).
(٣٤) قال الطبري: أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: (بسم الله)، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. ومفهوم أنه مريد بذلك: (أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم). "تفسير الطبري" 1/ 50، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "الوسيط" للواحدي 1/ 14، "الكشاف" 1/ 26، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 26 (رسالة دكتوراه).
(٣٥) في (ب): (وقفت).
(٣٦) أخذه عن "معاني القرآن" للفراء، مع اختلاف يسير في اللفظ ص 36، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3.
(٣٧) في (ص): (لغير).
(٣٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 2، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 3، "المشكل" لمكي 1/ 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 35.
(٣٩) في (ب): (ولا منها).
(٤٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147، "إعراب القرآن" للنحاس 117.
(٤١) في (ب): (فقالوا).
(٤٢) (نحويو) مكانها بياض في (ب).
(٤٣) حذفت فاؤه اعتلالا على غير قياس، والأصل في اسم (وسم) فحذفت الفاء التي هي (الواو) من (وسم). انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 4، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 32، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.
(٤٤) انظر: "تهذيب اللغة"، وفيه (الاسم رسم وسمة ..)، (سما) 2/ 1748، "اللسان" (سما) 4/ 2109، "الإنصاف" ص 4.
(٤٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "تهذيب اللغة" للأزهري (سما) 2/ 1748، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 255، "الإنصاف" ص 5، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الكشاف" 1/ 34، 35، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.
(٤٦) هذا قول الزجاج، وفيه إشارة إلى أن الاسم هو المسمى، انظر: "معاني القرآن" 1/ 2، "الإنصاف" ص 5.
(٤٧) في (ب): (عما).
(٤٨) انظر: "الإيضاح في علل النحو" ص 49، "الإنصاف" ص 6.
(٤٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 16/ ب.
(٥٠) أو (سمو) بالضم. انظر: "المقتضب" 1/ 229، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 6.
(٥١) في (ب): (فتو أفتاء).
(٥٢) في (ب): (استقلالا).
(٥٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255، "المنصف" 1/ 60.
(٥٤) في (ب): (تكن).
(٥٥) في (ب): (الذي).
(٥٦) انظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 256، 257، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 117، "الكشاف" 1/ 34، قال الزمخشري: (ومنهم من لم يزدها، أي: الألف، واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: (سم) و (سم).
(٥٧) (الواو) ساقطة من (ج).
(٥٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2، "اشتقاق أسماء الله" ص 255 - 257، "المخصص" 17/ 134، "تفسير ابن عطية" 1/ 84، "الإنصاف" لابن الأنباري وقد ذكر خمسة وجوه في (بيان فساد مذهب الكوفيين) ص 4، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747.
(٥٩) ذكر الرازي وابن كثير فيه ثلاثة مذاهب وهي:
1 - الاسم نفس المسمى وغير التسمية.
2 - الاسم غير المسمى ونفس التسمية.
3 - الاسم غير المسمى وغير التسمية. "التفسير الكبير" للرازي 1/ 108، "تفسير ابن كثير" 1/ 20، وقد كثر الخوض في هذِه المسألة، وجعل بعضهم كثرة الحديث فيها من باب العبث الذي لا طائل تحته. انظر: "تفسير الرازي" 1/ 109.
قال الطبري: (وليس هذا هو الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له؟ فنطيل الكتابة، وإنما هذا موضع من مواضع الإنابة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟ ..) ثم أخذ ابن جرير يرد على أبي عبيدة قوله: إن الاسم هو المسمى بتقريع مرير. وقد علق الأستاذ (محمود شاكر) على كلام الطبري بكلام جيد. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 188 - 122. (تحقيق محمود شاكر) كما تكلم عن هذا ابن عطية في تفسير "المحرر الوجيز" 1/ 85. وقد أوضح العلامة ابن أبي العز في شرح "العقيدة الطحاوية" المنهج الصحيح في هذا حيث قال: قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى== نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال ..)، "شرح الطحاوية" ص 82. وقد ذكر ابن عطية في "تفسيره" أن مالكا رحمه الله سئل عن الاسم أهو المسمى؟ فقال: ليس به ولا غيره، قال ابن عطية: يريد دائما في كل موضع 1/ 89.
(٦٠) قال الرازي: قالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية، 1/ 108، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 20.
(٦١) وبه أخذ شيخه الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ، وقرره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 16، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 2. وقد رد الطبري هذا القول كما سبق، كما رد عليه ابن جني في كتابه "الخصائص" حيث أبان في (باب في إضافة الاسم إلى المسمى، والمسمى إلى الاسم) قال: (فيه دليل نحوي غير مدفوع يدل على فساد قول من ذهب إلى أن الاسم هو المسمى). "الخصائص" 3/ 24، والصحيح هنا أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر، كما سبق في بيان كلام ابن أبي العز في "شرح الطحاولة".
(٦٢) في (ب): (لقوله).
(٦٣) المعروف بـ (ثعلب).
(٦٤) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 16.
(٦٥) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "اللسان" 4/ 2107.
(٦٦) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 1/ 16/ أ.
(٦٧) ذلك أن قولك (بالله) يمين، وقولك: (باسم الله) تيمن. انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 16/ أ.
(٦٨) سبق قريبًا اختيار الواحدي أن الاسم هو المسمى وليس بمعنى التسمية.
(٦٩) قال ابن سيده في "المخصص": (والاسم كلمة تدل على المسمى دلالة الإشارة دون الإفادة .. الخ بنصه) 17/ 134. والإشارة عند الأصوليين: دلالة اللفظ على المعنى من غير سياق الكلام له مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] ففي قوله ﴿له﴾ إشارة إلى أن النسب للأب. انظر: "التعريفات" للجرجاني ص 27، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي 1/ 750.
(٧٠) في (ب): (زيدًا).
(٧١) في "المخصص" بعد هذا الكلام: (.. فأما الأول -يريد دلالة الإشارة- فإنما الغرض فيه أن تشير إليه ليتنبه عليه ..) 17/ 134.
(٧٢) انظر: "المقتضب" 1/ 229، "المخصص" 17/ 135.
(٧٣) أنشده أبو زيد. قال: قال رجل زعموا أنه من كلب:
أَرْسَلَ فِيَهِا بَازِلا يُقرِّمه ... وَهْو بِهَا يَنْحو طَرِيقًا يَعْلَمْه
باسم الذي في كل سورة سِمُهْ
"نوادر أبي زيد" ص 461، 462.
ومعنى الرجز: يقول أرسل الراعي في الإبل للضراب بعيرا في التاسعة من عمره محجوزًا عن العمل ليقوى على الضِرَاب، أرسله باسم الله الذي يُذكر اسمه في كل سورة. ورد البيت في "المقتضب" 1/ 229، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1، "تهذيب اللغة" (سما) 2/ 1747، "المنصف" 1/ 16، "المخصص" 17/ 135، "الإنصاف" 1/ 12، "اللسان" (سما) 4/ 2107.
(٧٤) أي: قول الله عز وجل.
(٧٥) تكلم أبو علىِ الفارسي عن أصل لفظ الجلالة (الله) وأطال في كتابه "الإغفال" متعقبا الزجاج فيما ذكره في "معاني القرآن" ونقل عنه الواحدي ذلك مع تصرف يسير في العبارة، ولم يعزه له، ونقل كلام أبي علي ابن سيده في "المخصص" وعزاه له. "الإغفال" ص 4 - 49 (محقق رسالة ماجستير)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 5، "المخصص" 17/ 136 - 151.
(٧٦) في "الإغفال" ص 11: فقد حمله سيبويه على ضربين، "المخصص" 17/ 138، وذكر الزجاج فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه غير مشتق، وعن الخليل: أن أصله (ولاه) من الوله والتحير، وقولان مثل قولي سيبويه. "اشتقاق أسماء الله" ص 23.
(٧٧) "الكتاب" 2/ 195.
(٧٨) في (ب)، (ج): (بالحاء) المهملة في الموضعين. و (الخبء) ما خبِّئ، سمي بالمصدر، انظر: "اللسان" (خبأ) 2/ 1085.
(٧٩) أي: على التخفيف القياسي، اختصر الواحدي كلام الفارسي، حيث افترض أن سائلا يسأل لماذا كان على هذا التقدير؟ ولم يكن على التخفيف، فأجاب عنه بما محصله ما ذكر. انظر: "الإغفال" ص 11.
(٨٠) (الجَيْأَل) الضبع. انظر: "معجم مقاييس اللغة" (جيل) 1/ 499.
(٨١) أي على نية بقائها ساكنة كما كانت قبل التخفيف (جَيْأَل).
(٨٢) ترك بعض حجج الفارسي. انظر: "الإغفال" ص 12.
(٨٣) في "المخصص" (تبينهم) 17/ 138.
(٨٤) في (ج): (بدون همز).
(٨٥) في (ب): (أودعت).
(٨٦) في (ب): (ربابه) وباب مَرْمِي هو كل كلمة التقت فيها الواو والياء والأولى منهما ساكنة، تقلب فيها (الواو) (ياء) وتدغم في (الياء). انظر: "أوضح المسالك" ص 310.
(٨٧) أورد كلام أبي علي مختصرا. انظر: "الإغفال" ص 12، 13.
(٨٨) في (ج): (القيم).
(٨٩) انظر: "الكتاب" 2/ 195.
(٩٠) قوله: (ألا ترى .. إلى شيء) ورد في "الإغفال" في موضع آخر بعيدا عما قبله. وانظر: "الإغفال" ص 35، "المخصص" 17/ 146.
(٩١) "الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "اشتقاق أسماء الله" ص 27.
(٩٢) أي سيبويه فهذا قوله الثاني، قال في "الإغفال": (فأما القول الآخر الذي قاله سيبويه في اسم الله تعالى فهو أن الاسم أصله (لاه) .. والذي دله على ذلك أن بعضهم يقول: (لَهْيَ أبوك)، ... "الإغفال" ص 26، وانظر: "الكتاب" 3/ 498.
(٩٣) في (ج): (الاها).
(٩٤) قوله (لاه) زيادة ليست في "الإغفال" ولا في "الكتاب".
(٩٥) مبنية على الفتح، انظر: "المسائل الحلبيات" ص 103.
(٩٦) انتهى كلام سيبويه، "الكتاب" 3/ 498، "الإغفال" ص 26، "المخصص" 17/ 143، "المسائل الحلبيات" للفارسي ص101، "المسائل البصريات" للفارسي 2/ 909.
(٩٧) في (ب): (من).
(٩٨) انظر بقية كلام أبي علي الفارسي في "الإغفال" ص 26 وما بعدها.
(٩٩) في "الإغفال" (أبو بكر بن السراج) ص 34، وفي "المخصص" (أبو بكر) 17/ 145. وابن السراج: هو أبو بكر محمد بن السري بن السراج النحوي.
(١٠٠) في (ب): (الأول) ولم يرد لفظ (الأول) أو (الثاني) في "الإغفال" وإنما فيه (اختار في هذا الاسم أن يكون أصله لاها ....) وهذا هو القول الثاني لسببويه. "الإغفال" ص 34، "المخصص" 17/ 145، وقد أورد المبرد في "المقتضب" القول الأول لسيبويه 4/ 240، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 25، "الخزانة" 2/ 266، 267.
(١٠١) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، البصري، صاحب العربية والعروض (100 - 175 هـ). انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" 3/ 300، "طبقات النحويين == واللغويين" للزبيدي ص 47، "إنباه الرواة" 1/ 376، "وفيات الأعيان" 2/ 244، ومقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 32، "إشارة التعيين" ص 114.
(١٠٢) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن كيسان، النحوي، كان يجمع بين المذهبين البصري والكوفي، وإلى مذهب البصريين أميل، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
انظر ترجمته في "طبقات النحويين" للزبيدي ص 139، "تاريخ بغداد" 1/ 335، "إنباه الرواة" 3/ 57.
(١٠٣) هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفال، أحد أعلام المذهب الشافعي، يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام، توفي سنة خمس وستين وثلاثمائة على الصحيح.
انظر ترجمته في "الأنساب" 7/ 244، "وفيات الأعيان" 4/ 200، "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة 1/ 148.
(١٠٤) في (ب): (الحسن).
(١٠٥) الحسين بن الفضل، هو أبو علي الحسين بن الفضل بن عمير البجَلِي الكوفي ثم النيسابوري، المفسر، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
انظر ترجمته في: "العبر" 1/ 406، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 159.
(١٠٦) انظر: "تفسير أسماء الله" للزجاجي، وانظر: "اشتقاق اسماء الله" للزجاجي: ص 28 "تفسير الثعلبي" 1/ 18 أ "الزينة" 2/ 12.
(١٠٧) انظر: "الإغفال" ص 5، "المخصص" 17/ 136، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "تفسير أسماء الله" ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 3023، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 189.
(١٠٨) أخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد، من طرق، 1/ 84، 9/ 25 - 26، وذكره ابن خالويه في "الشواذ" ص 50، وابن جني في "المحتسب" وعزاه كذلك إلى علي وابن مسعود وأنس بن مالك وعلقمة الجحدري والتيمي وأبي طالوت وأبي رجاء، 1/ 256، والفارسي في "الإغفال" ص 5، وانظر: "المخصص" 17/ 136، "تفسير الماوردي" 2/ 248، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "البحر" 4/ 367.
(١٠٩) هو سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الأنصاري، صاحب النحو واللغة، مات سنة خمس عشرة ومائتين.
انظر ترجمته في مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 34 - 35، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "طبقات النحويين واللغويين" ص 165، "إنباه الرواة" 2/ 30.
(١١٠) "الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136.
(١١١) في (ج): (استرحبن).
(١١٢) البيت لرؤبة وقبله: لله دَرُّ الغَانِيَاتِ المُدَّهِ.
(المُدَّه) جمع مَادِه، بمعنى المادح، يقول: إن هؤلاء سبحن: وقلن إنا لله وإنا إليه راجعون، يقلنها حسرة كيف تنسك وهجر الدنيا.
ورد البيت في "الطبري" 1/ 54، "الإغفال" ص 6، "المخصص" 17/ 136، "المحتسب" 1/ 256، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 26، "اشتقاق أسماء الله" ص 24، "التهذيب" (الله) 1/ 189، "شرح المفصل" 1/ 3، "زاد المسير" 1/ 9، وابن عطية 1/ 57، "تفسير الثعلبي" 1/ 18/ أ، "ديوان رؤبة" ص 165.
(١١٣) في (ج): (سمعت).
(١١٤) نسبه الطبري لبنت عتيبة 9/ 26، ونسبه بعضهم لـ (مية) وهو اسمها وكذا (أم البنين) وقيل: لنائحة عتيبة، والأقرب أنه لبنت عتيبة ترثي أباها حين قتله (بنو أسد) يوم (خَوّ) مع أبيات أخرى ذكرها في "معجم البلدان" 5/ 18.
(١١٥) (اللعباء) مكان بين الربذة وأرض بني سليم، وقيل: غير ذلك، وقوله: (أرضا) يروى (عصرا) ويروى (قصرا) أي: عشيا. ورد البيت في الطبري 9/ 26، "الإغفال" ص 8، 9، "المخصص" 17/ 137، "تهذيب اللغة" (الله) 1/ 190، "معجم ما استعجم" 4/ 1156، "معجم البلدان" 5/ 18، "تفسير الثعلبي" 1/ 18 ب، "المحتسب" 2/ 123، "اللسان" (لعب) 7/ 4041.
(١١٦) انظر: "الإغفال" ص 9.
(١١٧) في (ب): (الإله).
(١١٨) في (ب): (كانوا يعبدوها).
(١١٩) انظر: "الإغفال" ص 10، 11، "تهذيب اللغة" 1/ 190.
(١٢٠) في (ب): (لأهه)
(١٢١) من قصيدة للأعشى، قالها فيما كان بينه وبين بني جحدر، و (أبو رياح) رجل من بني ضبيعة، قتل جارا لبني سعد بن ثعلبة، فسألوه الدية، فحلف لا يفعل، ثم قُتِل بعد حلفته، و (لاهه): الهه، (الكبار): العظيم، ويروى (بحلفة) ويروى (كدعوة).
انظر: "ديوان الأعشى" ص 72، "الجمهرة" 1/ 327، "اشتقاق أسماء الله" ص 27، "تفسير الثعلبي" 1/ 17 ب، "الزينة" 2/ 18، "معاني القرآن" للفراء 1/ 207، والقرطبي 4/ 53، "اللسان" (أله) 1/ 116، و (لوه) 7/ 4107، "شرح المفصل" 1/ 3، "الخزانة" 7/ 176.
(١٢٢) وهو أن أصل (الله): (لاه).
(١٢٣) في (ب): (وهم).
(١٢٤) بنصه في "الإغفال" ص 6، "المخصص" عن "الإغفال" 17/ 136.
(١٢٥) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 189، "معجم مقاييس اللغة" (أله) 1/ 127، "الصحاح" (أله) 6/ 2223، "اللسان" (أله) 1/ 114.
(١٢٦) (أبنا) ساقط من (ج).
(١٢٧) صاحب "تهذيب اللغة" سبقت ترجمته.
(١٢٨) في (ج): (أن).
(١٢٩) هو محمد بن أبي جعفر المنذري اللغوي (أبو الفضل) يروي عن أبي العباس ثعلب، وأبي الهيثم الرازي، روى عنه الأزهري كثيرًا. انظر مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 30، 41، "اللباب" 3/ 262.
(١٣٠) في (ب): (لعباده).
(١٣١) في (ب): (وهو مخلوق).
(١٣٢) يقال ليس دونه وِجاح، ووَجاح، ووُجاح، وأجاح، إجاح: أي: ستر "اللسان" (وجح) 8/ 4769.
(١٣٣) كلام أبي الهيثم ورد في "التهذيب" ضمن كلام طويل له قال الأزهري: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم الله في اللغة فقال ..) ثم ذكره، "التهذيب" (الله والإله) 1/ 189، وانظر: "اللسان" (أله) 1/ 114.
(١٣٤) ذكره الثعلبي 1/ 18 أ.
(١٣٥) هو أبو بَصير، ميمون بن قيس، من فحول شعراء الجاهلية، ويدعى (الأعشى الكبير) تمييزًا له عن غيره ممن سمي (الأعشى)، أدرك الإسلام آخر عمره، وعزم على الدخول فيه، فصدته قريش في قصة مشهورة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 154، "معاهد التنصيص" 1/ 196، "خزانة الأدب" 1/ 175.
(١٣٦) في (ج): (برائكا). البيت في وصف صحراء مطموسة المعالم، (ترائكا) متروكة، ورواية الشطر الأول في الديوان: وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَخْرُجْ العَيْنَ وَسْطَهَا. وعليه فلا شاهد في البيت هنا. (الديوان) ص 130، والثعلبي بعد أن ذكر قول أبي عمرو ابن العلاء استشهد بقول زهير: == وَبَيْدَاء تِيهٍ تَألْهُ العَيْنُ وَسْطَهَا ... مُخَفَّقةٍ غَبْرَاءَ صَرْمَاءَ سَمْلَقِ
الثعلبي 1/ 18 أ، وكذا في "الزينة" 2/ 19.
(١٣٧) الثعلبي 1/ 18 ب، وانظر: "الزينة" 2/ 19.
(١٣٨) هم المتكلمون من الأشاعرة، الذين تكلموا في العقائد بالطرق العقلية. انظر: "درء تعارض العقل والنقل" 1/ 28، 38، "الرسالة التدمرية" لابن تيمية ص 147.
(١٣٩) هذا التفسير لمعنى الإلَهية هو منهج المتكلمين، وعند أهل السنة هو المستحق للعبادة. قال ابن تيمية: (وليس المراد بـ) بالإله (هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين .. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبده فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله ..)، "الرسالة التدمرية" ص 186.
(١٤٠) مرَّ كلام أبي الهيثم قريبا، وليس فيه دليل على أن الإلهية: القدرة على الاختراع، بل يدل على المعنى الثاني وهو أن الإلهية؛ استحقاق العبادة، وقوله: (لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم ..). ليس من كلام أبي الهيثم، انظر: "تهذيب اللغة" أله 1/ 189.
(١٤١) الكلام عن إمالة (الألف) من لفظ الجلالة نقله عن أبي علي الفارسي من "الإغفال" ص 46، قال الفارسي: (فأما الإمالة في الألف من اسم الله تعالى فجائزة في قياس العربية، والدليل على جوازها ..). ونقل ابن سيده كلام الفارسي. "المخصص" 17/ 150. ومعنى الإمالة: هو تقريب الألف نحو الياء والفتحة التي قبلها نحو الكسرة وهناك ثلاث علل للإمالة: هي الكسرة، وما أميل ليدل بالإمالة على أصله، والإمالة لإمالة بعده.
انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 168، 170.
(١٤٢) في (جـ): (كالذي).
(١٤٣) في (أ)، (ج): (الإمالة) وما في (ب) موافق لـ"الإغفال" ص 47.
(١٤٤) في (أ)، (ب)، (ج): (صاد) بالصاد، وصححت الكلمة على ما ورد في "الإغفال" ص 48، "المخصص" 17/ 150، ووردت كذلك عند سيبويه (جاد وماد) 7/ 132، ولا تصح بالصاد؛ لأن الإمالة تمنع بعد (الصاد) لأنه حرف مستعمل. انظر: "الكتاب" 4/ 128.
(١٤٥) في (ب): (المنونة).
(١٤٦) حكى كلام الفارسي بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص 48، "الكتاب" 4/ 122، 132، "المخصص" 17/ 150.
(١٤٧) في "الإغفال" (وتجوز إمالتها من جهة أخرى، وهي أن لام الفعل منجرة ..) ص 48.
(١٤٨) في (ب): (ليس).
(١٤٩) في (ب): (الباء) وكذا قوله: (وظهور الباء).
(١٥٠) مرت هذِه الصيغة قريبا وهي بمعنى (لله أبوك) انظر ص 252.
(١٥١) انتهى عن "الإغفال" لأبي علي الفارسي، وقال بعده: (فإن ثبتت بها قراءة فهذِه جهة جوازها) ص 49، وانظر: "المخصص" 17/ 151.
(١٥٢) الرحمة صفة من صفات الله تعالى، نثبتها له تعالى، كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين، ولا نؤولها بإرادة الخير كما فعل الواحدي هنا.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 58 - 59، (الرسالة التدمرية) لابن تيمية ص 23، 30.
(١٥٣) هو أبو بكر بن الأنباري، سبقت ترجمته عند الحديث عن مصادر الواحدي.
(١٥٤) هو أبو العباس ثعلب كما صرح بذلك الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وانظر: "الزاهر" 1/ 153، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "الزينة" 2/ 25، "الاشتقاق" لابن دريد ص 58، ووهم القرطبي فقال: زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" 1/ 104، وإنما هو ثعلب كما سبق وليس أبا العباس المبرد.
(١٥٥) هو أبو حَرْزَة، جرير بن عطية بن حذيفة من بني كليب بن يربوع، أحد فحول الشعراء في صدر الإسلام، توفي سنة عشر ومائة. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 304، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 297، "الخزانة" 1/ 75.
(١٥٦) في (ج): (القيز).
(١٥٧) البيت من قصيدة له يهجو فيها الأخطل وهو نصراني، فحكى في البيت قول النصارى، ولهذا نصب (رحمن): (قربانا) أي قائلين ذلك، ويروى البيت (هل تتركن)، (مسحكم) وفي "الزينة" (رخمن) بالمعجمة وهو بمعنى: الحاء. انظر: "الزينة" 2/ 25، "الزاهر" 1/ 153، "اشتقاق أسماء الله" ص 43، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "تفسير الماوردي" 1/ 52 "تفسير القرطبي" 1/ 91، "اللسان" (رحم) 3/ 1612.
(١٥٨) ممن أنكر ذلك الطبري في "تفسيره" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف (الرحمن) ولم يكن ذلك في لغتها ...) 1/ 57، والزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 42، وابن سيده في "المخصص" 17/ 151 وغيرهم.
(١٥٩) في (ب): (الفتاو).
(١٦٠) لم يعرف له قائل وقد ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 58، وابن سيده في "المخصص" 17/ 152، وقال محمد محمود التركزي الشنقيطي في تعليقه على "المخصص": إن البيت من صنع بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم. ورد عليه ذلك محمود شاكر في حاشيته على الطبري 1/ 131، وذكره ابن دريد في "الاشتقاق"، وقال: (وقد روي بيت في الجاهلية، ولم ينقله الثقات وهو للشنفرى:
لَقَدْ لَطَمَتْ تَلِكَ الفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلاَ بَتَرَ الرَّحْمَنُ رَبَّي يَمِينَهَا
"الاشتقاق" ص 58، ورواية هذا البيت تختلف قليلا عن البيت المستشهد به، وانظر (اشتقاق أسماء الله) ص 82، (تفسير الماوردي) 1/ 52.
(١٦١) أي ثعلب، ولم أجده، ولعله في كتب ابن الأنباري المفقودة، وأورد نحوه الطبري في == "تفسيره" 1/ 58، وانظر: "الاشتقاق" ص 58، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 104.
(١٦٢) انظر الطبري فىِ "تفسيره" 19/ 29، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 64.
(١٦٣) في (ج): (إذا).
(١٦٤) في (ب): (لقيته)
(١٦٥) واسمه عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي، سمع النبي ﷺ شعره فقال: "آمن شعره وكفر قلبه" وكان يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، فلما خرج النبي ﷺ كفر به حسدا، ومات كافرا سنة ثمان أو تسع.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 300، "طبقات فحول الشعراء" ص 101، "الاشتقاق" ص 143، "الخزانة" 1/ 247.
(١٦٦) زيد بن عمرو بن نفيل، والد سعيد بن زيد أحد العشرة، مات قبل المبعث. انظر: "الإصابة" 1/ 569، "تجريد أسماء الصحابة" 1/ 200.
(١٦٧) هو ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عم خديجة رضي الله عنها، قال ابن منده: اختلف في إسلامه، والأظهر أنه مات قبل الرسالة، وبعد النبوة وكذا قال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 128، وانظر: "الإصابة" 3/ 633، "الخزانة" 3/ 391.
(١٦٨) في (ج): (بالعبراني).
(١٦٩) في (ب): (أوتى).
(١٧٠) لعل هذا من قول ابن الأنباري، لأن كلام الواحدي بعد هذا يدل على ذلك، لأنه رجح أن أصله عربي، وأنه مشتق، وأورد بعض الردود على أبي العباس كما سيأتي. قال الزجاجي رادا على من قال: إن أصله غير عربي ... الرحمن معروف (الاشتقاق) والتصريف في كلام العرب، والأعجمي لا معنى له في كلام العرب ولا تصريف "اشتقاق أسماء الله" ص 42.
وقول أبي العباس: إنه أورد (الرحيم) لأنها تعرفه العرب، مع (الرحمن) الذي يلتبس بكلام غيرهم. فكأنه جعلهما بمعنى واحد. وجمهور العلماء على أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر، وأن (الرحمن) عربي، وانما الكلام لم قدم (الرحمن) على (الرحيم)؟ وأجاب عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 58 - 59، ويرد قريبا في كلام الواحدي.
(١٧١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 55، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، "المخصص" 1/ 151.
(١٧٢) في (ب): (اشتقاقهم).
(١٧٣) "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383.
(١٧٤) "مجاز القرآن" 1/ 21، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والنص من "التهذيب"، وقد رد الطبري على أبي عبيدة قوله وأغلظ له حيث قال: (وقد زعم بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير أن (الرحمن) مجازه: ذو الرحمة ..) الطبري في "تفسيره" 1/ 58.
(١٧٥) وجعله الطبري من إنكار العناد والمكابرة، وإن كانوا عالمين بصحته، وليس ذلك منهم إنكارا لهذا الاسم، الطبري في "تفسيره" 1/ 57 - 58، وقال ابن عطية: وإنما وقفت العرب على تعيين الإله الذي أمروا بالسجود له، لا على نفس اللفظة 1/ 93، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، والقرطبي في "تفسيره" 13/ 67.
(١٧٦) انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، "المخصص" 17/ 151، "معاني القرآن" للزجاج 58، "اشتقاق أسماء الله" ص 40.
(١٧٧) هذا التساؤل والإجابة عنه بنصه في "المخصص" 17/ 151.
(١٧٨) في (ج): (تتبع).
(١٧٩) في (أ)، (ج): (الماتين) وفي (ب): (المايتين) وما أثبت من "المخصص".
(١٨٠) في (ب): (بدأ).
(١٨١) (به) ساقط من (ج).
(١٨٢) في (ج): (تتبع).
(١٨٣) إلى هنا بنصه في "المخصص" 17/ 151، وإلى نحوه ذهب الطبري في "تفسيره" == 1/ 58، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 40، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 92.
(١٨٤) لم أجده، عن وكيع فيما اطلعت عليه، والله أعلم.
قال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن (الرحيم) أشد مبالغة من (الرحمن)، ثم رد هذا القول ابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، وعند جمهور العلماء أن (الرحمن) أشد مبالغة من (الرحيم) وأن (الرحمن) أعم فهو في الدنيا والآخرة ولجميع الخلق، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين. انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 55، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 29، "المخصص" 17/ 151، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، والماوردي في "تفسيره" 1/ 52 - 53، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 91، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 105، 106، "الدر" 1/ 29، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23.
(١٨٥) هذا قول أبي عبيدة، ونسبه ابن الأنباري كذلك لقطرب، وبهذا النص مع الشواهد ذكره الثعلبي، أما أبو عبيدة فذكر شواهد غيرها، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 21، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، "الزاهر" 1/ 153، "تفسير أسماء الله" ص 29، "اشتقاق أسماء الله" ص 38، 39، وقد رد الطبري على أبي عبيدة، وأغلظ له الرد، وسبق ذكر بعض كلامه. انظر: "تفسيره" 1/ 58.
(١٨٦) هو الشاعر الجاهلي المشهور، عُدَّ بعد امرئ القيس في الشعر، واسمه (عمرو) ولقب بـ (طَرْفَه) وأحد الطرفاء لبيت قاله، قتل وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: ابن عشرين. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 103، "الخزانة" 2/ 419.
(١٨٧) في (ب): (عنى).
(١٨٨) صدره: مَالِي أَرَانِي وابْنَ عَمِّي مَالِكًا
والبيت من معلقة طرفة المشهورة، يتحدث عما كان بينه وبين ابن عمه (مالك) من == جفوة وخصام، (ينأ عني) و (يبعد) معناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، والمعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك، وقيل: ينأ: بالفعل، ويبعد: بالنفس لشدة بغضه لي. أورد البيت الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 أ، وانظر: "ديوان طرفة" ص 34 تحقيق وتحليل د. علي الجندي.
(١٨٩) عدي بن زيد بن حماد، من بني امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم شاعر فصيح، من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، قتله النعمان بن المنذر ملك الحيرة. ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 130، "معاهد التنصيص" 1/ 325، "الخزانة" 1/ 381.
(١٩٠) من قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب وصدر البيت:
وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه ... .. .. .. ..
ويروي (قدمت) و (الراهش) عرق في باطن الذراع و (المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 37، "الشعر والشعراء" ص 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "تفسير الثعلبي" 1/ 19 أ، 73 أ، "أمالي المرتضى" 2/ 258، "المستقصى" 1/ 243، "مغني اللبيب" 2/ 357، "الهمع" 5/ 226، "معاهد التنصيص" 1/ 310، "اللسان" (مين) 7/ 4311، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 399، "الدر المصون" 1/ 358.
والشاهد (كذبا ومَيْنا) فأكد الكذب بالمين وهو بمعناه.
(١٩١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19 ب، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 152، والأزهري في "تهذيب اللغة" (رحم) 2/ 1383، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 92، وابن كثير عن القرطبي في "تفسيره" 1/ 22، وقد أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما عن ابن عباس، قال: (الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب قال: الرحمن الرحيم: الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف == عليه) في سنده ضعف. انظر الطبري 1/ 57، "تفسير ابن أبي حاتم" (رسالة دكتوراه) 1/ 148، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 23، "المفسر عبد الله بن عباس والمروي عنه" (رسالة ماجستير) 1/ 130.
(١٩٢) في (ب): (الحسن).
(١٩٣) ذكره القرطبي، وذكر نحوه عن الخطابي 1/ 92، وذكره ابن كثير في "تفسيره" في القرطبي 1/ 22.
(١٩٤) (الواو) ساقطة من (ب).
(١٩٥) أخرجه مسلم (2593) كتاب البر، باب: فضل الرفق، وأبو داود (4807) كتاب الأدب، باب: في الرفق، وأحمد في "مسنده" عن علي 1/ 112، وعن عبد الله بن مغفل 4/ 87، وأخرج البخاري عن عائشة وفيه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (6927) كتاب استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ﷺ.
(١٩٦) في (ج): (تقول).
(١٩٧) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 19/ أ. ومعنى أن (الرحمن) خاص اللفظ لأنه لا يطلق إلا على الله، عام المعنى؛ لأنه لجميع الخلق في الدنيا والآخرة، و (الرحيم) عام اللفظ لأنه يطلق على الله بما يليق به، ويطلق على غيره بما يليق به، وخاص المعنى: لأنه خاص بالمؤمنين، أو بالآخرة. انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 56 - 58، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 22 - 23.
الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله ﷺ للذي علمه الصلاة: "اقرأ ما تيسر من القرآن".
الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بدّ من إضمار القول في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما بعده.
الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة.
الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله ﷺ: "التحدث بالنعم شكر"، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة.
الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ أفضل عند المحققين من لا إلٰه إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: "من قال لا إلٰه إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة"
والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إلٰه إلا الله حاصل في قولك ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إلٰه إلا الله"، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إلٰه إلا الله.
الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات.
الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأوّل: أن الملك أعظم من المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة.
الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة.
الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣].
الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده.
الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك.
الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له.
الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة.
الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه.
الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي ﷺ وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر.
الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال.
الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع.
الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ، وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته عن النبي ﷺ وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.
أخبرنا عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمّد بن يحيى، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطّان، وأخبرنا محمد بن أحمد بن عبدوس، أخبرنا محمد بن المؤمّل بن الحسن بن عيسى، حدّثنا الفضل بن محمد بن المسيّب، حدّثنا خلف بن هشام، حدّثنا محمد بن حسان عن المعافى ابن عمران عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، سبع آيات أوّلهنّ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، وهي السبع المثاني، وهي أمّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب»(١) [5] .
نزولها:
واختلفوا في نزولها
أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر قراءة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود بن عبد الله المروزي قال: حدّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدّثنا أبو يحيى القصريّ، حدّثنا مروان بن معاوية عن الولاء بن المسيّب عن الفضل بن عمرو عن علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: «نزلت فاتحة الكتاب بمكّة من كنز تحت العرش»(٢) .
وعلى هذا أكثر العلماء.
يدلّ عليه ما
أخبرنا الحسن بن محمد بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمود، حدّثنا أبو لبابة محمد بن مهدي، حدّثنا أبي عن صدقة بن عبد الرّحمن عن روح بن القاسم [العبري] عن عمر ابن شرحبيل قال: إن أوّل ما نزل من القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وذلك أن رسول الله ﷺ أسرّ إلى خديجة (رض) وقال: «لقد خشيت أن يكون خالطني شيء» . فقالت: وما ذاك؟
قال: «إني إذا خلوت سمعت النداء فأفرّ» . قال: فانطلق به أبو بكر إلى ورقة بن نوفل، فقال له ورقة: إذا أتاك فاجث له. فأتاه جبريل فقال له: «قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»(٣) [6] .
وحدّثنا الحسن بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمود، حدّثنا عمرو بن صالح عن ابن عباس، حدّثنا أبي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قام النبي ﷺ بمكة فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فقالت قريش: دق(٤) الله فاك.
وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب، حدّثنا أبو زيد، حدّثنا أبو حاتم بن محبوب الشامي، أخبرنا عبد الجبار العلاء عن معن عن منصور عن مجاهد قال: «فاتحة الكتاب أنزلت في المدينة» .
وقال الحسن بن الفضل: لكل عالم هفوة، وهذه منكرة من مجاهد لأنه تفرّد بها، والعلماء على خلافه.
وصح الخبر عن النبي ﷺ في حديث أبي بن كعب أنها من: «أوّل ما نزل من القرآن»
[7] وأنها: «السبع المثاني»
(٥) [8] ، وسورة الحجر مكيّة بلا اختلاف. ومعلوم أن الله تعالى لم يمتنّ عليه بإتيانه السبع المثاني وهو بمكة، ثم أنزلها بالمدينة، ولا يسعنا القول بأن رسول الله ﷺ كان بمكة يصلي عشر [سنوات](٦) بلا فاتحة الكتاب، هذا ممّا لا تقبله العقول.
قال الأستاذ: وقلت: قال بعض العلماء وقد لفق بين هذين القولين: أنها مكية ومدنية، نزل بها جبرئيل مرتين مرّة بمكة ومرّة بالمدينة حين حلّها رسول الله ﷺ تعظيما وتفضيلا لهذه السورة على ما سواها ولذلك سميت مثاني، والله أعلم.
أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفرات، أخبرنا أبو موسى عمران بن موسى، حدّثنا جعفر ابن محمد بن سوار، أخبرنا أحمد بن نصر، أخبرنا سعيد بن منصور، حدّثنا سلام عن زيد العمّي عن ابن سيرين عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «فاتحة الكتاب شفاء من السمّ»(٧) [9] .
وأخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أيّوب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن صاحب، حدّثنا المأمون بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عبد الله، حدّثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك الأشجعي عن ابن حمران عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيّا فيقرأ صبيّ من صبيانهم في الكتاب: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فيسمعه الله عزّ وجلّ فيرفع عنهم ذلك العذاب أربعين سنة»(٨) [10] .
وحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني، حدّثنا الحسين بن الفضل، حدّثنا عفان بن مسلم الصفّار عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال:
أنزل الله عزّ وجلّ مائة وأربعة كتب من السماء أودع علومها أربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم هذه الأربعة الفرقان، ثم أودع علوم القرآن المفصّل، ثم أودع علوم المفصّل فاتحة الكتاب. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة، ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
في فضل التسمية:
حدّثنا أبو عبد الله محمد بن علي، حدّثنا أحمد بن سعيد، حدّثنا جعفر بن محمد بن صالح، وحدّثنا محمد بن القاسم الفارسي، حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن أحمد الشيباني، أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف، حدّثنا علي بن حماد بن السكن، أخبرنا أحمد بن عبد الله الهروي حسام بن سليمان المخزومي عن أبي مليكة عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون فكلما خلق الدين جدّدوه.
أعطوهم ولا تستأجروهم، فتحرجوهم فإن المعلّم إذا قال للصبي: قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقال الصبي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كتب الله براءة للصبي، وبراءة لأبويه وبراءة للمعلّم من النار»(٩) [11] .
وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل المولى، أخبرنا أبو عليّ الاسفرائيني الحافظ، حدّثنا ابن الحسن البصري، حدّثنا محمد بن مروان أبو جعفر، حدّثنا أبي، حدّثنا عمر بن ذر، عن عطاء عن جابر قال: (لما نزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته أن لا يسمّى اسمه على شيء إلّا شفاه ولا يسمّى اسمه على شيء إلّا بارك عليه، ومن قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ دخل الجنة)(١٠) .
وأخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن، حدّثنا محمد بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسن ابن علي بن نصر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: (من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإنّها تسعة عشر حرفا ليجعل الله له بكل حرف منها جنة من كلّ واحد)(١١) [12] .
(التفسير وبالله التوفيق:)
قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اعلم أنّ هذه الباء زائدة، وهي تسمّى باء التضمين أو باء الإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، فالكتابة لاصقة بالقلم. وهي مكسورة أبدا والعلة في ذلك أن الباء حرف ناقص ممال. والإمالة من دلائل الكسر، قال سيبويه: لما لم يكن للباء عمل إلّا الكسر كسرت.
وقال المبرّد: العلّة في كسرها ردّها إلى الأصل، ألا ترى أنك إذا أخبرت عن نفسك فإنك قلت: بيبيت، فرددتها إلى الياء والياء أخت الكسرة كما أن الواو أخت الضمة والألف أخت الفتحة، وهي خافضة لما بعدها فلذلك كسرت ميم الاسم.
وطوّلت هاهنا وشبهت بالألف واللام لأنهم لم يريدوا أن يفتتحوا كتاب الله إلّا بحرف مفخّم معظّم. قاله القيسي.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) يقول لكتّابه: (طوّلوا الباء، وأظهروا السين، وفرّجوا بينهما، ودوّروا الميم تعظيما لكلام الله تعالى) .
وقال أبو....(١٢) .. خالد بن يزيد المرادي: العلّة فيها إسقاط الألف من الاسم، فلما أسقطوا الألف ردّوا طول الألف الى الباء ليكون دالّا على سقوط الألف منها. ألا ترى أنهم لمّا كتبوا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ(١٣) بالألف ردّوا الباء إلى صيغتها، فإنما حذفوا الألف من (اسم) هنا فالكثرة دورها على الألسن عملا بالخفّة، ولمّا لم يكثر أضرابها كثرتها أثبتوا الألف بها.
وفي الكلام إضمار واختصار تقديره: قل، أو ابدأ بسم الله.
وقال آدم: الاسم فيه صلة، مجازه:(١٤) بالله الرّحمن الرحيم هو، واحتجوا بقول لبيد:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر(١٥)
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر(١٦)
أي ثم السلام عليكما.
ومعناه: بالله تكوّنت الموجودات، وبه قامت المخلوقات. وأدخلوا الاسم فيه ليكون فرقا بين المتيمّن والمتيمّن به. فأمّا معنى الاسم، فهو المسمى وحقيقة الموجود، وذات الشيء وعينه ونفسه واسمه، وكلها تفيد معنى واحدا. والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى(١٧) ، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال: يا يَحْيى(١٨) . فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى.
وقوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها(١٩) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات.
وقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(٢٠) ، وتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ(٢١) .
وقوله ﷺ: «لتضربنّ مضر عباد الله حتّى لا يعبد له اسم»
(٢٢) [13] أي حتى لا يعبد هو.
ثم يقال: رأينا للتسمية اسم، واستعمالها في التسمية أشهر وأكثر من استعمالها في المسمّى، ولعل الاسم أشهر، وجمعه: أسماء، مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء، فحذفت الواو للاستثقال، ونقلت حركة الواو إلى الميم فأعربت الميم، ونقل سكون الميم إلى السين فسكنت، ثم أدخلت ألف مهموزة لسكون السين لأجل الابتداء يدلّك عليه التصغير والتصريف يقال:
سميّ وسميّة لأن كل ما سقط في التصغير والتصريف فهو غير أصلي. واشتقاقه من (سما) (يسمو) ، فكأن المخبر عنه بأنه معدوم ما دام معدوما فهو في درجة يرتفع عنها إذ وجد، ويعلو بدرجة وجوده على درجة عدمه. والإسم الذي هو العبارة والتسمية للمخبر والصفة للمنظر.
وأصل الصفة ظهور الشيء وبروزه، والله أعلم.
فأمّا ما ورد في تفسيرها بتفصيلها فكثير، ذكرت جلّ أقاويلها في حديث وحكاية.
أخبرنا الأستاذ أبو القاسم بن محمد بن الحسن المفسّر، حدّثنا أبو الطيّب محمد بن أحمد ابن حمدون المذكر، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدّثنا أحمد بن هشام الأنطاكي، حدّثنا الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عبّاس عن إسماعيل عن يحيى عن أبي مليكة عن مسعود بن عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عيسى بن مريم أسلمته أمّه إلى الكتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم: قل(٢٣) باسم الله. قال عيسى: وما باسم الله؟ فقال له المعلّم: ما أدري. قال: الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: مملكة الله»(٢٤) [14] .
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا إسحاق بن ميثم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو يقول: سمعت أبا عبد الله ختن أبي بكر الوراق يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول في بِسْمِ اللَّهِ: إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة:
فالباء على ستة أوجه:
بارئ خلقه من العرش الى الثرى، ببيان قوله:
إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(٢٥) .
بصير بعباده من العرش الى الثرى، بيانه: إنه على كل شيء بصير(٢٦) .
باسط الرزق من العرش الى الثرى، بيانه: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ(٢٧) .
وباق بعد فناء خلقه من العرش إلى الثرى: بيانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ(٢٨) .
باعث الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، بيانه: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ(٢٩) .
بارّ بالمؤمنين من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(٣٠) .
والسين على خمسة أوجه:
سميع لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ(٣١) .
سيّد قد بلغ سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه: اللَّهُ الصَّمَدُ(٣٢) .
سريع الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ(٣٣) .
سلم خلقه من ظلمه من العرش إلى الثرى، بيانه: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ(٣٤) .
غافر ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه: قوله: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ(٣٥) .
والميم على اثني عشر وجها:
ملك الخلق من العرش إلى الثرى، بيانه: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ» .
مالك خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ(٣٦) .
منّان على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ(٣٧) .
مجيد على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ(٣٨) .
مؤمّن آمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(٣٩) .
مهيمن اطّلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ(٤٠) .
مقتدر على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(٤١) .
مقيت على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً(٤٢) .
متكرّم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ(٤٣) .
منعم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً(٤٤) .
متفضّل على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ(٤٥) .
مصوّر خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ(٤٦) .
وقال أهل الحقائق:....(٤٧) في بِسْمِ اللَّهِ التيمّن والتبرّك وحثّ الناس على الابتداء في أقوالهم وأفعالهم ب بِسْمِ اللَّهِ لمّا افتتح الله عزّ وجلّ كتابه به
، والله أعلم.
اللَّهِ، اعلم أن أصل هذه الكلمة (إله) في قول أهل الكوفة، فأدخلت الألف واللام فيها تفخيما وتعظيما لما كان اسم الله عزّ وجلّ، فصار (الإله) ، فحذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسن، وحوّلت هويتها إلى لام التعظيم فالتقى لامان، فأدغمت الأولى في الثانية، فقالوا (الله) .
وقال أهل البصرة: أصلها (لاه) ، فألحقت بها الألف واللام، فقالوا: (الله) . وأنشدوا:
كحلفة من أبي رباح ... يسمعها الآهه الكبار(٤٨)
فأخرجه على الأصل.
وقال بعضهم: أدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة المحذوفة في (إله) ، فلزمتا الكلمة لزوم تلك الهمزة لو أجريت على الأصل، ولهذا لم يدخل عليه في النداء ما يدخل على الأسماء المعرّفة من حروف التشبيه، فلم يقولوا: يا أيها الله.
دفع أقاويل أهل التأويل في هذا الاسم مبنيّة على هذين القولين(٤٩) ... ثمة، واختلفوا فيه فقال الخليل بن أحمد وجماعة: (الله) اسم علم موضوع غير مشتق بوجه، ولو كان مشتقّا من صفة كما لو كان موصوفا بتلك الصفة أو بعضها، قال الله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(٥٠) .
(الله) : اسم موضوع لله تعالى لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، يعني: أن كل اسم مشترك بينه وبين غيره له على الحقيقة ولغيره على المجاز إلّا هذا الاسم فإنه مختص به لأن فيه معنى الربوبيّة. والمعاني كلها تحته، ألا ترى أنك إذا أسقطت منه الألف بقي لله، وإذا أسقطت من لله اللام الأولى بقي (له) ، وإذا أسقطت من (له) اللام بقي هو.
قالوا: وإذا أطلق هذا الاسم على غير الله فإنما يقال بالإضافة كما يقال: لاه كذا أو ينكر فيقال: لله كما قال تعالى إخبارا عن قوم موسى عليه السّلام: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ(٥١) . وأما (الله) ، و (الإله) فمخصوصان لله تعالى.
وقال قوم: أصله (لاها) بالسريانية، وذلك أن في آخر أسمائهم مدّة، كقولهم للروح:
(روحا) ، وللقدس: (قدسا) ، وللمسيح: (مسيحا) ، وللابن: (ابنا) ، فلما طرحوا المدّة بقي (لاه) ، فعرّبه العرب وأقرّوه.
ولا اشتقاق له، وأكثر العلماء على أنه مشتق واختلفوا في اشتقاقه، فقال النضر بن إسماعيل: هو من التألّه، وهو التنسّك والتعبّد، قال رؤبة:
لله در الغانيات المدّه ... سبحن واسترجعن من تألهي(٥٢)
ويقال: أله إلاهة، كما يقال: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: (ويذرك وإلهتك) أي عبادتك فمعناه عبادتك المعبود الذي تحقّ له العبادة.
وقال قوم هو من (الإله) ، وهو الاعتماد، يقال: ألهت إلى فلان، آله إلها، أي فزعت إليه واعتمدت عليه، قال الشاعر:
ألهت إليها والركائب وقّف(٥٣)
ومعناه: أن الخلق يفزعون ويتضرعون إليه في الحوادث والحوائج، فهو يألههم، أي يجيرهم، فسمي إلها، كما يقال: إمام للذي يؤتم به، ولحاف ورداء وإزار وكساء للثوب الذي يلتحف به، ويرتدى به(٥٤) ، وهذا معنى قول ابن عباس والضحّاك.
وقال أبو عمرو بن العلاء: هو من (ألهت في الشيء)(٥٥) إذا تحيّرت فيه فلم تهتد إليه، قال زهير:
...(٥٦) .. يأله العين وسطها
مخفّفة وقال الأخطل:
ونحن قسمنا الأرض نصفين نصفها ... لنا ونرامي أن تكون لنا معا
بتسعين ألفا تأله العين وسطها ... متى ترها عين الطرامة تدمعا(٥٧)
ومعناه: أن العقول تتحيّر في كنه صفته وعظمته والإحاطة بكيفيته، فهو إله كما قيل للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب(٥٨) .
وقال المبرّد: هو من قول العرب: (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، قال الشاعر:
ألهت إليها والحوادث جمّة
فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(٥٩) .
وسمعت أبا القاسم الحسن: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرحيم القناد يقول: أصله من (الوله) ، وهو ذهاب العقل لفقدان من يعزّ عليك. وأصله (أله) - بالهمزة- فأبدل من الألف واو فقيل الوله، مثل (إشاح، ووشاح) و (وكاف، وإكاف) و (أرّخت الكتاب، وورّخته) و (ووقّتت، وأقّتت) . قال الكميت:
ولهت نفسي الطروب إليهم ... ولها حال دون طعم الطعام(٦٠)
فكأنه سمّي بذلك لأن القلوب تولّه لمحبّته وتضطرب وتشتاق عند ذكره.
وقيل: معناه: محتجب لأن العرب إذا عرفت شيئا، ثم حجب عن أبصارها سمّته إلها، قال: لاهت العروس تلوه لوها، إذ حجبت.
قال الشاعر:
لاهت فما عرفت يوما بخارجة ... يا ليتها خرجت حتّى رأيناها(٦١)
والله تعالى هو الظاهر بالربوبيّة [بالدلائل والأعلام] وهو المحتجب من جهة الكيفيّة عن الأوهام.
وقيل: معناه المتعالي، يقال: (لاه) أي ارتفع.
وقد قيل: من [إلا هتك] ، فهو كما قال الشاعر:
تروّحنا من اللعباء قصرا(٦٢) ... وأعجلنا الألاهة أن تؤوبا(٦٣)
وقيل: هو مأخوذ من قول العرب: ألهت بالمكان، إذا أقمت فيه، قال الشاعر:
ألهنا بدار ما تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد(٦٤)
فكأن معناه: الدائم الثابت الباقي.
وقال قوم: [ان يقال](٦٥) ذاته وهي قدرته على الإخضاع.
وقال الحارث بن أسد المجلسي، أبو عبد الله البغدادي: الله من (ألههم) أي أحوجهم، فالعباد مولوهون إلى بارئهم أي محتاجون إليه في المنافع والمضارّ، كالواله المضطرّ المغلوب.
وقال شهر بن حوشب: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وقال أبو بكر الوراق: هو.
وغلّظ بعض بقراءة اللام من قوله: (اللَّهِ) حتى طبقوا اللسان به الحنك لفخامة ذكره، وليصرف عند الابتداء بذكره وهو الرب.
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال قوم: هما بمعنى واحد مثل (ندمان، ونديم) و (سلمان، وسليم) ، وهوان وهوين. ومعناهما: ذو الرحمة، والرحمة: إرادة الله الخير بأهله، وهي على هذا القول صفة ذات. وقيل: هي ترك عقوبة من يستحق العقوبة، [وفعل] الخير إلى من لم يستحق، وعلى هذا القول صفة فعل، يجمع بينهما للاتّساع، كقول العرب: جاد مجد. قال طرفة:
فما لي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد(٦٦)
وقال آخر:
وألفى قولها كذبا ومينا»
وفرّق الآخرون بينهما فقال: بعضهم الرَّحْمنِ على زنة فعلان، وهو لا يقع إلّا على مبالغة القول. وقولك: رجل غضبان للممتلئ غضبا، وسكران لمن غلب عليه الشراب. فمعنى (الرَّحْمنِ) : الذي وسعت رحمته كل شيء.
وقال بعضهم: (الرَّحْمنِ) العاطف على جميع خلقه كافرهم ومؤمنهم، برّهم وفاجرهم بأن خلقهم ورزقهم، قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ(٦٧) ، و (الرَّحِيمِ) بالمؤمنين خاصّة بالهداية والتوفيق في الدنيا، والجنة والرؤية في العقبى، قال تعالى: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً(٦٨) .
ف (الرَّحْمنِ) خاصّ اللفظ عامّ المعنى، و (الرَّحِيمِ) عامّ اللفظ خاصّ المعنى. و (الرَّحْمنِ) خاص من حيث إنه لا يجوز أن يسمى به أحد إلّا الله تعالى، عامّ من حيث إنه يشمل الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع. و (الرَّحِيمِ) عامّ من حيث اشتراك المخلوقين في المسمّى به، خاص من طريق المعنى لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق. وهذا قول جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) .
الرَّحْمنِ اسم خاص بصفة عامة، والرَّحِيمِ اسم عام بصفة خاصة، وقول ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر.
وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الدّقاق، حدّثنا الحسن بن محمد بن جابر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، أخبرنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال: الرَّحْمنِ بأهل الدنيا، والرَّحِيمِ بأهل الآخرة
. وجاء في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
وقال الضحّاك: الرَّحْمنِ بأهل السماء حين أسكنهم السماوات، وطوّقهم الطاعات، وجنّبهم الآفات، وقطع عنهم المطاعم واللذات. والرَّحِيمِ بأهل الأرض حين أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وأعذر إليهم في النصيحة وصرف عنهم البلايا.
وقال عكرمة: الرَّحْمنِ برحمة واحدة، والرَّحِيمِ بمائة رحمة وهذا المعنى قد اقتبسه من قول النبي ﷺ الذي
حدّثناه أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو، حدّثنا أبو هريرة وأحمد بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود ابن معاذ، أخبرنا عمير بن مروان عن عبد الملك أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وأخّر تسعة وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة»(٦٩) [15] .
وفي رواية أخرى: «إن الله تعالى قابض هذه إلى تلك فمكملها مائة يوم القيامة، يرحم بها عباده»(٧٠) [16] .
وقال ابن المبارك: (الرَّحْمنِ: الذي إذا سئل أعطى، والرَّحِيمِ إذا لم يسأل غضب. يدلّ عليه ما
حدّثنا أبو القاسم المفسّر، حدّثنا أبو يوسف رافع بن عبد الله بمرو الروذ، حدّثنا خلف ابن موسى: حدّثنا محمود بن خداش، حدّثنا هارون بن معاوية، حدّثنا أبو الملج وليس الرقّي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من لم يسأل الله يغضب عليه(٧١)
، نظمه الشاعر فقال:
إن الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنيّ آدم حين يسأل يغضب(٧٢) [17]
وسمعت الحسن بن محمد يقول: سمعت إبراهيم بن محمد النسفي يقول: سمعت أبا عبد الله- وهو ختن أبي بكر الوراق- يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول: (الرَّحْمنِ:
بالنعماء وهي ما أعطي وحبا، والرَّحِيمِ بالآلاء وهي ما صرف وزوى) .
وقال محمد بن علي المزيدي: الرَّحْمنِ بالانقاذ من النيران، وبيانه قوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها(٧٣) ، والرَّحِيمِ بإدخالهم الجنان، بيانه: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ(٧٤) .
وقال المحاسبي: (الرَّحْمنِ: برحمة النفوس، والرَّحِيمِ برحمة القلوب) .
وقال السريّ بن مغلس: (الرَّحْمنِ بكشف الكروب، والرَّحِيمِ بغفران الذنوب) .
وقال عبد الله بن الجرّاح: (الرَّحْمنِ ب ...(٧٥) .. الطريق، والرَّحِيمِ بالعصمة والتوفيق) .
وقال مطهر بن الوراق: (الرَّحْمنِ بغفران السيّئات وإن كن عظيمات، والرَّحِيمِ بقبول الطاعات وإن كنّ [قليلات](٧٦) ) .
وقال يحيى بن معاذ الرازي: (الرَّحْمنِ بمصالح معاشهم، والرَّحِيمِ بمصالح معادهم) .
وقال الحسين بن الفضل: (الرَّحْمنِ الذي يرحم العبد على كشف الضر ودفع الشر، والرَّحِيمِ الذي يرقّ وربما لا يقدر على الكشف) .
وقال أبو بكر الوراق أيضا: (الرَّحْمنِ بمن جحده والرَّحِيمِ بمن وحّده، والرَّحْمنِ بمن كفر والرَّحِيمِ بمن شكر، والرَّحْمنِ بمن قال ندّا والرَّحِيمِ بمن قال فردا) .
في أن التسمية من الفاتحة أو لا؟
واختلف الناس في أنّ التسمية هل هي من الفاتحة؟ فقال قرّاء المدينة والبصرة وقرّاء الكوفة: إنها افتتاح التيمّن والتبرّك بذكره، وليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ولا تجب قراءتها وأن الآية السادسة قوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة- رحمهم الله- ورووا ذلك عن أبي هريرة.
أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن الحسن النيسابوري، حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكابلي، أخبرنا علي بن عبد العزيز الحلّي، حدّثنا أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، حدّثنا الحجاج عن أبي سعيد الهذلي عن ...(٧٧) .. عن أبي هريرة قال (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) الآية السادسة
، فزعمت فرقة أنها آية من أمّ القرآن، وفي سائر السور فصل، فليست هاهنا أنها يجب قراءتها.
[وقال قوم: إنها آية من فاتحة الكتاب](٧٨) رووا ذلك عن سعيد بن المسيب، وبه قال قرّاء مكة والكوفة وأكثر قرّاء الحجاز، ولم يعدّوا أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية.
وقال الشافعي والشعبي وهو رأي عبد الله أنها نزلت في الآية الأولى من فاتحة الكتاب، وهي من كل سورة آية إلّا التوبة. والدليل عليه الكتاب والسنة أمّا الكتاب
سمعت أبا عثمان بن أبي بكر الزعفراني يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن موسى يقول:
سمعت الحسن بن المفضّل يقول: رأيت الناس.....(٧٩) .. في النمل أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فيها من القرآن فوجدتها بخطها ولو أنها مكرّرات في القرآن، فعرفنا أماكنها منه بل حتى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ(٨٠) ، فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(٨١) لما كانا في القرآن كانت مكرّراتهما من القرآن.
وبلغنا أن رسول الله ﷺ كتب في بدء الأمر على رسم قريش: «باسمك اللهم» حتى نزلت: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها(٨٢) فكتب: بِسْمِ اللَّهِ حتى نزلت:
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ(٨٣) ، فكتب: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ» ، حتى نزلت: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(٨٤) ، فكتب مثلها فلمّا كانت..... هذه.... وحيث أن يكون..(٨٥) .. منه ثم افتخر النبي ﷺ بهذه الآية، وحقّ له ذلك.
حدّثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوراق: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه حدّثنا محمد ابن يحيى بن سهل، حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا سلمة بن الأحمر عن يزيد بن أبي خالد عن عبد الكريم بن أمية عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟» . فقلت: بلى. قال: «بأي شيء تفتتح إذا افتتحت القرآن؟» . قلت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: «هي هي»(٨٦) [18] .
وفي هذا الحديث دلّ دليل على كون التسمية آية تامّة من الفاتحة وفواتح السور لأن النبي ﷺ حين لفظ الآية كلها، والتي في سورة النمل ليست بآية وإنما هي بعض الآية، وبالله التوفيق.
وأمّا الأخبار الواردة فيه،
فأخبرنا أبو القاسم السدوسي، حدّثنا أبو زكريا يحيى بن محمد ابن عبد الله العنبري، حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا أبو سفيان المعمري عن إبراهيم بن يزيد قال: قلت لعمرو بن دينار: إن الفضل الرقاشي زعم أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ليس من القرآن؟ قال: سبحان الله! ما أجرأ هذا الرجل! سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ علم أن السورة قد ختمت وفتح غيرها.
وحدّثنا الحسن بن محمد: حدّثنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي: حدّثنا أبو محمد إسماعيل ابن عيسى الواسطي: حدّثنا عبد الله بن نافع عن جهم بن عثمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟» [19] قال: أقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قال: «قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»(٨٧) .
وحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو الحسين.(٨٨) ..، حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو عبيد، حدّثنا عمر بن هارون البلخي عن أبي صالح عن أبي مليكة عن مسلمة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني يقطّعها آية آية حتّى عدّ سبع آيات عدّ الأعراب.
أخبرنا أبو الحسن محمّد بن أحمد، حدّثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدّثنا محمد ابن جعفر، حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثنا الحسين بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وكان يقول: «من ترك قراءتها فقد نقص» . وكان يقول: «هي تمام السبع المثاني والقرآن العظيم» .
وأخبرنا الحسين بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدّثنا جعفر بن حيّان عن عبد الملك بن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي(٨٩) قال: فاتحة الكتاب.
وقيل لابن عباس: أين السابعة؟ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وعدّها في يديه ثم قال: أخرجها لكم، وما أجد فيها أمركم.
أخبرنا [محمّد بن الحسين] حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدّثنا يزيد بن سنان، حدّثنا أبو بكر الحنفي، حدّثنا نوح بن أبي بلال قال: سمعت المقبري عن أبي هريرة أنه قال:
إذا قرأتم أمّ القرآن فلا تبرحوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإنها إحدى آياتها وإنها السبع المثاني.
وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري، حدّثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، حدّثنا أحمد بن نصر، حدّثنا آدم بن إياس عن أبي سمعان عن العلا، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبادي نصفين فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله: مجّدني عبدي، وإذا قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: فوّض إليّ أمره عبدي، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل»(٩٠) [20] .
وأخبرنا علي بن محمد بن الحسن المقري، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد القصّار، حدّثنا محمد بن بكر البصري، حدّثنا محمد بن علي الجوهري، حدّثنا.(٩١) .. حدثني أبو إسماعيل بن يحيى.(٩٢) ..، حدّثنا سفيان الثوري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كنت مع النبي ﷺ، والنبي ﷺ يحدّث أصحابه إذ دخل رجل يصلّي، وافتتح الصلاة، وتعوّذ، ثم قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فسمع النبي ﷺ فقال: «يا رجل، قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الحمد؟ فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية منه فقد قطعت عليه صلاته»(٩٣) . لا تكون الصلاة إلّا بفاتحة الكتاب، ومن ترك آية فقد بطلت صلاته [21] .
وأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، حدّثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حدّثنا أبو بكر محمد بن عمر بن هشام، أخبرنا محمد بن يحيى، حدّثنا حكيم بن الحسين، حدّثنا سليمان بن مسلم المكّي عن نافع عن أبي مليكة عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقد ترك آية من كتاب الله»(٩٤) [22] .
وقد عدّها علي عليه السّلام فيما عدّ من أمّ الكتاب.
وأما الإجماع،
فأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الورّاق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا علي بن المديني، حدّثنا عبد الوهّاب بن فليح، عن عبد الله بن ميمون عن عبيد بن رفاعة أن معاوية بن أبي سفيان قدم المدينة فصلّى بالناس صلاة يجهر فيها، ولمّا قرأ أم القرآن ولم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وقضى صلاته، ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية: أنسيت! أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حين استفتحت القرآن؟ فأعادها لهم معاوية فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
الكلام في جزئية البسملة من باقي السور
هذا في الفاتحة، فأما في غيرها من السور،
فأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، أن أبا بكر بن حفص بن عاصم قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، وقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لأم القرآن ولم يقرأ للسورة التي بعدها حتى قضى صلاته، فلمّا سلّم ناداه المهاجرون من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فصلى بهم صلاة أخرى وقرأ فيها للسورة التي بعدها.
وما.(٩٥) ..
النظر بآيات [السور](٩٦) مقاطع القرآن على ضربين متقاربة ومتشاكلة.
والمتشاكلة نحو ما في سورة القمر والرّحمن وأمثالهما، والمتقاربة قيل: في سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ(٩٧) ، وما ضاهاها. ثم نظرنا في قوله: قَبْلِهِمْ، فلم يكن من المتشاكلة ولا من المتقاربة، ووجدنا أواخر آي القرآن على حرفين: ميم ونون أو حرف صحيح قبلها نا مكسورة فأوّلها، أو واو مضموم ما قبلها، أو ألف مفتوح ما قبلها، ووجدنا سبيلهم هو هو مخالف لنظم الكتاب.
هذا ولم نر غير مبتدأ آية في كتاب الله..»
.. إذ يقول أيضا: إن التسمية لا [تخلو](٩٨) إما أن تكون مكتوبة للفصل بين السور، أو في آخر السور، أو في أوائلها أو حين نزلت كتبت، وحيث لم تنزل لم تكتب، فلو كتبت للفصل لكتبت.(٩٩) .. وتراخ، ولو كتبت في الابتداء لكتبت في (براءة) ، ولو كتبت في الانتهاء لكتبت في آخر قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(١٠٠) . فلمّا أبطلت هذه الوجوه علمنا أنها كتبت حيث نزلت، وحيث لم تنزل لم تكتب.
يقول أيضا: إنا وجدناهم كتبوا ما كان غير قرآن من الآي والأخرى، أو خضرة، وكتبوا التسمية بالسواد فعلمنا أنها قرآن، وبالله التوفيق.
حكم الجهر بالبسملة في الصلاة
ثم الجهر بها في الصلاة سنّة لقول الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ(١٠١) [فأمر](١٠٢) رسوله أن يقرأ القرآن بالتسمية، وقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى(١٠٣) فأوجب الفلاح لمن صلّى بالتسمية.
وأخبرنا أبو القاسم [الحسن بن محمّد بن جعفر] حدّثنا أبو صخر محمد بن مالك السعدي بمرو، حدّثنا عبد الصمد بن الفضل الآملي، حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي بغوطة [دمشق](١٠٤) قال: صليت خلف المهديّ أمير المؤمنين فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقلت: ما هذه القراءة يا أمير المؤمنين؟ [فقال:] حدثني أبي عن أبيه عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ جهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قلت: أآثرها عنك؟ قال: نعم(١٠٥) .
وحدّثنا الحسن بن محمد بن زكريا العنبري، حدّثنا محمد بن عبد السلام، حدّثنا إسحاق ابن إبراهيم، أخبرنا خيثمة بن سليمان قال: سمعت ليثا قال: كان عطاء وطاوس ومجاهد يجهرون ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
وحدّثنا الحسن بن محمد: حدّثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرّحمن المروزي، حدّثنا الحسن ابن علي بن نصير الطوسي، حدّثنا أبو ميثم سهل بن محمد، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخزاعي، عن عمّار بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، أن العبادلة كانوا يستفتحون القراءة ب بسم اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يجهرون بها: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن صفوان.
وحدّثنا الحسن بن محمد، حدّثنا أبو نصر منصور بن عبد الله الاصفهاني، حدّثنا أبو القاسم الاسكندراني، حدّثنا أبو جعفر الملطي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه قال: «اجتمع آل محمد على الجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وعلى أن يقضوا ما فاتهم من صلاة الليل بالنهار، وعلى أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن القول وفي صاحبهما» .
وبهذا الإسناد قال: سئل الصادق عن الجهر بالتسمية، فقال: «الحق الجهر به، وهي التي التي ذكر الله عزّ وجلّ: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً(١٠٦) .
وحدّثنا الحسن، حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى بن كعب العدل، حدّثنا الحسين ابن أحمد بن الليث، حدّثنا محمد بن المعلّى المرادي، حدّثنا أبو نعيم عن خالد بن إياس عن سعيد ابن أبي سعيد المقرئ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل فعلمني الصلاة»(١٠٧) [23] ، ثم قام رسول الله ﷺ وكبّر فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
وحدّثنا الحسن بن محمد، حدّثنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن حمدون، حدّثنا الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب ونافع بن أيوب قالا: حدّثنا عقيل عن الزهري قال: من سنّة الصلاة أن تقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في فاتحة الكتاب [فإن] لم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لم يقرأ السورة. وقال: إن أوّل من ترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عمرو ابن سعيد بن العاص بالمدينة
، واحتجّ من أنّ إتيان التسمية أنها من الفاتحة، والجهر بها في الصلاة بما
أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل النيسابوري القطّان، حدّثنا محمد بن إبراهيم الجرجاني، حدّثنا إبراهيم بن عمّار عن سعيد بن أبي عروبة عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن إسماعيل العماريّ، حدّثنا يزيد بن أحمد بن يزيد، حدّثنا أبو عمرو، حدّثنا محمد بن عثمان، حدّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يجهرون، ويخفون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
فعلم بهذا الحديث أنه لم ينف كون هذه الآية من جملة السورة، لكنه تعرّض لترك الجهر فقط، على أنه أراد بقوله: (لا يجهرون) : أنهم لا يتكلفون في رفع الصوت ولم يرد الإسراء والتخافت أو تركها أصلا.
ويدل عليه ما
أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدّثنا محمد بن عبد السلام الوراق وعبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن قالا:
حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا شريك، عن ياسر، عن سالم الأفطس، عن ابن أبي ليلى، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ جهر بها صوته، فكان المشركون يهزئون بمكّة ويقولون: يذكر إله اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، ويسمونه الرّحمن، فأنزل الله: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيسمع المشركون فيهزؤون، وَلا تُخافِتْ عن أمتك ولا تسمعهم وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا(١٠٨) .
واحتجّوا أيضا
بما أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا بشر ابن مطر [عن سفيان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة] عن أبيه عن قتادة عن أنس أنّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون القراءة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وإنما عنى بها أنهم كانوا يستفتحون الصلاة بسورة (الحمد) ، فعبّر بهذه الآية عن جميع السورة كما يقول:
قرأت الْحَمْدُ لِلَّهِ و (البقرة) ، أي سورة الْحَمْدُ لِلَّهِ وسورة (البقرة) .(١٠٩)
.. أي رويناها نحكم على هذين الحديثين وأمثالهما وبالله التوفيق.
(٢) أسباب النزول للواحدي: 11.
(٣) بتفاوت في أسباب النزول للواحدي: 11.
(٤) في الأصل موجود فوقها: رق.
(٥) سنن الدارمي: 2/ 445.
(٦) في المخطوط: سنة.
(٧) الجامع الصغير: 2/ 207.
(٨) كشف الخفاء: 1/ 221.
(٩) تفسير القرطبي: 1/ 336.
(١٠) تفسير ابن كثير: 1/ 19 بتفاوت.
(١١) تفسير ابن كثير: 1/ 19.
(١٢) بياض في المخطوط.
(١٣) سورة العلق: 1.
(١٤) أو معناه. (هامش المخطوط) .
(١٥) شرح الرضي على الكافية: 2/ 242.
(١٦) الصحاح: 2/ 738.
(١٧) سورة مريم: 7.
(١٨) سورة مريم: 13.
(١٩) سورة يوسف: 48.
(٢٠) الأعلى: 1.
(٢١) الرّحمن: 78.
(٢٢) مجمع الزوائد: 7/ 313.
(٢٣) في المصدر: أكتب.
(٢٤) جامع البيان للطبري: 1/ 81.
(٢٥) سورة الطور: 28.
(٢٦) سورة الملك: 19.
(٢٧) سورة الرعد: 26.
(٢٨) سورة الرّحمن: 26.
(٢٩) سورة الحج: 7.
(٣٠) سورة الطور: 28.
(٣١) سورة الزخرف: 88.
(٣٢) سورة الإخلاص: 2.
(٣٣) سورة البقرة: 202.
(٣٤) سورة الحشر: 24.
(٣٥) سورة غافر: 3.
(٣٦) سورة آل عمران: 26.
(٣٧) سورة الحجرات: 17.
(٣٨) سورة البروج: 15.
(٣٩) سورة قريش: 4.
(٤٠) سورة الحشر: 23.
(٤١) سورة القمر: 55.
(٤٢) سورة النساء: 85.
(٤٣) سورة الإسراء: 70.
(٤٤) سورة لقمان: 20.
(٤٥) سورة البقرة: 251.
(٤٦) سورة الحشر: 24.
(٤٧) بياض في المخطوط.
(٤٨) الصحاح: 67/ 2248.
(٤٩) بياض في المخطوط.
(٥٠) سورة مريم: 65.
(٥١) سورة الأعراف: 138.
(٥٢) الصحاح: 6/ 2249.
(٥٣) لسان العرب: 13/ 469.
(٥٤) كذا في المخطوط.
(٥٥) يكون مشتق من: الوله، وهو التحيّر.
(٥٦) بياض في المخطوط.
(٥٧) غريب الحديث: 2/ 347.
(٥٨) لسان العرب: 13/ 469.
(٥٩) سورة الرعد: 28.
(٦٠) لسان العرب: 13/ 561.
(٦١) تفسير القرطبي: 17/ 101.
(٦٢) في اللسان: عصرا.
(٦٣) تفسير الطبري: 9/ 35، ولسان العرب: 1/ 219.
(٦٤) تاج العروس: 9/ 375.
(٦٥) كذا في المخطوط.
(٦٦) الفروق اللغوية: 118.
(٦٧) سورة الأعراف: 156.
(٦٨) سورة الأحزاب: 43.
(٦٩) صحيح مسلم: 8/ 96، سنن ابن ماجة: 2/ 1435 بتفاوت.
(٧٠) المستدرك: 4/ 248، بتفاوت.
(٧١) فتح الباري: 11/ 79.
(٧٢) تفسير القرطبي: 5/ 164.
(٧٣) سورة الحجر: 46.
(٧٤) سورة آل عمران: 103.
(٧٥) بياض في المخطوط.
(٧٦) بياض في المخطوط، وما ذكرناه هو الظاهر.
(٧٧) بياض في المخطوط.
(٧٨) كلام غير مقروء والظاهر ما أثبتناه.
(٧٩) بياض في المخطوط.
(٨٠) سورة الرّحمن: 13.
(٨١) سورة المرسلات: 15.
(٨٢) سورة هود: 41.
(٨٣) سورة الإسراء: 110.
(٨٤) سورة النمل: 31.
(٨٥) بياض في المخطوط.
(٨٦) مجمع الزوائد: 2/ 109 بتفاوت.
(٨٧) تاريخ جرجان: 491.
(٨٨) بياض في المخطوط.
(٨٩) سورة الحجر: 87.
(٩٠) السنن الكبرى: 1/ 316، أحكام القرآن: 1/ 8، تفسير ابن كثير: 1/ 12، بتفاوت.
(٩١) بياض في المخطوط.
(٩٢) بياض في المخطوط.
(٩٣) الدر المنثور: 1/ 7، عن الثعلبي.
(٩٤) الدر المنثور: 1/ 7.
(٩٥) بياض في المخطوط.
(٩٦) بياض في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.
(٩٧) سورة ق: 1- 2.
(٩٨) بياض في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.
(٩٩) بياض في المخطوط.
(١٠٠) سورة الناس: 1.
(١٠١) سورة العلق: 2.
(١٠٢) بياض في مصورة المخطوط، والظاهر ما أثبتناه.
(١٠٣) سورة الأعلى: 14 و 15.
(١٠٤) بياض في مصورة المخطوط، والظاهر ما أثبتناه.
(١٠٥) البداية والنهاية: 10/ 162.
(١٠٦) سورة الإسراء: 46.
(١٠٧) كنز العمّال: 7/ 441.
(١٠٨) سورة الإسراء: 110.
(١٠٩) بياض في المخطوط.
[آية رقم : 1]
مصدر بَسْمَلَ، أي قال: بسم الله، نحو: حَوْقَلَ وهيْلَلَ وحَمْدَلَ، أي: قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله.
وهذا شَبيه بباب النحت في النسب، أي إنهم يأخذون اسمَيْن فَيَنْحِتون منهما لفظاً واحداً، فينسِبون إليه كقولهم: حَضْرَميّ وعَبْقَسيّ وعَبْشَميّ نسبةً إلى حَضْرَمَوْت وعبدِ القَيْس وعبدِ شمس.
قال: 6 - وتضحَكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّة ... كَأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً يَمانياً وهو غيرُ مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في: بَسْمل وهَيْلل إنها لغة مُوَلَّدَة، [قال الماوردي: يقال لمَنْ قال: بسم الله: مُبَسْمِل وهي] لغةٌ مُوَلَّدة وقد جاءَتْ في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة: 7 - لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقِيتُها ... ألا حَبَّذا ذاكَ الحديثُ المُبَسْمِلُوغيرُه من أهلِ اللغةِ نَقَلها ولَم يقُلْ إنها مُوَلَّدَة ك ثعلب والمطرِّز.
وبِسْم: جارٌّ ومجرور، والباء هنا للاستعانة كعَمِلت وبالقَدُوم، لأنَّ المعنى: أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي: الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: مَسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية: [نحو] {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} [النساء: 160] ، أي بسببِ ظلمهم، والمصاحبة نحو: خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه السلام: «ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم» أي بدلها، وكقول الآخر: 8 - فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبوا ... شَنُّوا الإِغارةَ فرساناً ورُكْبانا أي: بَدَلَهم، والقسم: أحلفُ باللهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو: زيد بمكة أي فيها، والتعدية نحو: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، والتبعيض كقول الشاعر: 9 - شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُأي من مائه، والمقابلة: «اشتريتهُ بألف» أي: قابلتُه بهذا الثمنِ، والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام} [الفرقان: 25] أي عن الغمام، ومنهم مَنْ قال: لا تكون كذلك إلا مع السؤال خاصة نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} [الفرقان: 59] أي عنه، وقول علقمة: 10 - فإنْ تَسْأَلوني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأَدْواءِ النساء طبيبُ إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه ... فليس له في وُدِّهِنَّ نَصيبُ والاستعلاء كقوله تعالى: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران: 75] .
والجمهورُ يأبَوْن جَعْلها إلا للإِلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما، وليس هذا موضعَ استدلال وانفصال.
وقد تُزاد مطَّردةً وغيرَ مطَّردة، فالمطَّردةُ في فاعل «كفى» نحو: {وكفى بالله} [النساء: 6] / أي: كفى اللهُ، بدليل سقوطِها في قول الشاعر: 11 -................................... كفى الشيبُ والإِسلامُ للمرءِ ناهياً وفي خبرِ ليس و «ما» أختِها غيرَ موجَبٍ ب إلاَّ، كقوله تعالى: {أَلَيْسَالله بِكَافٍ [عَبْدَهُ] } [الزمر: 36] ، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ} [الأنعام: 132] وفي: بحَسْبكِ زيدٌ.
وغيرَ مطَّردةٍ في مفعولِ «كفَى» ، كقوله: 12 - فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا ... حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا أي: كَفانا، وفي البيت كلامٌ آخرُ، وفي المبتدأ غيرَ «حَسْب» ومنه في أحدِ القولين: {بِأَييِّكُمُ المفتون} [القلم: 6] وقيل: المفتون مصدر كالمَعْقول والمَيْسور، فعلى هذا ليست زائدةً، وفي خبر «لا» أختِ ليس، كقوله: 13 - فكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ... بمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ أي: مُغْنياً، وفى خبرِ كان مَنْفِيَّةً نحو: 14 - وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْ ... بِأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ أي: لم أكنْ أعجلَهم، وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنَّ منفيَّيْنِ أيضاً كقوله: 15 - فما رَجَعَتْ بخَائِبَةٍ رِكابٌ ... حكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاهاوقولِ الآخر: 16 - دعاني أخي والخيلُ بيني وبينه ... فلمَّا دعاني لم يَجِدْني بقُعْدَدِ أي: ما رَجَعَت رِكابُ خائبةً، ولم يَجِدْني قُعْدَداً، وفي خبر «إنَّ» كقول امرئ القيس: 17 - فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِها ... فإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ أي: فإنك المجرِّب، وفي: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله} [الأحقاف: 33] وشبهه.
والاسمُ لغةً: ما أبانَ عن مُسَمَّى، واصطلاحاً: ما دلَّ على معنىً في نفسه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِبُنْيَتِهِ لزمان ولا دالٍّ جزءٌ من أجزائه على جزءٍ من أجزاء معناه، وبهذا القيدِ الأخيرِ خَرَجت الجملةُ الاسميةُ، والتسميةُ: جَعْلُ ذلك اللفظِ دالاًّ على ذلك المعنى.
واختلف الناسُ: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟ وهي مسألةٌ طويلةٌ، تكلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه، فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة أجوبة، أجودُها: أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمَّى فتغايرا.
الثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: باسم مُسَمَّى اللهِ.
الثالث: أن لفظَ «اسم» زائدٌ كقولِه:18 - إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرْ أي: السلام عليكما، وقول ذي الرمة: 19 - لاَ يَرْفَعُ الطرفَ إلاَّ ما تَخَوَّنَهُ ... داعٍ يُناديه باسمِ الماءِ مَبْغَومُ وإليه ذهب أبو عبيدة والأخفش وقطرب.
واختلفوا في معنى الزيادة فقال الأخفش: ليخرجَ من حُكْمِ القسم إلى قَصْدِ التبرُّك «.
وقال قطرب:» زيد للإِجلال والتعظيم «، وهذان الجوابان ضعيفان لأنَّ الزيادةَ والحذفَ لا يُصار إليهما إلاَّ إذا اضطُرَّ إليهما.
ومن هذا القَبيلِ - أعني ما يُوهِمُ إضافةَ الشيءِ إلى نفسِه - إضافةُ الاسمِ إلى اللقبِ والموصوفِ إلى صفتهِ، نحو: سعيدُ كُرزٍ وزيدُ قُفَّةٍ ومسجدُ الجامعِ وبَقْلَةُ الحمقاءِ، ولكن النحويين أوَّلوا النوع الأول بأنْ جعلوا الاسمَ بمعنى المُسَمَّى واللقبَ بمعنى اللفظِ، فتقديرُه: جاءني مسمَّى هذا اللفظِ، وفي الثاني جَعَلوه على حَذْفِ مضافٍ، فتقديرُ بقلةِ الحمقاءِ: بقلةُ الحبِّةِ الحمقاءِ، ومسجدُ الجامعِ: مسجدُ المكانِ الجامعِ.
واختلف النحويون في اشتقاقه: فذهب أهلُ البصرة إلى أنه مشتقٌ من السُّمُوِّ وهو الارتِفاعُ، لأنه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيرفعُه ويُظْهِرهُ، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوَسْم وهو العلامةُ لأنه علامةٌ على مُسَمَّاه، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى لكنه فاسدٌ من حيث التصريفُ.
استدلَّ البصريون على مذهبهم بتكسيرِهم له على «أَسْماء» وتصغيرهم له على سُمَيّ، لأن التكسير والتصغير يَرُدَّان الأشياء إلى أصولها، وتقولُ العَربُ: فلانٌ سَمِيُّك، وسَمَّيْتُ فلاناً بكذا، وأَسْمَيْتُه بكذا، فهذا يَدُلُّ على اشتقاقه من السموّ، ولو كان من الوَسْم لقيل في التكسير: أَوْسام، وفي التصغير: وُسَيْم، ولقالوا: وَسِيمُك فلانٌ ووَسَمْتُ وأَوْسَمْتُ فلاناً بكذا، فدلَّ عدمُ قولِهم ذلك أنه ليس كذلك.
وأيضاً فَجَعْلُه من السموّ مُدْخِلٌ له في البابِ الأكثرِ، وجَعْلُه من الوَسْم مُدْخِلٌ له في الباب الأقلِّ؛ وذلك أن حَذْفَ اللام كثيرٌ وحذفَ الفاءِ قليلٌ، وأيضاً فإنَّا عَهِدْناهم غالباً يُعَوِّضون في غير محلِّ الحَذْفَ فَجَعْلُ همزةِ الوصل عوضاً من اللام موافقٌ لهذا الأصل بخلافِ ادِّعاءِ كَوْنِها عوضاً من الفاء.
فإن قيل: قولُهم «أسماء» في التكسير و «سُمَيّ» في التصغير لا دلالةَ فيه لجوازِ أن يكون الأصلُ: أَوْسَاماً ووُسَيْماً، ثم قُلِبَتِ الكلمةُ بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤُها بعد لامها فصار لفظُ أَوْسام: أَسْماواً، ثم أُعِلَّ إعلالَ كساء، وصار وُسَيْم سُمَيْوَاً، ثم أُعِلَّ إعلالَ جُرَيّ تصغير جَرْو.
فالجوابُ أنَّ ادِّعاء ذلك لا يفيدُ، لأنَّ القَلْبَ على خلافِ القياس فلا يُصارُ إليه ما لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ.
وهل لهذا الخلافِ فائدةٌ أم لا؟ والجوابُ أن له فائدةً، وهي أَنَّ مَنْ قال باشتقاقِه من العلوِّ يقول: إنه لم يَزَلْ موصوفاً قبل وجودِ الخلق وبعدَهموعند فَنائِهم، لا تأثيرَ لهم في أسمائه ولا صفاتِه وهو قول أهل السُّنَّةِ.
وَمنْ قال بأنه مشتقٌّ من الوَسْم يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ الخلق جعلوا له أسماءً وصفاتٍ وهو قول المعتزلة، وهذا أشدُّ خطأً من قولِهم بخلق القرآن وعلى هذا الخلافِ وَقَعَ الخلافُ أيضاً في الاسم والمُسَمَّى.
وفي الاسم خمسُ لغاتٍ: «اسم» بضم الهمزة وكسرها، و «سُِم» بكسر السين وضمها.
وقال أحمد بن يحيى: «سُمٌ بضم السين أَخَذَه من سَمَوْتُ أسْمُو، ومَنْ قاله بالكسر أخذه من سَمَيْتُ أَسْمي، وعلى اللغتين قوله: 20 - وعامُنا أَعْجبنا مُقَدَّمُهْ ... يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرضابٌ سُِمُهْ مُبْتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ ... يُنْشَدُ بالوجهين، وأنشدوا على الكسر: 21 - باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ ... [فعلى هذا يكون في لام» اسم «وجهان، أحدُهما: أنها واو، والثاني: أنها ياء وهو غريبٌ، ولكنَّ] أحمد بن يحيى جليلُ القدر ثقةٌ فيما ينقل.
و» سُمَىً «مثل هُدَىً.
واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر:22 - واللهُ أَسْماك سُمَىً مُبارَكاً ... آثرك اللهُ به إيثارَكَا ولا دليلَ في ذلك لجوازِ أن يكونَ من لغةِ مَنْ يجعله منقوصاً مضمومَ السين وجاء به منصوباً، وإنما كان ينتهض دليلاً لو قيل: سُمَىً حالةَ رفعٍ أو جَرٍّ.
وهمزتُه همزةُ وصلٍ أي تُثْبَت ابتداءً وتُحْذَفُ دَرْجَاً، وقد تُثْبَتُ ضرورةً كقوله: 23 - وما أنا بالمَخْسوسِ في جِذْمِ مالكٍ ... ولا مَنْ تسمَّى ثم يلتزِم الإِسْما وهو أحدُ الأسماءِ العشرةِ التي ابتُدِئ في أوائِلها بهمزةِ الوصلِ/ وهي: اسم واست وابن وابنُم وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان وايمنُ في القسم.
والأصل في هذه الهمزةِ أن تُثْبَتَ خَطَّاً كغيرِها من همزاتِ الوصل، وإنما حَذَفوها حين يُضاف الاسمُ إلى الجلالةِ خاصةً لكثرة الاستعمال.
وقيل: ليوافقَ الخطُّ اللفظَ.
وقيل لا حذفَ أصلاً، وذلك لأن الأصل: «سِمٌ» أو «سُم» بكسر السين أو ضمها فلمَّا دخلتِ الباءُ سَكَنَتِ العينُ تخفيفاً، لأنه وقع بعد الكسرة كسرةٌ أو ضمةٌ، [وهذا حكاه النحاس وهو حسن] ، فلو أضيف إلى غير الجلالة ثَبَتَتْ، نحو: باسم الرحمن، هذا هو المشهور، وحُكِيَ عن الكسائي والأخفش جوازُ حََذْفِها إذا أُضيفت إلى غيرِ الجلالة من أسماء الباري تعالى نحو: بسمِ ربِّك، بسمِ الخالق.
واعْلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معناه، إلا في ثلاثِ صور: حرفِ الجر الزائد ولعلَّ ولولا عند مَنْ يجر بهما، وزاد الاستاذ ابن عصفور كافَ التشبيه، وليس بشيء فإنها تتعلَّق.
إذا تقرر ذلك ف «بسم الله» لا بدَّ من شيء يتعلق به ولكنه حُذِف.
واختلف النحويون في ذلك، فذهب أهلُ البصرةِ إلى أنَّ المُتَعَلَّقَ به اسمٌ، وذهب أهلُ الكوفة إلى أنه فِعْلٌ، ثم اختَلَفَ كلٌ من الفريقين: فذهب بعضُ البصريين إلى أنَّ ذلك المحذوفَ مبتدأٌ حُذِفَ هو وخبرهُ وبقي معمولُه، تقديره: ابتدائي باسم الله كائنٌ أو مستقرٌ، أو قراءتي باسم الله كائنةٌ أو مستقرة.
وفيه نظرٌ من حيث إنه يلزمُ حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معمولِه وهو ممنوعٌ، وقد نص مكي على مَنْع هذا الوجهِ.
وذهبَ بعضُهم إلى أنه خبرٌ حُذِف هو ومبتدؤه أيضاً وبقي معمولُه قائماً مَقامَه، والتقدير: ابتدائي كائنٌ باسمِ الله، أو قراءتي كائنةٌ باسم الله نحو: زيدٌ بمكةَ، فهو على الأول منصوبُ المحلِّ وعلى الثاني مرفوعُه لقيامِهِ مقامَ الخبر.
وذهب بعضُ الكوفيين إلى أنَّ ذلك الفعلَ المحذوفَ مقدَّرٌ قبله، قال: لأنَّ الأصلَ التقديمُ، والتقدير: أقرأُ باسم الله أو أبتدئُ باسم الله.
ومنهم مَنْ قدَّر بعده: والتقدير: باسم الله أقرأ أو أبتدئ أو أتلو، وإلى هذا نحا الزمخشري قال: «ليفيدَالتقديمُ الاختصاصَ لأنه وقع ردًّاً على الكفرة الذين كانوا يبدؤون بأسماءِ آلهتهم كقولهم: باسم اللات، باسم العُزَّى» وهذا حسنٌ جداً، ثم اعترض على نفسِه بقولِه تعالى: {اقرأ باسم رَبِّكَ} [القلم: 1] ، حيث صَرَّح بهذا العامل مُقَدَّماً على معمولِه، ثم أجاب بأنَّ تقديمَ الفعل في سورة العلق أوقعُ لأنها أولُ سورةٍ نَزَلَت فكان الأمرُ بالقراءة أهمَّ «.
وأجاب غيرُه بأنَّ ب» اسم ربك «ليس متعلقاً ب» اقرأ «الذي قبله، بل ب» اقرأ «الذي بعده، فجاء على القاعدة المتقدمة.
وفي هذا نظرٌ لأن الظاهرَ على هذا القول أن يكون «اقرأ» الثاني توكيداً للأول فيكون قد فَصَلَ بمعمول المؤكِّد بينه وبين ما أكَّده مع الفصلِ بكلامٍ طويل.
واختلفوا أيضاً: هل ذلك الفعلُ أمرٌ أو خبرٌ؟ فذهب الفراء أنه أَمْرٌ تقديرُه: اقرأ أنت باسم الله، وذهب الزجاج أنه خبرٌ تقديره: اقرأ أنا أو أبتَدِئُ ونحوهُ.
و «الله» في «بسم الله» مضافٌ إليه، وهل العاملُ في المضاف إليه المضافُ أو حرفُ الجرِّ المقدََّرِ أو معنى الإِضافة؟ ثلاثةُ أقوال خَيْرُها أوسطُها.
وهو عَلَمٌ على المعبودِ بحق، لاَ يُطلق على غيره، ولَم يَجْسُرْ أحدٌ من المخلوقين أن يَتَسَّمى به، وكذلك الإِله قبل النقل والإِدغامِ لا يُطْلق إلا على المعبودِ بحقٍّ.
قال الزمخشري: «كأنه صار عَلَماً بالغلَبة» ، وأمّا «إله»المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقٍّ وعلى غيره، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، {وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] ، { [أَرَأَيْتَ] مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الفرقان: 43] .
واختلف الناسُ هل هو مُرْتَجَلٌ أو مشتق؟ ، والصوابُ الأولُ، وهو أعرفُ المعارف.
يُحْكى أن سِيبوِيه رُئيَ في المنام فقيل [له] : ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيراً كثيراً، لجَعْلِي اسمَه أعرفَ المعارفِ.
ثم القائلونَ باشتقاقِه اختلفوا اختلافاً كثيراً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لاهَ يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاَهة بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها، وقيل: لاتخاذِهِم إياها معبوداً، وعلى هذا قيل: «لَهْيَ أبوك» يريدونَ: للهِ أبوك، فَقَلَب العينَ إلى موضع اللام.
وخَفَّفه فَحَذَفَ الألفَ واللامَ وحَذَفَ حرفَ الجرِ.
وأَبْعد بعضُهم فَجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر: 24 - ألا ياسَنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمى ... لَهِنَّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ قال: الأصلُ: لله إنك كريمٌ عليَّ، فَحَذََفَ حرف الجر وحرف التعريف والألفَ التي قبل الهاء من الجلالة، وسَكَّن الهاءَ إجراءً للوصل مُجْرى الوقف،فصار اللفظ: لَهْ، ثم أَلقى حركة همزة «إنَّ» على الهاء فبقي: لَهِنَّك كما ترى، وهذا سماجَةٌ من قائلِه.
وفي البيت قولان أيسرُ من هذا.
ومنهمَ مَنْ قال: «هو مشتقٌّ من لاه يَلُوه لِياهاً.
أي احتجَبَ، فالألف على هذين القولين أصليةٌ، فحينئذ أصلُ الكلمة لاَهَ، ثم دخل عليه حرفُ التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماعِ شروطِ الإِدغام، وفُخِّمت لامُه.
ووزنُه على القولين المتقدِّمين إمَّا: فَعَل أو فَعِل بفتح العين أو كسرِها، وعلى كل تقدير: فتحرَّك حرفُ العلة وانفتحَ ما قبلَه فقُلِب ألفاً، وكان الأصلَ: لَيَهاً أو لَيِهاً أو لَوَهاً أو لَوِهاً.
ومنهم مَنْ جَعَلَه مشتقاً من أَلَه، وأَلَه لفظٌ مشترك بين معانٍ وهي: العبادةُ والسكون والتحيُّر والفزع، فمعنى «إله» أنَّ خَلْقَه يعبدونه ويسكنون إليه ويتحيَّرون فيه ويفزعون إليه.
ومنه قولُ رؤبة: 25 - لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهي أي: من عبادتِه، ومنه {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] أي عبادتك.
وإلى معنى التحيُّر أشار أمير المؤمنين بقوله: «كَلَّ دون صِفاته تحبيرُ الصفات وضَلَّ هناك تصاريفُ اللغات» وذلك أن العبد إذا تفكَّر في صفاته تحيَّر، ولهذا/ رُوي: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله» وعلى هذا فالهمزةُ أصلية والألفُقبل الهاء زائدةٌ، فأصلُ الجلالة الكريمة: الإِله، كقولِ الشاعر: 26 - معاذَ الإِله أن تكونَ كظبيةٍ ... ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةٍ رَبْرَبِ ثم حُذِفت الهمزةُ لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت في ناس، والأصل أُناس كقوله: 27 - إنَّ المَنايا يَطَّلِعْ ... نَ على الأُناس الآمِنينا فالتقى حرفُ التعريفِ مع اللامِ فأُدْغِم فيها وفُخِّم.
أو نقول: إن الهمزة من الإِله حُذِفت للنقل، بمعنى أنَّا نَقَلْنا حَرَكتَها إلى لام التعريف وحَذَفْناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل، ثم أُدغم لامُ التعريف كما تقدَّم، إلا أنَّ النقلَ هنا لازِمٌ لكثرةِ الاستعمال.
ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌ من وَلِهَ لكونِ كلِّ مخلوقٍ والِهاً نحوَه، وعلى ذلك قال بعض الحكماء: «الله محبوب للأشياءِ كلها، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء: 44] ، فأصله: وِلاه ثم أُبدلت الواو همزةً كما أُبدلت في إشاح وإعاء، والأصلُ: وِشاح ووِعاء، فصار الفظُ به: إلاهاً، ثم فُعِل به ما تقدَّم مِنْ حَذْفِ همزتِه والإِدغام، ويُعْزَى هذا القول للخليل، فعلى هذين القولين وزنُ إلاه: فِعال، وهو بمعنى مَفْعول أي: مَعْبود أو متحيِّرٌ فيه كالكِتاب بمعنى مكتوب.
وُردَّ قولُ الخليل بوجهين، أحدهما: أنه لو كانت الهمزةُ بدلاً من واو لجاز النطق بالأصلِ، ولم يَقُلْه أحد، ويقولون: إشاح ووشاح وإعاء ووعاء.
والثاني: أنه لو كان كذلك لجُمع على أَوْلِهة كأَوْعِية وأَوشِحَة فتُرَدُّ الهمزة إلى أَصلها، ولم يُجْمع» إله «إلا على آلهة.
وللخليل أن ينفصِلَ عن هذين الاعتراضين بأنَّ البدلَ لزِم في هذا الاسمِ لأنه اختصَّ بأحكامٍ لم يَشْرَكَهْ فيها غيرُه، كما ستقف عليه، ثم جاء الجمع على التزامِ البدل.
وأمَّا الألفُ واللامُ فيترتَّب الكلامُ فيها على كونِه مشتقاً أو غيرَ مشتقٍّ، فإنْ قيل بالأول كانَتْ في الأصل مُعَرِّفةً، وإنْ قيل بالثاني كانت زائدةً.
وقد شَذَّ حذفُ الألفِ واللامِ من الجلالة في قولهم» لاهِ أبوك «، والأصل: للهِ أبوك كما تقدم، قالوا: وحُذِفَت الألفُ التي قبل الهاء خَطَّاً لئلا يُشْبَّهَ بخط» اللات «اسم الصنم، لأن بعضهم يقلبُ هذه التاء في الوقف هاءً فيكتُبها هاءً تَبَعَاً للوقف فمِنْ ثمَّ جاء الاشتباه.
وقيل: لئلا يُشَبَّه بخط «اللاه» اسمَ فاعل من لها يلهو، وهذا إنما يَتِمُّ على لغة مَنْ يحذف ياءَ المنقوص المعرَّف وقفاً لأن الخطَّ يتبعه، وأمَّا مَنْ يُثْبِتُها وقفاً فيثبتها خطَّاً فلا لَبْس حينئذ.
وقيل: حَذْفُ الألف لغةٌ قليلة جاء الخط عليها، والتُزمَ ذلك لكثرة استعماله، قال الشاعر: 28 - أقبلَ سَيْلٌ كان من أمر اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّة المُغِلَّهْ وحكمُ لامِه التفخيمُ تعظيماً ما لم يتقدَّمْه كسرٌ فترقّقُ، وإن كان أبو القاسم الزمخشري قد أطلق التفخيمَ، ولكنه يريد ما قلته.
ونقلأبو البقاء أنَّ منهمِ مَنْ يُرَقِّقُها على كل حال.
وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِه كابراً عن كابرٍ كما ذكره الزمخشري.
ونقل أهلُ القراءة خلافاً فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةٌ أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقِّقها، ومنهم مَنْ يُفَخِّمُها، وذلك كقراءة السوسي في أحدِ وَجْهَيْه: «حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً» .
ونقل السهيلي وابن العربي فيه قولاً غريباً وهو أنَّ الألف واللام فيه أصليةٌ غيرُ زائدةٍ، واعتذرا عن وَصْلِ الهمزةِ بكثرة الاستعمال، كما يقول الخليل في همزةِ التعريف، وقد رُدَّ قولهُما بأنه كان ينبغي أن يُنَوَّن لفظُ الجَلالةِ لأنَّ وزنَه حينئذ فَعَّال نحو: لآَّل وسَآَّل، وليس فيه ما يمنعه من التنوينِ فدلَّ على أنَّ أل فيه زائدةٌ على ماهيةِ الكلمةِ.
ومن غريبِ ما نُقِل فيه أيضاً أنه ليس بعربي بل هو مُعَرَّب، وهو سُريانيُّ الوَضْعِ وأصله: «لاها» فَعَرَّبَتْه العربُ فقالوا: الله، واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر:29 - كحَلْفَةٍ من أبي رياحِ ... يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ فجاء به على الأصلِ قبل التعريبِ، ونقل ذلك أبو زيد البلخي.
[ومِنْ غريب ما نُقل فيه أيضاً أنَّ الأصل فيه الهاءُ التي هي كنايةٌ عن الغائب] قالوا: وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في نظر عقولِهم فأشاروا إليه بالضمير، ثم زِيدَتْ فيه لامُ المِلْك، إذ قد عَلِموا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها فصار اللفظ: «لَهُ» ثم زِيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً، وهذا لا يُشبه كلامَ أهل اللغة ولا النَحْويين، وإنما يشبه كلامَ بعض المتصوفة.
ومن غريب ما نُقل فيه أيضاً أنه صفةٌ وليس باسم، واعتلَّ هذا الذاهب إلى ذلك أنَّ الاسم يُعَرِّفَ المُسَمَّى والله تعالى لا يُدْرَكُ حِسَّاً ولا بديهةً فلا يُعَرِّفُه اسمه، إنما تُعَرِّفه صفاتُه، ولأن العَلَم قائمٌ مقامَ الإِشارة، واللهُ تعالى ممتنعٌ ذلك في حقه.
وقد رَدَّ الزمخشري هذا القولَ بما معناه أنك تصفه ولا تَصِفُ به، فتقول: إله عظيم واحد، كما تقول: شيءٌ عظيم ورجلٌ كريم، ولا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، ولو كان صفةً لوقع صفةً لغيره لا موصوفاً، وأيضاً فإنَّ صفاتِه الحسنى لا بُدَّ لها من موصوف تَجْري عليه، فلو جَعَلْتَها كلَّها صفاتٍ، بقيت غيرَ جاريةٍ على اسمٍ موصوفٍ بها، وليس فيما عدا الجلالة خلافٌ في كونِه صفةً فَتَعَيَّن أن تكونَ الجلالةُ اسماً لا صفةً.
والقولُ في هذا الاسم الكريمِ يحتمل الإِطالةَ أكثرَ ممَّا ذكرْتُ لك، إنما اختصرْتُ ذلك خوفَ السآمة للناظر في هَذا الكتاب.
الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ ليس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: {وَمَا الرحمن} [الفرقان: 60] وأجاب ابن العربي عنه بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟ وقد تَبِعا موصوفَهما في/ الأربعةِ من العشرة المذكورة.
وذهب الأعلمُ الشنتمريُّ إلى أن «الرحمن» بدلٌ من اسمِ الله لا نعتٌ له، وذلك مبنيٌّ على مذهبه من أنَّ الرحمن عنده عَلَمٌ بالغلَبة.
واستدَلَّ على ذلك بأنه قد جاء غيرَ تابعٍ لموصوفٍ، كقوله تعالى: {الرحمن عَلَّمَ القرآن} [الرحمن: 1-2] {الرحمن عَلَى العرش استوى} [طه: 5] .
وقد رَدَّ عليه السُّهيلي بأنه لو كان بدلاً لكان مبيَّناً لِما قبله، وما قبله - وهو الجلالة - لا يفتقرُ إلى تبيين لأنها أعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا: {وَمَا الرحمن} [الفرقان: 60] ولم يقولوا: وما اللهُ.
انتهى.
أمَّا قوله: «جاء غيرَ تابع» فذلك لا يمنعُ كونَه صفةً، لأنه إذا عُلم الموصوفُ جاز حَذْفُه وبقاءُ صفتِه، كقولِه تعالى: {وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} [فاطر: 28] أي نوع مختلف، وكقول الشاعر: 30 - كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها ... فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ أي: كوعلٍ ناطح، وهو كثير.
والرحمة لغةً: الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي الابطنُ لانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفُه تعالى بالرحمة مجازاً عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه.
هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري.
ويكونُ على هذا التقدير صفةَ فعلٍ لا صفةَ ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ.
وقيل: الرحمة رِقَّةٌ تقتضي الإِحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: «الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميين رقةٌ وتعطُّف» .
[وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «وهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة» .
قال الخطَّابي: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة] لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ.
وقال الحسين بن الفضل: «هذا وَهْمٌ من الراوي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطيعلى العنف» ، ويؤيِّده الحديثُ، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
واختلف أهلُ العلمِ في «الرحمن الرحيم» بالنسبة إلى كونِهما بمعنىً واحدٍ أو مختلفين.
فذهب بعضُهم إلى أنهما بمعنى واحد كَنْدمان ونَدِيم، ثم اختلف هؤلاء على قولين، فمنهم مَنْ قال: جُمِع بينهما تأكيداً، ومنهم مَنْ قال: لمَّا تَسَمَّى مُسَيْلمة - لعنه الله- بالرحمن قال الله لنفسه: الرحمنُ الرحيم، فالجمعُ بين هاتين الصفتين لله تعالى فقط.
وهذا ضعيفٌ جداً، فإنَّ تسميَته بذلك غيرُ مُعْتَدٍّ بها البتَة، وأيضاً فإن بسم الله الرحمن الرحيم قبلَ ظهورِ أمرِ مُسَيْلَمَةَ.
ومنهم مَنْ قال: لكلِّ واحد فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، وجَعَل ذلك بالنسبة إلى تغايُرِ متعلِّقِهما إذ يقال: «رَحْمن الدنيا ورحيمُ الآخرة» ، يُروى ذلك عن النبي صلَى الله عليه وسلم، وذلك لأنَّ رحمته في الدنيا تَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، وفي الآخرة تَخُصُّ المؤمنين فقط، ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرة، وفي المغايَرة بينهما بهذا القَدْر وحدَه نظرٌ لا يَخْفى.
وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان، ثم اختلف هؤلاء أيضاً: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى، واختاره الزمخشري، وجعلَه من باب غَضْبان وسَكْران للممتلىءِ غَضَباً وسُكْراً، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط، قال الزمخشري: «فكان القياسُ الترقِّيَ من الأدنى، إلى الأعلى، كما يُقال: شُجاع باسلولا يقال: باسِلٌ شجاع.
ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النِّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ ما دَقَّ منها ولَطَف.
ومنهم مََنْ عَكَس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال:» رحيم الدنيا وحمان الآخرة «لأنه في الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن.
لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ، وأثرُها فيها أظهرُ، على ما يُروى أنه خَبَّأ لعباده تسعاً وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة.
والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ» فَعْلان «من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ» فعيل «من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة.
وقال أبو عبيدة:» وبناء فَعْلان ليس كبناءِ فَعِيل، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلا على مبالغةِ الفِعْل، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلئ غضباً، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول، قال: 31 - فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً ... فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ فالرحمنُ خاصٌّ الاسمِ عامُّ الفعل.
والرحيمُ عامٌّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلك لا يَتَعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل.
حكى ابنُ سِيده: «زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك» .
والألفُ واللام في «الرحمن» للغلَبة كهي في «الصَّعِق» ، ولا يُطلقعلى غير الباري تعالى عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: {قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] ، فعادَلَ به ما لا شِرْكَةَ فيه، بخلاف «رحيم» فإنه يُطلق على غيره تعالى، قال [تعالى] في حَقَّه عليه السلام: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128] ، وأمَّا قول الشاعر في مُسَيْلَمََةَ الكذاب -لعنه الله تعالى-: 32 -...................................... وأنت غَيْثُ الوَرى لا زلت رَحْمانا فلا يُلتفت إلى قوله لَفْرطَ تَعَنُّتهم، ولا يُستعمل إلاَّ مُعَرَّفاً بالألفِ واللامِ أو مضافاً، ولا يُلتفت لقوله: «لا زِلْتَ رَحْمانا» لشذوذه.
ومن غريب ما نُقِل فيه أنه مُعَرَّب، ليس بعربيِّ الأصل، وأنه بالخاء المعجمة قاله ثعلب [والمبرد وأنشد] : 33 - لن تُدْرِكوا المَجْدَ أو تَشْرُوا عَباءَكُمُ ... بِالخَزِّ أو تَجْعلوا اليَنْبُوتَ ضَمْرانا أو تَتْرُكونَ إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ... ومَسْحكم صُلبَهم رَخْمانَ قُرْبانا وفي وصل الرحيم بالحمد ثلاثة أوجهٍ، الذي عليه الجمهور: الرحيمِ بكسر الميم موصولةً بالحمد.
وفي هذه الكسرة احتمالان: أحدهما - وهو الأصحُّ - أنها حركةُ إعرابٍ، وقيل: يُحتمل أنَّ الميم سَكَنَت على نية الوقف، فلمَّا وقع بعدها ساكن حُرِّكت بالكسر.
والثاني من وَجْهَي الوصل: سكونُ الميمِ والوقفُ عليها، والابتداءُ بقطع ألف «الحمد» ، رَوَتْ ذلك أم سلمة عنهعليه السلام.
الثالث: حكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ: الرحيمَ الحمدُ «بفتح الميم ووصل ألف الحمد، كأنها سكنَّت وقطعَتِ الألفَ، ثم أَجْرت الوقف مُجرى الوصل، فألقَتْ حركة همزة الوصل على الميم الساكنة.
قال ابن عطية:» ولم تُرْوَ هذه قراءةً عن أحد [فيما علمت، «وهذا فيه نظرٌ يجيئ في: {الم الله} [آل عمران: 1-2] قلت: يأتي تحقيقه في آل عمران إن شاء الله تعالى، ويحتمل هذا وجهاً آخر وهو أن تكونَ الحركةُ للنصبِ بفعل محذوفٍ على القطع] ، وهو أَوْلى من هذا التكلُّف.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في «تَفْسِيرِهِ» عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: سَألْتُ الأسْوَدَ عَنْ «فاتِحَةِ الكِتابِ» أمِنَ القُرْآنِ هِيَ؟ قالَ: نَعَمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ «الصَّلاةِ»، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كانَ يَكْتُبُ ”فاتِحَةَ الكِتابِ“ و”المُعَوِّذَتَيْنِ“ و(اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ واللَّهُمَّ إيّاكَ نَسْتَعِينُ) ولَمْ يَكْتُبِ ابْنُ مَسْعُودٍ شَيْئًا مِنهُنَّ، وكَتَبَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ (فاتِحَةَ الكِتابِ) و(المُعَوِّذَتَيْنِ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ لا يَكْتُبُ ”فاتِحَةَ الكِتابِ“ في المُصْحَفِ وقالَ: لَوْ كَتَبْتُها لَكُتِبَتْ في أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ في ”أسْبابِ النُّزُولِ“ والثَّعْلَبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ ”فاتِحَةُ الكِتابِ“ بِمَكَّةَ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في ”دَلائِلِ النُّبُوَّةِ“ والواحِدِيُّ والثَّعْلَبِيُّ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ لِخَدِيجَةَ: ”إنِّي إذا خَلَوْتُ وحْدِي سَمِعْتُ نِداءً فَقَدْ واللَّهِ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا“ فَقالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ، ما كانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ بِكَ، فَواللَّهِ إنَّكَ لَتُؤَدِّي الأمانَةَ وتَصِلُ الرَّحِمَ وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، فَلَمّا دَخَلَ أبُو بَكْرٍ ولَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ لَهُ، وقالَتِ: اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّدٍ إلى ورَقَةَ. فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَذَ أبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقالَ: انْطَلِقْ بِنا إلى ورَقَةَ فَقالَ: ومَن أخْبَرَكَ؟ قالَ: خَدِيجَةُ، فانْطَلَقا إلَيْهِ فَقَصّا عَلَيْهِ فَقالَ: إذا خَلَوْتُ وحْدِي سَمِعْتُ نِداءً خَلْفِي: يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ، فَأنْطَلِقُ هارِبًا في الأرْضِ. فَقالَ: لا تَفْعَلْ، إذا أتاكَ فاثْبُتْ حَتّى تَسْمَعَ ما يَقُولُ ثُمَّ ائْتِنِي فَأخْبِرْنِي. فَلَمّا خَلا ناداهُ يا مُحَمَّدُ قُلْ ﴿﷽﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتّى بَلَغَ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قالَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَأتى ورَقَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ لَهُ ورَقَةُ: أبْشِرْ ثُمَّ أبْشِرْ، فَإنِّي أشْهَدُ أنَّكَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ ابْنُ مَرْيَمَ، وأنَّكَ عَلى مِثْلِ نامُوسِ مُوسى وأنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ حَدَّثَنِي ابْنُ يَسارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ قالَ: لَمّا أسْلَمَ بَنِي سَلِمَةَ، وأسْلَمَ ولَدُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ قالَتِ امْرَأةُ عَمْرٍو لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَسْمَعَ مِنِ ابْنِكَ ما رُوِيَ عَنْهُ؟ فَقالَ: أخْبِرْنِي ما سَمِعْتَ مِن كَلامِ هَذا الرَّجُلِ، فَقَرَأ عَلَيْهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فَقالَ: ما أحْسَنَ هَذا وأجْمَلَهُ، وكُلُّ كَلامِهِ مِثْلُ هَذا؟ فَقالَ: يا أبَتاهُ، وأحْسَنُ مِن هَذا. وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ وأبُو سَعِيدِ بْنُ الأعْرابِيِّ في ”مُعْجَمِهِ“، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ إبْلِيسَ رَنَّ حِينَ أُنْزِلَتْ ”فاتِحَةُ الكِتابِ“، وأُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ والفِرْيابِيُّ في ”تَفْسِيرَيْهِما“ وأبُو عُبَيْدٍ في ”فَضائِلِ القُرْآنِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ في ”تَفْسِيرِهِ“ وأبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ ”المَصاحِفِ“، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ مِن طُرُقٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ ”فاتِحَةُ الكِتابِ“ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ ”فاتِحَةُ الكِتابِ“ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ ”فاتِحَةُ الكِتابِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في ”فَضائِلِ القُرْآنِ“ عَنْ أيُّوبَ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ: أُمُّ الكِتابِ، ويَقُولُ: قالَ اللَّهُ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] [ الرَّعْدِ: ٣٩] ولَكِنْ يَقُولُ ”فاتِحَةُ الكِتابِ“ .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَرَأْتُمْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] فاقْرَءُوا ﴿﷽﴾ إنَّها أُمُّ القُرْآنِ وأُمُّ الكِتابِ والسَّبْعُ المَثانِي ﴿﷽﴾ إحْدى آياتِها»
وأخْرَجَ البُخارِيُّ والدّارِمِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ في ”تَفاسِيرِهِمْ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] أُمُّ القُرْآنِ وأُمُّ الكِتابِ والسَّبْعُ المَثانِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ في ”تَفاسِيرِهِمْ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ قالَ لِأُمِّ القُرْآنِ: هي أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي، وهي القُرْآنُ العَظِيمُ» .
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ العَلاءِ قالَ: كانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُسَمِّي فاتِحَةَ الكِتابِ: الوافِيَةَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ عَفِيفِ بْنِ سالِمٍ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ قِراءَةِ الفاتِحَةِ خَلْفَ الإمامِ فَقالَ: عَنِ الكافِيَةِ تَسْألُ؟ قُلْتُ: وما الكافِيَةُ؟ قالَ: ”الفاتِحَةُ“ أما عَلِمْتَ أنَّها تَكْفِي عَنْ سِواها ولا يَكْفِي سِواها عَنْها.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا شَكا إلَيْهِ وجَعَ الخاصِرَةِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِأساسِ القُرْآنِ. قالَ: وما أساسُ القُرْآنِ؟ قالَ: ”فاتِحَةُ الكِتابِ“ .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ وأبُو القاسِمِ بْنُ بِشْرانَ في ”أمالِيهِ“ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ السَّبْعِ المَثانِي فَقالَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هي سِتُّ آياتٍ. فَقالَ ﴿﷽﴾ آيَةٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ في ”تَفْسِيرِهِ“ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] سَبْعُ آياتٍ ﴿﷽﴾ إحْداهُنَّ وهي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ وهي أُمُّ القُرْآنِ وهي فاتِحَةُ الكِتابِ» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ - وهو يَؤُمُّ النّاسَ – افْتَتَحَ بِـ ﴿﷽﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هي آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ”فاتِحَةَ الكِتابِ“ فَإنَّها الآيَةُ السّابِعَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿﷽﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وقالَ: هي سَبْعٌ يا أُمَّ سَلَمَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ فَقالَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] [ الأنْفالِ: ٢٤] ثُمَّ قالَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَأخَذَ بِيَدِي، فَلَمّا أرَدْنا أنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ قُلْتَ: ”لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قالَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ في“ فَضائِلِ القُرْآنِ ”والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقالَ:“ يا أُبَيُّ ”- وهو يُصَلِّي - فالتَفَتَ أُبَيٌّ فَلَمْ يُجِبْهُ، وصَلّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ ثُمَّ انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ما مَنَعَكَ أنْ تُجِبْنِي إذْ دَعَوْتُكَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ في الصَّلاةِ. قالَ: أفَلَمْ تَجِدْ فِيما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ أنِ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] [ الأنْفالِ: ٢٤] ؟ قالَ: بَلى، ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ قالَ: أتُحِبُّ أنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ تَقْرَأُ في الصَّلاةِ؟ فَقَرَأ بِأُمِّ القُرْآنِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أُنْزِلُ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها، وإنَّها لَسَبْعٌ مِنَ المَثانِي، أوْ قالَ: السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» .
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في (زَوائِدِ المُسْنَدِ)، وابْنُ الضُّرَيْسِ في (فَضائِلِ القُرْآنِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ العَلاءِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في القُرْآنِ مِثْلَ أُمِّ القُرْآنِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُ وهي مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ وعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنَ السَّماءِ مِن فَوْقُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ هَذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلْ إلى الأرْضِ قَطُّ. قالَ: فَأتى النَّبِيَّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ مِن قَبْلِكَ، فاتِحَةُ الكِتابِ وخَواتِيمُ لَنْ تَقْرَأ حَرْفًا إلّا أُوتِيتَهُ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ فِجاجِ المَدِينَةِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَتَهَجَّدُ ويَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فاسْتَمَعَ حَتّى خَتَمَها، ثُمَّ قالَ: ما في القُرْآنِ مِثْلُها» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ في“ تَهْذِيبِ الآثارِ ”، ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ ثَلاثِينَ راكِبًا، فَنَزَلْنا بِقَوْمٍ مِنَ العَرَبِ، فَسَألْناهم أنْ يُضَيِّفُونا فَأبَوْا فَلُدِغَ سَيِّدُهم فَأتَوْنا، فَقالُوا: فِيكم أحَدٌ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ أنا، ولَكِنْ لا أفْعَلُ حَتّى تُعْطُونا شَيْئًا. قالُوا: فَإنّا نُعْطِيكم ثَلاثِينَ شاةً. قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْها ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] سَبْعَ مَرّاتٍ فَبَرَأ فَلَمّا قَبَضْنا الغَنَمَ عَرَضَ في أنْفُسِنا مِنها فَكَفَفْنا حَتّى أتَيْنا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ أما عَلِمْتَ أنَّها رُقْيَةٌ اقْتَسِمُوها واضْرِبُوا لِي مَعَكم بِسَهْمٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرُّوا بِماءٍ فِيهِ لَدِيغٌ أوْ سَلِيمٌ فَعَرَضَ لَهم رَجُلٌ مِن أهْلِ الحَيِّ فَقالَ: هَلْ فِيكم مِن راقٍ؟ إنَّ في الماءِ رَجُلًا لَدِيغًا- أوْ سَلِيمًا- فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنهم فَقَرَأ بِفاتِحَةِ الكِتابِ عَلى شاءٍ، فَجاءَ بِالشّاءِ إلى أصْحابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وقالُوا: أخَذْتَ عَلى كِتابِ اللَّهِ أجْرًا! حَتّى قَدِمُوا المَدِينَةَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أخَذَ عَلى كِتابِ اللَّهِ أجْرًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أحَقَّ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا، كِتابُ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ لَهُ: ألا أُخْبِرُكَ بِأخِيرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ في القُرْآنِ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ:“ فاتِحَةُ الكِتابِ ”، وأحْسَبُهُ قالَ: فِيها شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”والدّارَقُطْنِيُّ في“ الأفْرادِ ”، وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: «عَوَّذَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفاتِحَةِ الكِتابِ تَفْلًا» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في“ سُنَنِهِ ”والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ شِفاءٌ مِنَ السُّمِّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيّانَ في كِتابِ“ الثَّوابِ ”مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي فاتِحَةِ الكِتابِ: شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ مِن طَرِيقِ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ قالَ: «مَرَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزْوِهِمْ عَلى رَجُلٍ قَدْ صُرِعَ فَقَرَأ بَعْضُهم في أُذُنِهِ بِأُمِّ القُرْآنِ فَبَرَأ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هي أُمُّ الكِتابِ وهي شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ في“ عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ ”، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في“ الدَّلائِلِ ”عَنْ خارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمِّهِ، «أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أقْبَلَ راجِعًا مِن عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلى قَوْمٍ عِنْدَهم رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ بِالحَدِيدِ فَقالَ أهْلُهُ: أعْنَدَكَ ما تُداوِي بِهِ هَذا فَإنَّ صاحِبَكم قَدْ جاءَ بِخَيْرٍ؟ قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ“ فاتِحَةَ الكِتابِ ”ثَلاثَةَ أيّامٍ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، أجْمَعُ بُزاقِي ثُمَّ أتْفُلُ فَبَرَأ فَأعْطَوْنِي مِائَةَ شاةٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: كُلْ فَمَن أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ فَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ في“ مُسْنَدِهِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا وضَعْتَ جَنْبَكَ عَلى الفِراشِ وقَرَأْتَ فاتِحَةَ الكِتابِ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَقَدْ أمِنتَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا المَوْتَ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ «مَن قَرَأ أُمَّ القُرْآنِ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَكَأنَّما قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ ”» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في“ تَفْسِيرِهِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ ثُلُثا القُرْآنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في“ مُسْنَدِهِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ: «فاتِحَةُ الكِتابِ تُعْدَلُ بِثُلُثَيِ القُرْآنِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ في“ فَضائِلِهِ ”والبَيْهَقِيُّ في“ الشُّعَبِ ”عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ في مَسِيرٍ لَهُ فَنَزَلَ، فَمَشى رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ إلى جَنْبِهِ فالتَفَتَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِأفْضَلِ القُرْآنِ؟ فَتَلا عَلَيْهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في“ فَضائِلِ القُرْآنِ ”والبَيْهَقِيُّ في“ الشُّعَبِ ”عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي فِيما مَنَّ بِهِ عَلَيَّ: إنِّي أعْطَيْتُكَ فاتِحَةَ الكِتابِ، وهي مِن كُنُوزِ عَرْشِي ثُمَّ قَسَمْتُها بَيْنِي وبَيْنَكَ نِصْفَيْنِ» .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في“ مُسْنَدِهِ ”«عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ فاتِحَةِ الكِتابِ فَقالَ: حَدَّثَنا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أنَّها أُنْزِلَتْ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ في“ تَفْسِيرِهِ ”وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ في“ فَضائِلِهِ ”والبَيْهَقِيُّ في“ الشُّعَبِ ”عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ سُورَةَ البَقَرَةِ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ وأُعْطِيتُ (طه) والطَّواسِينَ والحَوامِيمَ مِن ألْواحِ مُوسى وأُعْطِيتُ فاتِحَةَ الكِتابِ وخَواتِيمَ سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ مِن تَحْتِ العَرْشِ والمُفَصَّلَ نافِلَةً» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في“ مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ ”عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ مَرْفُوعًا: «فاتِحَةُ الكِتابِ وآيَةُ الكُرْسِيِّ لا يَقْرَؤُهُما عَبْدٌ في دارٍ فَتُصِيبُهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَيْنُ إنْسٍ أوْ جِنٍّ» .
وأخَرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“ الثَّوابِ ”، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في“ المُخْتارَةِ ”عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْبَعٌ أُنْزِلْنَ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يَنْزِلْ مِنهُ شَيْءُ غَيْرُهُنَّ؛ أُمُّ الكِتابِ وآيَةُ الكُرْسِيِّ وخَواتِيمُ سُورَةِ “ البَقَرَةِ “ والكَوْثَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِئُ ما لا يُجْزِئُ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفَضَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في“ فَضائِلِهِ ”عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ فاتِحَةَ الكِتابِ فَكَأنَّما قَرَأ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”عَنِ الحَسَنِ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ مِائَةً وأرْبَعَةَ كُتُبٍ أوْدَعَ عُلُومَها أرْبَعَةً مِنها، التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ ثُمَّ أوْدَعَ عُلُومَ التَّوْارَةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ الفُرْقانَ ثُمَّ أوْدَعَ عُلُومَ القُرْآنِ المُفَصَّلِ ثُمَّ أوْدَعَ المُفَصَّلَ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَمَن عَلِمَ تَفْسِيرَها كانَ كَمَن عَلِمَ تَفْسِيرَ جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ في“ تَفْسِيرِهِ ”، وابْنُ الأنْبارِيِّ في“ المَصاحِفِ ”، وأبُو الشَّيْخِ في“ العَظَمَةِ ”، وأبُو نُعَيْمٍ في“ الحِلْيَةِ ”عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: رَنَّ إبْلِيسُ أرْبَعًا، حِينَ نَزَلَتْ“ فاتِحَةُ الكِتابِ ”وحِينَ لُعِنَ، وحِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ، وحِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] شَقَّ عَلى إبْلِيسَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، ورَنَّ رَنَّةً شَدِيدَةً ونَخَرَ نَخْرَةً شَدِيدَةً، قالَ مُجاهِدٌ: فَمَن رَنَّ أوْ نَخَرَ فَهو مَلْعُونٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ رَنَّ إبْلِيسُ كَرَنَّتِهِ يَوْمَ لُعِنَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: أُمُّ القُرْآنِ قِراءَةٌ ومَسْألَةٌ ودُعاءٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“ الثَّوابِ ”عَنْ عَطاءٍ قالَ: إذا أرَدْتَ حاجَةً فاقْرَأْ فاتِحَةَ الكِتابِ حَتّى تَخْتِمَها تَنْقَضِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ في“ مُعْجَمِ الصَّحابَةِ ”عَنْ رَجاءٍ الغَنَوِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَشْفُوا بِما حَمِدَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ قَبْلَ أنْ يَحْمَدَهُ خَلْقُهُ، وبِما مَدَحَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، قُلْنا: وما ذاكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قالَ الحَمْدُ لِلَّهِ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَمَن لَمْ يَشْفِهِ القُرْآنُ فَلا شَفاهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي المِنهالِ سَيّارِ بْنِ سَلامَةَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَقَطَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وعُمَرُ يَتَهَجَّدُ مِنَ اللَّيْلِ يَقْرَأُ بِفاتِحَةِ الكِتابِ لا يَزِيدُ عَلَيْها ويُكَبِّرُ ويُسَبِّحُ ثُمَّ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ، فَلَمّا أصْبَحَ الرَّجُلُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقالَ عُمَرُ: لِأُمِّكَ الوَيْلُ، ألَيْسَتْ تِلْكَ صَلاةَ المَلائِكَةِ؟!
قُلْتُ: فِيهِ أنَّ المَلائِكَةَ أُذِنَ لَهم في قِراءَةِ الفاتِحَةِ فَقَطْ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلاحِ أنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ خَصِيصَةٌ أُوتِيَها البَشَرُ دُونَ المَلائِكَةِ وأنَّهم حَرِيصُونَ عَلى سَماعِهِ مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ أبِي قِلابَةَ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن شَهِدَ فاتِحَةَ الكِتابِ حِينَ يُسْتَفْتَحُ، كانَ كَمَن شَهِدَ فَتْحًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن شَهِدَ حِينَ يُخْتَمُ كانَ كَمَن شَهِدَ الغَنائِمَ حِينَ تُقْسَمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في“ تارِيخِ دِمَشْقَ ”عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أخَذَ أحَدُكم مَضْجَعَهُ لِيَرْقُدَ فَلْيَقْرَأْ بِأُمِّ الكِتابِ وسُورَةٍ، فَإنَّ اللَّهَ يُوَكِّلُ بِهِ مَلَكًا يَهُبُّ مَعَهُ إذا هَبَّ» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في“ الأُمِّ ”، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في“ المُصَنَّفِ ”، وأحْمَدُ في“ مُسْنَدِهِ ”والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ في“ السُّنَنِ ”عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمُّ القُرْآنِ عِوَضٌ مِن غَيْرِها ولَيْسَ غَيْرُها عِوَضًا عَنْها» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أُنادِيَ: لا صَلاةَ إلّا بِقُرْآنٍ، بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَما زادَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كُلُّ صَلاةٍ لا يُقْرَأُ فِيها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَهي خِداجٌ» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في“ المُوَطَّأِ ”وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في“ تَفْسِيرِهِ ”وأبُو عُبَيْدٍ في“ فَضائِلِهِ ”، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في“ مُسْنَدِهِ ”وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في“ تَفْسِيرِهِ ”والبُخارِيُّ في“ جُزْءِ القِراءَةِ ”، ومُسْلِمٌ في“ صَحِيحِهِ ”وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في“ المَصاحِفِ ”، وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ في“ السُّنَنِ ”عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيها بِأُمِّ الكِتابِ فَهي خِداجٌ، فَهي خِداجٌ ثَلاثَ مَرّاتٍ، غَيْرُ تَمامٍ، قالَ أبُو السّائِبِ: فَقُلْتُ يا أبا هُرَيْرَةَ إنِّي أحْيانًا أكُونُ وراءَ الإمامِ، فَغَمَزَ ذِراعِي، وقالَ: اقْرَأْ بِها يا فارِسِيُّ في نَفْسِكَ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُها لِي، ونِصْفُها لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اقْرَءُوا، يَقُولُ العَبْدُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَيَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، ويَقُولُ العَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] فَيَقُولُ اللَّهُ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، ويَقُولُ العَبْدُ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَيَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، ويَقُولُ العَبْدُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَيَقُولُ اللَّهُ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي أوَّلُها لِي وآخِرُها لِعَبْدِي ولَهُ ما سَألَ، ويَقُولُ العَبْدُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فَيَقُولُ اللَّهُ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ في“ السُّنَنِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ هَذِهِ السُّورَةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿﷽﴾ يَقُولُ اللَّهُ: ذَكَرَنِي عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَقُولُ اللَّهُ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قالَ: هَذِهِ الآيَةُ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وآخِرُ السُّورَةِ لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في“ تَفْسِيرَيْهِما ”، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ اللَّهُ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ولَهُ ما سَألَ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، ثُمَّ قالَ: هَذا لِي ولَهُ ما بَقِيَ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاتِحَةَ الكِتابِ ثُمَّ قالَ: قالَ رَبُّكُمُ: ابْنَ آدَمَ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ سَبْعَ آياتٍ، ثَلاثٌ لِي وثَلاثٌ لَكَ وواحِدَةٌ بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَأمّا الَّتِي لِي فَـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] والَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مِنكَ العِبادَةُ وعَلَيَّ العَوْنُ لَكَ، وأمّا الَّتِي لَكَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة»: ٦] .
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿﷽﴾
أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ سَعْدٍ في“ الطَّبَقاتِ ”، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في“ المَصاحِفِ ”والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ والخَطِيبُ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ كِلاهُما في“ كِتابِ البَسْمَلَةِ ”عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ: ﴿﷽﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قَطَّعَها آيَةً آيَةً وعَدَّدَها عَدَّ الأعْرابِ وعَدَّ (﷽) ولَمْ يَعُدَّ (عَلَيْهِمْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا أخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى أُخْبِرَكَ بِآيَةٍ أوْ سُورَةٍ لَمْ تَنْزِلْ عَلى نَبِيٍّ بَعْدَ سُلَيْمانَ غَيْرِي، قالَ: فَمَشى وتَبِعْتُهُ حَتّى انْتَهى إلى بابِ المَسْجِدِ فَأخْرَجَ إحْدى رِجْلَيْهِ مِن أُسْكُفَّةِ المَسْجِدِ، وبَقِيَتِ الأُخْرى في المَسْجِدِ، فَقُلْتُ بَيْنِي وبَيْنَ نَفْسِي: نَسِيَ ذاكَ. فَأقْبَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ فَقالَ: بِأيِّ شَيْءٍ تَفْتَتِحُ القُرْآنَ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ؟ قُلْتُ: بِـ“﷽”قالَ: هي هِيَ، ثُمَّ خَرَجَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ“﷽”آيَةٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في“ سُنَنِهِ ”، وابْنُ خُزَيْمَةَ في كِتابِ“ البَسْمَلَةِ ”والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَرَقَ الشَّيْطانُ مِنَ النّاسِ – ولَفْظُ البَيْهَقِيِّ: مِن أهْلِ العِراقِ – أعْظَمَ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ؛ (﷽) .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أغْفَلَ النّاسُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ لَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ سِوى النَّبِيِّ ﷺ إلّا أنْ يَكُونَ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ“﷽”.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ إذا جاءَنِي بِالوَحْيِ أوَّلَ ما يُلْقِي عَلَيَّ:“﷽”» .
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَتْ“﷽”في كُلِّ سُورَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في المَعْرِفَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ - وفي لَفْظٍ: خاتِمَةَ السُّورَةِ - حَتّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ“﷽”زادَ البَزّارُ والطَّبَرانِيُّ: فَإذا نَزَلَتْ عَرَفَ أنَّ السُّورَةَ قَدْ خُتِمَتْ واسْتُقْبِلَتْ- أوِ ابْتُدِئَتْ- سُورَةٌ أُخْرى» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ لا يَعْلَمُونَ انْقِضاءَ السُّورَةِ حَتّى تَنْزِلَ“﷽”فَإذا نَزَلَتْ عَرَفُوا أنَّ السُّورَةَ قَدِ انْقَضَتْ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا لا يَعْرِفُونَ انْقِضاءَ السُّورَةِ حَتّى تَنْزِلَ“﷽”فَإذا نَزَلَتْ عَلِمُوا أنَّ قَدِ انْقَضَتِ السُّورَةُ ونَزَلَتْ أُخْرى» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا جاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَرَأ“﷽”عَلِمَ أنَّها سُورَةٌ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا لا نَعْلَمُ فَصْلَ ما بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتّى تَنْزِلَ“﷽”.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ في الصَّلاةِ:“﷽”فَإذا خَتَمَ السُّورَةَ قَرَأها يَقُولُ: ما كُتِبَتْ في المُصْحَفِ إلّا لِتُقْرَأ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَّمَنِي جِبْرِيلُ الصَّلاةَ فَقامَ فَكَبَّرَ لَنا، ثُمَّ قَرَأ“﷽”فِيما يُجْهَرُ بِهِ في كُلِّ رَكْعَةٍ» .
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جُدْعانَ أنَّ العَبادِلَةَ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ القِراءَةَ بِـ“﷽”يَجْهَرُونَ بِها، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فافْتَتَحَ الصَّلاةَ وتَعَوَّذَ، ثُمَّ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ لَهُ: يا رَجُلُ قَطَعْتَ عَلى نَفْسِكَ الصَّلاةَ، أما عَلِمْتَ أنَّ“﷽”مِنَ الحَمْدِ، فَمَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ آيَةً، ومَن تَرَكَ آيَةً فَقَدْ أفْسَدَ عَلَيْهِ صِلاتَهُ» .
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ إذا افْتَتَحَ السُّورَةَ في الصَّلاةِ يَقْرَأُ:“﷽”وكانَ يَقُولُ: مَن تَرَكَ قِراءَتَها فَقَدْ نَقَصَ. وكانَ يَقُولُ: هي تَمامُ السَّبْعِ المَثانِي.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَرَكَ“﷽”فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في“ الأُمِّ ”والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى بِهِمْ ولَمْ يَقْرَأْ“﷽”ولَمْ يُكَبِّرْ إذا خَفَضَ وإذا رَفَعَ، فَناداهُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ حِينَ سَلَّمَ: يا مُعاوِيَةُ أسَرَقْتَ صَلاتَكَ؟ أيْنَ“﷽”؟ وأيْنَ التَّكْبِيرُ؟ فَلَمّا صَلّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأ“﷽”لِأُمِّ القُرْآنِ ولِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَها، وكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي ساجِدًا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: مِن سُنَّةِ الصَّلاةِ أنْ يُقْرَأ“﷽”وإنَّ أوَّلَ مَن أسَرَّ“﷽”عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِي بِالمَدِينَةِ، وكانَ رَجُلًا حَيِيًّا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْتَتِحُ صِلاتَهُ بِـ“﷽”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْهَرُ بِـ“﷽”في الصَّلاةِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وعَمّارًا يَقُولانِ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَجْهَرُ في المَكْتُوباتِ بِـ“﷽”في فاتِحَةِ الكِتابِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ، «أنَّ ابْنَ عُمَرَ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ يَقْرَأُ بِـ“﷽”في أُمِّ القُرْآنِ وفي السُّورَةِ الَّتِي تَلِيها ويَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِـ“﷽”» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِـ“﷽”» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحاهُ عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ قالَ: «كُنْتُ وراءَ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأ:“﷽”ثُمَّ قَرَأ بِأُمِّ القُرْآنِ حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قالَ: آمِينَ، وقالَ النّاسُ: آمِينَ، ويَقُولُ كُلَّما سَجَدَ: اللَّهُ أكْبَرُ وإذا قامَ مِنَ الجُلُوسِ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، ويَقُولُ إذا سَلَّمَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنِّي لَأشْبَهُكم صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْهَرُ بِـ“﷽”في السُّورَتَيْنِ جَمِيعًا» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ؟ قُلْتُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ: قُلْ:“﷽”» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”، عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَقْرَأُ إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ؟ قُلْتُ: أقْرَأُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ: قُلْ:“﷽”» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَكانُوا يَجْهَرُونَ بِـ“﷽”» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَجَهَرَ بِـ“﷽”» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ وكانَ بَدْرِيًّا قالَ «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَهَرَ في الصَّلاةِ بِـ“﷽”في صَلاةِ اللَّيْلِ وصَلاةِ الغَداةِ وصَلاةِ الجُمُعَةِ» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَجْهَرُ بِـ “﷽”» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ القُرَظِيِّ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ بِـ ﴿﷽﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في“ تَفْسِيرِهِ ”، والحاكِمُ في (المُسْتَدْرَكِ) وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ في“ فَضائِلِهِ ”والخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في“ تارِيخِهِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ﴿﷽﴾ فَقالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وما بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الأكْبَرِ إلّا كَما بَيْنَ سَوادِ العَيْنِ وبَياضِها مِنَ القُرْبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَدِيٍّ في“ الكامِلِ ”، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في“ الحِلْيَةِ ”، وابْنُ عَساكِرَ في“ تارِيخِ دِمَشْقَ ”والثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى الكُتّابِ لِيُعَلِّمَهُ، فَقالَ لَهُ المُعَلِّمُ: اكْتُبْ ﴿﷽﴾ قالَ لَهُ عِيسى: وما بِاسْمِ اللَّهِ؟ قالَ المُعَلِّمُ: لا أدْرِي. فَقالَ لَهُ عِيسى: الباءُ بَهاءُ اللَّهِ، والسِّينُ سَناؤُهُ، والمِيمُ مَمْلَكَتُهُ، واللَّهُ إلَهُ الآلِهَةِ والرَّحْمَنُ رَحْمانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أوَّلُ ما نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: قُلْ: ﴿﷽﴾ يا مُحَمَّدُ، يَقُولُ: اقْرَأْ بِذِكْرِ اللَّهِ: واللَّهُ ذُو الأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ عَلى خَلْقِهِ أجْمَعِينَ، والرَّحْمَنُ الفَعْلانُ مِنَ الرَّحْمَةِ والرَّحِيمُ الرَّفِيقُ الرَّقِيقُ بِمَن أحَبَّ أنْ يَرْحَمَهُ والبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلى مَن أحَبَّ أنْ يُضَعِّفَ عَلَيْهِ العَذابَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، هو اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في“ تارِيخِهِ ”، وابْنُ الضُّرَيْسِ في “ فَضائِلِهِ ”، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، هو اللَّهُ، ألا تَرى أنَّهُ في جَمِيعِ القُرْآنِ يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ اسْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في“ الدُّعاءِ ”عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ هو يا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الرَّحِيمُ اسْمٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرَّحْمَنُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، والرَّحِيمُ بِالمُؤْمِنِينَ خاصَّةً.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“ الأسْماءِ والصِّفاتِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّحْمَنُ وهو الرَّقِيقُ، الرَّحِيمُ وهو العاطِفُ عَلى خَلْقِهِ بِالرِّزْقِ وهُما اسْمانِ رَقِيقانِ أحَدُهُما أرَقُّ مِنَ الآخَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: كانَ الرَّحْمَنَ، فَلَمّا اخْتُزِلَ الرَّحْمَنُ مِنِ اسْمِهِ كانَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في“ الدَّلائِلِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ لِي أبِي: ألا أُعَلِّمُكِ دُعاءً عَلَّمَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - قالَ: وكانَ عِيسى يُعَلِّمُهُ الحَوارِيِّينَ – لَوْ كانَ عَلَيْكِ مِثْلُ أحَدٍ دَيْنًا لَقَضاهُ اللَّهُ عَنْكِ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ فارِجَ الهَمِّ كاشِفَ الغَمِّ - ولَفْظُ البَزّارِ: وكاشِفَ الكَرْبِ - مُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّينَ، رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما، أنْتَ تَرْحَمُنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِها عَمَّنْ سِواكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ ويُعَلِّمُهُنَّ: اللَّهُمَّ فارِجَ الهَمِّ وكاشِفَ الكَرْبِ ومُجِيبَ المُضْطَرِّينَ، ورَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما، ارْحَمْنِي اليَوْمَ رَحْمَةً تُغْنِينِي بِها عَنْ رَحْمَةِ مَن سِواكَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”مِن طَرِيقِ ابْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيَّ سُورَةً لَمْ يُنْزِلْها عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ قَبْلِي. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: قالَ اللَّهُ تَعالى: قَسَمْتُ هَذِهِ السُّورَةَ بَيْنِي وبَيْنَ عِبادِي؛ فاتِحَةُ الكِتابِ، جَعَلْتُ نِصْفَها لِي، ونِصْفَها لَهُمْ، وآيَةً بَيْنِي وبَيْنَهُمْ، فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿﷽﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: عَبْدِي دَعانِي بِاسْمَيْنِ رَقِيقَيْنِ، أحَدُهُما أرَقُّ مِنَ الآخَرِ، فالرَّحِيمُ أرَقُّ مِنَ الرَّحْمَنِ، وكَلاهُما رَقِيقانِ. فَإذا قالَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ اللَّهُ: شَكَرَنِي عَبْدِي وحَمِدَنِي، فَإذا قالَ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قالَ اللَّهُ: شَهِدَ عَبْدِي أنِّي رَبُّ العالَمِينَ، يَعْنِي بِـ (رَبِّ العالَمِينَ) رَبَّ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ وسائِرِ الخَلْقِ، ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وخالِقِ كُلِّ شَيْءٍ. فَإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَقُولُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] - يَعْنِي بِـ (يَوْمِ الدِّينِ): يَوْمَ الحِسابِ -، قالَ اللَّهُ تَعالى: شَهِدَ عَبْدِي أنَّهُ لا مالِكَ لِيَوْمِ الحِسابِ أحَدٌ غَيْرِي، وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَقَدْ أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي. ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] يَعْنِي اللَّهَ أعْبُدُ وأُوَحِّدُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قالَ اللَّهُ تَعالى: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي؛ إيّايَ يَعْبُدُ فَهَذِهِ لِي، وإيّايَ يَسْتَعِينُ، فَهَذِهِ لَهُ، ولِعَبْدِي بَعْدُ ما سَألَ» .
بَقِيَّةُ السُّورَةِ: ﴿اهْدِنا﴾ [الفاتحة: ٦] أرْشِدْنا ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] يَعْنِي دِينَ الإسْلامِ لِأنَّ كُلَّ دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمِ، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ التَّوْحِيدُ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يَعْنِي بِهِ النَّبِيِّينَ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ والنُّبُوَّةِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] يَقُولُ: أرْشِدْنا غَيْرَ دِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ وهُمُ اليَهُودُ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وهُمُ النَّصارى أضَلَّهُمُ اللَّهُ بَعْدَ الهُدى، فَبِمَعْصِيَتِهِمْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتِ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ [المائدة: ٦٠] في الدُّنْيا والآخِرَةِ، يَعْنِي: شَرٌّ مَنزِلًا مِنَ النّارِ ﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] [ المائِدَةِ: ٦٠] مِنَ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: أضَلُّ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ المَهْدِيِّ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَإذا قالَ الإمامُ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا: آمِينَ يُجِبْكُمُ اللَّهُ»، «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: قالَ لِي: يا مُحَمَّدُ هَذِهِ نَجاتُكَ ونَجاةُ أُمَّتِكَ ومَنِ اتَّبَعَكَ عَلى دِينِكَ مِنَ النّارِ» .
قالَ البَيْهَقِيُّ: قَوْلُهُ:“ رَقِيقانِ ”، قِيلَ: هَذا تَصْحِيفٌ وقَعَ في الأصْلِ، وإنَّما هو رَفِيقانِ، والرَّفِيقُ: مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والثَّعْلَبِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿﷽﴾ هَرَبَ الغَيْمُ إلى المَشْرِقِ وسَكَنَتِ الرِّيحُ وهاجَ البَحْرُ وأصْغَتِ البَهائِمُ بِآذانِها، ورُجِمَتِ الشَّياطِينُ مِنَ السَّماءِ، وحَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وجَلالِهِ ألّا يُسَمّى عَلى شَيْءٍ إلّا بارَكَ فِيهِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ والثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن أرادَ أنْ يُنَجِّيَهُ اللَّهُ مِنَ الزَّبانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَلْيَقْرَأْ ﴿﷽﴾ لِيَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها جُنَّةً مِن كُلِّ واحِدٍ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في“ مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: إنَّ المُعَلِّمَ إذا قالَ لِلصَّبِيِّ قُلْ: ﷽ كَتَبَ اللَّهُ لِلْمُعَلِّمِ ولِلصَّبِيِّ ولِأبَوَيْهِ بَراءَةً مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في“ عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ ”والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «إذا وقَعْتَ في ورْطَةٍ فَقُلْ: ﷽، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَصْرِفُ بِها ما يَشاءُ مِن أنْواعِ البَلاءِ» .
وأخْرَجَ الحافِظُ عَنْ عَبْدِ القادِرِ الرُّهاوِيِّ في الأرْبَعِينَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِ﷽، أقْطَعُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“ المُصَنَّفِ ”، وأبُو نُعَيْمٍ في“ الحِلْيَةِ ”عَنْ عَطاءٍ قالَ: إذا تَناهَقَتِ الحُمُرُ مِنَ اللَّيْلِ فَقُولُوا: ﷽، أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“ العَظَمَةِ ”عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: الجِنُّ يَسْتَمْتِعُونَ بِمَتاعِ الإنْسِ وثِيابِهِمْ فَمَن أخَذَ مِنكم ثَوْبًا أوْ وضَعَهُ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإنَّ اسْمَ اللَّهِ طابِعٌ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿﷽﴾ ضَجَّتِ الجِبالُ حَتّى سَمِعَ أهْلُ مَكَّةَ دَوِيَّها فَقالُوا: سَحَرَ مُحَمَّدٌ الجِبالَ، فَبَعَثَ اللَّهُ دُخانًا حَتّى أظَلَّ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن قَرَأ ﴿﷽﴾ مُوقِنًا، سَبَّحَتْ مَعَهُ الجِبالُ إلّا أنَّهُ يُسْمَعُ ذَلِكَ مِنها» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأ ﴿﷽﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ أرْبَعَةَ آلافِ حَسَنَةٍ ومَحا عَنْهُ أرْبَعَةَ آلافِ سَيِّئَةٍ ورَفَعَ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ دَرَجَةٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في“ سُنَنِهِ ”«عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: كانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأ ﴿﷽﴾ يَمُدُّ“بِسْمِ اللَّهِ”ويَمُدُّ“الرَّحْمَنِ”ويَمُدُّ“الرَّحِيمِ”» .
وأخْرَجَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في“ الجامِعِ ”عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿﷽﴾ مِفْتاحُ كُلِّ كِتابٍ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في“ الجامِعِ ”عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لا يَصْلُحُ كِتابٌ إلّا أوَّلُهُ ﴿﷽﴾ وإنْ كانَ شِعْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: إنَّ الشِّعْرَ لا يُكْتَبُ فِيهِ: ﴿(﷽)﴾ .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ ألّا يُكْتَبَ في الشِّعْرِ ﴿﷽﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي داوُدَ والخَطِيبُ في“ الجامِعِ ”عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَكْتُبُوا أمامَ الشِّعْرِ ﴿﷽﴾ .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: أجْمَعُوا ألّا يَكْتُبُوا أمامَ الشِّعْرِ ﴿﷽﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في“ المُصَنَّفِ ”عَنْ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ أنَّهُما كَرِها أنْ يَكْتُبَ الجُنُبُ ﴿﷽﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في“ تارِيخِ أصْبَهانَ ”، وابْنُ أشْتَةَ في“ المَصاحِفِ ”بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كَتَبَ: ﴿﷽﴾ مُجَوَّدَةً تَعْظِيمًا لِلَّهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: تَنَوَّقَ رَجُلٌ في ﴿﷽﴾ فَغُفِرَ لَهُ.
وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في“ جُزْءٍ لَهُ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَمُدَّ الباءَ إلى المِيمِ حَتّى تَرْفَعَ السِّينَ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في“ الجامِعِ ”عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تُمَدَّ ﴿﷽﴾ [الفاتحة»: ١] .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ أشْتَةَ في“ المَصاحِفِ ”عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَمُدَّ الباءَ إلى المِيمِ حَتّى يَكْتُبَ السِّينَ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في“ مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ ”، وابْنُ عَساكِرَ في“ تارِيخِ دِمَشْقَ ”عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كَتَبْتَ ﴿﷽﴾ فَبَيِّنِ السِّينَ فِيهِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في“ الجامِعِ ”والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إذا كَتَبَ أحَدُكم ﴿﷽﴾ فَلْيَمُدِ (الرَّحْمَنِ») .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا مُعاوِيَةُ ألْقِ الدَّواةَ وحَرِّفِ القَلَمَ وانْصِبِ الباءَ وفَرِّقِ السِّينَ ولا تَغُوِّرِ المِيمَ وحَسِّنِ (اللَّهِ) ومُدَّ (الرَّحْمَنِ) وجَوِّدِ (الرَّحِيمِ) وضَعْ قَلَمَكَ عَلى أُذُنِكَ اليُسْرى فَإنَّهُ أذْكَرُ لَكَ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ قالَ «كانَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ كاتِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ حُرُوفِ الباءِ والسِّينِ ثُمَّ يَمُدَّهُ إلى المِيمِ، ثُمَّ يَجْمَعَ حُرُوفَ (اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ولا يَمُدَّ شَيْئًا مِن أسْماءِ اللَّهِ في كِتابِهِ ولا قِراءَةٍ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يُكْتَبَ“ بِمَ ”حِينَ يَبْدَأُ فَيُسْقِطُ السِّينَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أنَّهُ كَتَبَ لِابْنِ سِيرِينَ“ بِمَ ”فَقالَ: مَهْ، اكْتُبْ سِينًا، اتَّقُوا أنْ يَأْثَمَ أحَدُكم وهو لا يَشْعُرُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ عِمْرانَ بْنِ عَوْنٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ ضَرَبَ كاتِبًا كَتَبَ المِيمَ قَبْلَ السِّينِ، فَقِيلَ لَهُ: فِيمَ ضَرَبَكَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ؟ فَقالَ: في سِينٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في“ طَبَقاتِهِ ”عَنْ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ أسْماءَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ عَزَلَ كاتِبًا لَهُ في هَذا كُتِبَ“ بِمَ ”ولَمْ يَجْعَلِ السِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَكْتُبَ الباءَ ثُمَّ يَمُدَّها إلى المِيمِ حَتّى يَكْتُبَ السِّينَ، ويَقُولَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ مُعاذِ بْنِ مُعاذٍ قالَ: كَتَبْتُ عِنْدَ سَوّارٍ ﴿﷽﴾ فَمَدَدْتُ الباءَ ولَمْ أكْتُبِ السِّينَ فَأمْسَكَ يَدِي وقالَ: كانَ الحُسْنُ ومُحَمَّدٌ يَكْرَهانِ هَذا.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صالِحٍ قالَ: كَتَبْتُ ﴿﷽﴾ ورَفَعْتُ الباءَ فَطالَتْ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ اللَّيْثُ وكَرِهَهُ وقالَ: غَيَّرْتَ المَعْنى يَعْنِي لِأنَّها تَصِيرُ لامًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلى كِتابٍ في الأرْضِ فَقالَ لِفَتًى مَعَهُ: ما هَذا؟ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ. قالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَن فَعَلَ هَذا، لا تَضَعُوا بِسْمِ اللَّهِ إلّا في مَوْضِعِهِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَن رَفَعَ قِرْطاسًا مِنَ الأرْضِ فِيهِ: ﴿﷽﴾ إجْلالًا لِلَّهِ أنْ يُداسَ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وخُفِّفَ عَنْ والِدَيْهِ وإنْ كانا كافِرَيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في“ البَعْثِ ”عَنْ أُمِّ خالِدٍ بِنْتِ خالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِي قالَتْ: أبِي أوَّلُ مَن كَتَبَ ﴿﷽﴾ .
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالَ: ﴿﷽﴾ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: دَقَّ اللَّهُ فاكَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في“ مَراسِيلِهِ ”وفي“ نُسَخِهِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْهَرُ بِـ ﴿﷽﴾ بِمَكَّةَ وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَدْعُونَ مُسَيْلِمَةَ الرَّحْمَنَ، فَقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إلى إلَهِ اليَمامَةِ فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِإخْفائِها، فَما جَهَرَ بِها حَتّى ماتَ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَأ ﴿﷽﴾ هَزَأ مِنهُ المُشْرِكُونَ وقالُوا: مُحَمَّدٌ يَذْكُرُ إلَهَ اليَمامَةِ. وكانَ مُسَيْلِمَةُ يَتَسَمّى الرَّحْمَنَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألّا يَجْهَرَ بِها» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُسِرُّ بِـ ﴿﷽﴾ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا مِنهم يَجْهَرُ بِـ ﴿(﷽)﴾ [الفاتحة»: ١] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: سَمِعَنِي أبِي وأنا أقْرَأُ ﴿﷽﴾ فَقالَ: أيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ؛ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا مِنهم جَهَرَ بِـ ﴿﷽﴾ [الفاتحة»: ١] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجَهْرُ بِـ ﴿﷽﴾ قِراءَةُ الأعْرابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: جَهْرُ الإمامِ بِـ ﴿﷽﴾ بِدْعَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ يَحْيى بْنِ عَتِيقٍ قالَ: كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: اكْتُبُوا في أوَّلِ الإمامِ ﴿﷽﴾ واجْعَلُوا بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ خَطًّا.
* الوقفات التدبرية
١- ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (٢) ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (٣) مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾
كأنه سبحانه يقول: يا عبادي إن كنتم تحمدون وتعظمون للكمال الذاتي والصفاتي فاحمدوني فإني أنا «الله»، وإن كان للإحسان والتربية والإنعام فإني أنا «رب العالمين»، وإن كان للرجاء والطمع في المستقبل فإني أنا «الرحمن الرحيم»، وإن كان للخوف فإني أنا «مالك يوم الدين». [الألوسي: ١/٨٦]
السؤال: ما دلالة الأوصاف الأربعة في بداية سورة الفاتحة على الحمد لله؟
٢- ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ (٢) ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (٣) مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾
لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجلّ المطالب ونيله أشرف المواهب علَّّم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه، وتمجيده ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته. وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء. [ابن القيم: ١/٣٦]
السؤال: ذكرت في الآيات وسيلتان لاستجابة الدعاء، ما هما؟
٣- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
ذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى؛ فإن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي. [السعدي: ٣٩]
السؤال: الاستعانة نوع من أنواع العبادة، فلماذا أفردها الله بالذكر بعد ذكر العبادة الشاملة للاستعانة وغيرها؟
٤- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
العبادة أعلى مراتب الخضوع ولا يجوز شرعاً ولا عقلا فعلها إلا لله تعالى لأنه المستحق لذلك لكونه موليا لأعظم النعم من الحياة والوجود وتوابعهما. [الألوسي: ١/٨٦]
السؤال: لماذا حصرت العبادة لله تعالى؟
٥- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾
في قوله: ﴿نعبد﴾ بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع. [البقاعي: ١/١٧]
السؤال: لماذا كانت صيغة العبادة والاستعانة والدعاء في سورة الفاتحة بالجمع؟
٦- ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾
الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق؛ بل لا نسبة بينهما؛ لأنه إذا هُدي كان من المتقين، ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. [ابن تيمية: ١/١١٦]
السؤال: لماذا كانت الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق؟
٧- ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾
على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم. وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطّرف ... فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا؛ حذو القُذَّة بالقُذَّة جزاءً وفاقاً؛ ﴿هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ [النمل: ٩٠]. [ابن القيم: ١/٣٥]
السؤال: ما العلاقة بين التزام العبد الصراط المستقيم في الدنيا وسيره على الصراط في الآخرة؟
* التوجيهات
١- هذه السورة مقسمة بين الله وعبده؛ فـ﴿إياك نعبد﴾ مع ما قبلها لله، ﴿وإياك نستعين﴾ مع ما بعدها للعبد، فتأمل، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
٢- لن تعبد الله حق العبادة حتى يعينك الله على ذلك، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
٣- الحذر من اتباع منهج اليهود: ﴿تقديم الهوى على الشرع﴾﴿ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ومن منهج النصارى: ﴿العبادة بالبدعة والجهل﴾، ﴿وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾<
* العمل بالآيات
١- . ادع الله، وابدأ الدعاء بالحمد والثناء عليه سبحانه كما ابتدأت سورة الفاتحة، ثم اسأله ما تريد كما ختمت السورة،﴿﴾ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ ،﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾
٢- سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن وأكثر سورة تقرأها، اقرأ تفسيرها من أحد التفاسير وأكثر من تدبر آياتها، ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (١) ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾، الآيات ... إلى آخر السورة.
٣- حدد مجموعة من أهل الخير والصلاح وأكثر من مصاحبتهم ومجالستهم، ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
* معاني الكلمات
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أَيْ: أَبْتَدِئُ قِرَاءَتِي مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللهِ.
﴿الرَّحْمَانِ﴾ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ.
﴿الرَّحِيمِ﴾ الَّذِي يَرْحَمُ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿رَبِّ﴾ الرَّبُّ: الْمُرَبِّي لِخَلْقِهِ بِنِعَمِهِ.
﴿الْعَالَمِينَ﴾ كُلِّ مَنْ سِوَى اللهِ تَعَالَى.
﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَوْمِ الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لاَ نَعْبُدُ إِلاَّ أَنْتَ.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لاَ نَسْتَعِينُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِنَا إِلاَّ بِكَ.
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الطَّرِيقَ الَّذِي لاَ عِوَجَ فِيهِ؛ وَهُوَ الإِسْلاَمُ.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ الْيَهُودِ، وَمَنْ شَابَهَهُمْ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ.
﴿الضَّالِّينَ﴾ النَّصَارَى، وَمَنْ شَابَهَهُمْ فِي الْعَمَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أنّ التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدأ بذكرها في كل أمر ذى بال، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه اللَّه ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم اللَّه، ولذلك يجهرون بها. وقالوا:
قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا (آمين) فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها. وعن ابن عباس: «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب اللَّه تعالى»(١) .
فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف تقديره: بسم اللَّه أقرأ أو أتلو(٢) لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم اللَّه والبركات، كان المعنى:
بسم اللَّه أحل وبسم اللَّه أرتحل وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله ب «بسم اللَّه» كان مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجارّ قوله عزّ وجلّ: (فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) ، أى اذهب في تسع آيات. وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، وقول الأعرابى: باليمن والبركة، بمعنى أعرست، أو نكحت. ومنه قوله:
فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُمْ ... فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعامَا(٣) فإن قلت: لم قدّرت المحذوف متأخراً؟(٤) قلت: لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم اللَّه عزّ وجلّ بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص. والدليل عليه قوله:
(بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) . فإن قلت: فقد قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ، فقدّم الفعل. قلت:
هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.
فإن قلت: ما معنى تعلق اسم اللَّه بالقراءة؟(٥) قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى أنّ المؤمن لما اعتقد أنّ فعله لا يجيء معتدا به في الشرع واقعا على السنة حتى يصدر بذكر اسم اللَّه لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل أمر ذى بال لم يبدأ فيه باسم اللَّه فهو أبتر»(٦) إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولا باسم اللَّه كما يفعل الكتب بالقلم.
والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات(٧) في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) على معنى: متبرّكا بسم اللَّه أقرأ، وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه أعرست ملتبسا بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن فإن قلت: فكيف قال اللَّه تبارك وتعالى متبركا باسم اللَّه أقرأ؟ قلت:
هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه. فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟
قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن، لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء. ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سم وسم. قال:
بِاسْمِ الذِي في كلِّ سُورةٍ سِمُهْ» وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز: كيد ودم، وأصله: سمو، بدليل تصريفه: كأسماء، وسمى، وسميت. واشتقاقه من السمو، لأنّ التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز: من النبز بمعنى النبر، وهو رفع الصوت. والنبز قشر النخلة الأعلى. فإن قلت: فلم حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: باسم ربك؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال، وقالوا: طولت الباء تعويضا من طرح الألف. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه: طوّل الباء وأظهر السنات ودوّر الميم. و (الله) أصله الإله. قال:
مَعَاذَ الالهِ أَنْ تَكُونَ كظَبْيَةٍ(٨)
ونظيره: الناس، أصله الأناس. قال:
إنَّ المَنايَا يَطَّلِعْ ... نَ عَلَى الأُنَاسِ الآمِنِينَا(٩)
فحذفت الهمزة وعوّض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا اللَّه بالقطع، كما يقال: يا إله، والإله- من أسماء الأجناس كالرجل والفرس- اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه. وأما (الله) بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره. ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله. كما قيل:
استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر. فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟ قلت:
بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به، لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل.
وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير. وأيضا فإنّ صفاته تعالى لا بدّ لها من موصوف تجرى عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال. فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدا معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله، إذا تحير، ومن أخواته: دله، وعله، ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أنّ الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن، ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح. فإن قلت: هل تفخم لامه؟ قلت: نعم قد ذكر الزجاج أنّ تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابرا عن كابر.
والرَّحْمنِ فعلان من رحم، كغضبان وسكران، من غضب وسكر، وكذلك الرحيم فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، وفي الرَّحْمنِ من المبالغة ما ليس في الرَّحِيمِ،(١٠) ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون: إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى.
وقال الزجاج في الغضبان: هو الممتلئ غضبا. ومما طنّ على أذنى من ملح العرب أنهم يسمون مركبا من مراكبهم بالشقدف، وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي، فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟
قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشقنداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة- كالدبران، والعيوق، والصعق- لم يستعمل في غير اللَّه عزّ وجلّ، كما أنّ (الله) من الأسماء الغالبة. وأما قول بنى حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم فيه:
وأَنْتَ غَيْثُ الوَرَى لا زِلْتَ رَحْمَانَا(١١)
فباب من تعنتهم في كفرهم. فإن قلت: كيف تقول: اللَّه رحمن، أتصرفه أم لا؟(١٢) قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعنى نحو عطشان وغرثان وسكران، فلا أصرفه.
فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى واختصاصه باللَّه يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟ قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى كعطشى فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة كندمانة، فإذاً لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص وهو القياس على نظائره.
فإن قلت: ما معنى وصف اللَّه تعالى بالرّحمة(١٣) ومعناها العطف والحنوّ ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها؟ قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه. فإن قلت: فلم قدّم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه،(١٤) والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجودا فياض؟ قلت: لما قال الرَّحْمنِ فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، أردفه الرَّحِيمِ كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطف.
(٢) قال محمود رحمه اللَّه تعالى: «الباء في البسملة تتعلق بمحذوف تقديره: بسم اللَّه أقرأ أو أتلو» قال أحمد:
رحمه اللَّه تعالى: الذي يقدره النحاة «أبتدئ» وهو المختار لوجوه: الأول: أن فعل الابتداء يصح تقديره في كل بسملة ابتدئ بها فعل ما من الأفعال خلاف فعل القراءة، والعام صحة تقديره أولى أن يقدر، ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبراً أو صفة أو صلة أو حالا بالكون والاستقرار حيثما وقع ويؤثرونه لعموم صحة تقديره، والثاني: أن تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض من البسملة إذ الغرض منها أن تقع مبدأ فتقدير فعل الابتداء أوقع بالمحل، وأنت إذا قدرت «أقرأ» فإنما تعنى أبتدئ القراءة والواقع في أثناء التلاوة قراءة أيضا لكن البسملة غير مشروعة في غير الابتداء. ومنها طهور فعل الابتداء في قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) . وقال عليه السلام: «كل أمر خطير ذى بال لا يبدأ فيه باسم اللَّه فهو أبتر» . ولا يعارض هذا ما ذكره من ظهور فعل القراءة في قوله تعالى:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) فان فعل القراءة إنما ظهر ثم لأن الأهم هو القراءة غير منظور إلى الابتداء بها. ألا ترى إلى تقدم الفعل فيها على متعلقه لأنه الأهم ولا كذلك في البسملة فان الفعل المقدر كائنا ما كان إنما يقدر بعدها، ولو قدر قبل الاسم لفات الغرض من قصد الابتداء إذاً على أنه الأهم في البسملة، فوجب تقديره، وسيأتى الكلام على هذه النكتة.
(٣) ونار قد حضأت بعيد وهن ... بدار ما أريد بها مقاما
سوى ترحيل راحلة وعين ... أكاليها مخافة أن تناما
أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما
فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم نحسد الانس الطعاما
لقد فضلتم في الأكل فينا ... ولكن ذاك يعقبكم سقاما
لسمير بن الحارث الضبي، وقيل لتأبط شراً، وقيل لشمر الغساني، وقيل للفرزدق يصف نفسه بالجرأة واقتحام المخاوف، يقول: ورب نار قد حضأتها بالحاء المهملة: أشعلتها وسعرتها، وقيل هو خضأتها، بالمعجمة، ولا أعلمه وإن ذكره بعض النحاة في باب الحكاية، وبعيد: تصغير بعد، والوهن والموهن: بمعنى الفتور أو النوم أو هدوء الصوت، وقيل: نحو نصف الليل. أى أوقدتها في جوف الليل في مفازة لا أريد إقامة بها سوى تجهيز ما يلزم لراحلتى في السفر ولأجل عين أكاليها أى أساهرها أو أحافظها، فأنا أحفظها من النوم وهي تحفظني من العدو، والضمير في أتوا: لمبهم.
ومنون استفهام، وكان حقه: من أنتم، لأنه لا يأتى بصورة الجمع إلا في الوقف، والأصل في نونه الأخيرة السكون للوزن، على أن إجراء الوصل مجرى الوقف كثير في النظم كما صرحوا به وجعلوا هذا منه، وكأن هناك قول مقدر مثل «جئناك» فحكى إعراب ضمير الفاعل فيه حتى يظهر استشهاد يونس به في الحكاية. فقالوا: نحن الجن. وكان الظاهر:
فقلت عموا. ولكن أتى به مستأنفاً جواب سؤال مقدر تقديره: فماذا قلت لهم؟ فقال: قلت عموا، أى تنعموا في وقت الظلام، وعطف قوله «فقلت» بالفاء دلالة على التعقيب، وأما رواية «عموا صباحا» فمن قصيدة أخرى تعزى إلى خديج بن سنان الغساني ومنها:
نزلت بشعب وادى الجن لما ... رأيت الليل قد نشر الجناحا
وشبه الليل بطائر، فأثبت له ما للطائر، أو شبه الظلمة بالجناح. وقوله «إلى الطعام» أى هلموا وأقبلوا إليه. دل المقام على ذلك، فقال زعيم منهم، أى سيد وشريف: نحن نحسد الانس في الطعام أو على الطعام، فهو نصب على نزع الخافض، ويجوز أنه بدل، ويجيء «حسد» متعديا لاثنين، والطعاما: مفعوله الثاني. وقال الجوهري: الأنس هنا بالتحريك: لغة في الانس، ويجوز قراءته «الانس» على اللغة المشهورة. لقد فضلتم عنا في الأكل حال كونكم فينا أى فيما بيننا، ولكن ذاك يلحقكم سقاما في العاقبة. وهذا كله من أكاذيب العرب.
(٤) قال محمود: «لم قدرت المحذوف متأخراً.. الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: لأنك لو ابتدأت بالفعل في التقدير لما كان الاسم مبتدأ به فيفوت الغرض من التبرك باسم اللَّه تعالى أول نطقك. وأما إفادة التقديم الاختصاص ففيه نظر سيأتى إن شاء اللَّه تعالى.
(٥) قال محمود: «فان قلت ما معنى تعلق اسم اللَّه تعالى بالقراءة ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: وفي قوله «إن اسم اللَّه هو الذي صير فعله معتبراً شرعا» حيد عن الحق المعتقد لأهل السنة في قاعدتين: إحداهما أن الاسم هو المسمى، والأخرى أن فعل العبد موجود بقدرة اللَّه تعالى لا غير فعلى هذا تكون الاستعانة باسم اللَّه معناها اعتراف العبد في أول فعله بأنه جار على يديه، وهو محل له لا غير وأما وجود الفعل فيه فباللَّه تعالى أى بقدرته تسليما للَّه في أول كل فعل والزمخشري رحمه اللَّه لا يستطيع هذا التحقيق لاتباعه الهوى في مخالفة القاعدتين المذكورتين، فيعتقد أن اسم اللَّه تعالى الذي هو التسمية معتبر في شرعية الفعل لا في وجوده إذ وجوده على زعمه بقدرة العبد، فعلى ذلك بنى كلامه.
أقول: دعواه أن عند أهل السنة الاسم غير المسمى ممنوعة، وتحقيقه قد ذكر في غير هذا الكتاب.
(٦) لم أره هكذا. والمشهور فيه حديث أبى هريرة من رواية قرة عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه بلفظ «لا يبدأ فيه بحمد اللَّه أقطع» أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وأصحاب السنن. ولأحمد من هذا الوجه «لا يفتتح بذكر اللَّه فهو أبتر أو أقطع» وللخطيب في الجامع من طريق مبشر بن إسماعيل عن الزهري بلفظ «لا يبدأ فيه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم فهو أقطع» والراوي له عن مبشر- مجهول
(٧) قوله «تعلق الدهن بالانبات» هذا يناسب قراءة «تنبت» من أنبت الرباعي: كما يأتى. (ع)
(٨) معاذ الاله أن تكون كظبية ... ولا دمية ولا عقيلة ربرب
ولكنها زادت على الحسن كله ... كمالا ومن طيب على كل طيب
للبعيث بن حريث في محبوبته أم السلسبيل، يقال: عاذ عياذاً وعياذة ومعاذاً وعوذاً، إذا التجأ إلى غيره، فالمعاذ مصدر نائب عن اللفظ بفعله، والدمية: الصنم والصورة من العاج ونحوه المنقوشة بالجواهر. وعقيلة كل شيء: أكرمه.
والربرب: القطيع من بقر الوحش: شبه محبوبته بالظبية وبالدمية وبالعقلية في نفسه، ثم وجدها أحسن منها فرجع عن ذلك والتجأ إلى اللَّه منه كأنه أثم أو المعنى لا أشبهها بذلك وإن وقع من الشعراء. وأتى بلا المؤكدة لما قبلها من معنى النفي أى ليست كظبية ولا دمية ولا عقيلة ربرب ولكنها زادت كمالا على الحسن المعروف كله، أو زادت على الحسن الحسى كمالا معنويا، وزادت من الطيب على كل طيب.
(٩) شبه المنايا بأناس يبحثون عمن استحق الموت على طريق المكنية والاطلاع تخييل. والمعنى: أن المنايا تأتى الناس على حين غفلة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها. والأناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مأخوذ من الإيناس وهو الأبصار لظهورها، أو من الأنس ضد الوحشة. والآمنون: الغافلون عن مجيء المنايا، فهو مجاز مرسل.
(١٠) قال محمود: «وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم ... الخ» . قال أحمد رحمه اللَّه: لا يتم الاستدلال بقصر البناء وطوله على نقصان المبالغة وتمامها، ألا ترى بعض صيغ المبالغة كفعل أحد الأمثلة أقصر من فاعل الذي لا مبالغة فيه البتة. وأما قولهم: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، فلا دلالة فيه أيضا على مبالغة رحمن بالنسبة إلى رحيم فان حاصله أن الرحمة منه بالدلالة على إتمامها ألا ترى أن ضاربا لما كان أعم من ضراب، كان ضراب أبلغ منه لخصوصه، فلا يلزم إذاً من خصوص رحيم أن يكون أقصر مبالغة من رحمن لعمومه.
(١١) سموت بالمجد يا بن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
لرجل من بنى حنيفة يمدح مسيلمة الكذاب، يقول: علوت بسبب المجد يا بن الأكرمين من جهة الأب، وليس المراد خصوصه، بل مطلق الأصل، ولو كان المراد خصوصه لأشعر بالذم، وهو تمييز للأكرمين أو تمييز لسماوات، وأنت كالغيث للورى في كثرة النفع، ولا زلت رحمانا: دعا بدوامه رحيما عليهم ورحمن خاص باللَّه فاطلاقه على غيره جهل أو عناد. وقيل: إن الخاص به المحلى بأل.
(١٢) قال محمود رحمه اللَّه تعالى: «فان قلت كيف تقول اللَّه رحمن أتصرفه أم لا ... الخ» ؟ قال أحمد: ليت شعري بعد امتناع فعلانة وفعلى ما الذي عين قياسه على عطشان دون ندمان مع أن قياسه على ندمان معتضد بالأصل في الأسماء وهو الصرف؟ أقول: الذي عينه هو أن باب سكران وعطشان أكثر من باب ندمان، وإذا احتمل أن يكون من كل واحد منهما فحمله على ما هو الأكثر أولى ولأنّ رحمن وعطشان مشتركان في عدم وجود فعلانة، بخلاف ندمان فلهذا كان حمله على عطشان أولى، ثم قال: وقد نقل غيره خلافا في صرف رحمن مجرداً من التعريف، وبناه على تعيين العلة في منع صرف عطشان هل هي وجود فعلى فيصرف رحمن، أو امتناع فعلانة فيمتنع الصرف؟ وهو أيضاً نظر قاصر. وأتم منهما أن يقال: امتنع صرف عطشان وفاقا وامتناع صرفه معلل بشبه زيادتيه بألفي التأنيث، والشبه دائر على وجود فعلى وامتناع فعلانة فاما أن يجعل الأمر ان وصفى شبه بهما مجموعهما مستقل، أو كل واحد منهما مستقلا ببيان الشبه، أو أحدهما دون الآخر على البدل فهذه أربع احتمالات. فان كان مقتضى الشبه المجموع أو وجود فعلى خاصة انصرف رحمن، وإن كان كل واحد من الأمرين مستقلا أو الشبه بامتناع فعلانة خاصة منع رحمن من الصرف فلم يبق إلا تعيين ما به حصل الشبه في عطشان بين زيادتيه وبين ألفى التأنيث من الاحتمالات الأربعة، وعليه ينبنى الصرف وعدمه. والتحقيق أن كل واحد من الأمرين المذكورين مستقل باقتضاء الشبه فيمتنع صرف رحمن لوجود إحدى العلتين المتعلقتين في الشبه وهي امتناع فعلانة على هذا التقدير وإنما قلنا ذلك لأن امتناع فعلانة فيه حاصله امتناع دخول تاء التأنيث على زيادتيه كامتناع دخولهما على ألفى التأنيث فحصل الشبه بهذا الوجه.
ووجود فعلى يحقق أن مذكره مختص ببناء ومؤنثه مختص ببناء آخر، فيشبه أفعل وفعلى في اختصاص كل واحد منهما ببناء غير الآخر، فهذا وجه آخر من الشبه. ومن تأمل كلام سيبويه فهم منه ما قررته. فان قيل: محصل ذلك مناسبة كل واحد من الأمرين المذكورين لاقتضاء الشبه، فما الذي دل على استقلال كل واحد منهما علة في الشبه؟ وهلا كان المجموع علة وحينئذ ينصرف رحمن وهو أحد الاحتمالات الأربعة المتقدمة؟ قلت: امتناع صرف عمران العلم يدل علي استقلال كل واحد من الأمرين بالشبه المانع من الصرف إذ عمران علما لا فعلى له وهو غير منصرف وفاقا. أقول: قد عثر هاهنا رحمه اللَّه وإن الجواد قد يعثر لأن اعتبار وجود فعلي أو انتفاء فعلانة إنما كان في الصفة، أما في الاسم فشرطه العلمية لا وجود فعلى ولا انتفاء فعلانة.
(١٣) قال محمود رحمه اللَّه: «فان قلت: ما معنى وصف اللَّه تعالى بالرحمة ... الخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: فالرحمة على هذا من صفات الأفعال ولك أن تفسرها بارادة الخير فيرجع إلى صفات الذات وكلا الأمرين قال به الأشعرية في الرحمة وأمثالها مما لا يصح إطلاقه باعتبار حقيقته اللغوية على اللَّه تعالى فمنهم من صرفه إلى صفة الذات، ومنهم من صرفه إلى صفة الفعل.
(١٤) قال محمود رحمه اللَّه: «فان قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه ... إلخ» ؟ قال أحمد رحمه اللَّه: إنما كان القياس تقديم أدنى الوصفين لأن في تقديم أعلاهما ثم الارداف بأدناهما نوعا من التكرار إذ يلزم من حصول الأبلغ حصول الأدنى فذكره بعده غير مفيد ولا كذلك العكس فانه ترق من الأدنى إلى مزيد بمزية الأعلى لم يتقدم ما يستلزمه، ولذلك كان هذا الترتيب خاصاً بالاثبات. وأما النفي فعلى عكسه تقدم فيه الأعلى. تقول: ما فلان تحريراً ولا عالما، ولو عكست لوقعت في التكرار إذ يلزم من نفى الأدنى عنه نفى الأعلى وكل ذلك مستمده في عموم الأدنى وخصوص الأبلغ، وإثبات الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ونفى الأعم يستلزم نفى الأخص.
* مِن مَّقاصِدِ السُّورَةِ:
تحقيق التوجه لله تعالى بكمال العبودية له وحده.
* التَّفْسِيرُ:
سُمِّيت سورةَ الفاتحة لافتتاح كتاب الله بها، وتسمَّى أم القرآن لاشتمالها على موضوعاته، من توحيد لله، وعبادة، وغير ذلك، وهي أعظم سورة في القرآن، وهي السَّبعُ المثاني.
باسم الله أبدأ قراءة القرآن، مستعينًا به تعالى متبركًا بذكر اسمه. وقد تضمنت البسملة ثلاثة من أسماء الله الحسنى، وهي:
• «الله»، أي: المعبود بحق، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه.
• «الرَّحْمَن»، أي: ذو الرحمة الواسعة. فهو الرحمن بذاته.
• «الرَّحِيم»، أي: ذو الرحمة الواصلة. فهو يرحم برحمته من شاء من خلقه ومنهم المؤمنون من عباده.
تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾
[١] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ - يَعْنِي أبا كُرَيْبٍ - الهَمْدانِيَّ، ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِي الزَّيّاتَ - الكُوفِيَّ، ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «”أوَّلُ ما نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ - قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ يا مُحَمَّدُ. يَقُولُ: اقْرَأْ بِذِكْرِ رَبِّكَ، قُمْ واقْعُدْ بِذِكْرِهِ“»
والوَجْهُ الثّانِي
[٢] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ ابْنَةِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، ثَنا أبِي، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ قالَ: ”الباءُ مِن بَهاءِ اللَّهِ والسِّينُ مِن سَناءِ اللَّهِ والمِيمُ مِن مُلْكِ اللَّهِ واللَّهُ: يا إلَهَ الخَلْقِ“
[٣] حَدَّثَنا عِصامُ بْنُ رَوّادٍ الجَرّاحُ العَسْقَلانِيُّ، ثَنا آدَمُ، ثَنا أبُو هِلالٍ الرّاسِبِيُّ، ثَنا حَيّانُ الأعْرَجُ، عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ قالَ: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ هو اللَّهُ. ألا تَرى أنَّهُ في جَمِيعِ القُرْآنِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ اسْمٍ”
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾
[٤] حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ - يَعْنِي أبا كُرَيْبِ - الهَمْدانِيَّ، ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِي الزَّيّاتَ - الكُوفِيَّ، ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «“أوَّلُ ما نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: لَهُ جِبْرِيلُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: بِسْمِ اللَّهِ، يَقُولُ: اقْرَأْ بِذِكْرِ رَبِّكَ وقُمْ واقْعُدْ بِذِكْرِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنُ»، قالَ: يَقُولُ: الرَّحْمَنُ: الفَعْلانُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وهو مِن كَلامِ العَرَبِ
[٥] حَدَّثَنا أبِي، ثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُسافِرٍ، ثَنا زَيْدُ بْنُ المُبارَكِ الصَّنْعانِيُّ، ثَنا سَلّامُ بْنُ وهْبٍ الجَنَدِيُّ، ثَنا أبِي، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَقالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وما بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ إلّا كَما بَيْنَ سَوادِ العَيْنَيْنِ وبَياضِهِما مِنَ القُرْبِ».
قَوْلُهُ ﴿الرَّحِيمِ﴾
[٦] حَدَّثَنا ابْنُ طاهِرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ - يَعْنِي أبا كُرَيْبٍ - الهَمْدانِيَّ، ثَنا عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ - يَعْنِي الزَّيّاتَ - ثَنا بِشْرُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «"أوَّلُ ما نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: قُلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»﴾، يَقُولُ: ﴿الرَّحِيمِ﴾ الرَّقِيقُ الرَّفِيقُ لِمَن أحَبَّ أنْ يَرْحَمَهُ، البَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلى مَن أحَبَّ أنْ يُعَنِّفَ عَلَيْهِ العَذابَ
[٧ ] حَدَّثَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ القَطّانُ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، حَدَّثَنِي أبُو الأشْهَبِ، عَنِ الحَسَنِ، قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسْمٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ، تَسَمّى بِهِ تَبارَكَ وتَعالى
بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُنَّا نَكْتُبُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ زَمَانًا؛ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ كتبا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ» ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ كَتَبْنَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
يَحْيَي: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: «لَمْ تَنْزِلْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلا فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِنَّهُ مِنْ سليمان ... . .﴾ وَيَجْعَلُهُ مِفْتَاحَ الْقِرَاءَةِ إِذَا قَرَأَ».
يَحْيَي: وَحَدَّثَنِي أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ؛ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَانِ الاسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ مَمْنُوعَانِ؛ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَنْتَحِلَهُمَا: اللَّهُ، وَالرَّحْمَنُ».
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: الجالب للباء فِي «باسم اللَّه» معنى الِابْتِدَاء؛ كَأَنَّك قُلْت: أبدأ باسم اللَّه.
تَفْسِير فَاتِحَة الْكتاب وَهِي مَكِّيَّة كلهَا
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠، ٧١].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠، ٧١].
أما بعد أيها الإخوة، فلقد تكرمتم علينا بالمشاركة لكم في مثل هذه الأمسية لأجل اللقاء بكم، وإننا لنحمد الله عز وجل أن جعل في هذا البلد وفي غيره من بلاد هذه المملكة، بل وفي غيرها من بلاد الإسلام، جعل فيهم في هذا العهد القريب صحوة إسلامية شبابية، والشباب هم رجال المستقبل؛ هذه الصحوة- ولله الحمد- لا نشك في أن وجهتها وهدفها الوصول إلى تطبيق كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ﷺ تطبيقًا مترجمًا بعقيدة القلوب وأقوال الألسن وأعمال الجوارح، هذا الهدف الأسمى الذي سادت به هذه الأمة في صدرها جميع أمم العالم، هذا الهدف الذي أرسل الله من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب؛ فإن الله عز وجل يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، وبين الله عز وجل في آيتين من القرآن الكريم أن الله أرسل محمدًا ﷺ ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣٣]، أتدرون ما الهدى؟ وما دين الحق؟
إن الهدى هو العلم النافع؛ لأن العلم النافع يهتدي به الإنسان في ظلمات الجهل، وأما دين الحق فإنه العمل الصالح، العمل الصالح الموافق لمرضات الله عز وجل؛ لأن الدين يُطلق على العمل، ويطلق على الجزاء على العمل؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، الدين هنا هو العمل الذي يعمله الإنسان ليُدان به، وأما الدين في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] الدين في هذه الآيات يُراد به الجزاء على الأعمال، ومن الحكم المشهورة «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» »(١).
أيها الإخوة، إنني أحمد الله وأشكره أن جعل في بلادنا هذه وفي بلاد عامة المسلمين تلك الصحوة الشبابية التي هدفها الوصول إلى تطبيق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في العقيدة وفي القول وفي العمل، وإنه يجب على العلماء أمام تلك العزمة من أولئك الشباب، يجب على العلماء الذين وفقهم الله عز وجل وهداهم بما بنوا عليه علمهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، يجب على العلماء أمام هذه الصحوة وأمام تلك العزيمة أن يكونوا قادة لهؤلاء الشباب يقودونهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم وإلى اتباع الحكمة، والحكمة هي العلم والصواب، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرًا.
إن العلم وحده بدون العمل لا يجدي شيئًا، وإن العلم وحده بدون الحكمة قد يكون الإنسان فيه إما متجاوزًا لحده في تقصير أو زيادة.
أيها الإخوة، وإن من نِعمة الله علينا في هذه البلاد أن يسّر الله لنا الوصول إلى ما نريده في أي مكان من ربوع هذه البلاد لسهولة المواصلات ولله الحمد، فينبغي بل يجب على أهل العلم أن يكونوا دائمًا مع هؤلاء الشباب حتى يكون في مسيرهم أو حتى يجتمع في مسيرهم حكمة الشيوخ ونشاط الشباب وقوتهم وعزمهم، ولقد كانت هذه المحاضرة، وأنا لا أعتقدها محاضرة، ولكني أسميها مقابَلة، حتى لا تُحسب عليَّ ولا عليكم، إنها مقابلة أريد أن أتكلم فيها على شيء عام ولم يكن في ذهني شيء إلا أنني أردت الآن أن أتكلم عن هذه الصلوات التي نصليها كل يوم، فرْضًا ونفلًا في المساجد وفي البيوت، لا أريد أن أتكلم عن حكمها فالحكم فيها بيِّن، وهي أحد أركان الإسلام العظيمة بل هي الركن العملي الوحيد الذي يكون تاركه كافرًا بالله تعالى كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأن أركان الإسلام هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فالأركان الثلاثة الأخيرة: إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت اختلف العلماء -رحمهم الله- في حكم تاركها لا جحدًا لوجوبها ولكن تهاونًا بها، ولكن القول الراجح: أن تاركها لا يكفر، وأما الصلاة فإن الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما حُكي من إجماع الصحابة رضي الله عنهم يدل على أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وإن كان مُقرًّا بوجوبها، ولكني أريد أن أتكلم عن هذه الصلاة ماذا يُقال فيها؟ وماذا يُفعل فيها؟ وما الهدف منه؟ وكيف كانت صلةً بين الإنسان وبين ربه؟ ولماذا اعتنى الشارع فيها هذه العناية العظيمة؟
ذلك لأن الله -عز وجل- فرض على محمد ﷺ رسول الله فرض عليه هذه الصلاة من الله تعالى إلى رسوله ﷺ من غير واسطة، وفي أي مكان فرضها عليه؟ هل فرضها عليه ومحمد في الأرض؟
لا، فرضها عليه ومحمد ﷺ فوق السماوات السبع، وفي أي زمن فرضها عليه؟
فرضها عليه في أفضل ليلة كانت لرسول الله ﷺ؛ وهي ليلة المعراج، وكم فرضها عليه؟ ما هو العدد الذي فرضه الله على رسوله محمد ﷺ؟ فرض عليه أن يصلي في اليوم والليلة خمسين صلاة، من هذه الأمور الثلاثة: شرف المكان، وشرف الزمان، وكثرة العدد نأخذ منها أهمية الصلاة ومحبة الله عز وجل لها، ولكن من نعمة الله على هذه الأمة أن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما نزل النبي ﷺ من عند الله والتقى بموسى وهو في السماء السادسة «قال له: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «فَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». قَالَ لَهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ؛ فَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَالَجْتُهُمْ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَمَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَاجِعُ رَبَّهُ حَتَّى جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَمْسًا بِالْفِعْلِ وَخَمْسِينَ فِي الْمِيزَانِ »(٢). وليس هذا من باب جزاء الحسنة بعشر أمثالها؛ لأن كل العمل الصالح الحسنة بعشر أمثالها، ولكن هذه الخمس كأننا صلينا خمسين صلاة، ولكل صلاة عشر حسنات، اضرب خمسين في عشرة كم تبلغ؟ خمسين في عشرة بكم؟ خمس مئة حسنة في هذه الصلوات الخمس، والله يضاعف لمن يشاء.
إذن لا بد أن نعرف ما هي الحكمة في عناية الله عز وجل في هذه الصلاة، لننظر هذه الصلوات الخمس موقّتة بأوقات أفقية على مدار الشمس فعند إقبال الشمس على الأرض تكون صلاة الفجر؛ لأن هذا تغير عظيم أفقي ليس بالهين، مَن الذي يستطيع من الخلق أن يأتي بهذه الشمس لتنير للعالم؟ لا أحد.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾. لا إله إلا الله، لا أحد يأتي بضياء إلا الله عز وجل ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١].
ثم بعد ذلك يأتي وقت زوال الشمس وهو انحرافها من الجهة الشرقية إلى الجهة الغربية من الأفق، ومن الذي يستطيع أن يزحزح هذه الشمس العظيمة من شرق السماء إلى غربه؟ قل لي بالله عليك مَنْ؟ قولوا: لا إله إلا الله.
* الطلبة: لا إله إلا الله.
* الشيخ: لا أحد يستطيع أن ينقل هذه الشمس من شرق السماء إلى غربه إلا خالقها عز وجل، رب العالمين الذي يقول للشيء: كن، فيكون، وعند هذا التحول من شرق السماء إلى غربه تكون صلاة الظهر، ثم بعد ذلك تأتي صلاة العصر، إلى أن تصفرّ الشمس وتقرب من الغروب والضرورة إلى غروب الشمس، ثم بعد مغيب الشمس يتغير الجو، وما أعظم الأرض لو شاهدتها وأنت في الطائرة وقد غابت الشمس عن الأرض، والله إنك لتعرف الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس ٤]، إذا يغطيها.
أنا مرة قمت من المطار من القصيم قبل غروب الشمس بدقائق، وأقلعت الطائرة وغابت الشمس على أهل الأرض، ولكننا في السماء نشاهد الشمس، لكن سبحان الله الليل على الأرض كأنه ثوب أسود قد غطيت به الأرض، سبحان الله العظيم! وهذا يتبين لك عظمة قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، عند هذا التغير العظيم فرض الله علينا صلاة وهي صلاة المغرب، ثم عند مغيب الشفق هناك تغيُّر أيضًا، فإن الشفق الأحمر بقية شعاع الشمس، تكون صلاة العشاء إلى متى؟ إلى نصف الليل، وبعد نصف الليل ينتهي وقت العشاء، ولا يبقى وقت للصلوات المفروضة، لكنه وقت لصلاة التطوع، كما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» »(٣).
عند منتصف الليل ليس هناك وقت للفريضة، لكنه وقت للتطوع، ثم يدور فيأتي وقت الفجر عند تغيُّر الأفق وعند تهيئه لاستقبال الشمس، فبهذا نعرف حكمة الله عز وجل في فرض الصلاة في هذه الأوقات، ثم إن الصلاة يتقدمها -أيها الإخوة- التطهير؛ تطهير للقلب وتطهير للبدن، بماذا يكون تطهير البدن؟ بماذا؟ بالوضوء من الحدث الأصغر والغُسل من الحدث الأكبر، وتطهير البدن من النجاسات، وتطهير الثياب وتطهير البقعة، كل هذا تعظيمًا لشأنها، فما هو التطهير القلبي أو المعنوي الذي يتقدم هذه الصلاة؟
أولًا: التطهير البدني استمِع إليه في قول الله تعالى حين ذكر آية الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة ٦].
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ؛ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيَّتِهَا شَاءَ» »(٤).
ما نوع هذا التطهير بالشهادتين العظيمتين؟ تطهير قلبي ولَّا لا؟ تطهير قلبي، فاجتمع في مقدمة هذه الصلوات التطهير البدني والتطهير القلبي، حتى يدخل الإنسان في صلاته ويقف بين يدي ربه وهو طاهر القلب طاهر البدن طاهر المكان، ماذا يدل عليه هذه العناية؟ على أهمية هذه الصلاة، ثم عند الإقبال على الله عز وجل والوقوف بين يديه تقول: الله أكبر، أكبر من كل شيء عظمة وكبرياءً جل وعلا، لا أحد أكبر من الله تعالى عظمة وكبرياءً، فهو أكبر من كل شيء، وسبحان الله العظيم ما أعظم حكمة الله! لماذا اختير التكبير هنا على التسبيح؟ لأن التكبير يدل على علو الشأن والارتفاع، ولهذا كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنهم «إذا علوا مرتفعًا وهم سائرون في السفر إِذَا عَلَوْا مُرْتَفِعًا يَقُولُونََ: اللَّهُ أَكْبَرُ، يُكَبِّرُونَ »(٥)، ما أدري أنت إذا ركبت الطائرة وأقلَّتك من الأرض تُكبر؟ سؤال لمن ركب الطائرة، إذا ركبت الطائرة واستقلت ارتفعت عن الأرض هل تكبر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: على كل حال، من لم يكبر فليعلم أن هذا موضع تكبير؛ لأنك ارتفعت، وإذا نزلوا واديًا ماذا يصنعون؟ يُسبِّحون، إذا نزلت منهبطًا تقول: سبحان الله؛ لأن الإنسان إذا اعتلى قد يتعاظم في نفسه ويظن العلو فيقول: الله أكبر؛ حتى يحد من علوائه وغلوائه، لكن إذا نزل سَفُل فيقول: سبحان الله؛ أي تنزيها لله عز وجل عن السفول؛ فالسفول من صفة الآدمي بل من صفة المخلوق عامة، لكن العلو لله عز وجل فتقول: سبحان الله عند النزول تنزيهًا لله عز وجل عما أنت عليه الآن من السفول.
أقول: إن اختيار التكبير عند ابتداء الصلاة مناسب تمامًا لهذه الحكمة، ثم تستفتح الصلاة، وقد سأل أبو هريرة النبي ﷺ، وكان أبو هريرة من أحرص الناس على العلم؛ قال للنبي ﷺ يومًا: «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ » شوف السؤال لأيش سأل؟ علشان يعلم من هو أسعد الناس؛ ليكون ذلك مستقِرًّا في ذهنه أو لأجل أن يعمل بما أرشد إليه الرسول؟ للأمرين جميعًا حتى يعرف من أسعد الناس بشفاعته فيقوم بالعمل بذلك، قال: «لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْهَا غَيْرُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لِمَا أَرَى مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ؛ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» »(٦).
أبو هريرة رضي الله عنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يكبر للصلاة ويسكت، فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» »(٧).
تستفتحون بهذا؟
السؤال للعموم، تستفتحون بهذا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أكثر الناس لا يستفتح إلا بقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ »(٨) ونِعم الاستفتاح هو، لكن يجب أن نعرف السنة حتى نعمل بكلتا السنتين، «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ». أعيدها للمرة الثالثة لأشوف من غيبها منكم.
«اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» »، ثلاث مرات قلتها، من منكم يعيدها عليَّ؟ تفضل لو تقف يسمعون الناس.
* طالب: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ».
* الشيخ: أحسنت، طيب « بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ» » هذا قبل مباشرة الخطايا، اجعلها بعيدة عني حتى لا أباشرها بعد المباشرة نقّني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اجعلني نقيًّا منها، لماذا اختار الرسول ﷺ الثوب الأبيض؟ لماذا؟ لأن أدنى وَسَخ في الثوب الأبيض يظهر فيه، لكن الأسود أو الأحمر لا يظهر فيه أثر الوسخ إلا إذا كان وسخ ثقيل جدًّا. «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» » قد تقول: الماء الحار أبلغ في التنظيف، صح ولَّا لا؟ الماء الحار أبلغ في التنظيف ولَّا لا؟ عندما نغسل الثوب بالصابون نجيب ماء بارد ثلج ولّا نسخن الماء ونغسل؟
* طالب: التسخين.
* الشيخ: التسخين، فلماذا قال: «بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ واَلْبَرَدِ؟» ». قال العلماء: لأنه يقول: «اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» »، ما هو من أوساخ حسية، والخطايا عقوبتها النار، فناسب أن يكون ما يزيل هذه الخطايا حارًّا ولَّا باردًا؟
* الطلبة: بارد.
* الشيخ: باردًا، باردًا هذه هي الحكمة.
وإن شئت فقل: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكُ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ». هذا صحيح؛ الأول حديث أبي هريرة أصح سندًا من هذا، لكن هذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستفتح به جهرًا ليعلمه الناس، فهل أجمع بينهما؟
لا، إن جمعت بينهما خالفت السنة، لكن تقول هذا مرة وهذا مرة، أحيانًا هذا وأحيانًا هذا لتعمل بالسنتين جميعًا، بعد هذا، بعد الاستفتاح -وعرفنا معنى الاستفتاح- «وجهت وجهي»(٩)، هذا غالبًا في صلاة الليل، عرفنا الآن معنى الاستفتاح؛ أن الرسول ﷺ يقرؤه قبل قراءة الفاتحة بين التكبير وبين القراءة.
ثم إننا عند التكبير: ماذا نصنع بالعمل؟ هل هناك فعل يقارن التكبير ولَّا لا؟ هل هناك فعل يقارن التكبير أوْ لا؟
الجواب: نعم، هناك فعل يقارن التكبير، ما هو؟ أن ترفع يديك مضمومة الأصابع هكذا مبسوطة إلى حذو منكبيك، أو إلى فروع أذنيك، هكذا، لكن لا تمسح أذنيك بهما، بعض الناس نشوفه يرفع إيديه يقول كذا، هذا ما له أصل، ارفعها هكذا وكبِّر، وقد وردت أحاديث بعضها يدل على أن ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وبعضها يدل على أن التكبير بعد الرفع، وبعضها يدل على الرفع بعد التكبير، والأمر في هذا واسع، لكن الحكمة من رفع اليدين هكذا ما هي؟
قال العلماء: إشارة إلى تعظيم الرب عز وجل، وإلى رفع الحجاب بينك وبينه حتى تستحضر بأنك واقف بين يديه تناجيه، تناجي ربك مناجاة المخاطِب للمخاطَب، واستمع ما ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث أبي هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه تبارك وتعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» »(١٠) «قسمت الصلاة» ويش الصلاة؟ الصلاة كلها، الصلاة: الفاتحة، وأطلق الله عليها اسم الصلاة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها، ولهذا قال الله عز وجل ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء ٧٨] يعني وأقم قرآن الفجر، والحكمة في أنه يقول في الصلوات الأربع ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وفي الفجر يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾؛ لأن قرآن الفجر مشهود ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾؛ ولأنها تُطوَّل فيها القراءة، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه عنه نبيه محمد ﷺ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: » ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» ». قال مَن؟ المصلي، من الذي يجيبه؟ الرب عز وجل فوق عرشه فوق سماواته يسمعه ولو كان خافتًا ويقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي» » طيب المصلون قد يكونون ألف واحد في المسجد، واحد يقول: الحمد لله رب العالمين، والثاني يستفتح الآن ما بعد كمل، وواحد يقرأ آخر الفاتحة قد انتهى أو قرب من الانتهاء، كيف هذا؟ نقول: إن الله عز وجل وسع كل شيء رحمة وعلمًا، كل واحد لهم آلاف مؤلفة، ولو اختلفت أقوالهم، كل يجيبه «إذا قال: الحمد لله رب العالمين، يقول: حمدني عبدي»، سبحان الله العظيم! ما أوسع عظمة الرب عز وجل! يقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ » ». الآن زاد في الوصف، وصف الله عز وجل بأنه ذو رحمة واسعة بالغة تبلغ المرحوم، ففي قوله: (الرحمن) إشارة إلى سعة الرحمة، وفي قوله: (الرحيم) إشارة إلى بلوغها لمن رُحِم ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إذا قالها الإنسان أجابه جل وعلا بقوله: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» » «أثنى عليَّ» ويش معنى أثنى؟ يعني أعاد الحمد مرة ثانية؛ لأنه مأخوذ من الثني وهو الرجوع؛ يعني رجع مرة ثانية ليحمدني، «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ » » ماذا يقول الرب جل وعلا؟ يقول: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» » يعني وصفني بالمجد وهو العظمة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ،﴾ «فَإِذَا قَالَ: » ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قال الله: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» » أيش اللي بينه وبين عبده؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبَدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لمن؟ للمخلوق، تستعين به على أمورك كلها؛ على العبادة، وعلى الأكل والشرب والنوم والخروج والذهاب وعلى كل شيء فهي لك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال الله: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» » ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ كم قرأنا من آية؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كم دول؟ كم دول يا جماعة؟ كم؟
* الطلبة: أربعة.
* الشيخ: كم؟ أربعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ خمس ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ست ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ كم دول؟
* الطلبة: سبعة.
* الشيخ: سبع تمام، سورة الفاتحة سبع آيات ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧] فسر النبي عليه الصلاة والسلام السبع المثاني بأنها الفاتحة(١١)، وهي سبع آيات، ولكن قد يكون في أيدي بعضكم مصحف فتراجعه فإذا قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إذا هي آية واحدة، فإذا جعلناها آية واحدة وقد ابتدأنا بالحمد كم تكون آياتها؟ تكون آياتها ستًّا وهذا مشكل.
والجواب على ذلك أن العدد الذي في المصاحف المطبوعة الآن مبني على أن البسملة من الفاتحة، ولهذا مكتوب في البسملة رقم واحد، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رقم اثنين، ولكن الصواب -بلا شك- أن البسملة ليست من الفاتحة، وأنها آية تُبتدأ بها السور إلا سورة براءة؛ والدليل على ذلك هذا الحديث حديث أبي هريرة، وهو ثابت في الصحيح «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ » » ولم يقل: فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم. إذن ما أول الفاتحة؟ مش أول آية فيها، أولها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» » نجد أن الآية التي بين الله وبين عبده نصفين هي الآية التي تنصف الفاتحة تمامًا؛ لأن قبلها ثلاث آيات، وبعدها ثلاث آيات فتكون نصف الفاتحة، ويكون هذه الآية التي هي النصف أولها لله وآخرها للعبد، وأيضًا لو كان ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لو كانت آيتين لكانت آية طويلة بالنسبة للآيات السابقة، لكن إذا قسمت الآية الأخيرة هذه نصفين ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت الآيات الآن متناسبة في الطول؛ فالدلالة اللفظية والمعنوية والأثرية كلها تدل على أن أول الفاتحة ما هو؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأن البسملة ليست منها، ولهذا كان الصواب أن الإنسان إذا قرأها -أي قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية- يجهر بالفاتحة، إن غلطت فردوا عليَّ، ولهذا كان الصواب أن الإنسان إذا قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية فإنه يجهر بالبسملة، صح ولَّا لا؟
* طالب: لا لا يا شيخ.
* الشيخ: يا إخواني، قلنا: البسملة ليست من الفاتحة. إذا كانت البسملة ليست من الفاتحة هل يجهر فيها؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، ما يُجهر فيها، كما أننا لا نجهر بالاستفتاح لأنه خارج عن الفاتحة، فلا نجهر بالبسملة أيضًا، هذا هو الصواب؛ ولهذا قال أنس رضي الله عنه: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَخَلْفَ عُمَرَ فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَؤُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ». هذا في صحيح مسلم(١٢)، لكن المعنى لا يجهرون بها، تُحمل رواية مسلم هذه على أن المعنى لا يجهرون بها، وهو كذلك.
لنعد -يا إخواني- مرة ثانية على هذه السورة العظيمة التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام السبع المثاني، ولننظر ما فيها من المعاني التي احتوت عليها هذه السورة، وهي المعاني التي يدور عليها القرآن كله، شوف سبحان الله! هذه السورة القصيرة كل معاني القرآن تجتمع فيها، ولهذا لم يُوجب الله علينا أن نقرأ سورة في الصلاة إلا هذه السورة؛ لأنها قد حوت كل معاني القرآن، ففيها ذكر الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والجزاء والعمل وأقسام الناس، إلى كم ينقسم الناس في سورة الفاتحة؟
* طالب: إلى ثلاثة.
* الشيخ: إلى ثلاثة أقسام ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا الأول ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هذا الثاني ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الثالث، إذن نفهم أن أقسام الناس ثلاثة: أنعم الله عليهم؛ وهم الذين علموا الحق وعملوا به ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مغضوب عليهم وهم الذين علموا الحق ولم يعملوا بت، وعلى رأسهم مَن؟
* طالب: اليهود والنصارى.
* الشيخ: لا، اليهود فقط، وضالُّون جهلوا الحق فعملوا بالباطل مَنْ؟
* الطلبة: النصارى.
* الشيخ: النصارى، ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله قال: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى. »(١٣)
اللي يفسد من العلماء يكون قد علم بالحق وخالفه والعياذ بالله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، والذين فسدوا من العُباد يحرصون على الخير ويبغون العبادة لكنهم جُهّال يعبدون الله على ضلالة، هؤلاء فيهم شبه ممن؟
* طالب: من النصارى.
* الشيخ: من النصارى، ما هو واجبك أيها المؤمن بالله ورسوله؟ واجبك أن تعلم لتعمل أن تعلم لتعمل، تعلم لتخرج من مشابهة مَن؟ أن تعلم لتخرج من مشابهة مَن؟ قولوا يا جماعة؟
* طالب: من مشابهة النصارى.
* الشيخ: من مشابهة النصارى، وتعمل لتخرج من مشابهة اليهود، يا ويل العلماء إذا لم يعملوا بما علموا، يا ويلهم، إنهم أشباه اليهود، إنهم أصل الضلال؛ لأن العامة تقتدي بمَن؟ بعلمائها، فإذا ضل العلماء أضلوا غيرهم، إذا ضل العلماء -والعياذ بالله- ولم يعملوا بالحق أضلوا غيرهم، نعوذ بالله من هذه الحال، أضلوا غيرهم، ولا تظنوا أن العالِم هو الذي يحمل شهادة الدكتوراه، أو الذي يتخرج من كلية، أو الذي يلزم ركب العلماء حتى يقال: فلان طالب علم، كل من علم مسألة فهو عالم بهذه المسألة؛ يعني لو تعلم مسألة واحدة فأنت عالم بها؛ ولهذا قال إمامنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام ويش قال؟ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» »(١٤) ولَّا قال: بلغوا عني إذا كنتم علماء فطاحل؟ أجيبوا يا جماعة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: قال «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» » واحدة، ولهذا من حفظ من دين الله مسألة واحدة قامت عليه الحجة بهذه المسألة ووجب عليه أن يعمل بها، ووجب عليه أن يبلغها «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» »، ولكن احرص على أن تفهم الحق كما هو لا تخطئ في الفهم؛ لأن كثيرًا من الناس قد يخطئون في الفهم بناء على ظنهم، حتى في الصحابة قد يخطئون في الفهم يا إخوان، الإنسان غير معصوم من الخطأ في الفهم.
لما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة الأحزاب ووضع لامة الحرب جاءه جبريل وأمره أن يخرج إلى بني قريظة، من هم بنو قريظة؟ قبيلة من اليهود غدرت وخانت النبي عليه الصلاة والسلام، أمره جبريل أن يخرج إلى بني قريظة، فندب النبي ﷺ أصحابه إلى الخروج وقال لهم: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» »(١٥) تظنون أن الصحابة رضي الله عنهم قال واحد منهم: (...) أتلين وأطلع بكرة، هل قالوا ذلك؟ لا، ما قالوا ذلك، أنا أشكر الذي يسكت إذا لم يكن عنده علم، لكن كلنا يعلم أن حال الصحابة ما يمكن تكون هكذا، لما قال «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» » خرجوا كلهم، أدركتهم صلاة العصر، اختلفوا على قسمين؛ قسم منهم اتبعوا النص حرفيًّا وقالوا: ما نصلى العصر إلا في بني قريظة ولو في وسط الليل، ما يمكن نصلي العصر إلا في بني قريظة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» » إذن ما نصلي، لو غابت الشمس ما نصلي، وقال آخرون: الرسول عليه الصلاة والسلام قال هكذا، ما قال: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، يعني أخِّروا العصر، وإنما أراد منا أيش؟
* الطلبة: المسارعة.
* الشيخ: أن نبادر ونسارع حتى لا يأتي علينا العصر إلا ونحن في بني قريظة، وأظن هذا الأسلوب في الكلام موجود الآن، أنا إذا أردت أن أبعثك إلى بلد ما قلت: شوف لا يطلع الفجر إلا أنت في البلد الفلاني، أو لا تصلي الفجر إلا هناك، أيش المعنى؟
يعني يقعد ينم ولا تصلي الفجر إلا الظهر؟! لا، المعنى: أسرع.
الصحابة اختلفوا في الفهم يا إخوان، اختلفوا، والمصيب على القول الراجح من أقوال أهل العلم، المصيب من صلوا في الوقت.
آلى النبيُّ عليه الصلاة والسلام من أمهات المؤمنين شهرًا، آلى من زوجاته أمهات المؤمنين شهرًا أن لا يعاشرهن، ويش معنى آلى؟ معناه حلف، حلف عليه الصلاة والسلام أنه ما يعاشرهن شهرًا كاملًا، وهذا حدث هام في نظر الصحابة رضي الله عنهم، شاع الخبر أن الرسول ﷺ طلق زوجاته حتى جاء عمر دخل المسجد وجد أناسًا عند المنبر يقولون: الرسول ﷺ طلق زوجاته. ولكن عمر رضي الله عنه بعد ذلك استثبت ودخل على الرسول عليه الصلاة والسلام ووجد أن ما فيه طلاق، وإنما فيه اعتزال فقط؛ اعتزلهن شهرًا، هؤلاء الذين حدثوا عمر بأن الرسول طلق زوجاته معناه أنهم لم يفهموا القصة تمامًا ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: أنا أقول عودًا على كلامي الأول: يجب على من علم مسألة أن يتحقق من فهمها حتى يُبلغ الناس، لا يأخذها سطحيًّا ثم يروح يبلغ، قد يبلغ خطأً، ولكن تحقق من المسألة من عالم أو إن كنت تستطيع أن تستخلصها من الكتب من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وما يتعلق بهما من تفسير أو شرح، فإذا تحققت أنها حق فبلغ وادعُ الناس إليها.
أقول: أيها الإخوة، هذه السورة العظيمة (الفاتحة) اشتملت على كل معاني القرآن الكريم، ولهذا تسمى بتسمية النبي ﷺ لها أيش؟
* الطلبة: أم القرآن.
* الشيخ: تسمى أم القرآن، وأم الكتاب، وأم الشيء: مرجعه الذي يرجع إليه، كما قال الشاعر:
عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهِ ∗∗∗ ................................
يعني علامة نتجه إليها ونقصدها، الفاتحة عندما تقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويش معناها؟ مَن يجيبني على معنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ كلنا نقرؤها يا إخواني.* طالب: الوصف.
* الشيخ: معناها الوصف الكامل بأكمل الصفات مستحق لمن؟
* الطلبة: لله عز وجل.
* الشيخ: لله عز وجل. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويش معنى رب العالمين؟ الرب هو الخالق المالك المدبر، والعالَم من هم؟ لو سمحت أعطنا عالم، أيش معنى العالم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هه اللي جنبه.
* طالب: (...).
* الشيخ: يا سبحان الله! العالم، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟ لو قلت لك: رب الخلق، تعرف الخلق ويش هو؟
* طالب: مَن سوى الله.
* الشيخ: من سوى الله، إذن العالَم، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني كل المخلوقات، كذا ولَّا لا؟
* الطلبة: صحيح.
* الشيخ: فهمنا رب العالمين؛ يعني أنني أصف الله بأكمل الأوصاف؛ لأنه رب العالمين جل وعلا.
طيب ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويش معناها الرحمن الرحيم؟ قال العلماء: معنى الرحمن أي واسع الرحمة؛ الرحمن يعني واسع الرحمة؛ لأن كلمة (فعلان) تدل على الامتلاء والسعة، عندما نشوف واحد قد انتفخت أوداجه واحمرت عيناه وانفعل ويش نقول؟ نقول: غضبان؛ يعني ممتلئ غضبًا، شوف كلمة (فعلان) تدل على الامتلاء؛ أي أن الله عز وجل ذو رحمة واسعة.
﴿الرَّحِيمِ﴾ ويش معناها؟ الرحيم يعني الموصل الرحمة من يشاء.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] فاجتمع في هذين الاسمين الكريمين وصف الله عز وجل بسعة الرحمة، وأن هذه الرحمة قد وصلت إلى عباده المؤمنين وغير المؤمنين؛ لأن الله تعالى يرحم من يشاء ويعذب من يشاء، والرحمة العامة التي هي رحمة الدنيا للمؤمنين وللكافرين؛ فالكافر مرحوم رزقه الله وأمده وأعده، لكن في الآخرة ليس له رحمة ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ١٥٦].
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ سؤال ما معنى؟ ما هو يوم الدين؟ كلكم تقرؤونها يا إخوان ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يعني مالك يوم القيامة الذي فيه الجزاء على الأعمال. والسؤال: هل الله ما يملك الدنيا؟
* طالب: يملك.
* الشيخ: يملك الدنيا والدين، كل شيء يملكه عز وجل، لكنه ذكر يوم الدين يوم القيامة؛ لأنه لا ملك لأحد في ذلك اليوم، كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦] نحن في الدنيا لنا ملوك، أليس كذلك؟ لنا ملوك ولاهم الله علينا، ولكن في الآخرة ما فيه مالك إلا الله عز وجل، ما فيه من الخلق مالك أبدًا، ولهذا نقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.﴾
تدرون ماذا يتضمن قولنا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؟ يتضمن الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالجزاء على الأعمال، وأن الذي يجازي على الأعمال مَنْ؟
* الطلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: الله هو مالك يوم الدين.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.﴾
أولًا: أنا أسأل: ما هي العبادة؟ ولا أسمح لطلبة العلم أن يجيبوا عنها.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا لا، طالب العلم لا أسمح أنه يجيب عنها، (...) طالب علم، ويش العبادة؟ أجيبوا عنها بالمثال، قولوا: مثل كذا ما هو بالتعريف، نعيِّن اللي نبغي نقومه يجيب؟ العبادة مثل؟
* طالب: الصلاة.
* الشيخ: أحسنت، العبادة مثل الصلاة، الصلاة عبادة ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب الزكاة؟
* الطلبة: عبادة.
* الشيخ: عبادة، الصيام، الحج، الوضوء، كله عبادة. إذن من هذه الأمثلة الكثيرة نستنتج أن كل ما أمر الله به لنتقرب به إليه فهو عبادة، إذن العبادة اسم جامع لكل ما أمر الله به للتقرب إليه، وكلمة للتقرب إليه؛ لأن الله قد يأمرنا بشيء لا للتقرب إليه ولكن لمصلحتنا الخاصة ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة ٢] وما أشبه ذلك، الأصل في هذه الأوامر الإباحة، لكن مع ذلك ربما ينقلب الأكل والشرب عبادة، كيف يمكنك أن تجعل عشاءك الليلة عبادة يا أخ؟
* الطالب: إذا كان نويت به التقرب إلى.. التقوى به بجسمك إلى طاعة الله.
* الشيخ: الأكل والشرب يمكن يصير عبادة، كيف؟ عندما تأكل وأنت تريد امتثال أمر الله، تكون عبادة ولَّا لا؟
طيب عندما تأكل لتحفظ نفسك من الضرر تكون عبادة؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩] ولو الإنسان ما أكل حتى لمات جوعًا، عندما تأكل للتنعم بنعمة الله عليك عبادة؟ كيف عبادة؟! تنعم بنعمة الله عليك ويكون عبادة؟!
نعم، لأن الله إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه، ولأن الكريم إذا أُكلت مَكرمته أو تكرمته يحب ذلك ولَّا ما يحب؟
* الطلبة: يحب.
* الشيخ: لو واحد من الناس كريم قدم لكم طعام هل يحب أن تأكلوه ولا تبقوه؟
* الطلبة: نأكله.
* الشيخ: إي نعم، لكن لو واحد من الناس بخيل وقدم لكم خبز ما نقول يعنى ما نقول: يعني مرقوق، لكنه خبز، يمكن نقول: كل اثنين يأكلون واحدة فقط، علشان يرجع ببقية الخبز.
فالكريم يحب من الناس أن يتنعموا بكرمه فأنت الآن عندما تأكل تحب أن تتنعم بكرم الله عز وجل، وهذا لا شك أنه يقربك إلى الله.
رابعًا: إذا نويت بأكلك الاستعانة على طاعة الله أيش يكون؟
* الطلبة: عبادة.
* الشيخ: يكون عبادة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». »(١٦)
إذن العبادة يا إخوان نرجع إلى الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ما هي العبادة؟ كل ما يتقرب به الإنسان إلى الله عز وجل من الأعمال. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ويش معنى نستعين؟ ما معنى نستعين؟ أنت سيارتك غرّزت في النفوط، عندكم النفط قريب، غرزت السيارة في النفوط، شوفت اثنين يمشون أو ثلاثة أو أربعة قلت: تعالوا ساعدوني عليها، ويش هذا يسمى أيش؟
* الطلبة: استعانة.
الشيخ: استعانة. إذن ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يعني نطلب العون منك على أي شيء؟ على العبادة وعلى جميع الأمور. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نطلب العون منك.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿اهْدِنَا﴾ الآية الكريمة يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ ولم يقل: اهدنا إلى الصراط، وقد قال الله لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢] ولم يقل: وإنك لتهدي صراطًا مستقيمًا، لكنه قال لنبيه أيضًا ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح ٢].
ما الفرق بين (هداه إلى الصراط) و(هداه الصراط)؟ الفرق بينهما؛ (هداه إلى الصراط) دلَّه إليه فقط دلالة، و(هداه الصراط) أي: هداه إليه وفيه؛ ولهذا حُذف حرف الجر ليكون عامًّا.
فمعنى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: دلنا عليه ووفقنا للعمل به، فتكون في هذا الدعاء سائلًا الله العلم النافع ويش بعد؟
* الطلبة: والعمل.
* الشيخ: والعمل الصالح. ثم ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾، ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فيه الصراط المعوج؟ نعم، كل ما خرج عن دين الله فهو صراط معوج، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣] فكل ما خرج بك عن سبيل الله فهو من غير الصراط المستقيم.
متابعة المؤذن سنة مؤكدة أن تقول مثل ما يقول إلا في (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) فتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والمراد بــ(لا حول ولا قوة إلا بالله) الاستعانة بالله عز وجل؛ يعني أنك تتبرأ من الحول والقوة إلا بالله عز وجل، إذا لم يقوِّك الله عز وجل على طاعة الله ما تستطيع، والرجل المؤذن يقول (حيّ) بمعنى أيش؟
* طالب: أقبل.
* الشيخ: يعني أقبل، الإقبال على الطاعة لا بد له من معونة الرب عز وجل فتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي قول المؤذن في صلاة الفجر (الصلاة خير من النوم) تقول: الصلاة خير من النوم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «قُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» »(١٧) ولم ترد السنة بالاستثناء إلا في (حي على الصلاة)، (حي على الفلاح)، وأما قول بعض العلماء أنك تقول: صدقت وبررت، فلا وجه له، لا شك أنه صادق في قوله: (الصلاة خير من النوم) كما أنه صادق في قوله: (الله أكبر) ولكننا نقول: تقول مثل ما يقول (الصلاة خير من النوم).
إذا كنت في صلاة هل تجيب المؤذن؟
* طالب: لا (...).
* الشيخ: إي نعم، لا تجيب المؤذن؛ لأنك مشغول بصلاتك، لكن إذا انتهيت فقد قال العلماء: إن المصلي والمتخلي-المتخلي اللي في بيت الخلاء- يقضيانه؛ يقضيان متابعة المؤذن، فإذا فرغت تقول: «اللهم صلِّ على محمد، اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد»(١٨).
هل تجيب المؤذن في حال الخطبة؟ في حال خطبة الصلاة يوم الجمعة؟ إن قلت: لا أخطأت، وإن قلت: نعم أخطأت، هل تجيب المؤذن والإمام يخطب يوم الجمعة؟
* طالب: ما يخالف.
* الشيخ: الجواب: ما فيه أذان يوم الجمعة والإمام يخطب.
* طالب: ما فيش أذان ساعة الجمعة. ما فيه أذان عند الخطبة.
* الشيخ: لكن ما فيه أذان والإمام يخطب إلا كان بمسجد آخر، أقول لكم: يمكن.
طيب إذا دخلت يوم الجمعة والمؤذن يؤذن هل تصلي تحية المسجد أو تجيب المؤذن وبعد الفراغ تصلي تحية المسجد؟
من العلماء من قال: تجيب المؤذن، وبعد الفراغ تصلي تحية المسجد، ومنهم من يقول: تصلي تحية المسجد وتستمع للخطبة؛ لأن استماع الخطبة أهم؛ حيث إن الاستماع للخطبة واجب، وإجابة المؤذن -على القول الراجح- ليست بواجبة، هذا من جهة، من جهة أخرى أنك إذا بادرت وأتيت بالركعتين وهو يؤذن كان أفضل؛ فالمبادرة بهما أفضل من التأخر، وعلى كل حال الذي أدعو نفسي وإياكم إليه أن لا نُفوت هذه الفرصة؛ نتابع المؤذن ونقول مثلما يقول، إلا في الحيعلتين، ثم نصلى على النبي ﷺ، ثم نقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة»، إلى آخره، فإن من فعل ذلك فما جزاؤه؟ يقول النبي ﷺ: «حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» »(١٩) اللهم اجعلنا من هؤلاء.
نعود إلى الفاتحة وأنا حاسس إني بأكمل الصلاة، لكن ما أدري يمكن ما (...) نكمل كل أركان الصلاة.
يقول الله عز وجل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
من الذين أنعم الله عليهم؟ ممكن نسأل واحد يعرف قرأ القرآن، تمام.
* طالب: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩].
* الشيخ: نعم، أخوكم يقول: إن الذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ منين؟ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾.﴾
كم صنف؟ أربعة أصناف؛ القرآن يفسر بعضه بعضًا، فإذا سألك سائل: من الذين أنعم الله عيهم؟ اقرأ عليه الآية الثانية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. النبيون يدخل فيهم الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس، الصديقون كأبي بكر، الشهداء كعمر وعثمان وعلي وغيرهم كثير، لكن هذا على سبيل التمثيل.
صعد النبي ﷺ جبل أحد، وكثير منكم يعرفون جبل أحد، أين يقع؟ في مكة؟
* الطلبة: في المدينة.
* الشيخ: في المدينة؟ نعم في المدينة، صعد النبي ﷺ عليه، ارتج الجبل بالرسول عليه الصلاة والسلام هو وأبو بكر وعمر وعثمان أربعة ارتج بهم الجبل، فقال النبي ﷺ: «اسْكُنْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» »(٢٠) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، الله أكبر، الجبل ارتج، يظهر لي -والله أعلم، والعلم عند الله- أنه ارتج فرحًا بهؤلاء الذين ركبوا على ظهره أو لإظهار آية من آيات الله، فقال: «اسْكُنْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» » أبو بكر الصديق، والشهيدان: عمر وعثمان؛ عمر رضي الله عنه شهيد الصلاة؛ طُعن وهو بين يدي ربه عز وجل، كان رضي الله عنه إذا دخل المسجد يسوي الصفوف كما كان إمامنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام يسوي الصفوف، أتدرون كيف يسويها الرسول عليه الصلاة والسلام؟ يسويها بيده؛ يمسح المناكب والصدور حتى تكون مستوية تمامًا، ولما كثر الناس أقام عمر وعثمان رجالًا ينظرون الصفوف، فإذا جاؤوا وقالوا: استوت الصفوف كبّر، أنتم قد تستغربون على بعض الأئمة إذا أبطأ يقول: استووا، ويسوي الصفوف، وهذا لا غرابة فيه، في رواية أبي داود يقول: «فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ »(٢١)، لما تقدم وكبر لصلاة الفجر رضي الله عنه صرخ وقال: «أَكَلَنِي الْكَلْبُ »(٢٢)، مو هو بيعني الكلب البهيم هذا؛ يعني هذا الخبيث اللّي هو أخبث من الكلب؛ وهو أبو لؤلؤة المجوسي؛ لأن المجوس لا شك أن في صدورهم حنقًا على مَن؟
على شريعة الإسلام، وخصوصًا على عمر الذي أسقط الله على يديه إيوان كسرى، فطعن عمر بخنجر له وجهان وممساكة في الوسط؛ لأنه هو الخبيث يبغي عشان كل ما أحد جاء حوله قال هكذا وهكذا، ولكن الصحابة لحقوه، وطعن أكثر من عشرة، ولكنهم ألقوا عليه بساطًا حتى نحر نفسه والعياذ بالله، عمر شهيد الصلاة، عثمان شهيد المصحف، دخل عليه الخوارج وهو يقرأ فقتلوه في بيته، حتى ذكر بعض المؤرخين أن قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٣٧].
«نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» » لكن قد تقول: كيف الرسول ﷺ وهو أعقل الناس يخاطب جمادًا يقول له: «اسْكُنْ» »؟ فالجواب: هذا الجماد يعقل؛ الدليل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] كل شيء يسبح الله بلسان الحال ولَّا بلسان المقال؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: بلسان الحال والمقال، إلا في الكفار من بني آدم ومن الجن فيسبحون الله بلسان الحال دون لسان المقال، وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» »(٢٣) الله أكبر، حكمة عظيمة، هذا المكان لو كان في زمن المتأخرين يتخذونه شؤمًا؛ لأنه حصل بها أيش؟ حصل فيها ما حصل على المسلمين من الاستشهاد والقتل والجراحة والتعب والنصب. أقول: لو عند هؤلاء المتأخرين كان هذا المكان يكون مشؤمًا عندهم، لكن الرسول قال في أحد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا» » وليس بغريب أن يحب رسول الله والمؤمنين، لكن: «وَنُحِبُّهُ» » أثبت للجبل إرادة ولَّا لا؟ ويش هي؟ المحبة، جماد يحب النبي عيه الصلاة والسلام والمؤمنين. وأيضًا لعل بعضكم سمع قصة وقعت لموسى عليه الصلاة والسلام، موسى نبي الله، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى ﷺ لا يغتسل عريانًا أبدًا، ما يغتسل بحضرة أحد، ويش قال بنو إسرائيل؟ قالوا: موسى لولا أنه فيه بلاء ما راح يتستر عنا عند الاغتسال، إن موسى آدر، ويش معنى (آدر)؟ أي كبير الخصية، شوف والعياذ بالله بني إسرائيل يقولون لنبيهم ها الكلام!!
أراد الله عز وجل أمرًا ليس باختيار موسى، دخل موسى يومًا يغتسل ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، هرب، الله أكبر!! فجعل موسى يتبعه يركض وراءه يقول: «ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ» »(٢٤)، يعني (...) ثوبه، يخاطب الحجر، كيف يخاطبه وهو حجر؛ لأن الحجر ركض بثوبه، هرب به حتى وصل إلى الملأ من بني إسرائيل وشاهدوا موسى فإذا موسى سليمًا بريئًا مما قالوا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب ٦٩]. فإذا موسى سليم عليه الصلاة والسلام، لما شاهد الناس وقف الحجر، فأخذ موسى ثوبه وجعل يضرب الحجر، كيف يضربه وهو حجر؛ لأنه في نظر موسى أساء إليه حيث هرب بثوبه وجعل بني إسرائيل ينظرون إلى عورته، ما أدري لما كنا صغار إن منا طحنا، نحن صغار إذا طحنا بحجر ولَّا شيء، جاءت الأم تضرب الحجر، تضربه تقول: اديني أدقه عشان تسكتنا، هل هذا من هذا القبيل ولَّا لا؟
* الشيخ: لا؛ لأن ذاك آية من آيات الله، لكن هذا ما نعرف أيش؟ مجهول لدينا.
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قد تقول: ألا يُكتفى بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ لأن الذين أنعم الله عليهم هم الأصناف الأربع الذين علموا الحق وعملوا به، فكيف جاءت ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؟ نقول: هذا من باب تأكيد كمال المثبت، ما هو المثبت؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. حتى لا يكون في هذا الصراط ولا جزء يسير من صراط المغضوب عليهم والضالين، فهذا من باب تأكيد الكمال، وأظن كثيرًا من طلبة العلم يفهمون الآن أن صفات الله السلبية النفي تتضمن ثبوت كمال ضدها، فإذا قيل: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩] فالمعنى أنه لكمال عدله ليس هناك ظلم في فعله ولا في حكمه.
إذن ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ تأتي لأجل كمال ذلك الإثبات في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ حتى لا يكون في هذه الهداية شيء من الضلال أو شيء من موجبات الغضب. وأرجو الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما سمعنا من هذه السورة العظيمة المتضمنة لمعاني القرآن على سبيل العموم، وفي الحقيقة لو أن أحدًا من الناس تيسر له أن يقرأ هذه السورة عن تمعُّن ونظر ومراجعة لكلام أهل العلم فيها لوجد فيها معاني عظيمة جدًّا، ولهذا هي أم الكتاب التي لا بد من قراءتها في كل ركعة من الصلاة، ومع ذلك فهي رُقية عظيمة للمرء.
نزل الصحابة يومًا وهم في سرية بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام على قوم، نزلوا على قوم واستضافوهم الصحابة استضافوا الجماعة دول، لكنهم ما أعطوهم الضيافة، وهذا لؤم وبخل، العرب في جاهليتها تكرم الضيف، لكن هادولا ما أكرموا سرية رسول الله ﷺ التي بعثها الرسول، ليس معهم لكن بعثهم.
ماذا حصل؟ قدَّر العزيز الحكيم جل وعلا أن لُدِغ رئيسهم، لدغته حية، نظروا من يقرأ، قالوا: لعل هؤلاء الركب الذين جاؤوا لعل فيهم من يقرأ، ابعثوا بهم، ابعثوا إليهم، فجاؤوا إليهم، قالوا: فيكم أحد يقرأ؟ قالوا: نعم، فينا أحد يقرأ، قالوا: اقرؤوا على سيدنا أو صاحبنا. قالوا: ما نقرأ، أنتم أضعتم الواجب وفرطتم الواجب عليكم بالضيافة ما نقرأ إلا بجُعل. قالوا: جعل نعطيكم هذا الغنم، نعطيكم هذا القطيع من الغنم، قالوا: طيب إذن نقرأ، فذهب أحدهم إلى هذا اللديغ، وجعل يقرأ عليه الفاتحة؛ سورة الفاتحة، فقام هذا اللديغ الذي لدغته أيش؟ نملة صح نملة ولَّا لا؟ عقرب؟ زُنبور؟ حيّة حيّة، قام لما قرأ الفاتحة كأنما نُشط من عقال، ويش معنى (نشط من عقال)؟ يعني كأنه بعير فُك عقاله فقام، ما فيه إلا العافية، بس بقراءة الفاتحة، لكن الصحابة لورعهم قالوا: ما يمكن نأكل من هذا الغنم حتى نرجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ونسأله، فسألوا النبي ﷺ فقال لهم: «خُذُوا» » أو قال: «كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» »(٢٥) سبحان الله!! شوف قال: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» » لماذا؟ لأجل أن يطمئنوا؛ لأن المفتي إذا فعل ما يفتي به صار ذلك أبلغ طمأنينة في المفتَى، ولهذا يذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين حاصر التتار حاصروا دمشق في رمضان، العلماء قالوا: ما يمكن تفطرون، يقولوا للجند: ما يمكن تفطرون، لستم مرضى ولا على سفر، ما نرى لكم رخصة في الإفطار، قاتِلوا وأنتم صائمون، قالوا: يا جماعة نتعب، قالوا: قاتلوا، لا تفطروا، الله يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة ١٨٤]، أنتم لا أنتم مرضى ولا على سفر، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: لا، أفطروا، أفطروا وكلوا، تستعينوا بذلك على القتال. واستنبط ذلك رحمه الله من غزوة الفتح، غزوة الفتح نعلم جميعًا أن الرسول خرج إليها متى؟ في رمضان، وصام الناس وأمرهم بالفطر، ثم لما دنوا من عدوهم قال: «إِنَّكُمْ لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا فَأَفْطِرُوا؛ فَإِنَّ الْفِطْرَ أَقْوَى لَكُمْ» »(٢٦) ما قال: فإنكم مسافرون، الفطر أقوى «لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا فَأَفْطِرُوا؛ فَإِنَّ الْفِطْرَ أَقْوَى لَكُمْ» » فأفطر الصحابة. كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيرًا كان بين الجنود وهو رجل شجاع وعالم، كان بين الجنود يمشي في رمضان ومعه كِسرة خبزة يأكلها أمام الناس علشان أيش؟
لأجل أن يطمئنوا ويعلموا أن هذا الرجل أفتى عن قناعة، وهكذا الرسول ﷺ قال قبله، وهو إنما فعله اقتداء بالرسول ﷺ؛ قال: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» ». ثم قال للذي قرأ الفاتحة على هذا اللديغ قال: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» »(٢٧) أنها رقية، إذن فأحسن ما نقرأ على مرضانا وعلى من أُصيب منا في مثل هذه الأمور أيش نقرأ عليه؟
* الطلبة: الفاتحة.
* الشيخ: الفاتحة، لكن نسأل الله أن يرحم ضُعفنا، يمكن يجي واحد يقرأ الفاتحة عشرين مرة ما يستفيد المريض لماذا؟ هل لأن الفاتحة غير الفاتحة الأولى ولَّا لأن القارئ غير القارئ؟ القارئ غير القارئ.
والقراءة لا تنفع إلا بثلاثة شروط: قابلية المحل، وأهلية القارئ، وصلاحية القراءة، بثلاثة شروط، فلو قرأ الإنسان ما لا يصلح من هذه العزائم وما أشبه ذلك ما تنفع، ولو كان الإنسان المقروء عليه غير قابل -وهو ما نقول عنه: قابلية المحل- ما نفع؛ يعني لو قرأت على مريض والمريض بيشك، قال: والله ما أدري عن هذه القراءة، أروح المستشفى أحسن، ينتفع ولَّا ما ينتفع؟
ما ينتفع، ولو كان القارئ غير أهل ما نفعت أيضًا، فلا بد من أهلية القارئ وقابلية المحل وصلاحية المقروء بمعنى أنه ثبت به الشرع وإلا فإنه لا ينفع، لو قرأت ألف مرة وأنت في شك ما نفعك، وبالمناسبة أحب أن أبيِّن أن الرسول ﷺ أخبر بأن «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ» »(٢٨) فينبغي أن نقرأها كل ليلة لكن بإيمان، ما كل واحد يقول: أبغي أجرب دي تنفع ولَّا ما تنفع، اللي يقول: أبغي أجرب معناه الشك، يقرؤها الإنسان بإيمان؛ بأنه إذا قرأها لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وآية الكرسي معروفة في أول الجزء الثالث من القرآن.
ولعل الشيخ عبد الله الآن كأنه في يده شيء من الأسئلة ولنقتصر على هذا، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يتوفانا على الإيمان، اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله.
* الطالب: جزى الله فضيلة الشيخ عنا كل خير، وأمد الله في حياته على عمل صالح، ونفعنا بما سمعنا، وجعل ما قال في موازين أعماله يوم يلقى الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: آمين.
* الطالب: أيها الأحباب، الأسئلة كثيرة جدًّا، والإخوة الذين فرزوا الأسئلة حرصوا على استيفاء أكثرها ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الشيخ للإجابة على جميع ما فرز منها.
* الشيخ: وعلى الصواب.
* الطالب: وعلى الصواب إن شاء الله أن يهديه للصواب في القول.
* الطالب: هذه شابة تسأل تقول: في وجهي شامة في الجبهة وهي تُكلل الجبهة كلها، وأريد أن أزيلها بعملية جراحية، هل يسوغ ذلك أم لا؟
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
الجواب: نعم، يجوز للإنسان إذا كان فيه عيب في الخِلقة أن يزيل ذلك العيب؛ فالشامة إذا كانت في الجبهة كما ذكرت السائلة وكانت قد عمت الجبهة أو أكثرها أو شوَّهت المنظر فإنه يجوز لها أن تزيلها بعملية جراحية بشرط أن لا يلحقها ضرر في بدنها، فإذا قال الأطباء: ممكن إزالة هذا بالعملية فلا حرج في ذلك، وهكذا لو كان في الإنسان أسنان متراكبة بعضها راكب لبعض وتؤذيه عند الأكل أو تشوه منظره فلا حرج عليه أن يزيل ذلك الراكب، وأما تجميل الأسنان بالوشر والتصغير؛ يصغرها فإن ذلك محرم، بل ومن كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ «لَعَنَ الْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ »(٢٩) ففرق بين أن يتخذ الإنسان شيئًا يجمل أو أن يعمل شيئًا يزيل العيب، فإزالة العيب لا بأس بها، وأما زيادة التجميل فإنها لا تجوز وقد أذِن النبي ﷺ للرجل الذي قُطع أنفُهُ أن يتَّخذَ أنفًا من فضَّةٍ فأنتَنَ فاتَّخذَ بدَلَهُ أنفًا من ذسهَبٍ.(٣٠)
* الطالب: جزاكم الله خيرًا. فضيلة الشيخ، كثر الكلام حول اللوحات التي كُتب عليها آيات قرآنية، هل يجوز بيعها وشراؤها، وإذا تورط المسلم فيها في شرائها، فهل يلزم من باعها بإعادتها إليه، أم يبيعها، أم ماذا يتصرف فيها؟ أفيدونا أثابكم الله.
* الشيخ: الإجابة على هذا السؤال؛ أولًا: الواقع أن هناك لوحات متعددة، وكل هذه اللوحات واردة علينا وجديدة في ديننا، ولم تكن في عهد الصحابة ولا مَن بعدهم من التابعين الذين هم خير القرون، وتعليقها على الجدر تزيينًا للجدار لا شك أن هذا ابتذال لكلام الله عز وجل، كيف تجعل كلام الله الذي هو أشرف الكلام تجعله نقوشًا في بيتك؟ وتعليقها للتبرك بها هذا أيضًا من البدع، الصحابة ما كانوا يتبركون بالقرآن على هذا النحو، وتعليقها لتحميك وتحفظك هذا أيضًا من البدع؛ فالصحابة ما كانوا يحتمون بما يعلقونه ببيوتهم، ثم إنه يصد الإنسان عن المشروع وهو أن يقرأ القرآن هو بنفسه يقول: بدل من أني أقرأ آية الكرسي كل ليلة أعلقها في الحجرة يكفي، ثم إن فيها امتهانًا للقرآن من جهة أخرى؛ فإن هذا المجلس قد يكون مجلس سوء، قد يكون فيه غيبة أو لعب محرم، أو ما أشبه ذلك، فيكون في هذا نوع من الاستهزاء بآيات الله عز وجل، وقد صدر فتوى من الهيئة الدائمة للبحوث العلمية بمنع مثل هذا الشيء، وأقبح من ذلك أنه يوجد أواني صغيرة مكتوب عليها آية الكرسي، منقورة نقر، هذا لا شك أن فيه امتهان للقرآن إناء يُلقى في الأرض، وربما يُضرب بالرجل، وربما يأخذه (...) الصغير، يكتب فيه آية من أعظم الآيات، بل هي أعظم آية في كتاب الله؛ آية الكرسي، فالذي أراه أنه لا ينبغي تعليقها إطلاقًا، وأن الإنسان إذا كان عنده شيء منها أن يحرقه، ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أحرقوا نسخ القرآن التي اتفقوا على خلافها، وهي ما فيها اختلاف، لكن فيه بعض السور تقدم على بعض، وبعض اللهجات وما أشبه ذلك، وإذا كان الإنسان قد اشتراها من قبل أن يعلم بالحكم فالشراء صحيح؛ لأنه ما علم بأنها حرام، وظن أن ذلك من المباح، ولكنه كما قلت: يحرقها الآن، وإذا كان لا يمكن إحراقها فليطمسها بأن يرشها بالبوية حتى تزول الكتابة، وهناك شيء آخر يعلقه بعض الناس أيضًا، فيه بعض اللوحات مكتوب (الله) على اليمين، (محمد) على اليسار، موجود هذا ولَّا لا؟
* طالب: موجود.
* الشيخ: طيب الإنسان اللي يشاهد اللوحة هذه، يقول: إن الله ومحمدًا سواء، وأن محمدًا ند لله عز وجل، نسأل الله العافية، الله عز وجل لا نِدَّ له، ولهذا لما قال رجل للرسول عليه الصلاة والسلام: ما شاء الله وشئت. ماذا قال الرسول له؟ قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا!» ». والاستفهام هنا للإنكار، «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» »(٣١) كيف يكون أمامنا (الله - محمد)، كما لو كُتب (الملك - ولي العهد)؟ ما هو صحيح هذا، هذا خطأ، لا يجوز تعليق هذا إطلاقًا، ويجب أن تزال وأن تُكسر؛ لأنها واضح أن فيها شركًا، ترضى أن تعلق في بيتك ما يتضمن الشرك بالله؟
ما أظن أحدًا يرضى بذلك، ثم لو فرض أنك علقت كلمة (الله) بس، الله، أنا أخشى أن تكون هذه الكلمة مأخوذة من الصوفية، الصوفية كيف ذكرهم لله؟
يقولون: الله الله الله الله الله، والغالي منهم ما يقول: الله، لا يصح تقول: الله، إذا قلت: الله أشركت أو عطلت، ويش أقول؟ قال: هو هو هو هو هو، هذا ذكرهم ويش معنى (هو هو) عندهم؟ يعني هو الكون كله؛ ولذلك الصوفية تؤدي بأصحابها إلى القول بوحدة الوجود نسأل الله العافية، وأن الكون شيء واحد؛ فالرب هو المربوب والخالق هو المخلوق؛ لهذا أقول أنا أولًا: إنكاري لهذه اللافتات إذا قرن الله بمحمد ﷺ، فإن هذا نوع من الشرك فيجب إزالته، إذا كُتب (الله) وحده فهذا ليس بمشروع، وهو بدعة، ويش معنى أنك تقول: (الله) بس؟ أو حتى لو قلت: الله جل جلاله، ويش معنى هذا؟
فلهذا كل هذه إنما جاءت من هؤلاء الجهَّال من الباكستانيين وغيرهم الذين اتخذوا مثل هذا الشيء سلعة لأجل أن عواطف المسلمين تحب الإسلام وتحب الله عز وجل، وتحب الرسول، وتحب أن تشاهد اسم الله واسم الرسول، لكن لا بد في العبادة من أن تكون مبنية على الاتباع لا على الابتداع؛ فالذي أنصح إخواني المسلمين به أن يدعوا ذلك كله، ولا تظنوا أنني حينما مثَّلت بأن هذه ترد من باكستان أن معناها أنها تختص بهؤلاء لا، تأتي من الباكستان ومن غير الباكستان؛ فهي قد تأتي من عدة جهات، ولا يهمنا أن تأتي من الجهة الفلانية أو الفلانية إنما يهمنا هل توافق الشرع أو لا توافقه.
* طالب: طيب بالنسبة لكتابة الآيات في المساجد؟
* الشيخ: الحكم في المساجد وغيرها سواء، فكتابة الآيات في المساجد صحيح أن المكان لا يمتهن في الغالب مع أنه قد يمتهن المسجد، يوجد ناس من الإخوان الطيبين اللي يتقدمون إلى المسجد يجلس بعضهم إلى بعض وهم ناس طيبون، ثم يتكلمون في أعراض الناس، هل هذا ما موجود؟ يمكن يوجد، ما أقول موجود مئة بالمئة، لكن يمكن يوجد، التكلم في أعراض الناس من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، ما تغفر إلا بتوبة، لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، ما تُكفر إلا بتوبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» من يعرف تكملة الحديث؟ «مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»(٣٢) والغِيبة من كبائر الذنوب، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أكمل الآية ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات ١٢]. تصوَّرْ هذه الحالة: أخوك -إن شئت من الدين، وإن شئت من النسب- قُدّم لك ميتًا، هل يمكن تقطع لحمه وتاكله؟ قل لي: يمكن ولَّا ما يمكن؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: أبدًا مستحيل، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. والذي يغتاب أخاه كالذي يأكل لحمه ميتًا، لماذا لم يقل: أن يأكل لحم أخيه حيًّا؟ لأيش قال: ﴿مَيْتًا﴾؟
لأن المغتاب غير حاضر ما يدافع عن نفسه كما أن الميت لا يدافع عن نفسه، ولأجل المبالَغة في التنفير من هذه الخصلة الذميمة، ومع ذلك الله يهدينا جميعًا وينجينا من الناس وينجي الناس منا نجد أن كثيرًا من الناس أهل الخير والدين لا يهتمون بغِيبة الناس.
* الطالب: أثابكم الله، فضيلة الشيخ، نسمع كثيرًا عن زرع الأعضاء وتبادلها وبيعها وإهدائها، فما حكم ذلك جزاكم الله خيرًا؟
* الشيخ: الحكم في ذلك صدر فيه فتوى من هيئة كبار العلماء فيما أظن، وأظنها نُشرت في مجلة البحوث، وأما علماء الحنابلة -رحمهم الله- فقد صرحوا بأن ذلك حرام، وقالوا: لا يجوز أن يقطع عضو من ميت ولو أوصى به، وقد ذكر ذلك صاحب الإقناع في كتاب الجنائز؛ لأن الإنسان محترم، والإنسان نفسه أمانة عنده، لو أن أحدًا قال: أنا جسمي لي أبغي أحرقه بالنار ويش يصير؟ حرام ولا حلال؟
* الطلبة: حرام حرام.
* الشيخ: حرام، لو قال: جسمي لي أبغي أذبحه، قلنا: افعل وستُعذب بما قتَلت به نفسك في نار جهنم، حرام عليك.
إذن ليس لك الحق في أن تتصرف في شيء من بدنك، ولو بعد موتك قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»(٣٣) أخرجه أبو داود بسند صحيح، ولكن مع ذلك نحن نقول: ما دامت المسألة قد صدر فيها فتوى من أهل العلم في بلادنا فهذه مسائل اجتهادية، فمن تبيَّن له الحق فليتبعه ولا يماري بها بأحد خالفه اللهم إلا أن يكون في المسألة إجماع فإن إجماع الأمة معصوم.
* الطالب: أثابكم الله، فضيلة الشيخ، اعتاد الناس بعد صلاة العيد أن يعانق بعضهم بعضًا حتى ولو أتوا سويًّا، فما حكم ذلك؟
* الشيخ: هذا ليس من السنة، ولا أعلم في ذلك سنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة، وأظن أن هذا من الأمور المعتادة، وليس من أمور التعبد، فإذا تعانق الناس بعضهم مع بعض أو تصافحوا وهنَّأ بعضهم بعضًا، فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس، وأما التقبيل فهذا لا أصل له وليس بمشهور، ولا يُشرع التقبيل إلا لسبب كقدوم من غيبة، أو رحمة بمريض أو ما أشبه ذلك، وأما بدون سبب فهذا ليس بمشروع ولهذا لا يشرع لك كلما لاقيت صاحبك قبلته، هذا غير مشروع.
* الطالب: وما حكم زيارة المقابر يوم العيد؟ وما حكم المعانقة داخل المقبرة؟ وما حكم؟
* الشيخ: داخل المقبرة يعني عند الدفن.
* الطالب: عند الدفن، وما حكم قول: أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض بعد الإقامة؟
* الشيخ: زيارة المقابر في يوم العيد لا أصل له أبدًا، وليس بمشروع، ومن اعتقده سنة فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه، ولهذا ينبغي أن ينصح بعضنا بعضًا في هذه المسألة، وإذا رأينا من يخرج إلى المقابر يوم العيد قلنا له: يا أخي، هذا ليس بمشروع ولا تفعله؛ لأنك إذا فعلت ذلك اعتقد الناس أنه سُنّة، وليس بسنة، والعادات في العبادات غير مقبولة مرفوضة؛ يعني العادات فيما يقصد به التعبد مرفوضة حتى يثبت أنه عبادة، وزيارة القبور من العبادات ولَّا من العادات المحضة؟
* الطالب: من العبادات.
* الشيخ: من العبادات؛ يعني الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بها، فإذا كانت من العبادات فلننظر هل كان من هدي النبي ﷺ أنه إذا كان يوم العيد خرج إلى المقابر يزورها؟
لا، ولا أمر بت، ولا أرشد الأمة إلى ذلك، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بزيارة القبور، ويخرج إليها يزورها حتى أحيانًا يزورها في الليل، فهذه أنا أرجو منكم بارك الله فيكم أن لا تخرجوا للمقابر يوم العيد لزيارتها، وأن ترشدوا من فعل ذلك وتقولوا: هذا يا أخي ليس بسنة، لا تتعب بدون فائدة أو بما فيه ضرر عليك، وأما المعانقة بعد الدفن فهذه أيضًا بدعة لا أصل لها ولا وجه لها إطلاقًا حتى إن في نفسي شيئًا من المصافحة عند التعزية؛ لأن الإنسان قد يكون جنبك ما راح تتلاقيه، أما لو لاقيت أخاك المؤمن صافحه، لكن أنت إلى جانبه، ثم إذا دُفن الميت ذهبت تصافحه، لا أعلم لها أصلًا، أما المعانقة والتقبيل فلا أصل لها إطلاقًا ويُنهى عنه، واعلم أن التعزية تكون قبل الدفن وبعد الدفن، خلافًا لمن ظن من العوام أنها لا تكون إلا بعد الدفن؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام عزّى ابنته قبل أن يموت طفلها، أرسلت إليه إحدى بناته إلى النبي ﷺ تطلبه أن يحضر؛ لأن طفلها- كان ابنًا أو بنتًا- كان في سياق الموت فجاء الرسول إلى النبي ﷺ يخبره بدعوة ابنه إليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للرسول شوف ألفاظ التعزية العظيمة أحسن من اللي إحنا نقوله، قال النبي عليه الصلاة والسلام للرسول: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى»(٣٤) الله أكبر ما أعظم هذا الكلام! «فَلْتَصْبِرْ» تحبس نفسها عن التسخط، لا تشق الجيوب، ولا تلطم الخدود، ولا تنتف الشعور، ولا تتضجر «وَلْتَحْتَسِبْ» وأيش معنى تحتسب؟ يعني ترتقب الأجر من الله عز وجل ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠] شوف ها الكلمات «فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى» صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، الكون لمن؟
* الطالب: لله.
* الشيخ: لله عز وجل، له ما أخذ وله ما أبقى، والمقادير التي تقع تقع عفوًا هكذا مصادفة؟ أجيبوا.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، وكل شيء عنده بأجل مسمى، لا يتقدم ولا يتأخر.
وأنا أذكر لكم قصتين أُخبرت بهما ممن أثق به تدل على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، حدثني رجل؛ أحد الأئمة عندنا ثقة ثقة ثقة رحمة الله عليه قال: سافرنا إلى الحج على الإبل، ولما رجعنا من مكة مرضت أم واحد منا، يقول: فنزلنا بين الجبال في الريع، تعرفون الريع؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: بين الجبلين؛ يعني مجرى شعيب بين جبلين، نزلنا في آخر الليل ونمنا، ولما أصبح الصباح مشينا، هذا الرجل اشتغل بأمه يصلح الرحل لها ومشى الناس، الريعان تخفي الإنسان، لما أصلح الرحل لأمه أركبها على البعير وذهب يقود بها، أخطأ، ضل الطريق؛ لأن الناس في الريعان يختفوا عن بعض، ضل الطريق، فسلك طريقًا يظنه الطريق الذي يُوصل إلى أصحابه، سلكه مشى مشى حتى ارتفعت الشمس ما وجد أصحابه، فإذا خباء صغير عنده ناس ساكنين بدو من التعب نزل هو وأمه وسألهم عن الطريق، قالوا: الطريق وراءك، لكن استرح شوية أنت ويا المرأة اللي معك، يقول: لما أنزلتها على الأرض قبض الله روحها، الله أكبر! من يتصور أن هذا الرجل يأتي من القصيم ولا تموت أمه إلا في هذه الشعاب؟! لكن ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان ٣٤].
المثال الثاني: في أحد الأسواق أحد تقاطع الأسواق كان طالبانِ خرجا من المدرسة قبل ثلاث سنوات، وفيه سيارة تبّي تعبر، تعرفون طريق التقاطع، كل واحد منهم وقف، الطالبان اللذان عند الباب وقفا وصاحب السيارة وقف يريد كل واحد منهما أن يعبر الآخر، في ثانية أو ثانيتين تحرك الطالبان وفي نفس الوقت تحركت السيارة من الجانب الآخر، فصدمت السيارة الطالب المؤخر ومات في الحال، الله أكبر!!
يعني ثوانٍ لأجل أن يبقى هذا الإنسان حتى ينتهي أجله، فأقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى»(٣٥). انتبه للتعزية المفيدة الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام كيف تقول عند العزى إذا أردت أن تعزي شخصًا تقول: اصبر واحتسب؛ فإن لله ما أخذ وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
فيه الآن عبارة عند الناس ذكرها الفقهاء رحمهم الله يقولون: أعْظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. هذا طيب، لكن الألفاظ الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام أطيب وأنفع وأنجى وأبلغ.
نحن نقول: إن التعزية نوع من العبادة في الواقع؛ لأن فيها إحسانًا إلى المصاب وتقوية له على تحمل المصيبة فلا تفعل فيها ولا تقل، فلا تفعل فيها إلا ما ورد به الشرع.
أما السؤال الثالث:
* الطالب: بعد الإقامة..
* الشيخ: أعطني السؤال الثالث قبل ما تنفد الأسئلة هذه.
* الطالب: هو نفسه أقامها الله وأدامها.
* الشيخ: إيه، ما حدن بيقول: وأقيموا الصلاة!
* الطالب: لا.
* الشيخ: أما قول الناس عند إقامة الصلاة (أقامها الله وأدامها)، هذا مبني على حديث ورد في ذلك، لكن ما فيه ما دامت السماوات والأرض، ومع ذلك فالحديث ضعيف، ولهذا الصواب أنك لا تجيب المقيم، تجيب المؤذن، ولا تجيب المقيم؛ لأن الحديث الوارد في ذلك ضعيف والأعمال لا تُبنى على الأحاديث الضعيفة كما أن بعض العوام إذا قال الإمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥] يقولون: استعنا بالله، لا تقل هذا، هذا ما ورد فيه، ما كان الصحابة يقولون خلف نبيهم، ثم إن قراءة الإمام سوف تؤمِّن عليها أنت، فكأنك أنت قلت: إياك نستعين، وإياك نستعين أبلغ من استعنَّا بالله.
من اللي يعرف البلاغة علشان يبين لنا أنها أبلغ؟ إياك نستعين أبلغ من استعنا بالله، لأيش؟
أبلغ من وجهين أولًا: أن إياك ننستعين فيها تقديم المعمول (إياك) قال العلماء: وتقديم المعمول يدل على أيش؟ على الحصر والاختصاص كأنك قلت: لا نستعين إلا إياك.
الوجه الثاني: كلمة (استعنا بالله) فعل ماضٍ، لكن (نستعين) فعل مضارع يدل على الاستمرار، والإنسان مستعين بالله دائمًا وأبدًا، فلهذا لا حاجة أن تقول استعنا بالله، استمع لقراءة إمامك، ولا تتكلم بشيء أنت مأمور بالإنصات كما قال النبي عليه الصلاة والسلام فإذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قل: آمين.
* الطالب: هذا سائل يسأل ويقول: كثيرًا ما يقوم بعض المزارعين ببيع القمح قبل توريده للصوامع على أن يكون دخوله على الصوامع باسم البائع والثمن يقبضه المشتري، وبالتالي يدفع المشتري ثمن القمح سلفًا للبائع؟
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
هذه العملية لا تجوز؛ لأنه لا يجوز أن يُقدم القمح ومالكه بشخص باسم شخص آخر؛ لأن في ذلك وقوعًا في كذب، فالقمح بعد أن بيع على فلان ليس ملكًا لفلان الآخر، وفيه أيضًا خيانة للدولة؛ لأنه أدخل عليها باسم شخص وهو لغيره، وفيه أكل للمال بالباطل؛ لأن الكسب الذي يحصله المشتري حصل بطريق محرَّم، وكل كسب بطريق محرم فإنه أكل للمال بالباطل، والرابع من المفاسد أن الشعب يكون إذا سلك هذه المسالك الملتوية يكون شعبًا حيوانيًّا، ليس له هم إلا المكسب الدنيوي فقط، لا يخشى الله عز وجل، ولا ينظر للآخرة، وكأنما خلق للمال، والحقيقة أن المال خُلق لنا، لم نُخلق له، فمن عذب نفسه بالمال تعذب، ومن سخر المال لمصالحه يسر الله له أمره، والله عز وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] ولم يقل: خلقكم لما في الأرض، وإنما خلقنا الله عز وجل لعبادته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]. فأنا أحذر إخواني المسلمين من مثل هذه الأعمال التي يكتسبون بها المال عن طرق محرم لما في ذلك من الضرر عليهم في معاشهم ومعادهم.
* الطالب: أثابكم الله، وهذا سائل يسأل ويقول: ما حكم التفريق بين تكبيرات الصلاة مدًّا وقصرًا بغية إفهام المأمومين بالفعل الذي يعقب التكبير؟
* الشيخ: حكم هذا لا أصل له في السنة، فلم يرد عن النبي ﷺ أنه يفرق بين التكبيرات، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بذلك، وغاية ما اطلعت عليه من كلام الفقهاء أن بعضهم قال: ينبغي أن يمد التكبيرة في الانحطاط من القيام إلى السجود، وفي القيام من السجود إلى النهوض إلى القيام، قالوا: لأن ما بين هذين الركنين طويل فيمد التكبير حتى يستوعب زمن النهوض وزمن الانحطاط، ومع ذلك فقد قالوا هذا عن غير برهان من السنة وإنما قالوه اجتهادًا، يعني يقول: إذا أردت تسجد تقول: (الله أكبر) علشان تبدأ بالتكبير أول ما تهوي وينتهي عند الوصول إلى الأرض، وإذا رفعت من السجود قل (الله أكبر) علشان تبدأ من السجود بالتكبير من وقت (...) السجود، وينتهي بانتهاء الوقوف، أو بالوصول إلى الوقوف، ولكنهم مع ذلك إنما قالوه اجتهادًا فقط، وما دام هذا الأمر قد جاءت به السنة؛ أي قد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يكبر ولم يُنقل عنه أنه كان يفرق بين التكبيرات فإن السنة عدم التفريق.
وفي عدم التفريق بين التكبيرات مصلحة عظيمة للمأموم؛ لأن المأموم يحط باله وينتبه للركعات، لكن إذا كان يتابع الإمام بحسب تكبيراته صار كالآلة الميكانيكية، يمشي وراء هذا التكبير والله ما يدري هي الأولى ولا الثانية، أما إذا صار الإمام لا يفرق تجد الواحد يحط باله تمامًا؛ لأنه يخشى أن يقوم في موضع الجلوس أو أن يجلس في موضع القيام أمام الناس فيفشل، ولهذا رأيت فيها فائدة، أنا كنت أول إمامتي أفرق بين التكبير جريًا على عادة الناس، ولكني نبَّهني بعض الإخوة جزاه الله خيرًا من الإخوة المعتنين بالحديث، وقال لي: يا أخي، وأيش دليلك على هذا؟ جب لي دليل ولَّا لا تفعل، فلما قال لي: هكذا الحقيقة أنه خصمني، ما استطعت أن أجيبه على ذلك، فقلت: جزاك الله خيرًا، أنا إن شاء الله لا أفرق بعد هذا، فلما صليت أول ما صليت ولم أُفرق سبّح بي المأمومون قالوا: سبحان الله! لأن من عادتهم أننا نفرق، لكن مرتين أو ثلاثًا زال هذا، وعرفوا أنه لا تفريق، وصار كل واحد يحاسب ألف حساب ليروح يسهو في صلاته حتى يخطئ بين الناس، وربما يُستدل لذلك بأن الرسول لا يفرق بين التكبيرات أنه لما صُنع المنبر له صار ﷺ يقوم على المنبر فيقرأ ويركع على المنبر، فإذا أراد أن يسجد نزل من المنبر وسجد في الأرض فقال ﷺ: «إِنّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي»(٣٦) أما قوله: «لِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» فهذا نعم كلما ارتفع الإنسان وبان للمأمومين يتعلمون أكثر لكن «لِتَأْتَمُّوا بِي»؟ دليل على أنه لا يفرق بين التكبير وإلا لكان الائتمام بالتفريق بين التكبيرات، الله أعلم.
* الطالب: أثابكم الله، وهذا سائل يقول: بعض الناس يخصص يوم الجمعة لزيارة القبور، فهل لهذا أصل في الشرع؟
* الشيخ: أما تخصيص يوم الجمعة بزيارة القبور فلا أعلم له أصلًا من الشرع، لكن بعض الفقهاء رحمهم الله قالوا: ينبغي أن تكون الزيارة يوم الجمعة، وبعضهم قال أيضًا: يوم الجمعة قبل طلوع الشمس، لكنه لما لم يكن لهذا القول شيء من الأثر فإنه لا ينبغي أن يُعمل بت، وأن تكون زيارة القبور كل وقت، ولهذا كما أشرت إليه قبل الصلاة زار النبي عليه الصلاة والسلام المقبرة ليلًا كما في حديث عائشة الطويل(٣٧).
* الطالب: شكر الله لكم، وهذا يقول: نسمع كثيرًا عن رفع اليدين بالدعاء بعد النافلة ومسح الوجه بعد الدعاء، فما حكم ذلك أثابكم الله؟
* الشيخ: أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء سواء كان بعد النافلة أو في مكان آخر فهذا وردت فيه أحاديث، لكن هذه الأحاديث طرقها كلها ضعيفة، كلها ضعيفة، فمن أهل العلم من قال: إن مجموع هذه الطرق الضعيفة يُلحق الحديث بالحسن ويسميه أهل الحديث يسمونه حسنًا لغيره؛ يعني لا لذاته، وعلى هذا مشى ابن حجر كما في بلوغ المرام.
ومن العلماء من قال: إن هذه الأحاديث الضعيفة لا تنجبر بكثرة طرقها لشدة ضعفها، وممن ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: إنه لا يسن مسح الوجه باليدين بعد الدعاء. وهذا أولى أن لا تمسح؛ لأن هذا لو كان سنة لكان مشهورًا ومعروفًا، وأما رفع اليدين بالدعاء فهذا لا أصل له أيضًا بعد السنة ولا بعد الفريضة، وغاية ما ورد فيه أن النبي ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ»(٣٨) وكلمة أدبار، هل المراد أدبارها آخرها، أو المراد أدبارها ما بعدها؟
فمن العلماء من يقول: إن أدبار الصلوات ما بعدها، ومنهم من يقول: إن أدبار الصلوات آخرها، ومع ذلك فإنه لم يرِد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع يديه في الدعاء لا بعد الفريضة ولا بعد النافلة، ولو كان خيرًا لبينه النبي ﷺ لأمته إما بقوله أو بفعله أو يسَّر الله تعالى من يفعله من الصحابة في زمنه أو في حال رؤيته حتى تثبت مشروعيته، ولكن الذي يترجح عندي أن أدبار الصلوات إن كان المعلق بالأدبار ذكرًا فهو بعدها، وإن كان المعلق بالأدبار دعاء فهو قبل السلام؛ الدليل: لأن الذكر أمر الله به بعد الصلاة قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٣] والدعاء أمر به النبي عليه الصلاة والسلام قبل السلام في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ»(٣٩).
وعلى هذا فنقول: ما ورد من الدعاء مُقيدًا بأدبار الصلوات نحمله على ما قبل السلام؛ لأنه محل الدعاء، وما ورد من الذكر مُقيدًا بأدبار الصلوات نحمله على ما بعد السلام؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء ١٠٣]؛ ولأن المعنى يقتضي أن يكون الدعاء قبل السلام؛ لأن الإنسان قبل أن يُسلم لا زال بين يدي الله عز وجل، فإذا انصرف من صلاته انصرف، فهل الأولى أن تناجي ربك في الدعاء وأنت تناجيه في صلاتك أو بعد أن تنصرف؟
* الطالب: في الصلاة أولى.
* الشيخ: في الصلاة أولى، إي نعم.
* الطالب: أثابكم الله، وهذا سائل يقول: سمعنا أن فضيلتكم توصل إلى تصحيح تمام الدعاء بعد الأذان: «إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ»(٤٠) فهل ذلك صحيح؟
* الشيخ: نعم، صحيح، صححته أنا وغيري، أنا ما يعني، لا أقول صححته، لكن صححه غيري من أهل العلم الذين هم أعلم منا بالحديث، وقد نُوقش من قال إنه ضعيف نوقش أمامي، ولم يستطع أن يجيب عن النقاش؛ لأن الذي قال: إنه ضعيف اشتبه عليه أحد الرواة؛ ففيه راوٍ يُطلق أو فيه اسم راوٍ يطلق على رجلين أحدهما ضعيف والثاني ثقة، وهذا الذي ضعفه ظن أن الاسم يراد به الرجل الضعيف فضعفه من أجل ذلك، والذين صحَّحوه قالوا: إن هذا الرجل الذي توهمته ليس هو المقصود في السياق، ولهذا كانت هذه اللفظة الصحيحة.
* الطالب: أثابكم الله، وهذا سائل يقول: شخص باع نخله على شخص، وظن كل منهما أن الآخر زكَّى الثمرة وبعد عام تبين أنهما لم يُزكِّياه، فهل الزكاة على البائع أو المشتري؟ وهل يدفع نقودًا مكان الثمرة؟
* الشيخ: الزكاة على البائع؛ يعني الثمار إذا بِيعت وهي مما تجب فيه الزكاة فإن الزكاة على البائع؛ لأنه بدا الصلاح في ملكه، وإذا بدا صلاح الثمر وجبت الزكاة فيه، وعلى هذا فنقول في جواب هذا السؤال: يجب على البائع أن يُزكيه يزكي ثمر نخله الذي باعه، وكيف يزكيه؟ يُخرج نصف عُشره إذا كان يُسقى بالمكايل أو بالسواني، أظن أن السواني ما هي موجودة هنا.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: إذن بالمكايل، يخرج نصف العشر، كم نصف العشر بالنسبة للمئة؟ أيها الحُسّاب، كم نصف العشر بالنسبة للمئة؟
* طالب: عشر الربع.
* الشيخ: لا يا شيخ، عشر الربع، خمسة فـي المئة، ربع العشر بالنسبة للمئة خمسة بالمئة. وإذا كان يسقى سيحًا أو من البعور التي تكون في (...) ولا غيرها؟
* طالب: عُشرها.
* الشيخ: كم يجب؟ العشر، كم العشر بالنسبة للمئة؟
* طالب: عشرة.
* الطلبة: عشرة في المئة.
* الشيخ: عشرة فـي المئة، فإذا كان قد باع بعشرة آلاف وهو مما يُسقى بالمكايل كم يخرج؟
* طالب: خمس مئة.
* الشيخ: خمس مئة، إذا باع بعشرة آلاف يخرج خمس مئة، إذا كان يُسقى بعلًا كم يخرج؟ يخرج ألفًا؛ لأنه العُشر.
* الطالب: أثابكم الله، وهذا سائل يقول: هل هناك سنة خاصة في زيارة القبور المعينة؛ كأن يزور المسلم المقبرة ويزور قبر أبيه أو أمه زيارة خاصة ويدعو له؟
* الشيخ: لا أعلم في هذا سنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن عمل المسلمين ما زال مستمرًّا يزورون قبر النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبيه وهو من القبور الخاصة، ويزورون أقاربهم ويدعون لهم وهو من الأشياء من القبور الخاصة، أما الذي اشتهرت به السنة فهي زيارة القبور على سبيل العموم لتذكر الإنسان بالآخرة، كيف تذكره بالآخرة؟ هؤلاء الجماعة الذين تشاهدهم الآن تشاهد قبورهم كانوا بالأمس على ظهر الأرض يمشون كما تمشي ويأكلون كما تأكل ويشربون كما تشرب، ويلبسون كما تلبس، ويتنعمون بأهلهم كما تتنعم وهم الآن أصبحوا رهنًا في قبورهم بأعمالهم ما يستطيع الواحد أن يزيد حسنة في حسناته، ولا أن ينقص سيئة من سيئاته، هؤلاء القوم كل واحد منهم حينما لا يظن أنه يموت إلا بعد مدة طويلة، ولكن يخونه الأمل أفلا يحصل لقلبك تذكرة بذلك؟
يحصل، كانوا بالأمس يمشون معك والآن في قبورهم لماذا تتذكر؟ لأجل أن تعمل لهذا اليوم الذي ستكون مثل هؤلاء، أنت اليوم تزورهم وغدًا يزورك الناس، فانتبه لهذا يا أخي واغتنم الفرصة ما دُمت باقيًا في زمن المهلة، واعلم أنه ثبت عن النبي ﷺ «أن الميت إذا ماتَ خَرَجَ معَهُ ثلاثَةٌ: مالُهُ، وأهلُهُ، وعملُهُ، فيَرجعُ اثنَانِ ويَبقَى واحدٌ؛ يرجعُ مَالُهُ وأهلُهُ ويَبقَى عملُهُ»(٤١) فاستعد لذلك يا أخي، ثم مع هذا ادعُ لهؤلاء الإخوة: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
* الطالب: أثابكم الله، وهذا سائل يقول: هل نزل شيء من القرآن بغير واسطة جبريل عليه السلام، وما الموقف من الحديث الصحيح الذي معناه أن جبريل عند الرسول ﷺ فرأى بابًا في السماء انفتح فنزل منه ملك بأم الكتاب وخواتيم البقرة(٤٢)؟
* الشيخ: هو الأصل أن الذي نزل بالقرآن جبريل عليه الصلاة والسلام كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢] وكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٥] فإذا وردت أحاديث صحيحة أن بعض الآيات نزل بها غير جبريل فإنها تكون مُخصِّصة لهذا العموم، وتخصيص العمومات من الكتاب والسنة أمر وارد كما يعرفه من تتبعه وإلا فالأصل أن جبريل عليه الصلاة والسلام هو الذي نزل به على قلب النبي ﷺ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٩٧].
* الطالب: أثابكم الله، وهذا سائل يسأل ويقول: كثير من الشباب يتساهل في حلق اللحية أو بعضها وتطويل الثياب، فما توجيهكم لأولئك لكي يُقلعوا عن هذه المخالفة التي ابتُلي بها كثير من المسلمين هداهم الله؟
* الشيخ: الحمد لله أن السائل لم يقل أكثر الشباب، وإنما قال كثير من الشباب، وفرق بين كثير وأكثر، وأنا معه في هذا؛ أن أكثر الشباب- ولله الحمد- ملتزم في أخلاقه وفي عباداته وفي عاداته أيضًا، وهؤلاء الذين أشار إليهم من الشباب هم الآن- ولله الحمد- قلة، ونسأل الله تعالى أن يهديهم حتى يتبعوا ما هو الحق وما ذلك على الله بعزيز، والإنسان إذا نظر إلى أين يذهب إذا خالف طريق النبي عليه الصلاة والسلام وما أرشد إليه فإلى أين يذهب؟ إلى طريق المغضوب عليهم والضالين؟! سبحان الله! حلق اللحية من أعمال مَن؟ المشركين والمجوس، إعفاء اللحية من هدي مَن؟ المرسلين والصديقين والشهداء والصالحين. «كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ، كَثَّ اللِّحْيَةِ»(٤٣) قد ملأت من هذا إلى هذا؛ نحره عليه الصلاة والسلام، وقال هارون لأخيه موسى ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه ٩٤] ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ إذن له لحية ولَّا لا؟ نعم، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أن اللحية من الفطرة»(٤٤) التي فطر الله الخلق عليها، إذن فاللحية فطرة، اللحية سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللحية مخالِفة لسبيل مَن؟
* الطالب: سبيل المرسلين.
* الشيخ: اللحية مخالفة لسبيل من؟ اللحية مخالفة لسبيل من؟
* الطالب: لسبيل اليهود.
* الشيخ: المشركين والمجوس، اللحية تغيير لخلق الله غير مأذون فيه، حلق اللحية تغيير لخلق الله غير مأذون فيه، يكفي واحدة من هذا يحمل المؤمن على إعفاء لحيته من الذي قال: «خَالِفُوا الْمَجُوسَ؛ أَعْفُوا اللِّحَى وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ».(٤٥)؟
* الطالب: الرسول ﷺ.
* الشيخ: من الذي قال؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، قل لي بالله عليك لو كان محمد رسول الله أمامك الآن يقول: خالف المشركين، أعفِ اللحية وحُف الشارب، هل يمكنك أن تخرج أمامه حالقًا لحيتك بعد أن قال لك ذلك ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما دمت مؤمنًا به تمام الإيمان ما يمكن تفعل هذا أبدًا، تستحي على الأقل أن رسول رب العالمين وإمامك الذي ترجو الله أن تحشر في زمرته يوم القيامة يقول لك ها الكلام وتخرج مخالفًا له عاصيًا له، حلق اللحية اتباع غير سبيل المؤمنين وعصيان لأمر النبي ﷺ، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥] وهذه الآية وإن كانت نزلت في المشاقة التامة التي تؤدي إلى الكفر، لكن كل من خالف الرسول في أمر فله نصيب مما يستحقه من هذه الآية الكريمة، ولست أريد أن أطبق هذه الآية على حالق اللحية، لا تذهبوا غدًا تقولون: ابن عثيمين يقول: حالق اللحية يصلى جهنم، لكني أقول: أي إنسان يخالف الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين فله من هذه الآية نصيب، والله عز وجل أحكم الحاكمين يجازي كل إنسان بما يستحق، ثم إن حالق اللحية يمشي بين المؤمنين يقول للناس: اشهدوا على أنني عاصٍ للرسول. أقول: حالق اللحية يمشي بين الناس يقول: اشهدوا أني عاصٍ للرسول، قد تقول لي: أنا دائمًا يمر بي ناس حالقين لحاهم ما هم بيقولوا: اشهد إني عاص، صح ولَّا لا؟ ولكن هذا إشهاد بالفعل هم يُشهدونني على أنفسهم بماذا؟
* الطالب: بفعلهم.
* الشيخ: بفعلهم، صحيح ما يقولون: إني عاصٍ، لكن فعلهم هذا معناه شهادة أنهم مخالفون للرسول عليه الصلاة والسلام. الشهادة بالفعل ممكنة ولَّا لا؟ الشهادة تكون بالفعل وتكون بالقول؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١]، هذا قول ولَّا فعل؟ هذا قول، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦] هذا قول أيضًا، لكن تأييد الله للرسول عليه الصلاة والسلام، وإظهار دينه على الأديان كلها شهادة بماذا؟ بالفعل، شهادة بالفعل، شهد الله أن رسوله حق ودينه الحق؛ لأن الله أظهره. يقال: قد تكون الشهادة بالفعل في التأييد وقد تكون الشهادة بالفعل في التنديد والإبطال.
ذكر بعض المؤرخين أن مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: إنه رسول الله، جاءه قوم من أتباعه وقالوا له كذبًا وزورًا: يا رسول الله، هذا الصبي عندنا رأسه بعضه محلوق، بعضه ما فيه شعر وبعضه فيه شعر، امسح عليه لعل الله أن ينبت شعر رأسه كله، فمسح على رأسه، فسقط الشعر الموجود، هذه شهادة بأيش بالتأييد ولا بالتنديد؟ تأييد أنه رسول ولا تكذيب؟
* طالب: تكذيب.
* الشيخ: تكذيب، هم جايبينه علشان إذا مسح رأسه يطلع الشعر اللي ما نبت، وهذا لما مسح رأسه سقط الموجود.
وفيه أيضًا قصة أخرى يقولون: إنه جاءه صاحب بئر وقال له: إن بئري قد نقص ماؤه، وكان قد سمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاؤوه في صلح الحديبية وقالوا: إن البئر ناقصة فأخذ ماء فتمضمض به فمجه في البئر فصعد الماء؛ آية للرسول عليه الصلاة والسلام تأييد، مسيلمة الكذاب قال له: أنا آتيك، فجاء إليه فأخذ ماء فتمضمض به ومجه في البئر التي فيها ماء قليل، ولما مجه في البئر غار الماء كرامة ولا إهانة؟
* الطالب: إهانة.
* الشيخ: إهانة وتكذيب، هذه الشهادة وأيش نسويها بالفعل ولا بالقول؟
* الطالب: بالفعل.
* الشيخ: شهد الله بأنه كاذب بماذا؟
* طالب: بالفعل.
* الشيخ: بالفعل؛ لأن الله قدر شيئًا يدل على كذبه، أقول: إن حالق اللحية إذا مر بنا وقد حلق لحيته فإنه يُشهدنا بفعله على أيش؟ على أنه عاص للرسول عليه الصلاة والسلام، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
* الطالب: آمين يا رب.
* الشيخ: ثم ماذا يستفيد من حلق لحيته؟ يمكث ولد، ولَّا يبقى على شيخوخته؟ أجيبوا يا إخوان؟
* الطالب: يبقي على شيخوخته.
* الشيخ: لو كان الإنسان إذا حلق لحيته رجع شابًّا لكان قول الشاعر:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَـــــــا فَعَـــــــلَالْمَشِيـــــــــبُ
ممكنا ولَّا غير ممكن؟ لكان ممكنًا؛ لأني قلت لواحد: احلق لحيتك وتصير شاب، وهذا لا يمكن، ولكنه يستفيد من ذلك مخالفة طريق الرسل وموافقة طريق المشركين والمجوس، ثم إنه ليأخذني العجب يا إخواني أن يظهر قوم على دينهم وعلى عاداتهم بما يسمى (الخنافس)، والحمد لله الناس دول الخنافس الحقيقية ما هي موجودة في الدور الآن، لكن هؤلاء وُجدوا بيننا الخنافس، يخلي الإنسان رأسه ويخلي عوارضه والله ما أدري كله ولا بعضه.* الطالب: ما يخلي، بسيط..
* الشيخ: ما يخلي العوارض والباقي يحلقه، خرجوا عن أيش؟ عن عادات الناس وعن السنة، ولم يبالوا بذلك مع أنهم قلة؛ يعني هم عندهم عزم أكثر من عزم من يريد السنة في إبقاء اللحية، كيف هذا يكون عنده عزم في باطل خرج به عن السنة وعن العادات وأنت أيها المؤمن الشاب ما يكون عندك عزم على موافقة الرسول عليه الصلاة والسلام؟
ولكني أبشركم- والحمد لله- أن هؤلاء القوم الآن أصبحوا قلة، أصبحوا قلة ولله الحمد؛ لأنهم عرفوا إلى أين يتجهون، فصار الناس الآن بين حالق للحيته كلية وبين حالق لأكثرها ولم يُبقِ منها إلا الذقن، وبين متمسك بالسنة لم يصبها بسوء، ولكنه سمع النبي ﷺ يقول: «أَعْفُوا اللِّحَى»(٤٦) فقال: سمعًا وطاعة لرسول رب العالمين وإمام المتقين.
* الطالب: أثابك الله، وهذا يطلب من الشيخ مطلبًا ونحن أيضًا نطالبه به جزاه الله خيرًا يقول.
* الشيخ: هذا فرق بين الطلب والمطالبة يا أخي، أموافق السائل ولا نشوفلك دعوة جديدة؟
* الطالب: يقول: فضيلة الشيخ، نشهد الله على محبتك، ونأمل من فضيلتكم تكرار الزيارة، وأن تعطونا موعدًا من الآن نسأل الله لنا ولكم العون والتوفيق.
* الشيخ: نعم، أقول له: أحبه الله الذي أحبني فيه، وجعلني وإياكم من أحبابه وأوليائه، ومن الذين أنعم الله عليهم، وأنا الحقيقة أني مسرور من مجيئي إلى هذا المكان وانتفاعي وما يحصل به من النفع.
* الطالب: كثرة الحضور ما..
* الشيخ: ولكن فيكم أو منكم رجل رشيد، وهو محل الثقة عندي وعندكم قرر لي أن لا آتي إلا في آخر ليلة جمعة من شعبان يقول لي: آخر ليلة من شعبان هي لأهل الزلفي فقط، لا تحط فيها موعد فأجبته إلى ذلك راضيًا ومسلمًا، وأرجو أن يكون هذا- إن شاء الله- محل موافقة منكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
* الطالب: لا، نريد قبلها مرتين يا شيخ (...) هذا طلب جديد يا شيخ.
* الشيخ: طيب نشوف بعدين.
* الطالب: هذا سائل يقول:
* الشيخ: الله يحينا وإياكم حياة طيبة.
* الطالب: ورد في الحديث أن الشمس تسجد عند العرش وتستأذن.
* الشيخ: تحت العرش.
* الطالب: كاتب عند، تسجد تحت العرش وتستأذن علمًا أن المشاهَد الآن أنها لا تغيب عن الأرض حين تغيب عن جزء وتظهر على جزء، وهذا يجرنا للسؤال عن كسوفها وخسوف القمر ما سببه؟
* الشيخ: أما كونها- أي الشمس- تدور حول الأرض فهذا صحيح، لا شك أنها تدور حول الأرض، وبهذا يحصل الليل والنهار قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧] هذه أربعة أفعال، إذا طلعت تزاور، إذا غربت تقرضهم، الأفعال نُسبت للشمس إذن فهي الفاعل، وعلى هذا فهي التي تدور على الأرض ويحصل بذلك الليل والنهار، وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ﴾ [ص ٣٢] الفاعل ما؟ الشمس فالفعل نسب لها هي اللي توارت، ما هو نحن نتوارى عنها هي توارت عنا، هذه خمسة أفعال ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨] تجري الفعل مضاف إلى أيش؟
* الطالب: إلى الشمس.
* الشيخ: إلى الشمس، هذه ستة أفعال قالها من؟ قالها الخلَّاق العليم الذي يعلم من خلق ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤] فيجب علينا أن نأخذ بظواهر هذه النصوص، وأن لا نعارضها بأي نظرية مهما كانت النظرية؛ لأن النظريات من إدراك البشر، وهذا من إخبار خالق البشر، فعلينا أن نأخذ بهذا الظاهر حتى يتبين لنا مثل الشمس أن الواقع خلافه، أما مجرد أن يقولوا: إن الليل والنهار يحصل بدوران الأرض فإننا لا نُسلّم به ولا نوافق، ولو اجتمع علينا من بأقطارها إلا بدليل محسوس يكون لنا عذرًا أمام الله يوم القيامة إذا نحن خالفنا ظاهر كلامه، أما أن نخالف ظاهر كلام ربنا لمجرد رأي أقوام ما لمسناه بأيدينا ولا رأيناه بأعيننا، ولا شممناه بآنافنا، ولا ذقناه بألسنتنا، وإنما سمعناه بآذاننا من غير أن يكون هناك برهان، فلا يجوز لنا أن نخالف ظاهر كلام الله بمثل هذه الآراء أبدًا، إذا كان كذلك فإن الشمس تدور على الأرض، وإذا غربت كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ».(٤٧) ولكن هل تظن أن سجودها كسجودنا؟ إن كانت الأرض كأجسامنا فإنها كسجودنا، ولكن أقصد إن كانت الشمس كأجسامنا فإن سجودها كسجودنا، ولكني أظن أنها ليست كأجسامنا، التعبير ده صحيح ولَّا لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لا يا أخي ما هو بصحيح، أنا قلت: أظن أنها ليست كأجسامنا، صحيح هذا التعبير؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وأيش أقول؟ أجزم بأنها ليست كأجسامنا إلا إذا أردت بالظن العلم مثل: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦] على كل حال نحن نعلم علم اليقين أن الشمس ليست كأجسامنا، واضح؟ إذن سجودها ليس كسجودنا، وقد قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج ١٨] هل أنت تشاهد سجود البعير لله قل لي؟ ما تشاهدوه غير (...) إن تسجد؟ لا، لكن سجودها لا نعلمه يجب أن نؤمن به بأنها تسجد، ولكن ما نعلم كيفيته، فإن قلت: المراد بالسجود السجود للحكم الكوني وهو الخضوع الكوني، قلنا: هذا تمنعه الآية؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ والسجود الكوني هل هو لكثير من الناس ولا لجميع الناس؟ قولوا أيها الطلبة، السجود الكوني لجميع الناس كل الناس ساجدون لله أوْ لا؟
إذا كان كذلك فإن سجود الشمس لله تعالى إذا غابت تحت العرش، سجود الشمس تحت العرش إذا غابت أمر لا يعلم كيفيته إلا الله.
وماذا علينا تجاه هذا الموضوع؟ وأيش علينا؟ أن نؤمن ونسلم ونقول: الكيفية عند خالق السماوات والأرض، ما نعلمها.
* الطالب: أثابكم الله، وهذا تتمة للسؤال يقول: مما لا شك فيه أن خسوف القمر وكسوف الشمس من آيات الله لتخويف عباده، فكيف يُرد على من قال: إذا كانت تخويفًا فكيف يعلم العباد بتخويف الله لهم قبل وقوع ذلك؟
* الشيخ: علم الله سبحانه، لا شك أن خسوف القمر وكسوف الشمس بإرادة الله عز وجل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: ولا شك أن النبي ﷺ صادق فيما أخبر به من قوله: «إِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ»(٤٨) هذان أمران ثابتان لا شك فيهما كما لا نشك في أنفسنا لا نشك في هذا، إذا كان الأمر كذلك فالله عز وجل يحدث الكسوف بأسباب طبيعية لحكمة شرعية، الأسباب الطبيعية معروفة، وهي أن القمر خسوفه سببه حيلولة الأرض بين الشمس والقمر، الأرض تحول بين الشمس والقمر فيكسف، ولهذا ما يمكن يصير خسوف للقمر إلا في ليالي الإبدار؛ ليالي البدر؛ يعني ليلة اثنين وليلة ثلاثة وليلة أربع، صح؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: لا يمكن الخسوف إلا ليالي الإبدار؛ ليلة الثاني من الشهر والثالث من الشهر والرابع من الشهر صح ولا خطأ؟
* الطالب: خطأ.
* الشيخ: متى ليالي الإبدار؟
* الطالب: أيام البيض.
* الشيخ: ثلاثة عشر، أربعة عشر، خمسة عشر، لا يمكن يوجد والغالب بين أربعة عشر وخمسة عشر؛ لأن القمر يكون مقابل للشمس تمامًا، ونور القمر بإذن الله مستمد من نور الشمس؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢] وسواء أريد النهار بذاته والليل بذاته أو أُريد علامة الليل وعلامة النهار؛ وهي القمر والشمس، المهم أن القمر جرمه مظلم، يكتسب النور من أين؟
* الطالب: من الشمس.
* الشيخ: من الشمس، فإذا كان مقابلًا لها وجاءت الأرض حالت بينه وبين الشمس حصل الخسوف، ولهذا لو تأملت الخسوف ما يمكن يجي من الجهة التي تلي الشمس أبدًا، إنما يأتي من الأسفل أو من اليمين أو من الشمال بخلاف الهلال ليلة الواحد والاثنين والثلاثة يكون نوره من جهة الشمس، أما هذا، إذا كان كليًّا يمكن يأتي من كل الجهات لكن جزئيًّا- في الغالب- ما يكون من الجهة التي تلي الشمس، على كل حال هذا معلوم.
كسوف الشمس من أين يأتي؟ السبب الطبيعي له أن القمر يحول بين الشمس وبين الأرض؛ ولذلك ما يمكن تكسف الشمس إلا في ليالي الاستسرار؛ يعني إلا في يوم (١٨) أو يوم (١٩) أو يوم (٢٠) صح؟
* الطالب: خطأ.
* الشيخ: خطأ؛ ليالي الاستسرار هي الليالي التي يختفي فيها القمر؛ (٢٨)، (٢٩)، (٣٠) يعني لو قال لك أحد: إن الشمس كسفت يوم عشرين قل له: هذا محال، ما يمكن إلا في (٢٨)، (٢٩)، (٣٠)، ولذلك الذين قالوا من المؤرخين: إن موت إبراهيم ابن النبي ﷺ كان في العاشر من ربيع الأول قولهم هذا خطأ بلا شك مئة بالمئة، وإنما كان موت إبراهيم يوم تسع وعشرين من شوال السنة العاشرة من الهجرة، يوم تسع وعشرين هو من ليالي الاستسرار ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: من ليالي الاستسرار؛ لأن القمر- بإذن الله- يحول بين الشمس وبين الأرض، أيهم أعلى القمر ولَّا الشمس؟
* الطلبة: الشمس.
* الشيخ: متأكدين؟ إي نعم، الشمس أعلى، فإذا جاء القمر في آخر الشهر يداري الشمس، إذا أراد الله عز وجل الكسوف صار القمر مثلًا إذا قدرنا هذا الأرض صار القمر هكذا بين الشمس وبين الأرض، فحجب نور الشمس، من الذي يستطيع أن يجعل الأرض في مدار أو في مكان على الأصح؛ في مكان تحول بين ضوء الشمس وبين القمر؟ من يستطيع؟
ما أحد يستطيع، وكذلك العكس، إذن فالخسوف آية من آيات الله؛ أي علامة على قدرته عز وجل، وأما كونه تخويفًا فظاهر؛ فإن اختلاف مسار الشمس والقمر حتى يحصل ذلك لا شك أنه تخويف وإنذار وليس هو عذاب بنفسه، ما هو عذاب بنفسه، لكنه منذر بعذاب انعقدت أسبابه، ولهذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نفزع إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره والصلاة والصدقة والعتق، كل هذا أمر به الرسول، وهذه الأمور من أسباب دفع البلاء، فإذا فعلنا ذلك اندفع البلاء الذي انعقدت أسبابه، وصار الكسوف علامة أيش عليه؟ على هذا البلاء وهذا العذاب، والله عز وجل إذا رجع عباده إليه وفزعوا إليه فهو أرحم الراحمين يرفع عنهم البلاء والعذاب، ولهذا أنا أميل إلى القول بوجوب صلاة الكسوف، وأنها ليست من السنن بل من الواجبات؛ لأن الرسول ﷺ خرج فزعًا حتى إنه لُحق بردائه؛ ترك رداءه عليه الصلاة والسلام خرج بالإزار فقط من شدة فزعه حتى لُحق بردائه ولبسه أو ألبس إياه حتى جعل يجره ﷺ، وفزع، وفي هذا المقام العظيم عُرضت عليه الجنة والنار حتى تقدم إلى الجنة ليأخذ عنقودًا منها قال: «فَلَوْ أَخَذْتُهُ لَبَقِيَ فِيكُمْ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ»(٤٩) هذا الحديث أو معناه وتأخر؛ لأنه عرضت عليه النار فخاف من لفحها، ورأى في النار امرأة تعذَّب في هرة حبستها، هرة يعني؟ وأيش الهرة؟
* الطالب: قطة.
* الشيخ: ما هي الهرة يا إخوان؟
* الطالب: القطة.
* الشيخ: القطة وما هي القطة؟ نفس الإجابة يقولون الناس يعني فائدة لغوية يقولون الناس: (بِس) قال في القاموس: الصواب: (بَس) والعامة -هذا كلام القاموس- والعامة تكسره. يعني يقولون: (بِس)، والصواب في اللغة العربية (بَس)، لكن لا تحسبه فنجان شاي يصب تقول: بَس.
الآن نقول الرسول ﷺ رأى المرأة التي تعذب في هذه الهرة، ورأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر أمعاءه في النار، وكان هذا الرجل- والعياذ بالله- أول من أدخل الشرك في العرب وأول من سيب السوائب، ورأى صاحب المحجن الذي يسرق الحجاج بمحجنه، هذا رجل لص سارق معه محجان؛ يعني عصا محنية الرأس إذا مر الحجاج إذا مر مع الحجاج دخل المحجان وجرّ المتاع إن فطن له الحاج قال: والله هذا المحجن بلاني الله به ما أدري عليه، على كل حال يقول: هذا المحجان هو اللي جر متاعي غصبًا عني، وإن لم يفطن به الحاج وأيش يسوي؟
* الطالب: أخذه.
* الشيخ: أخذ المتاع وراح، رآه النبي عليه الصلاة والسلام يعذب في النار على أخذه أمتعة الحجاج، وهذا يدل على عظم صلاة الكسوف؛ ولهذا لما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام خطب خطبة عظيمة وقال فيها من جملة ما قال: «وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»(٥٠) وأمر بالفزع إليها، ولهذا كانت هذه الصلاة صلاة غير مألوفة غير معتادة؛ لأن هذا الذي وقع السبب هذا غير مألوف ولا معتاد، فصار من الحكمة أن تكون العبادة له أيضًا غير أيش؟ غير معتادة، هل في الصلوات صلاة مثل صلاة الكسوف؟ لا، وهل في احتجاب الشمس عنا مثل احتجابها في الكسوف؟ لا، إنما تغيب في الأفق وكذلك القمر.
كيف صلاة الكسوف؟ يكبر الإنسان ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة طويلة طويلة بقدر سورة البقرة، ثم يركع ركوعًا طويلًا جدًّا، ثم يرفع ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة طويلة لكن دون الأولى، ثم يركع ويطيل الركوع ولكن دون الأول، ثم يرفع ويدعو بما دعا به نحوًا من ركوعه، ثم يسجد ويطيل السجود نحوًا من ركوعه، ثم يجلس بين السجدتين نحو سجوده، ثم يسجد سجودًا طويلًا، ثم يقوم للركعة الثانية ويفعل فيها كالركعة الأولى لكن دونها في كل ما يُفعل، وإذا فرغ فإنه يخطب الناس خطبة بليغة يعظهم فيها ويذكرهم كما فعل النبي ﷺ.
ويقرأ فيها جهرًا ولَّا سرًّا؟ ما صليتم صلاة الكسوف؟
* الطلبة: جهرًا.
* الشيخ: جهرًا، في الليل ولَّا في النهار؟
* الطلبة: في الليل والنهار.
* الشيخ: ليلًا ونهارًا حتى لو كان كسوف الشمس يقرأ جهرًا، لماذا؟
لأن الناس مجتمعون، وكل صلاة يُشرع فيها اجتماع أهل البلد جميعًا يشرع فيها الجهر بالقراءة، أرأيتم صلاة الجمعة؟ يجهر فيها بالقراءة، صلاة العيد يجهر فيها بالقراءة، صلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، صلاة الكسوف يجهر فيها بالقراءة؛ لأن الأفضل أن يصلي الناس جميعًا في الجوامع لا في كل مسجد، السنة- كما قال أهل العلم- أن تصلى صلاة الكسوف في المساجد الجوامع؛ لأن اجتماع الناس مبتهلين إلى الله عز وجل متضرعين إليه أبلغ، ولهذا كان أعظم جمع وأحقه إجابة جمع الناس يوم عرفة؛ لأنهم أكثر ما يكونون جمعًا؛ فاجتماع الناس على العبادة والدعاء له مكانة عند الله عز وجل، ولكن بعض الناس الآن ومن قديم يصلون صلاة الكسوف كل في مسجده؛ لأنهم يزعمون أنهم لو صلوا في الجوامع لتأخر الناس ولا أحد راح للجامع، ولكن يا حبذا لو أن الناس فعلوا هذا الأمر المستحب وخصوا صلاة الناس في الجوامع، وخرج الناس ولهم جمع كثير وخشوع وتأمين، ولا بأس أيضًا أن يحضر النساء في صلاة الكسوف كما حضر النساء في عهد النبي ﷺ.
* الطالب: شكر الله لكم، وهذا يقول: لو تكرمت يا فضيلة الشيخ وأعطيتنا نبذة عن حياتك العلمية والعملية جزاك الله خيرًا؟
* الشيخ: أقول للسائل: لو تكرم السائل وأعفاني عن جواب هذا السؤال فجزاه الله خيرًا.
* الطالب: بارك الله، وهذا سائل يقول: فضيلة الشيخ، هناك قائل: الفرق بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد أفضلية سبع وعشرين أو خمس وعشرين درجة، وأنا لا أريد هذا الفرق وأؤديها في منزلي فما حكم مثل هذا؟
وقائل: أن صلاة الجماعة غير واجبة وجوب عين بدليل الذين جاؤوا إلى الرسول ﷺ في منى والصلاة لم تُقم فقال: لماذا لم تُصليا؟ فقالا: صلينا في رحالنا فلم يؤنبهما ولم يأمرهما بالإعادة مع الجماعة؟ والحديث أورده مدرس بالجامعة أمام طلابه، كما يقول السائل.
* الشيخ: جوابي على هذا السؤال أولًا: أوجه نصيحتي لهذا الأخ الذي قال: أنا لا أريد هذا الفضل -ما يخليهم- هل هذا الرجل مستغنٍ عن رحمة الله؟ والله ليمرن به يوم من الأيام يتمنى أن في حسناته حسنة واحدة ما هو سبع وعشرين حسنة، حسنة واحدة فليتقِ الله في نفسه وليتُب إلى الله تعالى من ذنبه، وليفرح بنعمة الله عليه بكثرة الثواب في صلاة الجماعة، هذا الرجل المدرس أنا أعتقد لو قيل له: نحن سنضعك في مدرسة راتبك الآن ثلاثة آلاف بنعطيك في المدرسة الثانية خمسة آلاف لكنها أبعد من هذه بكيلو يمشي ولَّا ما يمشي؟
* الطالب: يمشي.
* الشيخ: يمشي ولو على أهدابه ما هو على أقدامه يمشي، ما يقول: أنا ما أبغي هذا الفضل مع أن الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى ١٦] وبعده ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٧] كيف يمكن لعاقل أن يختار فضل الدنيا مع أنه زائل هذا الرجل الذي نال الفضل أو الفضل نفسه ولا يختار فضل الآخرة، والله إن هذا لسفه، وهذا الحقيقة هذه الكلمة تجرح الشعور، وإن كان الأمور الندبية الإنسان مخير فيها والحمد لله؛ يعني ما هي بواجبة، لكن كونه يقول: بهذه الصراحة أنا ما أبي هذا الفضل!! شيء عظيم يعني! شيء يخشى الإنسان يقوله! فأرجو من هذا الرجل المدرس أن يتقي الله في نفسه وفي أبنائه التلاميذ وأن لا يبلغ به الأمر إلى هذا التهوين في فضائل الأعمال حتى يقول: أنا ما أبي الفضل، من الذي يتجرأ على أن يقول أنا لا أريد ثواب الله ولا فضل الله؟! صعبة دي يا إخوان! وأرجو أن يكون ما أقوله الآن يبلغه، وأما بالنسبة إلى كونه ليس فرض عين، والاستدلال بحديث الرجلين فإن هذين الرجلين صلَّيا في رحالهما، وهي قضية عين قد يكون هذان الرجلان لا يعلمان أن صلاة الجماعة واجبة وهذا وارد؛ ولذلك جهلا أن يصليا مع الرسول عليه الصلاة والسلام والمشروع إذا جئت إلى جماعة أن تصلي معهم، وقد يكون هذان الرجلان يظنان أن النبي ﷺ قد صلى بأصحابه وانتهى، فالقضية قضية عين وليست قولًا له عموم حتى نأخذ بعمومه وما دام فيه احتمال فالعلماء يقولون: إذا حصل الاحتمال بطل الاستدلال، فلا دليل فيها أبدًا.
وحينئذٍ يبقى أن بعض الناس يقول: إذا كانت أفضل فأفضل اسم تفضيل معناه ما هي بواجبة؛ لأن الأفضلية ما تقال في الواجب، نقول لهؤلاء الإخوان: بارك الله فيكم، ورزقنا وإياكم الفهم الصحيح؛ قولكم: إن الخيرية أو الأفضلية لا تكون في الواجب خطأ؛ الخيرية قد تكون في أوجب الواجبات، استمع إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف ١٠، ١١] أقف لتكملوها أنتم ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف ١١] ما المشار إليه في الآية؟ الإيمان باللهن والإيمان بالرسول، الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس.
هل الإيمان بالله والرسول من الواجبات ولَّا من المستحبات؟
* الطلبة: من الواجبات.
* الشيخ: أوجب الواجبات، هذا في العقيدة، خذوا في الأعمال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أكمل ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة ٩].
هل يستطيع هذا الأخ أن يقول: إن صلاة الجمعة غير واجبة؛ لأن الله قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وخير اسم تفضيل ولَّا ما يستطيع؟
هل يستطيع أن يقول إن الإيمان خير من الكفر وهو على سبيل التفضيل لا على سبيل الوجوب؟ الجواب؟
* الطالب: لا يستطيع.
* الشيخ: لا يستطيع، إذن فتفضيل عمل على عمل لا يدل على أن الفاضل ليس بواجب، وأما وجوب صلاة الجماعة فأدلتها من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وعمل الصحابة رضي الله عنهم أمر معلوم، استمع إلى قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء ١٠٢] الأمر بالصلاة هنا في حال الأمن والاستقرار والطمأنينة صحيح؟ الأمر هنا في حال أيش؟
* الطلبة: الخوف.
* الشيخ: في حال الخوف والحرب، وهل يوجب الله على العباد أن يصلوا هذه الصلاة اللي فيها تغيير للصلاة؛ لأن صلاة الخوف- كما تعرفون- فيها تغيير للصلاة ومخالفة لبعض الأركان أو الواجبات، هل يسقط الله هذه الواجبات وهذه الأركان من أجل أمر مستحب؟ وهل يُلزم الله به العباد أن يفعلوه في حال الجهاد وهو أمر مستحب؟
لا، وفي قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ [النساء ١٠٢] فيها إبطال لقول من يقول: إن صلاة الجماعة فرض كفاية؛ لأنها لو كانت فرض كفاية لاكتفى بالطائفة الأولى؛ فهي إذن فرض عين، واستمع إلى السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»(٥١) واستأذنه رجل في ترك صلاة الجماعة فقال: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟». قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: «فَأَجِبْ»(٥٢) وكان الرجل أعمى، وقال فيما صح عنه: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ».(٥٣) القائل هذا وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم هل يمكن (...) إن شاء الإنسان فعله وإن شاء تركه؟ لأ، ولكن قد تقول: الرسول قال: «هممت» ولم يفعل، فالهم شيء والفعل شيء آخر، نقول: طيب هل قالها الرسول عليه الصلاة والسلام على سبيل التحذير ولَّا قالها على سبيل الترغيب في الصلاة فقط ومن لم يُصلِّ فإنه لا يهم بإحراقه؟ لا شك أنه قاله على سبيل التحذير؛ إذ مثل هذا القول ما يمكن يقال على أمر مخير فيه، وأما الصحابة فاستمع إلى قول ابن مسعود رضي الله عنه فيما صح عنه في مسلم:« لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ الصَّفُّ»(٥٤)، هذا عمل مَن؟
* الطلبة: الصحابة.
* الشيخ: الصحابة، كتاب الله، وسنة رسوله، وعمل الصحابة، ومثل هذا التفتير عن صلاة الجماعة أو التزهيد في ثواب الآخرة هو الذي جعلنا نتأخر إلى الوراء، وجعل أصحاب رسول الله ﷺ يتقدمون إلى الأمام ويملكون بدينهم مشارق الأرض ومغاربها، وإنني لأرجو الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن هذا الأستاذ ما قام به وما حدث به أبناءه، وإني لأوجه رجائي له أن يعود مرة أخرى وأن يكون عالِمًا ربانيًّا مربيًا قبل أن يكون معلمًا؛ لأنه ليس قيادة الأمة بالعلم فقط بل بالعلم أيش بعد؟ وبالتربية.
الرسول ﷺ ربَّى أولئك القوم بأخلاقه وبأعماله وبتوجيهاته الرشيدة، ما أمر بأمر إلا كان أول الفاعلين له، ولا نهى عن شيء إلا كان أبعد الناس عنه، وهكذا يجب على العلماء إذا أرادوا أن يكونوا حقًّا ورثة الأنبياء فليربوا الناس بما علمهم الله حتى يكونوا من الهداة المهتدين، وأظن أن الليل قد سرى.
* الطالب: أيها الأحبة في الله، في ختام هذه المحاضرة لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر لفضيلة الشيخ على تكبُّده السفر لإفادتنا بهذه التوجيهات الطيبة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك في موازين أعماله يوم يلقاه، كما نطلب منه- جزاه الله خيرًا- أن لا يطول بزيارتنا فيزورنا كل حين وما يجعلها زيارة قليلة.
* الشيخ: لا، إن شاء الله بنعودها، إن شاء الله نحرص على ما فيه الخير إن شاء الله.
* الطالب: ونريد أن يكون كل واحد منكم وسيلة إعلام في مثل هذه المجالس جزاكم الله خيرًا يدعو إخوانه وأحبابه وفَّق الله الجميع لما فيه الخير.
* الشيخ: نشكركم جميعًا على هذا اللقاء المبارك، ونسأل الله تعالى أن يجعله نافعًا لنا ولكم، وأنا أضم صوتي إلى صوت الأخ في الحرص على حضور المحاضرات؛ لأن أقل ما فيها أنها مجالس ذِكر، ومجالس الذكر هي رياض الجنة، «وَإِذَا أَتَيْتُمْ رِيَاضَ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا»(٥٥)، كلها خير وكلها بركة، يستفيد الإنسان أو يفيد، قد يسأل الإنسان سؤالًا هو عارف بت، لكن الناس محتاجون إليه فيكون هو المعلم؛ يعني لو سألت المحاضر سؤالًا أنت تعرفه لكن علشان يعرفونه الناس صرت أنت المعلم أنت المعلم وأيش الدليل؟
الدليل حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه« لَمَّا جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَأَلَهُ عَنِ الْإِسْلامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ وَالسَّاعَةِ وَأَمَارَاتِهَا، قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟». قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»(٥٦). من الذي كان يجيب؟
الرسول ﷺ والسائل جبريل، وجعله النبي عليه الصلاة والسلام معلمًا؛ لأنه كان سببًا في التعليم وإلا فالمعلم المباشر رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن لما كان هذا سببًا هو السبب الباعث جعله النبي ﷺ معلمًا، ومن هنا أخذ العلماء مسألة تفيد في باب القصاص والجنايات قالوا: إن المتسبب يلحقه الضمان كالمباشر، لكن بشروط؛ بمعنى إن الضمان يكون بالمباشرة ويكون بالسبب؛ فالمتسبب فاعل، لكن على كل حال إذا اجتمع متسبِّب ومباشر في باب الجنايات قُدم المباشر إذا كان يمكن إحالة الضمان عليه بالشروط المعروفة لا أطيل بذكرها.
ولكني أكرر رجائي إلى حضوركم أيها الإخوة ولا سيما الشباب منكم والشيوخ؛ لأن الشيوخ اللي يحضرون هنا هم شباب العزيمة عزيمتهم عزيمة شاب، وكِبر السن ما يضر ينفع، والشباب إن شاء الله المتجهون لهم خير ونرجو لهم الخير إن شاء الله للجميع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(٢) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه.
(٣) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه الترمذي (٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(٥) أخرجه البخاري (٢٩٩٤) من حديث جابر بن عبد الله ولفظه: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا.
(٦) أخرجه البخاري (٩٩).
(٧) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧).
(٨) أخرجه مسلم (٣٩٩ / ٥٢).
(٩) أخرجه مسلم (٧٧1 / ٢01).
(١٠) أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨).
(١١) أخرجه البخاري (٤٤٧٤) من حديث أبي سعيد بن المعلى ولفظه: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذِّي أُوتِيتُهُ».
(١٢) (٣٩٩ / ٥٠).
(١٣) ذكره ابن كثير في التفسير (٤ / ١٣٨).
(١٤) أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(١٥) أخرجه البخاري (٩٤٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(١٦) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥ / ٤٥) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(١٧) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦١١)، ومسلم (٣٨٣ / ١٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(١٨) أخرجه البخاري (٤٧١٩) والبيهقي في السنن الكبرى (١٩٣٣) واللفظ له بهذه الزيادة: «إنك لا تخلف الميعاد» من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(١٩) أخرجه البخاري (٦١٤) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(٢٠) أخرجه البخاري (٣٦٩٩) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٢١) (٦٦٥) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(٢٢) أخرجه البخاري (٣٧٠٠).
(٢٣) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٨٨٩)، ومسلم (١٣٦٥ / ٤٦٢) ولفظه: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».
(٢٤) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩ / ٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢٥) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(٢٦) أخرجه مسلم (١١٢٠ / ١٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ؛ فَأَفْطِرُوا».
(٢٧) تقدم تخريجه.
(٢٨) أخرجه البخاري (٢٣١١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢٩) أخرجه أحمد (٣٩٤٥) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٢٩، ٨٤) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، واللفظ له.
(٣٠) أخرجه أبو داود (٤٢٣٢)، والترمذي (١٧٧٠) من حديث عرفجة بن أسعد.
(٣١) أخرجه أحمد (١٨٣٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: «أَجَعَلْتَنِي وَاللَّهَ عَدْلًا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ».
(٣٢) أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣٣) أخرجه أبو داود برقم (٣٢٠٧) وابن ماجه برقم ( ١٦١٦) من حديث عائشة.
(٣٤) حديث متفق عليه البخاري برقم (٧٣٧٧) ومسلم برقم (٩٣٢ / ١١) من حديث أسامة بن زيد.
(٣٥) حديث متفق عليه البخاري برقم (٧٣٧٧ ) ومسلم برقم (٩٣٢ / ١١ ) من حديث أسامة بن زيد.
(٣٦) حديث متفق عليه البخاري برقم (٩١٧ ) ومسلم برقم (٥٤٤ / ٤٤ ) من حديث سهل بن سعد.
(٣٧) أخرجه مسلم برقم (٩٧٤ / ١٠٣) من حديث عائشة.
(٣٨) أخرجه الترمذي برقم (٣٤٩٩ ) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٥٦ ) من حديث أبي أمامة.
(٣٩) حديث متفق عليه البخاري برقم (٨٣٥ ) ومسلم برقم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُوهُ».
(٤٠) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٩٣٣) من حديث جابر بن عبد الله.
(٤١) حديث متفق عليه البخاري برقم: (٦٥١٤) ومسلم برقم: (٢٩٦٠ / ٥) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ».
(٤٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٥٢٥ ) من حديث معقل بن يسار بلفظ: «وَأُعْطِيتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ».
(٤٣) أخرجه أحمد في المسند برقم (٦٨٤) من حديث علي بن أبي طالب.
(٤٤) أخرجه مسلم برقم (٢٦١ / ٥٦) من حديث عائشة بلفظ: «عَشْر من الْفطْرَة: قصّ الشَّارِب، وإعفاء اللِّحْيَة».
(٤٥) أخرجه مسلم برقم (٢٦٠ / ٥٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: «جُزُّوا الشَّوَارِب وأَرْخُوا اللِّحَى؛ خَالِفُوا الْمَجُوس».
(٤٦) حديث متفق عليه البخاري برقم (٥٨٩٣) ومسلم برقم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.
(٤٧) حديث متفق عليه البخاري برقم ( ٣١٩٩) ومسلم برقم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر الغفاري.
(٤٨) أخرجه البخاري برقم (١٠٤٨ ) من حديث أبي بكرة.
(٤٩) حديث متفق عليه البخاري برقم: (٥١٩٧ ) ومسلم برقم: (٩٠٧ / ١٧) من حديث عبد الله بن عباس بلفظ: «وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا».
(٥٠) أخرجه البخاري برقم (٦٤٨٥ ) من حديث أبي هريرة.
(٥١) أخرجه أبو داود برقم ( ٥٥١) وابن ماجه برقم ( ٧٩٣) وابن حبان في صحيحه برقم: (٢٠٦٤) من حديث ابن عباس واللفظ لابن حبان.
(٥٢) أخرجه مسلم برقم (٦٥٣ / ٢٥٥) من حديث أبي هريرة.
(٥٣) حديث متفق عليه البخاري برقم (٢٤٢٠ ) ومسلم برقم (٦٥١ / ٢٥١ ) من حديث أبي هريرة.
(٥٤) أخرجه مسلم برقم (٦٥٤ / ٢٥٧) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٥٥) أخرجه الترمذي في سننه برقم (٣٥٠٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «مَرَرْتُمْ».
(٥٦) أخرجه مسلم برقم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.
{بِسْمِ اللهِ الرحمن الرَّحِيمِ} قال ابن رشد في البيان (في رسم تدريسه): لم يختلف قول مالك: إنّها لا تقرأ في الفريضة لا في أوّل الحمد، ولا في (أول) السورة التي بعدها لأنها ليست آية منها.
(وليست) من القرآن إلا في سورة النمل: وإنما ثبت في المصحف الاستفتاح بها.
قال: ويتحصل في قراءتها في أول الحمد في الفريضة أربعة (وجوه): قراءتها للشافعي - وكراهتها لمالك - واستحبابها لمحمد ابن مسلمة - والرابع قراءتها سرّا استحبابا -.
وأما النافلة فلمالك فيها في الحمد قولان، وله فيما عدا الحمد ثلاثة، فله في هذه الرواية القراءة، وله في رواية أشهب عنه عدمها إلا أن يقرأ القرآن في صلاته عرضا، وفي المدونة أنّه يخيّر - انتهى.
قال القاضي عماد الدين: ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها آية من الفاتحة وعنه في كونها آية من (أول) كل سورة قولان: ((فمن أصحابه من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، ومنهم من حملها على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة أو هي مع كل آية من أول كل سورة آية؟ ونقل السهيلي)) في الروض الأنف (عن) داود وأبي حنيفة أنها آية مقترنة مع السورة.
ابن عرفة: قيل البسملة آية من كل سورة.
فقال الغزالي في المستصفى: معناه أنها آية مع كل سورة وليست جزءا من كل سورة.
وقال غيره: معناه أنها آية أي جزء من كل سورة.
وورد في الحديث عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: (ما كنا نعلم تمام السورة إلا بالبسملة) فظاهره (أنها) تكرر إنزالها مع كل سورة مثل {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وظاهر غيره من الأحاديث أنه لم يتكَرر فإذا قلنا: إنها مع أول كل سورة فكيف (تصح) قراءة ورش بإسقاطها.
قال: لكن يجاب بما (قال) ابن الحاجب بتعارض الشبهات: أي أن كل واحد من الخصمين يرى أن ما أتى به خصمه شبهة أعني دليلا باطلا وهما قويان فتعارضت الشبهات.
قال ابن عرفة: ولا بد من زيادة ضميمة أخرى وهي الإجماع على أنها قرآن من حيث الجملة، فلذلك صح التعارض.
أجاب ابن عرفة بأن التأكيد شائع في كلام العرب وليس فيه تحصيل الحاصل.
فإن قلت: يلزم عليه (أنْ تَكُون) الفاتحة في القرآن مرتين لتزولها مرتين وكان (تكرر) كما (تكرر) {فَبِأَيّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذّبَان}.
فإن قلنا: إنما ذلك إذا نزلت على أنها غير الأولى.
فقد ذكر الأصوليون أن الغيرين يصدقان على المثلين أما إذا نزلت على أنها الأولى بعينها فلا يلزم ذلك فيها.
زاد القاضي العماد في إبطال النزول بمكة والمدينة أنه يلزم منه أن يكون كلما نزل بمكة نزل المدينة مرة أخرى، لأن جبريل عليه السلام كان (يعرّضه) القرآن في كل سنة مرة، وفي الأخيرة مرتين فيكون ذلك إنزالا آخر وهذا لا يقوله أحد.
وقال: ولعلهم يعنون بنزولها مرتين، أن جبريل نزل حين حَوَلت القبلة فأخبره عليه الصلاة والسلام أن الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة، وأقرأه فيها قراءة لم (يكن أقرأه بها) في مكة فظنّوا ذلك إنزالاً وهو ضعيف.
روي أن رجلا قال بحضرة النبيّ ﷺ: «تعس الشّيطان» فقال رسول الله ﷺ: «لا تقل ذلك فإنّه يتعاظم عنده ولكن قل: بسم الله الرّحمن الرّحيم، فإنّه يصغر حتّى يصير أقلّ من الذّباب»(١) ، والبسملة تسعة عشر حرفا، قال بعض الناس: إن رواية بلغتهم أنّ ملائكة النار الذين قال الله فيهم: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 30] إنما ترتب عددهم على حروف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لكلّ حرف ملك، وهم يقولون في كل أفعالهم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فمن هناك هي قوتهم، وباسم الله استضلعوا(٢) .
قال ع(٣) : وهذا من ملح التفسير، وليس من متين العلم.
ت: ولا يخفى عليك لين ما بلغ هؤلاء، ولقد أغنى الله تعالى بصحيح الأحاديث وحسنها عن موضوعات الورّاقين، فجزى الله نقاد الأمة عنا خيرا.
وما جاء من الأثر عن جابر وأبي هريرة مما يقتضي بظاهره أن البسملة آية من الفاتحة يرده صحيح الأحاديث كحديث أنس، وأبي بن كعب، وحديث: «قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي»(٤) ونحوها، ولم يحفظ قطّ عن النبيّ ﷺ، ولا عن الخلفاء بعده أنهم يبسملون في الصلاة(٥) .
ع(٦) : والباء في بِسْمِ اللَّهِ متعلّقة عند نحاة البصرة باسم تقديره: ابتدائي مستقر أو ثابت باسم الله، وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره: ابتدأت باسم الله، واسم: أصله سمو بكسر السين، أو سمو بضمها، وهو عند البصريين مشتقّ من السّمو(٧) .
ت: وهو العلو والارتفاع.
قال ص(٨) : والاسم: هو الدالّ بالوضع. على موجود في العيان إن كان محسوسا، وفي الأذهان إن كان معقولا من غير تعرّض ببنيته للزمان، ومدلوله هو المسمّى(٩) ، والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلا على المعنى، فهي أمور ثلاثة متباينة، فإذا أسندت حكما إلى لفظ اسم، فتارة يكون حقيقة نحو: زيد اسم ابنك، وتارة يكون مجازا وهو حيث يطلق الاسم، ويراد به المسمّى كقوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: 78] ، وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: 1] ، وتأول السّهيليّ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ على إقحام الاسم، أي: سبح ربك، وإنما ذكر الاسم حتى لا يخلو التسبيح من/ اللفظ باللسان لأن الذكر بالقلب متعلّقه المسمى، والذكر باللسان متعلقه اللفظ، وتأول قوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً [يوسف: 40] بأنها أسماء كاذبة غير واقعة على الحقيقة فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها. انتهى.
وقال الكوفيّون: أصل اسم وسم من السّمة، وهي العلامة لأن الاسم علامة لمن وضع له، والمكتوبة التي لفظها الله أبهر أسمائه تعالى وأكثرها استعمالا، وهو المتقدّم لسائرها في الأغلب، وإنما تجيء الأخر أوصافا، وحذفت الألف الأخيرة من الله لئلّا يشكل بخط «اللّات» ، وقيل: طرحت تخفيفا.
والرّحمن(١٠) : صفة مبالغة من الرحمة، معناها: أنه انتهى إلى غاية الرحمة، وهي صفة تختصّ بالله تعالى، ولا تطلق على البشر، وهي أبلغ من فعيل، وفعيل أبلغ من فاعل لأن راحما يقال لمن رحم ولو مرة واحدة، ورحيما يقال لمن كثر منه ذلك، والرحمن النهاية في الرحمة(١١) .
قال ابن عبّاس وغيره: إنها مكية(١٢) ويؤيد هذا أن في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر: 87] ، والحجر مكية بإجماع، وفي حديث أبي بن كعب أنّها السبع المثاني(١٣) .
ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه كانت قط في الإسلام صلاة بغير: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وروي عن عطاء بن يسار(١٤) وغيره ...
أنها مدنية(١٥) ، وأما أسماؤها فلا خلاف أنه يقال لها فاتحة الكتاب، واختلف، هل يقال لها أم الكتاب؟ فكره ذلك الحسن بن أبي الحسن، وأجازه ابن عبّاس وغيره(١٦) .
وفي تسميتها ب «أمّ الكتاب» حديث رواه أبو هريرة(١٧) ، واختلف هل يقال لها: «أمّ القرآن» ؟ فكره ذلك ابن سيرين(١٨) ، وجوزه جمهور العلماء.
وسميت «المثاني» لأنها تثنّى في كل ركعة(١٩) وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة.
وأما فضل هذه السورة، فقد قال رسول الله ﷺ في حديث أبيّ بن كعب أنّها لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلها(٢٠) ، وروي أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل وكذلك يجيء عدل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1] وعدل: إِذا زُلْزِلَتِ [الزلزلة: 1] وغيره.
ت: ونحو حديث أبيّ حديث أبي سعيد بن المعلّى(٢١) إذ قال له ﷺ: «ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السّبع المثاني، والقرآن العظيم الّذي أوتيته» . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة. انتهى من «سلاح المؤمن» تأليف الشيخ المحدّث أبي الفتح تقي الدّين محمّد بن علي بن همام(٢٢) - رحمه الله-.
وأخرجه الحاكم (4/ 292) من طريق يزيد بن زريع: ثنا خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رديف رسول الله ﷺ به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ورديف رسول الله ﷺ الذي لم يسمه يزيد بن زريع، عن خالد سماه غيره أسامة بن مالك والد أبي المليح بن أسامة.
ووافقه الذهبي، وزاد: «ورواه محمد بن حمدان، عن خالد، عن أبي تميمة، عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه. اه. والطريق الذي أشار إليه الذهبي:
أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 142) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا عثرت به دابته، حديث (10389) ، من طريق أحمد بن عبدة، عن محمد بن حمدان به. وأخرجه أحمد (5/ 59) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 401- بتحقيقنا) ، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، عن أبي تميمة الهجيمي، عمن كان رديفه.
(٢) الضّلاعة: القوة وشدة الأضلاع، والضليع: العظيم الخلق الشديد، يقال: ضليع بيّن الضّلاعة.
ينظر: «لسان العرب» (2599) .
(٣) «المحرر الوجيز» (1/ 61) .
(٤) أخرجه مالك (1/ 84) ، كتاب «الصلاة» ، باب القراءة خلف الإمام، الحديث (39) ، وأحمد (2/ 285) ، ومسلم (1/ 297) ، كتاب «الصلاة» ، باب وجوب قراءة الفاتحة، الحديث (39 و 40) ، وأبو داود (1/ 512- 513- 514) ، كتاب «الصلاة» ، باب من ترك قراءة الفاتحة، الحديث (821) ، والترمذي (2/ 25) ، كتاب «الصلاة» ، باب لا صلاة إلا بالفاتحة، الحديث (247) ، والنسائي (2/ 135- 136) ، كتاب «الصلاة» ، باب ترك قراءة البسملة في الفاتحة، والبخاري في «جزء القراءة» (ص 4) ، وابن ماجة (2/ 1243) ، كتاب «الأدب» ، باب ثواب القرآن، حديث (3784) ، والدارقطني (1/ 312) وابن خزيمة (1/ 253) ، والبيهقي (2/ 39) عن أبي هريرة.
ولفظ مالك عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج غير تمام» قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام، قال: فغمز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تبارك وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» قال رسول الله ﷺ: «اقرءوا، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله تعالى: حمدني عبدي» الحديث.
(٥) ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم إلى ترك الجهر بالتسمية، بل يسرّ بها، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، وهو قول إبراهيم النّخعي، وبه قال مالك، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وذهب قوم إلى أنه يجهر بالتسمية للفاتحة والسورة جميعا، وبه قال من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو الزبير، وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإليه ذهب الشافعي.
وروى في الحديث أن النبي ﷺ وأبا بكر يبدءون وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة ب «الحمد لله رب العالمين» معناه: أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه: أنهم كانوا لا يقرءون «بسم الله الرحمن الرحيم» . وكان الشافعي يرى أن يبدأ «ببسم الله الرحمن الرحيم» وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة. قال العلامة أحمد شاكر: ومن فقه أبي عيسى الترمذي أن عقد الخلاف في البابين (180، 181) بين الجهر بالبسملة وترك الجهر بها، ولم يعقد بين أصل قراءتها وتركها. أما أئمة القراءات، فإنهم جميعا اتفقوا على قراءة البسملة في ابتداء قراءة كل سورة، سواء الفاتحة أو غيرها من السور سوى «براءة» ولم يرد عن واحد منهم أبدا إجازة ابتداء القراءة بدون التسمية. قال ابن الجزري في «طيبته» .
بسمل بين السّورتين (ب) س (ن) صف ... (د) م (ش) ق (ر) جا وصل (ف) شا
وعن خلف (العاشر) فاسكت فصل ... والخلف (ك) م (حما) (ج) لا (الأزرق)
إلى أن قال: وفي ابتداء السورة كلّ بسملا.
وقال صاحب «الشاطبية» : ولا بد منها (أي البسملة) في ابتدائك سورة. -- والحرف الأول في كلمة من البيتين يرمز لقارىء أو راو، فالبسملة آية في كل سورة عند الأكثرين، وهؤلاء هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقي شيخا عن شيخ في التلاوة والأداء، وقد اتفقوا جميعا على قراءتها أول الفاتحة، وإن وصلت بغيرها، وجميع المصاحف التي كتبها الخليفة الثالث عثمان وأقرها الصحابة دون ما عداها كتبت فيها البسملة في أول كل سورة، سوى «براءة» ، وأن الصحابة (رضوان الله عليهم) حين جمعوا القرآن في المصاحف جردوه من كل شيء غيره، فلم يأذنوا بكتابة أسماء السور ولا أعداد الآي ولا «آمين» ، ومنعوا أن يجرؤ أحد على كتابة ما ليس في كتاب الله في المصاحف، حرصا منهم على الحفاظ عليه، فهل يعقل مع هذا كله أن يكتبوا مائة وثلاث عشرة بسملة زيادة على ما أنزل على رسول الله ﷺ ألا يدل دلالة قاطعة منقولة بالتواتر العمل المؤيد بالكتابة المتواترة على أنها آية من القرآن في كل موضع كتابة فيه؟!! تنظر المسألة في: «الأم» للشافعي (1/ 213) ، «شرح المهذب» (3/ 288) ، «حلية العلماء ومعرفة مذاهب الفقهاء» (2/ 102) ، «فتح الوهاب» للشيخ زكريا (1/ 40) ، «الحاوي» للماوردي (2/ 104) ، «روضة الطالبين» (1/ 347) ، «بدائع الصنائع» (1/ 203) ، «المبسوط» (1/ 15) ، «الهداية» (1/ 48) ، «شرح فتح القدير» (1/ 253، 254) ، «الاختيار» (1/ 51) ، «الحجة على أهل المدينة» (1/ 96) ، «الكافي» لابن عبد البر ص (40) ، «المغني» لابن قدامة (2/ 151) ، «كشاف القناع» (1/ 335) ، «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (2/ 48) ، «بداية المجتهد» لابن رشد (1/ 96- 97) ، «نيل الأوطار» (2/ 222- 232) ، «فتح العلام» ص (195) ، «سبل السلام» (1/ 241) ، «شرح البهجة» (1/ 308- 309) ، «الجمل على المنهج» (1/ 345) ، «مختلف الرواية» ص (412) ، «الأوسط» (3/ 119- 123) .
(٦) «المحرر الوجيز» (1/ 61) .
(٧) اشتقاق الاسم عند المحققين من النحويين من السمو، وهو الارتفاع، ومحل مرتفع فهو ظاهر. والاسم يظهر المسمى عند السامع فاشتق من السمو لذلك، وقد قيل: إنما اشتق الاسم من السمو لكون الكلام على ثلاثة أقسام. وضع لكل قسم عبارة، وكان الاسم المقدم فأعطي أرفع العبارات، وكان الحرف المتأخر إذ لا معنى له في ذاته، فأعطي أحط العبارات، وكان الفعل واسطة بينهما فتوسط اسمه.
وذهب قوم إلى أن اشتقاق الاسم من السمة، وهي العلامة، والاسم جعل دلالة على المسمى، وهذا تبطله صناعة العربية إذ لو كان مشتقا من السمة لقيل في تصغيره: وسيم، ولا يقال ذلك إنما يقال في تصغيره سميّ، وكذلك في جمعه أسماء برد لام الفعل. والتكبير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، فصح أن اشتقاقه من السمو.
ينظر: «العلوم المستودعة في السبع المثاني» (ج 2) ، و «الصاوي على الخريدة» (6- 7) .
(٨) ينظر: «المجيد في إعراب القرآن المجيد» لإبراهيم بن محمد الصفاقسيّ ص (41) .
(٩) في حقيقة الاسم عند المتكلمين خلاف مشهور، فذهب الأشعرية إلى أنه عين المسمى. وذهبت المعتزلة إلى أنه غير المسمى، وقالت الأشعرية وطائفة من المتكلمين: إن الكلام في الاسم والمسمى يعرفك حقيقة صفات معبودك، فتصل بذلك إلى تصحيح توحيدك، فإذا لم ينظر الإنسان ويستدل فكيف يصل إلى المعرفة التي كلفها؟! لكن منع الشافعي رضي الله عنه، وابن حبل، وأكثر الفقهاء، والمحدثين (رضي الله عنهم) طريق الكلام في الاسم والمسمى. حتى قال الشافعي: إذا سمعت الرجل يقول:
الاسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له.
وعلى كل، فطريق المتكلمين غير طريق الفقهاء والمحدثين فإن الفقهاء والمحدثين أخذوا الأمور بالتسليم والنقل، والمتكلمون ركبوا إلى النقل طريق النظر بالعقل، فأقاموا صناعة غير معهودة في السلف، وقالوا: نفتح بها طريق النظر إذ السلف كانوا لقرب عهدهم بالنبوة ولاشتغال أفكارهم بالنظر في ملكوت السماء والأرض مستغنين عن هذه الصناعة إذ كانت الأدلة راسخة في قلوبهم، وطرق الاستدلال نيرة في عقولهم، فلما ذهب ذلك الجيل الجليل وفترت الدواعي، وفشت البدع بسوء النظر، وجب أن يحرّ طريق النظر، وتنهج مسلك العبر، وتبين الأدلة الصحيحة من الفاسدة، وتصان عقائد الخلق عن تشويش المبتدعة والمارقة، فتكلموا بما لم يعهد من السلف الكلام فيه، فمن العلماء من يؤثره ويراه عين الصواب، ومنهم من يجتنبه ويجعله عين الضلال، ومنهم من يتوقف فيه، ومنهم من يرتضي منه أسلوبا دون غيره من الأساليب. انظر: «العلوم المستودعة في السبع المثاني» 19 خ.
(١٠) ينظر: «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» للإمام القرطبي، (1/ 61: 92) .
(١١) قال الشيخ أبو حيان: «وكان القياس الترقي كما تقول: عالم نحرير، وشجاع باسل، لكن أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم وأصولها، ليكون كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها وما لطف، واختاره الزمخشري» .
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 128) .
(١٢) ذكره السمرقندي في «تفسيره» (1/ 78) ، وابن كثير (1/ 8) عن ابن عباس، وقتادة، وأبي العالية.
والسيوطي في «الدر» (1/ 19- 20) عن علي وقتادة. وقال الحافظ في «الفتح» (8/ 9) : إن الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور.
(١٣) أخرجه الترمذي (5/ 297) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب سورة الحجر، حديث (3125) ، (5/ 155) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، حديث (2875) ، والنسائي (2/ 139) ، كتاب «الافتتاح» ، باب تأويل قول الله (عز وجل) : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، حديث (914) ، وفي «التفسير» (1/ 523- 524) ، رقم (225) ، والطبري في «تفسيره» (9/ 142) ، وأحمد (2/ 412- 413) ، والدارمي (2/ 446) ، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (5/ 114) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص 86) ، رقم (165) ، وأبو يعلى (11/ 367- 368) ، رقم (6482) ، وابن خزيمة (1/ 252) ، رقم (500، 501) ، وابن حبان (3/ 53) ، رقم (775- الإحسان) ، والحاكم (1/ 557) ، والبيهقي (2/ 375- 376) ، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب به.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 21) وزاد نسبته إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبي ذر الهروي في «فضائل القرآن» .
(١٤) عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، أحد الأعلام. عن مولاته ميمونة، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وأبي ذرّ وخلق. وعنه أبو سلمة، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو جعفر الباقر، وعمرو بن دينار، وخلق. قال النسائي: ثقة. قال الهيثم بن عديّ: توفي سنة سبع وتسعين. وقال عمرو بن علي: سنة.- ثلاث ومائة.
ينظر: «تهذيب الكمال» (2/ 938) ، و «تهذيب التهذيب» (7/ 317) ، و «تقريب التهذيب» (2/ 23) ، و «سير الأعلام» (4/ 448) .
(١٥) ذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 37) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 45) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 20) ، وعزاه لوكيع في «تفسيره» . كلهم عن مجاهد. وابن كثير (1/ 8) عن أبي هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري. وقال ابن كثير: والأولى أشبه «أي أنها مكية» ، لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي والله تعالى أعلم.
(١٦) أخرجه البخاري معلقا (8/ 6) . وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 46) ، وابن كثير (1/ 8) . وقال الحافظ في «الفتح» (8/ 6) : ويأتي في تفسير «الحجر» حديث أبي هريرة مرفوعا: «أم القرآن هي السبع المثاني» ولا فرق بين تسميتها بأم القرآن، وأم الكتاب، ولعل الذي كره ذلك وقف عند لفظ «الأم» .
(١٧) أخرجه الترمذي (5/ 297) ، كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة الحجر، حديث (3124) ، وأبو داود (1/ 461) ، كتاب «الصلاة» ، باب فاتحة الكتاب، حديث (1457) من طريق ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب والسبع المثاني» .
وأخرجه البخاري (8/ 232) بلفظ: «أم القرآن هي السبع، والقرآن العظيم» .
وأخرجه البغوي في «شرح السنة» (3/ 13- بتحقيقنا) ، وقال: هذا حديث صحيح، وأراد بأم القرآن فاتحة الكتاب، وسميت بأم القرآن لأنها أصل القرآن، وأم كل شيء أصله، وسميت مكة أم القرى كأنها أصلها ومعظمها، وقيل: سميت أم القرآن، لأنها تتقدم القرآن، وكل من تقدم شيئا فقد أمه» .
(١٨) ينظر: الماوردي في «تفسيره» (1/ 46) ، وابن كثير (1/ 8) ، والحافظ في «الفتح» (8/ 6) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 20) ، وعزاه لابن ضريس في «فضائل القرآن» .
(١٩) ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 103) طبعة أحمد شاكر.
(٢٠) تقدم تخريجه قريبا.
(٢١) أبو سعيد بن المعلّى بن لوذان بن حبيب بن عدي بن زيد بن ثعلبة بن مالك بن زيد مناة الأنصاري، اسمه رافع، له أحاديث، انفرد له البخاري بحديث. وعنه حفص بن عاصم. قال الزيادي: مات سنة ثلاث وسبعين.
ينظر: «الخلاصة» (3/ 219) ، و «تهذيب التهذيب» (12/ 107) ، و «التاريخ الكبير» (9/ 34) .
(٢٢) «سلاح المؤمن» لتقي الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن علي بن همام، المصري، الشافعي، المتوفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة. اشتهر في حياته بالغرناطي. أوله: الحمد لله المنعم على خلقه بجميع آلائه. إلخ، بوبه على واحد وعشرين بابا، وقد اختصره الذهبي محمد بن أحمد الحافظ المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ينظر: «كشف الظنون» (2/ 994، 995) .
حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ ﷺ يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل. فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره. وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ. وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى. وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي. قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق. وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.
وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل:
لاه ربّي عن الخلائق طرّا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.
وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره. وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا. فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.
وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة. وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال:
اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر:
أن عثمان بن عفان- رضي الله عنهم- سأل ﷺ عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال:
أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم:
فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور. ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.
سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة. حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟ قال: بأمِّ الكتاب.
فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين. وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.
وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال:
الشكر لله. ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل:
(الحمد لله) يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله. وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين. ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.
وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم:
الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] .
وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم عليه السلام، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم- عليه السلام-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد- عليه السلام-: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر.
وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض. ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.
والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك. والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.
قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر.
قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف. فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك.
وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف. قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟ فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي.
ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم. وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء. كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا. قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره.
قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك. وقوله تعالى:
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير.
قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل:
أليس هو الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما معنى السؤال؟ قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: خط لي رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق. وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام.
وروي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا.
قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم.
أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال:
حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي عليه السلام وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر رضي الله عنهما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح.
وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام.
وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضاً من الضالين؟ فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله ﷺ أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى:
من المغضوب عليهم؟ قال: اليهود قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .
«آمين» ليس من السورة. ولكن روي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون. وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: سألت رسول الله ﷺ ما معنى آمين؟ قال: رَبِّ افْعَلْ. ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين. قال القائل:
تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ... آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
وقال الآخر:
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ... وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا
وصلى الله على سيدنا محمد.
الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين، وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ، وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين، اللَّهُمَّ بَارك ووفق.
القَوْل فِي تَفْسِير فَاتِحَة الْكتاب
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل الزَّاهِد جمال الْأَئِمَّة، أَبُو المظفر مَنْصُور بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: اعْلَم أَن لهَذِهِ السُّورَة أَرْبَعَة أسامي: فَاتِحَة الْكتاب، وَأم الْقُرْآن، والسبع المثاني، والسبع من المثاني، بِرِوَايَة عبد خير، عَن عَليّ رضى الله عَنهُ.
أما فَاتِحَة الْكتاب فَلِأَن بهَا افْتتح الْكتاب وَهُوَ الْقُرْآن.
وَأما أم الْقُرْآن لِأَنَّهَا أصل الْقُرْآن، مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآن. وَأم الشَّيْء: أَصله، وَمِنْه يُقَال لمَكَّة: أم الْقرى؛ لِأَنَّهُ أصل الْبِلَاد.
وَأما السَّبع المثاني لِأَنَّهَا سبع آيَات بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة؛ إِلَّا فِي رِوَايَة شَاذَّة أَنَّهَا ثَمَان آيَات. وَسميت مثاني لِأَنَّهَا تثنى فِي الصَّلَاة فتقرأ فِي كل رَكْعَة.
وَقَالَ مُجَاهِد: إِنَّمَا سميت مثاني؛ لِأَن الله تَعَالَى استثناها لهَذِهِ الْأمة، كَأَنَّهُ أوحى بهَا لَهُم، وَلم يُعْطهَا أحدا من الْأُمَم.
وَأما السَّبع من المثاني فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا سبع آيَات مَخْصُوصَة من المثاني وَهُوَ الْقُرْآن، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كتابا متشابها مثاني﴾ .
وَإِنَّمَا سمى الْقُرْآن مثاني؛ لاشْتِمَاله على عُلُوم مثناة من الْوَعْد والوعيد، وَالْأَمر والنهى، وَنَحْوهَا.
وَالثَّانِي: أَن السَّبع من المثاني هُوَ السَّبع المثاني؛ و " من " فِيهِ للصلة، وَإِنَّمَا نَشأ هَذَا الْخلاف من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني﴾ .
ثمَّ اعْلَم أَن هَذِه السُّورَة مَكِّيَّة على قَول ابْن عَبَّاس، وَقَالَ مُجَاهِد: هِيَ مَدَنِيَّة.
وَقيل: نزلت مرَّتَيْنِ مرّة بِمَكَّة، وَمرَّة بِالْمَدِينَةِ؛ وَلذَلِك سميت مثاني؛ لِأَنَّهَا ثنيت فِي التَّنْزِيل، وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة.
قَوْله: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ آيَة من الْفَاتِحَة على قَول بعض الْعلمَاء، وَهُوَ مروى عَن ابْن عَبَّاس وَأم سَلمَة.
وَلَيْسَ بِآيَة مِنْهَا على قَول الْبَعْض. وَهَذَا مَذْكُور بدليله فِي الْفِقْه. ثمَّ اعْلَم أَن الْبَاء فِي قَوْله: ﴿بِسم الله﴾ أَدَاة يخْفض مَا بعْدهَا من الْكَلَام، مثل: من، عَن، وَفِي، وعَلى، وأمثالها.
وَالْمعْنَى الْمُتَعَلّق بِالْبَاء لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، وَتَقْدِيره: " أبدأ بِسم الله "، أَو: " بدأت بِسم الله ".
وَقَوله: ﴿بِسم الله﴾ أَصله باسم الله، كَقَوْلِه: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ ، وَإِنَّمَا حذف الْألف فِي الْكِتَابَة؛ لِأَنَّهُ (لَا يظْهر) فِي اللَّفْظ.
وَقيل: إِنَّمَا حذفت لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال تَخْفِيفًا؛ وَلِأَنَّهُ كثر اسْتِعْمَالهَا؛ فاستخفوا حذفهَا، بِخِلَاف قَوْله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ ، ونظائره لِأَن هُنَاكَ لم يكثر الِاسْتِعْمَال.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي اشتقاق الِاسْم. قَالَ الْمبرد وَجَمَاعَة الْبَصرِيين: الِاسْم مُشْتَقّ من السمو، وَهُوَ الْعُلُوّ والظهور، فَكَأَنَّهُ ظهر على مَعْنَاهُ وَعلا عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ.
وَقَالَ ثَعْلَب من الْكُوفِيّين: هُوَ مُشْتَقّ من الوسم والسمة، فَكَأَنَّهُ عَلامَة لمعناه. وَالْأول أولى؛ لِأَن الِاسْم يصغر على الْمُسَمّى. وَلَو كَانَ مشتقا من السعَة، لَكَانَ يصغر على الوسم، كَمَا يُقَال فِي الْوَصْل: وصيل، وَفِي الْوَعْد: وَعِيد.
وَأما قَوْله: ﴿الله﴾ تَعَالَى فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْخَلِيل، وَابْن كيسَان هُوَ اسْم علم خَاص لله تَعَالَى لَا اشتقاق لَهُ، وَهُوَ كأسماء الْأَعْلَام للعباد، مثل: زيد، وَعَمْرو، وَنَحْوه. وَهُوَ اخْتِيَار الْقفال الشَّاشِي، وَجَمَاعَة من أهل الْعلم.
وَقَالَ الْبَاقُونَ: هُوَ اسْم مُشْتَقّ، [و] فِي مَوضِع الِاشْتِقَاق قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه مُشْتَقّ من قَوْلهم: أَله إلاهة، أَي: عبد عبَادَة. وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " ويذرك وإلاهتك " أَي: عبادتك.
وَيُقَال للناسك المتعبد مثأله، وَمِنْه قَول الْقَائِل:
(سبحن واسترجعن من تأله)
أَي: تعبد، فَيكون مَعْنَاهُ أَنه الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ، إِلَيْهِ توجه كل الْعِبَادَات، وَأَنه المعبود فَلَا يعبد غَيره.
وَقيل: الْإِلَه من يكون خَالِقًا لِلْخلقِ، رازقا لَهُم، مُدبرا لأمورهم، مقتدرا عَلَيْهِم.
وَالثَّانِي: أَن " الله " أَصله إِلَه، وأصل الْإِلَه: ولاه؛ إِلَّا أَن الْوَاو أبدلت بِالْهَمْزَةِ. كَقَوْلِهِم: وشاح وإشاح.
واشتقاقه من الوله، وَكَأن الْعباد يولهون الله، ويفزعون إِلَيْهِ ويتضرعون ويلجأون إِلَيْهِ فِي الشدائد.
وَأما قَوْله: ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هما اسمان رقيقان، أَحدهمَا أرق من الآخر.
وَحكى عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: " الرَّحْمَن ": الرفيق بالعباد، و " الرَّحِيم " العاطف عَلَيْهِم. ثمَّ اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: " الرَّحْمَن " غير " الرَّحِيم " وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا معنى غير معنى صَاحبه. وَقَالَ بَعضهم: هما وَاحِد.
فَأَما من قَالَ: " الرَّحْمَن " غير " الرَّحِيم "، قَالَ: للرحمن معنى الْعُمُوم، وللرحيم معنى الْخُصُوص، فعلى هَذَا " الرَّحْمَن " بِمَعْنى الرازق فِي الدُّنْيَا، والرزق على الْعُمُوم للْكَافِرِ وَالْمُؤمن، و " الرَّحِيم " بِمَعْنى الْعَافِي فِي الْآخِرَة، وَالْعَفو فِي الْآخِرَة على الْخُصُوص للْمُؤْمِنين دون الْكَافرين. وَلذَلِك قيل فِي الدُّعَاء: " يَا رَحْمَن الدُّنْيَا وَرَحِيم الْآخِرَة ". " فالرحمن " من تصل رَحمته إِلَى الْخلق على الْعُمُوم، و " الرَّحِيم " من تصل رَحمته إِلَى الْخلق على الْخُصُوص؛ وَلذَلِك يدعى غير الله رحِيما، وَلَا يدعى رحمانا؛ لِأَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي تصل رَحمته إِلَى الْخلق، كَأَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ورحمتي وسعت كل شَيْء﴾ . وَأما غير الله قد يخص شَيْئا بِالرَّحْمَةِ؛ فَيكون بذلك رحِيما.
وَأما من قَالَ: إِن مَعْنَاهُمَا وَاحِد؛ فقد قَالَ قطرب: هما اسمان، ذكر أَحدهمَا ﴿الْحَمد لله﴾ تَأْكِيدًا للْآخر، مثل: لهفان، ولهيف، وندمان، ونديم.
وَقَالَ الْمبرد: (هَذَا تَمام بعد إتْمَام) ، وتفضل بعد تفضل، وتطميع لقلوب الراغبين، ووعد لَا يخيب آمله، وَمَعْنَاهُ: ذُو الرَّحْمَة، وَالرَّحْمَة [هِيَ] الإنعام والتفضل.
ولقد كان محمد عليه الصلاة والسلام في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن .. وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى: {ٱقْرَأْ}.
واقرأ تتطلب أن يكون الإنسان .. إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه .. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه .. وما كان أمامه كتاب ليقرأ منه .. وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب.
وعندما قال جبريل: {ٱقْرَأْ} .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ .. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام منطقيا مع قدراته. وتردد القول ثلاث مرات .. جبريل عليه السلام بوحي من الله سبحانه وتعالى يقول للرسول: {ٱقْرَأْ} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا بقارئ .. ولقد أخذ خصوم الإسلام هذه النقطة .. وقالوا كيف يقول الله لرسوله اقرأ ويرد الرسول ما أنا بقارئ.
نقول إن الله تبارك وتعالى .. كان يتحدث بقدراته التي تقول للشيء كن فيكون، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث ببشريته التي تقول إنه لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة، ولكن قدرة الله هي التي ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلماً للبشرية كلها إلى يوم القيامة .. لأن كل البشر يعلمهم بشر .. ولكن محمد صلى الله عليه وسلم سيعلمه الله سبحانه وتعالى. ليكون معلما لأكبر علماء البشر .. يأخذون عنه العلم والمعرفة. لذلك جاء الجواب من الله سبحانه وتعالى:
{ { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [العلق: 1-2].
أي أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق من عدم سيجعلك تقرأ على الناس ما يعجز علماء الدنيا وحضارات الدنيا على أن يأتوا بمثله .. وسيكون ما تقرؤه وأنت النبي الأميّ إعجازا .. ليس لهؤلاء الذين سيسمعونه منك فقط لحظة نزوله. ولكن للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط، ولكن حتى قيام الساعة، ولذلك قال جل جلاله:
{ { ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } [العلق: 3-4].
أي أن الذي ستقرؤه يا محمد .. سيظل معلما للإنسانية كلها إلى نهاية الدنيا على الأرض .. ولأن المعلم هو الله سبحانه وتعالى قال: { ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ } [العلق: 3] مستخدما صيغة المبالغة. فهناك كريم وأكرم .. فأنت حين تتعلم من بشر فهذا دليل على كرم الله جل جلاله .. لأنه يسر لك العلم على يد بشر مثلك .. أما إذا كان الله هو الذي سيعلمك .. يكون "أكرم" .. لأن ربك قد رفعك درجة عالية ليعلمك هو سبحانه وتعالى.
والحق يريد أن يلفتنا إلى أن محمدا عليه الصلاة والسلام لا يقرأ القرآن لأنه تعلم القراءة، ولكنه يقرؤه بسم الله، ومادام بسم الله .. فلا يهم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلم من بشر أو لم يتعلم. لأن الذي علمه هو الله .. وعلمه فوق مستوى البشرية كلها.
على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم الله .. لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا .. ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه .. فالأمر لله علماً وقدرة ومعرفة .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{ { قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [يونس: 16].
لذلك أنت تقرأ القرآن بسم الله لأنه جل جلاله هو الذي يسره لك كلاماً وتنزيلاً وقراءة .. ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم الله؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله .. لأننا لابد أن نحترم عطاء الله في كونه. فحين نزرع الأرض مثلا .. لابد أن نبدأ بسم الله .. لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها .. ولا خلقنا البذرة التي نبذرها. ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع.
إن الفلاح الذي يمسك الفأس ويرمي البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله الماء في التربة لينمو الزرع .. إن كل ما يفعله الإنسان هو أنه يعمل فكره المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله .. بالطاقة التي أوجدها الله في أجسادنا ليتم الزرع.
والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه الثمار .. ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة. ولا سلطان له على إنزال الماء من السماء .. فكأنه حين يبدأ العمل بسم الله، يبدؤه بسم الله الذي سخر له الأرض .. وسخر له الحب، وسخر له الماء، وكلها لا قدرة له عليها .. ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته .. فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له ..
والله تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك .. فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون .. ولا تعتقد أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية. بل هي تعمل بقدرة خالقها الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها.
الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه. ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى أي انسان على أن يستأنسها. ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا .. لكان استئناس الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمهما .. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعلهما مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:
{ { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } [يس: 71-72].
وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا.
يأتي الله سبحانه وتعالى إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة. والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون. فيلفتنا الله تبارك وتعالى إلى خطأ هذا الكلام. بأن تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة لنعلم أن المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون .. فإذا كانت القوانين وحدها تعمل فمَنْ الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق القوانين إن شاءت جعلتها تعمل وإن شاءت جعلتها لا تعمل .. إذن فكل شيء في الكون بسم الله .. هو الذي سخر وأعطى .. وهو الذي يمنح ويمنع. حتى في الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار .. واقرأ قول الحق تبارك وتعالى:
{ { لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } [الشورى: 49-50].
والأصل في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والأنثى .. هذا هو القانون .. ولكن القوانين لا تعمل إلا بأمر الله .. لذلك يتزوج الرجل والمرأة ولا تأتي الذرية لأنه ليس القانون هو الذي يخلق .. ولكنها إرادة خالق القانون .. إن شاء جعله يعمل .. وإن شاء يبطل عمله .. والله سبحانه وتعالى لا تحكمه القوانين ولكنه هو الذي يحكمها.
وكما أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل القوانين تفعل أو لا تفعل .. فهو قادر على أن يخرق القوانين .. خذ مثلا قصة زكريا عليه السلام .. كان يكفل مريم ويأتيها بكل ما تحتاج إليه .. ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها ..
وسألها وهي القديسة العابدة الملازمة لمحرابها..
{ { قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } [آل عمران: 37].
الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة .. مع أن مريم بسلوكها وعبادتها وتقواها فوق كل الشبهات .. ولكن لنعرف أن الذي يفسد الكون .. هو عدم السؤال عن مصدر الأشياء التي تتناسب مع قدرات مَنْ يحصل عليها.
الأم ترى الأب ينفق ما لا يتناسب مع مرتبه .. وترى الابنة ترتدي ما هو أكبر كثيرا من مرتبها أو مصروفها .. ولو سألت الأم الأب أو الابنة من أين لك هذا؟ لما فسد المجتمع .. ولكن الفساد يأتي من أننا نغمض أعيننا عن المال الحرام.
بماذا ردت مريم عليها السلام؟
{ { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [آل عمران: 37].
إذن فطلاقة قدرة الله لا يحكمها قانون .. لقد لفتت مريم زكريا عليهما السلام إلى طلاقة القدرة .. فدعا زكريا ربه في قضية لا تنفع فيها الا طلاقة القدرة .. فهو رجل عجوز وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا .. هذه قضية ضد قوانين الكون .. لأن الإنجاب لا يتم الا وقت الشباب، فإذا كبر الرجل وكبرت المرأة لا ينجبان .. فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا .. لم تنجب وهي شابة وزوجها شاب .. فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز .. هذه مسألة ضد القوانين التي تحكم البشر .. ولكن الله وحده القادر على أن يأتي بالقانون وضده .. ولذلك شاء أن يرزق زكريا بالولد وكان .. ورزق زكريا بابنه يحيى.
إذن كل شيء في هذا الكون بسم الله .. يتم باسم الله وبإذن من الله .. الكون تحكمه الأسباب نعم ولكن إرادة الله فوق كل الأسباب ..
أنت حين تبدأ كل شيء بسم الله .. كأنك تجعل الله في جانبك يعينك .. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء بسم الله .. لأن الله هو الاسم الجامع لصفات الكمال سبحانه وتعالى .. والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة .. فأنت حين تبدأ عملا تحتاج إلى قدرة الله وإلى قوته وإلى عونه وإلى رحمته .. فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات .. كان علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها .. كأن نقول بسم الله القوي وبسم الله الرازق وبسم الله المجيب وبسم الله القادر وبسم الله النافع .. إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها .. ولكن الله تبارك وتعالى جعلنا نقول بسم الله بسم الله بسم الله الجامع لكل هذه الصفات.
على أننا لابد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما يريدون الجزاء المادي وحده .. إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله باسم الله .. وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله .. كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله رب للجميع .. له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة .. ولكن الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان .. بل الحياة الحقيقية هي الآخرة .. الذي في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية .. بقدر عطاء الله في الدنيا .. والذي في باله الله يأخذ بقدر عطاء الله في الدنيا والآخرة .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:
{ { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } [سبأ: 1].
لأن المؤمن يحمد الله على نعمه في الدنيا .. ثم يحمده عندما ينجيه من النار والعذاب ويدخله الجنة في الآخرة .. فلله الحمد في الدنيا والآخرة.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع"
ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل .. أي عمل ناقص فيه شيء ضائع .. لأنك حين لا تبدأ العمل بسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك .. وحين لا تبدأ العمل بسم الله .. فليس لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا .. وبترت أو قطعت عطاءه في الآخرة .. فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة. فأقبل على كل عمل بسم الله .. قبل أن تأكل قل بسم الله لأنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به .. عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على النجاح .. عندما تدخل إلى بيتك قل بسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت .. عندما تتزوج قل باسم الله لأنه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك .. في كل عمل تفعله ابدأه باسم الله .. لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله سبحانه وتعالى .. فأنت لا تستطيع أن تبدأ عملاً يغضب الله بسم الله .. إذا أردت أن تسرق أو أن تشرب الخمر .. أو أن تفعل عملاً يغضب الله .. وتذكرت بسم الله .. فإنك ستمتنع عنه .. ستستحي أن تبدأ عملا بسم الله يغضب الله .. وهكذا ستكون أعمالك كلها فيما أباحه الله.
الله تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة كلامه باسم الله .. فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله .. والله هو الإله المعبود في كونه .. ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به .. ولا نقدم على ما نهى عنه .. فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة .. وبطاعته في افعل ولا تفعل .. وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي آمنت به رباً وإلهاً .. والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى .. والذي بموجب عبادتك لله سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيها .. والذي خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة .. والذي ستقف أمامه يوم القيامة ليحاسبك أحسنت أم أسأت .. فالبداية من الله والنهاية إلى الله سبحانه وتعالى.
بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله .. وقد عصيت وقد خالفت .. نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن .. وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت .. ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه بسم الله الرحمن الرحيم .. فالله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن العاصي .. بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها .. ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله .. فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم .. فلا تقل أنني أستحي أن أبدأ بسم الله لأنني عصيته .. فالله سبحانه وتعالى يطلب من كل عاص أن يعود إلى حظيرة الإيمان وهو رحمن رحيم .. فإذا قلت كيف أقول بسم الله وقد وقعت في معصية أمس .. نقول لك قل بسم الله الرحمن الرحيم .. فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه .. وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا.
والرحمة والرحمن والرحيم .. مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه .. هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق .. بلا حول ولا قوة .. ويجد فيه كل ما يحتاج إليه نموه ميسرا .. رزقا من الله سبحانه وتعالى بلا تعب ولا مقابل .. انظر إلى حنو الأم على ابنها وحنانها عليه .. وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته إليها .. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي.
"أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمَنْ وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"
الله سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا .. ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد آخر .. ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمه .. ولا يهلكنا بما فعلنا. ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم .. لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا .. نرفع أيدينا إلى السماء .. ونقول يا رب رحمتك .. تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا. وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله .. كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود إليه .. فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا.
على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة .. يقال راحم ورحمن ورحيم .. إذا قيل راحم فيه صفة الرحمة .. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة .. وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة .. والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة والضعف .. وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق .. ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات .. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:
{ { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [النساء: 40].
هذه الآية الكريمة .. نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله جل جلاله:
{ { وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [فصلت: 46].
نلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة .. "ظلام" .. أي شديد الظلم .. وقول الحق سبحانه وتعالى: "ليس بظلام" .. لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة .. نقول إنك لم تفهم المعنى .. إن الله لا يظلم أحدا .. الآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد .. والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد .. والعبيد هم كل خلق الله .. فلو أصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الأعداد الهائلة .. فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته لأن عدد من سيصاب به هائل .. ولذلك فإن الآية الأولى نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى. والآية الثانية نفت الظلم أيضا عن الله تبارك وتعالى .. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة.
نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم .. رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين يشملهم الله سبحانه وتعالى برحمته .. فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر .. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق مَنْ آمن به ومَنْ لم يؤمن به، ويعفو عن كثير .. إذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلقه بصرف النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم.
ولكن في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط .. فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله .. اذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة .. أقل عددا من الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا .. فمن أين تأتي المبالغة؟ .. تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء .. فنعم الله في الآخرة أكبر كثيراً منها في الدنيا .. المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها .. فكأن المبالغة في الدنيا بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود فيها.
لقد اختلف عدد العلماء حول بسم الله الرحمن الرحيم .. وهي موجودة في 113 سورة من القرآن الكريم هل هي من آيات السور نفسها .. بمعنى أن كل سورة تبدأ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] تحسب البداية على أنها الآية الأولى من السورة، أم أنها حسبت فقط في فاتحة الكتاب، ثم بعد ذلك تعتبر فواصل بين السور.
وقال العلماء أن {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] آية من آيات القرآن الكريم .. ولكنها ليست آية من كل سورة ما عدا فاتحة الكتاب فهي آية من الفاتحة .. وهناك سورة واحدة في القرآن الكريم لا تبدأ بـ {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] وهي سورة التوبة وتكررت بسم الله الرحمن الرحيم في الآية 30 من سورة النمل في قوله تعالى:
{ { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } }.
القول في تأويل قوله: ﴿بِسْمِ﴾ .
قال أبو جعفر: إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا ﷺ بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته(١) ، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها(٢) ، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم(٣) ، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: "بسم الله"، على من بطن من مراده الذي هو محذوف.
وذلك أن الباء من "بسم الله" مقتضية فعلا يكون لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغنت سامعَ القائل "بسم الله" معرفتُه بمراد قائله، عن إظهار قائل ذلك مُرادَه قولا إذْ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرًا، قد أحضرَ منطقُه به -إمّا معه، وإمّا قبله بلا فصْلٍ- ما قد أغنى سامِعَه عن دلالةٍ شاهدةٍ على الذي من أجله افتتح قِيلَه به(٤) . فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظيرَ استغنائه - إذا سمع قائلا قيل له: ما أكلت اليوم؟ فقال: "طعامًا" - عن أن يكرّر المسئُولُ مع قوله "طعامًا"، أكلت، لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه(٥) ، بتقدُّم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذًا أنّ قول القائل إذا قال: "بسم الله الرحمن الرحيم" ثم افتتح تاليًا سورةً، أن إتباعه "بسم الله الرحمن الرحيم" تلاوةَ السورة، يُنبئ عن معنى قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم" ومفهومٌ به أنه مريد بذلك: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وكذلك قوله: "بسم الله" عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبئ عن معنى مراده بقوله "بسم الله"، وأنه أراد بقِيلِه "بسم الله"، أقوم باسم الله، وأقعد باسم الله. وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك، هو معنى قول ابن عباس الذي:-
١٣٨ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشرُ بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحّاك، عن عبد الله بن عباس، قال: إنَّ أول ما نزل به جبريلُ على محمد، قال: "يا محمد، قُل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم" ثم قال: "قل بسم الله الرحمن الرحيم". قال: قال له جبريل: قل بسم الله يا محمد، يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله.(٦)
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويلُ قوله "بسم الله" ما وصفتَ، والجالبُ الباءَ في "بسم الله" ما ذكرتَ، فكيف قيل "بسم الله"، بمعنى أقرأ باسم الله"، أو أقوم أو أقعد باسم الله؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ الله، فبعَوْن الله وتوفيقه قراءتُه، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعلٍ فعلا فبالله قيامُه وقعودُه وفعلُه. وهَلا - إذْ كان ذلك كذلك - قيل "بسم الله الرحمن الرحيم" ولم يَقُل "بسم الله"؟ فإن قول القائل: أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم، أو أقرأ بالله - أوضحُ معنى لسامعه من قوله "بسم الله"، إذ كان قوله أقوم "أقوم أو أقعد باسم الله"، يوهم سامعَه أن قيامه وقعوده بمعنى غيرِ الله.
قيل له، وبالله التوفيق: إن المقصودَ إليه من معنى ذلك غيرُ ما توهَّمته في نفسك. وإنما معنى قوله "بسم الله": أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسميتي اللهَ، أو أقوم وأقعد بتسميتي اللهَ وذكرِه - لا أنه يعني بقِيلِه "بسم الله": أقوم بالله، أو أقرأ بالله، فيكونَ قولُ القائل: أقرأ بالله، أو أقوم أو أقعد بالله - أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله "بسم الله".
فإن قال: فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفتَ، فكيف قيل: "بسم الله" وقد علمتَ أنّ الاسم اسمٌ، وأن التسمية مصدرٌ من قولك سَمَّيت؟
قيل: إن العربَ قد تخرج المصادرَ مبهمةً على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمتُ فلانًا كرامةً، وإنما بناءُ مصدر "أفعلتُ" - إذا أخرج على فعله - "الإفعالُ". وكقولهم: أهنت فلانًا هَوانًا، وكلّمته كلامًا. وبناء مصدر: "فعَّلت" التفعيل. ومن ذلك قول الشاعر:
أَكُفْرًا بعد رَدِّ المَوْتِ عَنِّي ... وبعد عَطَائِكَ المِئَةَ الرِّتَاعَا(٧)
يريد: إعطائك. ومنه قول الآخر:
وَإن كانَ هذا البُخْلُ منْك سَجيةً ... لقد كُنْتُ في طَولِي رَجَاءكَ أَشْعَبَا(٨)
يريد: في إطالتي رجاءك. ومنه قول الآخر:
أَظُلَيْمُ إن مُصَابَكم رَجُلا ... أَهْدَى السّلامَ تحيَّةً ظُلْمُ(٩)
يريد: إصابتكم. والشواهد في هذا المعنى تكثُرُ، وفيما ذكرنا كفاية، لمن وُفِّق لفهمه.
فإذْ كان الأمر - على ما وصفنا، من إخراج العرب مصادرَ الأفعال على غير بناء أفعالها - كثيرًا، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودًا فاشيًا(١٠) ، فبيِّنٌ بذلك صوابُ ما قلنا من التأويل في قول القائل "بسم الله"، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله، قبل فعلي، أو قبل قولي.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: "بسم الله الرحمن الرحيم"، إنما معناه: أقرأ مبتدئًا بتسمية الله، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله. فجُعِل "الاسمُ" مكان التسمية، كما جُعل الكلامُ مكان التكليم، والعطاءُ مكان الإعطاء.
وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك، رُوِي الخبر عن عبد الله بن عباس.
١٣٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: أوّل ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: "يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم"، ثم قال: "قل: بسم الله الرحمن الرحيم".
قال ابن عباس: "بسم الله"، يقول له جبريلُ: يا محمد، اقرأ بذكر الله ربِّك، وقم واقعد بذكر الله.(١١)
وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنه يراد بقول القائل مفتتحًا قراءته: "بسم الله الرحمن الرحيم": أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح القراءة بتسمية الله، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى - ويوضح فسادَ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بالله الرحمن الرحيم أوّلِ كلِّ شيء(١٢) ، مع أن العباد إنما أُمِروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورِهم بتسمية الله، لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كالذي أمِروا به من التسمية على الذبائح والصَّيد، وعند المَطعم والمَشرب، وسائر أفعالهم. وكذلك الذي أمِروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله، وصدور رسائلهم وكتبهم.
ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام(١٣) "بالله"، ولم يقل "بسم الله"، أنه مخالف - بتركه قِيلَ: "بسم الله" ما سُنَّ له عند التذكية من القول. وقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقوله "بسم الله" "بالله"، كما قال الزاعم أن اسمَ الله في قول الله: "بسم الله الرحمن الرحيم" هو الله. لأن ذلك لو كان كما زعم، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحتَه "بالله"، قائلا ما سُنَّ له من القول على الذبيحة. وفي إجماع الجميع على أنّ قائلَ ذلك تارك ما سُنَّ له من القول على ذبيحته - إذْ لم يقل "بسم الله" - دليلٌ واضح على فساد ما ادَّعى من التأويل في قول القائل: "بسم الله"، أنه مراد به "بالله"، وأن اسم الله هو الله.
وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم: أهُوَ المسمى، أمْ غيرُه، أم هو صفة له؟ فنطيل الكتاب به، وإنما هذا موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله: أهو اسمٌ، أم مصدر بمعنى التسمية(١٤) ؟ فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في بيت لبيد بن ربيعة:
إلَى الحَوْلِ، ثم اسْمُ السَّلام عليكُمَا، ... ومن يَبْكِ حَوْلا كاملا فَقَد اعتَذَرْ(١٥)
فقد تأوله مُقدَّم في العلم بلغة العرب، أنه معني به: ثم السلام عليكما، وأن اسمَ السلام هو السلام؟(١٦)
قيل له: لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأوّل، لجاز أن يقال: رأيتُ اسم زيد، وأكلتُ اسمَ الطعام، وشربتُ اسمَ الشراب؛ وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد: "ثمّ اسم السلام عليكما"، أنه أراد: ثم السلام عليكما، وادِّعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافتَه إلى السلام إنما جاز، إذْ كان اسم المسمَّى هو المسمَّى بعينه.
ويُسأل القائلون قولَ من حكينا قولَه هذا، فيقال لهم: أتستجيزون في العربية أن يقال: "أكلتُ اسمَ العسل"، يعني بذلك: أكلت العسل، كما جاز عندكم: اسم السلام عليك، وأنتم تريدون: السلامُ عليك؟
فإن قالوا: نعم! خرجوا من لسان العرب، وأجازوا في لغتها ما تخطِّئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا: لا سئلوا الفرقَ بينهما: فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا أُلزموا في الآخر مثله.
فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبيد هذا عندك؟
قيل له: يحتمل ذلك وجهين، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله.
أحدُهما: أن "السلام" اسمٌ من أسماء الله، فجائز أن يكون لبيد عنَى بقوله: "ثم اسم السلام عليكما"، ثم الزما اسمَ الله وذكرَه بعد ذلك، وَدَعَا ذكري والبكاءَ عليّ؛ على وجه الإغراء. فرفعَ الاسم، إذْ أخّر الحرفَ الذي يأتي بمعنى الإغراء.(١٧) وقد تفعَلُ العرب ذلك، إذا أخّرت الإغراء وقدمت المُغْرَى به، وإن كانت قد تنصبُ به وهو مؤخَّر. ومن ذلك قول الشاعر:
يَا أَيُّها المائحُ دَلوِي دُونَكا! ... إني رأيتُ النَّاس يَحْمدُونَكا!(١٨)
فأغرَى ب "دونك"، وهي مؤخرة، وإنما معناه: دونَك دلوي. فذلك قول لبيد:
* إلى الحوْلِ، ثمَّ اسمُ السَّلامُ عَلَيْكُمَا *
يعني: عليكما اسمَ السلام، أي: الزما ذكر الله ودعا ذكري والوجدَ بي، لأن من بكى حَوْلا على امرئ ميّت فقد اعتذر. فهذا أحد وجهيه.
والوجه الآخر منهما: ثم تسميتي اللهَ عليكما، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه: "اسم الله عليك" يعوِّذه بذلك من السوء، فكأنه قال: ثم اسمُ الله عليكما من السوء، وكأنّ الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد.(١٩)
ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أنّ معناه: ثم السلام عليكما، أترَى ما قلنا - من هذين الوجهين - جائزًا، أو أحدهما، أو غيرَ ما قلتَ فيه؟
فإن قال: لا! أبان مقدارَه من العلم بتصاريف وُجوه كلام العرب، وأغنى خصمه عن مناظرته.
وإن قال: بَلَى!
قيل له: فما برهانك على صحة ما ادَّعيت من التأويل أنه الصوابُ، دون الذي ذكرتَ أنه محتملُه - من الوجه الذي يلزمنا تسلميه لك؟ ولا سبيل إلى ذلك.
وأما الخبر الذي:-
١٤٠ - حدثنا به إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك [وهو يلقب بزبريق] قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود - ومِسْعَرِ بن كِدَام، عن عطية، عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله ﷺ: "إن عيسى ابن مريم أسلمته أمُّه إلى الكتَّاب ليعلِّمه، فقال له المعلم: اكتب "بسم" فقال له عيسى: وما "بسم"؟ فقال له المعلم: ما أدري! فقال عيسى: الباء بهاءُ الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته.(٢٠) فأخشى أنْ يكون غلطًا من المحدِّث، وأن يكون أراد [ب س م] ، على سبيل ما يعلَّم المبتدئ من الصبيان في الكتّاب حروف أبي جاد، فغلط بذلك، فوصَله، فقال: "بسم"، لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تُلي "بسم الله الرحمن الرحيم"، على ما يتلوه القارئ في كتاب الله، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حُمِل تأويله على ذلك.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اللَّهِ﴾ .
قال أبو جعفر: وأما تأويل قول الله تعالى ذكره "الله"، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس-: هو الذي يَألَهه كل شيء، ويعبده كل خلْقٍ.
١٤١ - وذلك أنّ أبا كريب حدثنا، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: "الله" ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين.(٢١)
فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في "فعل ويفعل" أصل كان منه بناءُ هذا الاسم؟
قيل: أمّا سماعًا من العرب فلا ولكن استدلالا.
فإن قال: وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة، وأنّ الإله هو المعبود، وأنّ له أصلا في "فعل ويفعل".
قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل(٢٢) - يصف رجلا بعبادة، وبطلب مما عند الله جل ذكره: "تألَّه فلان" - بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:
للهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ(٢٣) سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
يعني: من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي.
ولا شك أنّ "التألُّه"، التفعُّل من: "ألَه يأله"، وأن معنى "أله" - إذا نُطق به:- عَبَدَ اللهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب "فعل يفعل" يغير زيادة.
١٤٢ - وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع، قال حدثنا أبي، عن نافع بن عُمر، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عباس: أنه قرأ ﴿وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٢٧] قال: عبادتَك، ويقال: إنه كان يُعبَد ولا يَعبُد.
١٤٣ - حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن ابن عباس: ﴿وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك﴾ ، قال: إنما كان فرعونُ يُعبَد ولا يَعبُد(٢٤)
وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد.
١٤٤ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: أخبرني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: قوله "ويذرَكَ وإلاهتك" قال: وعبادتَك(٢٥) ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدرٌ من قول القائل: ألَه اللهَ فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عَبَد الله فلانٌ عبادةً، وعَبَرَ الرؤيا عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أنّ "أله" عَبد، وأن "الإلاهة" مصدرُه.
فإن قال: فإن كان جائزًا أن يقال لمن عبد الله: ألهه - على تأويل قول ابن عباس ومجاهد - فكيف الواجبُ في ذلك أن يقال، إذا أراد المخبر الخبرَ عن استيجاب الله ذلك على عَبْده؟ قيل: أما الروايةُ فلا رواية فيه عندنا، ولكن الواجب - على قياس ما جاء به الخبرُ عن رسول الله ﷺ الذي:-
١٤٥ - حدثنا به إسماعيل بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُليكة، عمن حدثه عن ابن مسعود - ومِسْعَر بن كِدَام، عن عطية العَوْفي، عن أبي سعيد - قال: قال رسول الله ﷺ: إنّ عيسى أسلمَتْه أمه إلى الكتّاب ليعلّمه فقال له المعلم اكتب "الله" فقال له عيسى: "أتدري ما الله؟ الله إلهُ الآلهة(٢٦) ".
- أن يقال(٢٧) ، الله جل جلاله ألَهَ العبدَ، والعبدُ ألَهَه. وأنْ يكون قولُ القائل "الله" - من كلام العرب أصله "الإله".
فإن قال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، مع اختلاف لفظيهما؟
قيل: كما جاز أن يكون قوله: ﴿لكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ [سورة الكهف: ٣٨] أصله: لكن أنا، هو الله ربي، كما قال الشاعر:
وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْف، أَيْ أَنتَ مُذْنبٌ ... وتَقْلينَني، لكِنَّ إياكِ لا أَقْلِي(٢٨)
يريد: لكن أنا إياك لا أقلي، فحذَف الهمزة من "أنا" فالتقت نون "أنا" "ونون "لكنْ" وهي ساكنة، فأدغمت في نون "أنا" فصارتا نونًا مشددة. فكذلك "الله" أصله "الإله"، أسقطت الهمزةُ التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى التي هي عين الاسم، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة، كما وصفنا من قول الله ﴿لكنَّ هوَ الله رَبي﴾ .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
قال أبو جعفر: وأما "الرحمن"، فهو فَعلان، من رَحم، و "الرحيم" فعيل منه. والعرب كثيرًا ما تبني الأسماء من "فَعِل يفْعَل" على "فعلان"، كقولهم من غَضِب: غَضبان، ومن سَكر: سكران، ومن عَطش: عطشان. فكذلك قولهم "رَحمن" من رَحِمَ، لأن "فعِلَ" منه: رَحم يرْحم. وقيل "رحيم"، وإن كانت عَين "فعِل" منها مكسورة، لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء - إذا كان فيها مدح أو ذم - على "فعيل"، وإن كانت عين "فعل" منها مكسورةً أو مفتوحةً، كما قالوا من "علم" عالم وعليم، ومن "قدَر" قادر وقدير. وليس ذلك منها بناء على أفعالها، لأن البناء من "فَعِل يفْعَل" و "فعَل يفعِل" فاعلٌ. فلو كان "الرحمن والرحيم" خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما "الراحم".
فإن قال قائل: فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة، فما وجهُ تكرير ذلك، وأحدهما مؤدٍّ عن معنى الآخر؟
قيل له: ليس الأمر في ذلك على ما ظننتَ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأخرى منهما عنها.
فإن قال: وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأخرى؟
قيل: أما من جهة العربية، فلا تَمانُع(٢٩) بين أهل المعرفة بلغات العرب، أنّ قول القائل: "الرحمن" - عن أبنية الأسماء من "فَعِل يفعَل" - أشدُّ عدولا من قوله "الرّحيم". ولا خلاف مع ذلك بينهم، أنّ كل اسم كان له أصل في "فَعِلَ يفعَل" - ثم كان عن أصله من "فَعِل يفعَلُ" أشد عدولا - أنّ الموصوف به مفضَّل على الموصوف بالاسم المبني على أصله من "فَعِل يفعَل"، إذا كانت التسمية به مدحًا أو ذمًّا. فهذا ما في قول القائل "الرحمن"، من زيادة المعنى على قوله "الرحيم" في اللغة.
وأما من جهة الأثر والخبر، ففيه بين أهل التأويل اختلاف:-
١٤٦ - فحدثني السري بن يحيى التميمي، قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: سمعت العَرْزَمي يقول: "الرحمن الرحيم"، قال: الرحمن بجميع الخلق، الرّحيم، قال: بالمؤمنين.(٣٠)
١٤٧ - حدثنا إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود - ومسعر بن كدام، عن عطية العَوفي، عن أبي سعيد - يعني الخدريّ - قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ عيسى ابن مريم قال: الرحمن رَحمنُ الآخرة والدنيا، والرحيم رحيمُ الآخرة".(٣١)
فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جل ثناؤه باسمه الذي هو "رحمن"، وتسميته باسمه الذي هو "رحيم"، واختلاف معنى الكلمتين - وإن اختلفا في معنى ذلك الفرق، فدلّ أحدهما على أنّ ذلك في الدنيا، ودلّ الآخر على أنه في الآخرة.
فإن قال: فأي هذين التأويلين أولى عندك بالصحة؟ قيل: لجميعهما عندنا في الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل: أيُّهما أولى بالصحة؟ وذلك أنّ المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن، دون الذي في تسميته بالرحيم: هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعضَ خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال. فلا شك - إذا كان ذلك كذلك - أنّ ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة، أو فيهما جميعًا.
فإذا كان صحيحًا ما قلنا من ذلك - وكان الله جل ثناؤه قد خصّ عباده المؤمنين في عاجل الدنيا بما لطف بهم من توفيقه إياهم لطاعته، والإيمان به وبرسله، واتباع أمره واجتناب معاصيه، مما خُذِل عنه من أشرك به، وكفر وخالف ما أمره به، وركب معاصيَه؛ وكان مع ذلك قد جعلَ، جَلَّ ثناؤه، ما أعد في آجل الآخرة في جناته من النعيم المقيم والفوز المبين، لمن آمن به، وصدّق رسله، وعمل بطاعته، خالصًا، دون من أشرك وكفر به -(٣٢) كان بيِّنًا إن الله قد خص المؤمنين من رحمته في الدنيا والآخرة، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا من الإفضال والإحسان إلى جميعهم، في البَسْط في الرزق، وتسخير السحاب بالغَيْثِ، وإخراج النبات من الأرض، وصحة الأجسام والعقول، وسائر النعم التي لا تُحصى، التي يشترك فيها المؤمنون والكافرون.
فربُّنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خلقه في الدنيا والآخرة، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرة. فأما الذي عمّ جميعَهم به في الدنيا من رحمته فكان رَحمانًا لهم به، فما ذكرنا مع نظائره التي لا سبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوهَا﴾ [سورة إبراهيم: ٣٤، وسورة النحل: ١٨] .
وأما في الآخرة، فالذي عمّ جميعهم به فيها من رحمته، فكان لهم رحمانًا، تسويته بين جميعهم جل ذكرُه في عَدله وقضائه، فلا يظلم أحدًا منهم مِثْقال ذَرّة، وإن تَكُ حسنةً يُضاعفها ويُؤتِ من لَدُنْهُ أجرًا عظيما، وتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ. فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعَهم برحمته، الذي كان به رحمانًا في الآخرة.
وأما ما خص به المؤمنين في عاجل الدنيا من رحمته، الذي كان به رحيما لهم فيها، كما قال جل ذكره: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٤٣] فما وصفنا من اللطف لهم في دينهم، فخصّهم به، دونَ من خذَله من أهل الكفر به.
وأمَّا ما خصّهم به في الآخرة، فكان به رحيما لهم دون الكافرين، فما وصفنا آنفًا مما أعدَّ لهم دون غيرهم من النعيم، والكرامة التي تقصرُ عنها الأمانيّ.
وأما القول الآخر في تأويله فهو ما:-
١٤٨ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: الرحمن، الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب. قال: الرّحمن الرحيم: الرقيقُ الرفيقُ بمن أحبَّ أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنُف عليه.(٣٣) وكذلك أسماؤه كلها.
وهذا التأويل من ابن عباس، يدل على أن الذي به ربُّنا رحمن، هو الذي به رحيم، وإن كان لقوله "الرحمن" من المعنى، ما ليس لقوله "الرحيم". لأنه جعل معنى "الرحمن" بمعنى الرقيق على من رقَّ عليه، ومعنى "الرحيم" بمعنى الرفيق بمن رفق به.
والقول الذي رويناه في تأويل ذلك عن النبي ﷺ وذكرناه عن العرْزَمي(٣٤) ، أشبه بتأويله من هذا القول الذي رويناه عن ابن عباس. وإن كان هذا القول موافقًا معناه معنى ذلك، في أن للرحمن من المعنى ما ليس للرحيم، وأن للرحيم تأويلا غيرَ تأويل الرحمن.
والقول الثالث في تأويل ذلك ما:-
١٤٩ - حدثني به عمران بن بَكَّار الكلاعي، قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللَّخمي من أهلِ فلَسْطين، قال: سمعت عطاء الخراساني يقول: كان الرحمن، فلما اختزلَ الرحمن من اسمه كان الرحمنَ الرحيمَ.(٣٥)
والذي أراد، إن شاء الله، عطاءٌ بقوله هذا: أن الرحمن كان من أسماء الله التي لا يتسمَّى بها أحد من خَلْقِه، فلما تسمَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله إياه، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه "الرحمنُ الرحيمُ" ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَّى بأسمائه، إذ كان لا يسمَّى أحد "الرحمن الرحيم"، فيجمع له هذان الاسمان، غيره جلّ ذكره. وإنما يتسمَّى بعضُ خَلْقه إما رحيما، أو يتسمَّى رَحمن. فأما "رحمن رحيم"، فلم يجتمعا قطّ لأحد سواهُ، ولا يجمعان لأحد غيره. فكأنّ معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن، بين اسمه واسم غيره من خلقِه، اختلف معناهما أو اتفقا.
والذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين، إبانةً لها من خلقه، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما.
وقد زعم بعضُ أهل الغَباء أنّ العرب كانت لا تعرف "الرحمن"، ولم يكن ذلك في لغتها(٣٦) ولذلك قال المشركون للنبي ﷺ: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [سورة الفرقان: ٦٠] ، إنكارًا منهم لهذا الاسم، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته، أوْ: لا وكأنه لم يتْلُ من كتاب الله قول الله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ - يعني محمدًا - ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤٦] وهم مع ذلك به مكذِّبون، ولنبوته جاحدون! فيَعلمَ بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقةَ ما قد ثبت عندهم صحتُه، واستحكمتْ لديهم معرفتُه. وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء:
أَلا ضربَتْ تلكَ الفتاةُ هَجِينَهَا ... أَلا قَضَبَ الرحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا(٣٧)
وقال سلامة بن جَندلٍ السَّعْدي:(٣٨)
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ ... وَمَا يَشَإ الرحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقِ(٣٩)
وقد زعم أيضًا بعضُ من ضعُفت معرفتُه بتأويل أهل التأويل، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أنّ "الرحمن" مجازه: ذو الرحمة، و "الرحيم" مجازه: الرّاحم(٤٠) ، ثم قال: قد يقدِّرون اللفظين من لفظٍ والمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: ندمان ونَديم، ثم استشهد ببيتِ بُرْج بن مُسْهِر الطائي:
وَنَدْمَانٍ يزيدُ الكأسَ طِيبًا، ... سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ(٤١)
واستشهد بأبياتٍ نظائره في النَّديم والنَّدمان، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله: الرحمن ذو الرحمة، والرحيم الراحم، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيَيْهما على صحته. ثم مثّل ذلك باللَّفظين يأتيان بمعنى واحد، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ.
ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثَبت أن له الرحمة، وصحَّ أنها له صفة؛ وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم، أو قد رحم فانقضى ذلك منه، أو هو فيه.
ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة، كالدلالة على أنها له صفة، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمة. فأين معنى "الرحمن الرحيم" على تأويله، من معنى الكلمتين يأتيان مقدَّرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه، كان واضحًا عوارُه.
وإن قال لنا قائل: ولم قدّم اسمَ الله الذي هو "الله"، على اسمه الذي هو "الرحمن"، واسمه الذي هو "الرحمن"، على اسمه الذي هو "الرحيم"؟
قيل: لأن من شأن العرب، إذا أرادوا الخبر عن مُخبَر عنه، أن يقدِّموا اسمه، ثم يتبعوه صفاتِه ونعوتَه. وهذا هو الواجب في الحُكم: أن يكون الاسم مقدَّمًا قبل نعته وصِفَته، ليعلم السامع الخبرَ، عمَّن الخبرُ. فإذا كان ذلك كذلك - وكانَ لله جلَّ ذكره أسماءٌ قد حرَّم على خلقه أن يتسمَّوا بها، خَصَّ بها نفسه دونهم، وذلك مثلُ "الله" و "الرحمن" و "الخالق"؛ وأسماءٌ أباحَ لهم أن يُسمِّيَ بعضهم بعضًا بها، وذلك: كالرحيم والسميع والبصير والكريم، وما أشبه ذلك من الأسماء - كان الواجب أن تقدَّم أسماؤه التي هي له خاصة دون جميع خلقه، ليعرف السامعُ ذلك مَنْ تَوجَّه إليه الحمد والتمجيدُ، ثم يُتبع ذلك بأسمائه التي قد تسمى بها غيره، بعد علم المخاطب أو السامع من توجَّه إليه ما يتلو ذلك من المعاني. فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو "الله"، لأن الألوهية ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجهٍ من الوجوه، لا من جهة التسمِّي به، ولا من جهة المعنى. وذلك أنا قد بينَّا أن معنى "الله" تعالى ذكره المعبود(٤٢) ، ولا معبودَ غيرُه جل جلاله، وأن التسمِّي به قد حرّمه الله جل ثناؤه، وإن قصد المتسمِّي به ما يقصدُ المتسمِّي بسعيد وهو شقي، وبحسَنٍ وهو قبيح.
أوَلا تَرى أنّ الله جلّ جلاله قال في غير آية من كتابه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ﴾ فاستكبر ذلك من المقرِّ به، وقال تعالى في خُصوصه نَفسَه بالله وبالرحمن: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: ١١٠] . ثم ثنَّى باسمه، الذي هو الرحمن، إذ كان قد مَنع أيضًا خلقه التسمي به، وإن كان من خلْقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه. وذلك أنه قد يجوز وصْف كثير ممّن هو دون الله من خلقه، ببعض صفات الرحمة. وغير جائز أن يستحق بعضَ الألوهية أحد دونه. فلذلك جاء الرحمن ثانيًا لاسمه الذي هو "الله".
وأما اسمه الذي هو"الرحيم" فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصْف غيره به. والرحمة من صفاته جل ذكره، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصفنا - واقعًا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هنّ توابعُها، بعد تقدم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله الذي هو "الله"، على اسمه الذي هو "الرحمن"، واسمه الذي هو "الرحمن" على اسمه الذي هو "الرحيم".(٤٣)
وقد كان الحسنُ البصريّ يقول في "الرحمن" مثل ما قلنا، أنه من أسماء الله التي مَنَعَ التسميَ بها العبادَ.(٤٤)
١٥٠ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، قال: "الرحمن" اسمٌ ممنوع.(٤٥)
مع أن في إجماع الأمة من منع التسمِّي به جميعَ الناس، ما يُغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره.
(٢) يقول: جعل الله ذلك سنة منه لجميع خلقه يستنون بها. فقدم قوله "منه لجميع خلقه".
(٣) في المطبوعة: "في افتتاح. . . " والضمير في "فبه" عائد إلى "ما أدبه به".
(٤) في المطبوعة: "من إظهار"، "من دلالة شاهدة".
(٥) معناه: أي ما يعنيه ويقصده.
(٦) الحديث ١٣٨- مضى مختصرًا، بهذا الإسناد ١٣٧. وفصلنا القول فيه هناك.
(٧) الشعر للقطامي ديوانه: ٤١، ويأتي في تفسير آية سورة يوسف: ١٢ (ج ١٢ ص ٩٤ بولاق) . يقول لزفر بن الحارث الكلابي، وكان أسره في حرب، فمن عليه وأعطاه مئة من الإبل، ورد عليه ماله. يقول: أأكفر بما وليتني، وقد أعطيت ما أعطيت. والعطاء بمعنى الإعطاء، ولذلك نصب به "المئة". والرتاع جمع راتع: يعني الإبل ترتع في مرعى خصيب تذهب فيه وتجيء.
(٨) لم أجد البيت. وأشعب: الطماع الذي يضرب به المثل في الطمع المستعر.
(٩) الشعر للحارث بن خالد المخزومي، الأغاني ٩: ٢٢٥- ٢٢٦، وهذا البيت الذي من أجله أشخص الواثق إليه أبا عثمان المازني النحوي، وله قصة. انظر الأغاني ٩: ٢٣٤ وغيره، وفي المطبوعة: "أظلوم"، والصواب من المخطوطة، والأغاني وأمالي الشجري ١: ١٠٧ وغيرها. وهذه الشواهد السالفة استشهاد من الطبري على أن الأسماء تقوم مقام المصادر فتعمل عملها في النصب. وظليم: هي أم عمران، زوجة عبد الله بن مطيع، وكان الحارث ينسب بها، فلما مات زوجها تزوجها.
(١٠) أراد بقوله: "تصديرها": أي جعلها مصادر تصدر عنها صوادر الأفعال، وذلك كقولك: ذهب ذهابًا، فذهب صدرت عن قولك "ذهاب"، ويعمل عندئذ عمل الفعل. وعنى أنهم يخرجون المصدر على وزن الاسم فيعمل عمله، كقولك "الكلام" هو اسم ما تتكلم به، ولكنهم قالوا: كلمته كلامًا، فوضعوه موضع التكليم، وأخرجوا من "كلم" مصدرًا على وزن اسم ما تتكلم به، وهو الكلام، فكان المصدر: "كلامًا".
(١١) الحديث ١٣٩- مضى هذا الخبر وتخريجه، برقم ١٣٧.
(١٢) قوله: "يوضح" ساقطة من المطبوعة. وفيها مكان: "أول كل. . . "، "في كل. . ".
(١٣) التذكية: النحر والذبح. ذكيت الشاة تذكية: ذبحتها.
(١٤) استجاد أبو جعفر رضي الله عنه خير الرأي لحجته. والذي كتبه قبل، وما يأتي بعد، من أقوم ما قيل في شرح هذا الموضع الذي لجت فيه العقول والأقلام. وبيان ما قال أبو جعفر: إن قولك "اسم" في "بسم الله"، إنما هو اسم مصدر (أو اسم حدث) ، أي هو في الأصل اسم لما تفعل من تسميتك الشيء، مثل "الكلام" اسم حدث لما تفعل من التكليم، ومثل "العطاء" اسم حدث لما تفعل من الإعطاء، ومثل "الغسل"، اسم حدث لما تفعل من الاغتسال. وكأن أصله من قولك "سموت الشيء سموا"، فأماتوا فعله الثلاثي وبقي مصدره، "سمو"، فحذفوا واوه المتطرفة، فصار "سم" فأعاضوه منها ألفًا في أوله، فصار "اسم"، كما كان قولك: "كلام" من فعل ثلاثي هو "كلم كلامًا"، على مثال "ذهب ذهابًا"، فأماتوا الفعل الثلاثي وبقي مصدره "كلام"، فجعلوه اسم حدث لما تفعل من التكليم، ثم أخرجوا مصدر الرباعي على مخرج اسم هذا الحدث، فقالوا: "كلم يكلم كلامًا"، بمعنى "كلم يكلم تكليمًا".
فكذلك فعلوا في قولهم "سمى يسمى تسمية": أخرجوا لهذا الرباعي مصدرًا على مخرج اسم الحدث وهو "اسم"، فقالوا: "سمى يسمى اسمًا"؛ بمعنى "سمى يسمى تسمية". فقولك "كلام" بمعنى "تكليم" وقولك "اسم" بمعنى "تسمية" صُدِّرا على مخارج أسماء الأحداث. وإذن فالمضاف إلى اسمه تعالى في قولك "بسم الله" وأشباهها، إنما هو مصدر صدر على مخرج اسم الحدث، وهو اسم، من فعل رباعي هو "سمى يسمي"، فكان بمعنى مصدره وهو "تسمية". وهو في هذا المكان وأمثاله بمعنى المصدر "تسمية"، لا بمعنى اسم الحدث لما تفعل من التسمية. (انظر: ١٢٣- ١٢٤، كلام الطبري في "أله") .
وهذا الذي قاله أبو جعفر رضي الله عنه أبرع ما قيل في شرح هذا الحرف من كلام العرب. وقد أحسن النظر وأدقه، حتى خفي على جلة العلماء الذين تكلموا في شرح معنى "اسم" في "بسم الله" وأشباهها، فأغفلوه إغفالا لخفائه ووعورة مأتاه، وإلفهم للكلام في الذي افتتحوه من القول في "الاسم"، أهو المسمى أم غيره، أم هو صفة له، وما رسمه وما حده؟ وهذا باب غير الذي نحن فيه، فخلطوا فيه خلطًا، فجاء الطبري فمحص الحق تمحيصًا، وهو أرجح الآراء عندنا وأولاها بالتقديم، لمن وفق لفهمه، كما يقول أبو جعفر غفر الله له. وسيذكر بعد من الحجة ما يزيد المعنى وضوحًا وبيانًا. ولولا خوف الإطالة، لأتيت بالشواهد على ترجيح قول الطبري الذي أغفلوه، على كل رأي سبقه أو أتى بعده.
(١٥) ديوانه، القصيدة رقم: ٢١، والخزانة ٢: ٢١٧، ثم يأتي في تفسير آية سورة التوبة: ٩٠ (١٠: ١٤٤ بولاق) ، وآية سورة الرعد: ٣٥ (١٣: ١٠٩) والشعر يقوله لابنتيه، إذ قال: تَمَنَّى ابنتَايَ أن يعيشَ أبُوهما ... وهَلْ أنا إلاَّ من ربيعة أو مُضَرْ!
ثم أمرهما بأمره فقال قبل بيت الشاهد: فقُومَا فقولاَ بالذي قد علمتُما ... ولا تَخْمِشا وجْهًا ولا تَحْلِقا شَعَرْ
وقولاَ: هو المرءُ الّذي لا خليلَه ... أَضاعَ، ولا خانَ الصديقَ، ولا غَدَرْ
فقوله "إلى الحول. . " أي افعلا ذلك إلى أن يحول الحول. والحول: السنة كاملة بأسرها. وقوله "اعتذر" هنا بمعنى أعذر: أي بلغ أقصى الغاية في العذر.
(١٦) هذا المقدم في العلم بلغة العرب، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، في كتابه مجاز القرآن: ١٦. وقد وقع بين ماضغى أسد! وهذا الذي يأتي كله تقريع مرير من أبي جعفر لأبي عبيدة.
(١٧) في المطبوعة: "إذا وأخر". وقوله "فرفع الاسم"، يعني ما في قول لبيد "ثم اسم"، وكان حقه أن ينصب على الإغراء لو قال: "ثم عليكما اسم السلام" بتقديم الإغراء.
(١٨) هذا رجز في خبر طويل، الخزانة ٣: ١٧ قيل هزءًا برجل ألقوه في بئر ثم رجزوا به. والمائح: هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها، فيلقي الدلاء فيملؤها بيده ويميح لأصحابه.
(١٩) الأول بغير شك أولى الأقوال بالصواب. فإنه كان قد أمر ابنتيه - كما قدمنا في أبياته السالفة، أن تقوما لتنوحا عليه بما أمرهما من ندبه وتأبينه ورثائه، وأن تفعلا ذلك منذ يموت إلى أن يحول عليه الحول، فلا معنى بعد أن يلقي السلام عليهما، أي تحية المفارق، بعد الحول، فقد فارقهما منذ حول كامل. وأولى به أن يدعو لهما، أو يستكفهما عما أمرهما به، إذ قضتا ما أمرهما على الوجه الذي أحب، "ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر"، كأنه قال: كفا عندئذ عما أمرتكما، فإن من بكى حولا فقد بلغ أقصى ما يسعه العذر. فسياق الشعر يقطع بترجيح ما ذهب إليه الطبري عامة، وإلى الجزم بأن معنى "ثم اسم السلام عليكما" هو: الزما ذكر الله، ودعا ذكرى، والبكاء علي، والوجد بي.
(٢٠) الحديث ١٤٠- هذا حديث موضوع، لا أصل له. وهو أطول من هذا، وسيأتي بعضه برقمي ١٤٥، ١٤٧، فصل الطبري كل قسم منه في موضعه، وفيه زيادة أخرى، في تفسير كلمات "أبجد هوز". إلخ. رواه بطوله ابن حبان الحافظ، في كتاب المجروحين، في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبد الله التيمي، رقم: ٤٤ ص٨٥، وقال في إسماعيل هذا: "كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، وما لا أصل له عن الأثبات، لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به بحال". ثم ضرب مثلا من أكاذيبه، فروى الحديث بطوله، عن محمد بن يحيى بن رزين العطار عن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، بالإسناد الثاني الذي هنا، من حديث أبي سعيد الخدري. وذكره ابن كثير في التفسير ١: ٣٥ نقلا عن ابن مردويه، من حديث أبي سعيد وحده، جمع فيه الأقسام الثلاثة التي فرقت هنا. ثم أشار إلى رواية الطبري إياه. ثم قال: "وهذا غريب جدا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ، وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات"! وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب، فتسقط روايته بمرة، ولا يحتاج إلى هذا التردد. وأما السيوطي، فقد ذكره في الدر المنثور ١: ٨، ونسبه لابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق والثعلبي، ولم يغفل عن علته؛ فذكر أنه "بسند ضعيف جدا". وترجم الذهبي في الميزان ١: ١١٧، وتبعه ابن حجر في لسان الميزان ١: ٤٤١- ٤٤٢ لإسماعيل بن يحيى هذا، وفي ترجمته: "قال صالح بن محمد جزرة: كان يضع الحديث. وقال الأزدي: ركن من أركان الكذب، لا تحل الرواية عنه. . . وقال أبو علي النيسابوري الحافظ والدارقطني والحاكم: كذاب". وقال ابن حجر: "مجمع على تركه". وذكر هو والذهبي هذا الحديث مثالا من أكاذيبه.
ثم إن إسناده الأول، الذي رواه إسماعيل بن يحيى عن أبي مليكة، فيه أيضًا راو مجهول، وهو "من حدثه عن ابن مسعود". وإسناده الثاني، الذي رواه إسماعيل هذا عن مسعر بن كدام، فيه أيضًا "عطية بن سعد بن جنادة العوفي"، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وأبو حاتم وغيرهما.
والزيادة بين قوسين، في لقب إبراهيم بن العلاء من المخطوطة. و "زبريق": بكسر الزاي والراء بينهما ياء موحدة ساكنة. وهو لقب إبراهيم، فيما قيل. والصحيح أنه لقب أبيه، فقد قال البخاري في ترجمته في الكبير ١ / ١ / ٣٠٧: "زعم إبراهيم أن أباه كان يدعى زبريق". وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ١ / ١٢١: "إبراهيم بن العلاء. . . يعرف بابن الزبريق".
(٢١) الحديث ١٤١- إسناد هذا الخبر ضعيف، كما فصلنا القول فيه، في إسناد الخبر ١٣٧. وهذا الذي هنا نقله السيوطي في الدر المنثور ١: ٨ مع باقيه الآتي برقم ١٤٨ بالإسناد نفسه. ونسبه السيوطي لابن جرير (وكتب فيه: ابن جريج، خطأ مطبعيا) ، وابن أبي حاتم.
(٢٢) قوله "لا تمانع"، أي لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر. وسيأتي مثله في ص: ١٢٦.
(٢٣) ديوانه: ١٦٥. المده: جمع ماده. ومده فلانًا يمدهه مدهًا: نعت هيئته وجماله وأثنى عليه ومدحه. و "استرجعن": قلن" إنا لله وإنا إليه راجعون. يقلنها حسرة عليه كيف تنسك وهجر الدنيا، بعد الذي كان من شبابه وجماله وصبوته!
(٢٤) الخبران ١٤٢، ١٤٣- إسنادهما ضعيفان، من أجل "سفيان بن وكيع بن الجراح"، شيخ الطبري فيهما، وسفيان هذا: ضعيف، كان أبوه إمامًا حجة، وكان هو رجلا صالحًا، ولكن وراقه أفسد عليه حديثه، وأدخل عليه ما ليس من روايته. ونصحه العلماء أن يدعه فلم يفعل، فمن أجل ذلك تركوه. قال ابن حبان في كتاب المجروحين، رقم ٤٧٠ ص٢٣٨- ٢٣٩: "فمن أجل إصراره على ما قيل له استحق الترك".
وهذان الخبران، سيذكرهما الطبري في تفسير آية سورة الأعراف: ١٢٧ (٩: ١٨ بولاق) ، وهناك شيء من التحريف في أحدهما. ونقل معناهما السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٠٧.
والقراءة الصحيحة المعروفة: ﴿ويذرك وآلهتك﴾ . وأما هذه القراءة "وإلاهتك"، فقد نقلها صاحب إتحاف البشر: ٢٢٩ عن ابن محيصن والحسن. ونقلها ابن خالويه في كتاب القراءات الشاذة: ٤٥ عن علي وابن مسعود وابن عباس. وذكرها أبو حيان في البحر ٤: ٣٦٧ عن هؤلاء الثلاثة "وأنس وجماعة غيرهم".
(٢٥) الخبر ١٤٤- الحسين بن داود: اسمه "الحسين" ولقبه "سنيد"، بضم السين المهملة وفتح النون. واشتهر بهذا اللقب، وترجم به في التهذيب ٤: ٢٤٤- ٢٤٥، وفي الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٢٦. وحجاج: هو ابن محمد المصيصي، من شيوخ الإمام أحمد. وهذا الأثر عن مجاهد، سيرويه الطبري في تفسير آية الأعراف (٩: ١٨ بولاق) - بإسناد آخر.
(٢٦) الحديث ١٤٥- هو حديث لا أصل له. وهو جزء من الحديث الموضوع الذي روى الطبري بعضه فيما مضى ١٤٠، بهذا الإسناد. وفصلنا القول فيه هناك.
(٢٧) قوله: "أن يقال" من تمام قوله في السطر الثالث "ولكن الواجب-" خبر لكن.
(٢٨) الأضداد لابن الأنباري: ١٦٣، والخزانة ٤: ٤٩٠، وقال: "لم أقف على تتمته وقائله، مع أنه مشهور، قلما خلا منه كتاب نحوي، والله أعلم".
(٢٩) لا تمانع: أي لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر.
(٣٠) الأثر ١٤٦- نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤٠ عن هذا الموضع. و "السري بن يحيى ابن السري التميمي الكوفي"، شيخ الطبري، لم نجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٨٥، وقال: "لم يقض لنا السماع منه، وكتب إلينا بشيء من حديثه، وكان صدوقًا". و "العرزمي" المرويُّ عنه هذا الكلام هنا: ضعيف جدا، قال الإمام أحمد في المسند ٦٩٣٨: "لا يساوي حديثه شيئًا". وهو "محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي". وأما عمه "عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي"، فإنه تابعي ثقة، ولكنه قديم، مات سنة ١٤٥، فلم يدركه "عثمان بن زفر" المتوفى سنة ٢١٨. و "العرزمي" بفتح العين المهملة وسكون الراء وبعدها زاي، نسبة إلى "عرزم". ووقع هنا في الطبري وابن كثير "العرزمي"، بتقديم الزاي على الراء، وهو تصحيف.
(٣١) الحديث ١٤٧- هذا إسناد ضعيف، بل إسنادان ضعيفان، كما فصلنا فيما مضى: ١٤٠، ١٤٥.
(٣٢) جواب قوله "فإذ كان صحيحًا. . . " وما بينهما فصل.
(٣٣) الحديث ١٤٨- نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤١ عن هذا الموضع، وقد مضى الكلام في هذا الإسناد، وبيان ضعفه: ١٣٧، ١٤١. والذي في الدر المنثور ١: ٨- ٩ "على من أحب أن يضعف عليه العذاب"، والظاهر أنه تصرف من ناسخ أو طابع.
(٣٤) إشارة إلى ما مضى: ١٤٦، ووقع في الأصول هنا "العرزمي" أيضًا، بتقديم الزاي، وهو خطأ، كما بينا من قبل.
(٣٥) الأثر ١٤٩- نقله السيوطي في الدر المنثور ١: ٩ ونسبه للطبري وحده. وعطاء الخراساني هو عطاء بن أبي مسلم، وهو ثقة، وضعفه بعض الأئمة. وهو كثير الرواية عن التابعين، وكثير الإرسال عن الصحابة، في سماعه منهم خلاف. وأما الراوي عنه "أبو الأزهر نصر بن عمرو اللخمي"، فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع، إلا قول الدولابي في الكنى والأسماء ١: ١١٠: "أبو الأزهر الفلسطيني نصر بن عمرو اللخمي، روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي".
(٣٦) لا يزال أهل الغباء في عصرنا يكتبونه، ويتبجحون بذكره في محاضراتهم وكتبهم، نقلا عن الذين يتتبعون ما سقط من الأقوال، وهم الأعاجم الذين يؤلفون فيما لا يحسنون باسم الاستشراق. ورد الطبري مفحم لمن كان له عن الجهل والخطأ رده تنهاه عن المكابرة.
(٣٧) لم أجد قائل البيت. واستشهد به ابن سيده في المخصص ١٧: ١٥٢، وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي، وادعى أن البيت مصنوع، وأن "بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم المجردة، صنعه ولفقه، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى، وركاكته تنادي جهارًا بصحة وضعه وصنعته، والصواب وهو الحق المجمع عليه، أن الشاعر الجاهلي المشار إليه، هو الشنفرى الأزدي، وهذا البيت ليس في شعره"، وأنه ملفق من قول الشنفرى: أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي، والتَلهُّفُ ضَلَّةٌ ... بما ضَرَبَتْ كَفُّ الفَتَاةِ هَجِينَهَا
والشنقيطي رحمه الله كان كثير الاستطالة، سريعًا إلى المباهاة بعلمه وروايته. والذي قاله من ادعاء الصنعة لا يقوم. وكفى بالبيت الذي يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته: إيجاد الشواهد المعدومة، لدعاوى مجردة. وليس في البيت ركاكة ولا صنعة.
(٣٨) في المخطوطة والمطبوعة: "الطهوي" مكان السعدي، وهو خطأ. ليس سلامة طهويا.
(٣٩) ديوانه: ١٩، وقد جاء في طبقات فحول الشعراء: ١٣١ في نسب الشاعر: سلامة بن جندل بن عبد الرحمن"، وهذه رواية ابن سلام، وغيره يقول: "ابن عبد"، فإن صحت رواية ابن سلام، فهي دليل آخر قوي على فساد دعوى الشنقيطي.
(٤٠) الذي عناه الطبري، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه "مجاز القرآن": ٢١، وقد نقل أكثر كلامه الآتي بنصه.
(٤١) حماسة أبي تمام ٣: ١٣٥، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ٦٢.
(٤٢) في المطبوعة: "أن معنى الله هو المعبود".
(٤٣) هذا الاحتجاج من أجود ما قيل، ودقته تدل على حسن نظر أبي جعفر فيما يعرض له. وتفسيره كله شاهد على ذلك. رحمة الله عليه.
(٤٤) غيروه في المطبوعة: "لعباده".
(٤٥) الأثر ١٥٠- نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤١- ٤٢ عن هذا الموضع. والسيوطي في الدر المنثور ١: ٩، ونسبه للطبري وحده. و "عوف" الراويه عن الحسن: هو عوف بن أبي جميلة العبدي، المعروف بابن الأعرابي، وهو ثقة ثبت.
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)}
{بسمِ اللَّهِ} أبدأ بسم الله، أو بدأت بسم الله، الاسم صلة، أو ليس بصلة عند الجمهور، واشتق من السمة، وهي العلامة، أو من السمو.
الله - (الله) أخص أسماء الرب لم يتسم به غيره {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65] تسمى باسمه، أو شبيهاً. أبو حنيفة: هو الاسم الأعظم وهو علم إذ لا بد اللذات من اسم علم يتبعه أسماء الصفات، أو هو مشتق من الوله لأنه يأله إليه العباد: أي يفزعون إليه في أمورهم، فالمألوه إليه إله، كما أن المأموم [به] إمام أو اشتق من التأله وهو التعبدن تأله فلان: تعبد، واشتق من فعل العبادة فلا يتصف به في الأزل، أو من استحقاقها على الأصح فيتصف به أزلاً {الرَّحْمَن الرَّحِيمِ} الرحمن والرحيم الراحم، أو الرحمن أبلغ، وكانت الجاهلية تصرفه للرب سبحانه وتعالى، الشنفري:
إلا ضربت تلك الفتاة هجينها *** ألا هدر الرحمن ربي يمينها
ولما سُمي مسيلمة بالرحمن قُرِن لله تعالى الرحمن الرحيم، لأن أحداً لم يتسم بهما،، واشتقا من رحمة واحدة، أو الرحمن من رحمته لجميع الخلق، والرحيم من رحمته لأهل طاعته، أو الرحمن من رحمته لأهل الدنيا، والرحيم من رحمته لأهل [الآخرة]، أو الرحمن من الرحمن التي يختص بها، والرحيم من الرحمن التي يوجد في العباد مثلها.
قالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وَلَها ثَلاثَةُ أسْماءٍ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وأُمُّ القُرْآنِ، والسَّبْعُ المَثانِي.
رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «هِيَ أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي» ". فَأمّا تَسْمِيَتُها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَلِأنَّهُ يُسْتَفْتَحُ الكِتابُ بِإثْباتِها خَطًّا وبِتِلاوَتِها لَفْظًا.
فَأمّا تَسْمِيَتُها بِأُمِّ القُرْآنِ، فَلِتَقَدُّمِها وتَأخُّرِ ما سِواها تَبَعًا لَها، صارَتْ أُمًّا لِأنَّهُ أمَّتْهُ أيْ تَقَدَّمَتْهُ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِرايَةِ الحَرْبِ: أُمٌّ لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، قالَ الشّاعِرُ:
عَلى رَأْسِهِ أُمٌّ لَها يُقْتَدى بِها جِماعُ أُمُورٍ لا يُعاصى لَها أمْرُ
وَقِيلَ لِما مَضى عَلى الإنْسانِ مِن سِنِي عُمْرِهِ، أُمٌّ لِتَقَدُّمِها.قالَ الشّاعِرُ:
إذا كانَتِ الخَمْسُونَ أُمَّكَ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لِرَأْيِكَ إلّا أنْ يَمُوتَ طَبِيبُ
واخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِها بِأُمِّ الكِتابِ، فَجَوَّزَهُ الأكْثَرُونَ، لِأنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ومَنَعَ مِنهُ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وزَعَما أنَّ أُمَّ الكِتابِ، اسْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلا يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ:٤] .وَأمّا [تَسْمِيَةُ] مَكَّةَ بِأُمِّ القُرى، فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، لِتَقَدُّمِها عَلى سائِرِ القُرى.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّ الأرْضَ مِنها دُحِيَتْ، وعَنْها حَدَثَتْ، فَصارَتْ أُمًّا لَها لِحُدُوثِها عَنْها، كَحُدُوثِ الوَلَدِ عَنْ أُمِّهِ.
وَأمّا تَسْمِيَتُها بِالسَّبْعِ المَثانِي، فَلِأنَّها سَبْعُ آياتٍ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وَأمّا الثّانِي، فَلِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ مِن فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، ولَيْسَ في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي ما يَمْنَعُ مِن [تَسْمِيَتِهِ] غَيْرَها بِهِ قالَ أعْشى هَمْدانَ
فَلِجُوا المَسْجِدَ وادْعُوا رَبَّكم ∗∗∗ وادْرُسُوا هَذِي المَثانِيَ والطُّوَلْ
***قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أجْمَعُوا أنَّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ النَّمْلِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في إثْباتِها في فاتِحَةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، فَأثْبَتَها الشّافِعِيُّ في طائِفَةٍ، ونَفاها أبُو حَنِيفَةَ في آخَرِينَ.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ( بِسْمِ ): فَذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وطائِفَةٌ إلى أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ، وإنَّما هو اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
فَذِكْرُ اسْمِ السَّلامِ زِيادَةٌ، وإنَّما أرادَ: ثُمَّ السَّلامُ عَلَيْكُما.واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في مَعْنى زِيادَتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِإجْلالِ ذِكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ، لِيَقَعَ الفَرْقُ بِهِ بَيْنَ ذِكْرِهِ وذِكْرِ غَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.
والثّانِي: لِيَخْرُجَ بِهِ مِن حُكْمِ القَسَمِ إلى قَصْدِ التَّبَرُّكِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.
وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ (بِسْمِ) أصْلٌ مَقْصُودٌ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، فَهَلْ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الأمْرِ أوْ عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الأمْرِ وتَقْدِيرُهُ: ابْدَؤُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: عَلى مَعْنى الإخْبارِ وتَقْدِيرُهُ: بَدَأْتُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وَحُذِفَتْ ألِفُ الوَصْلِ، بِالإلْصاقِ في اللَّفْظِ والخَطِّ، لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما حُذِفَتْ مِنَ الرَّحْمَنِ، ولَمْ تُحْذَفْ مِنَ الخَطِّ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العَلَقِ: آيَةُ ١] لِقِلَّةِ اسْتِعْمالِهِ.
الِاسْمُ: كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى المُسَمّى دِلالَةَ إشارَةٍ، والصِّفَةُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى المَوْصُوفِ دِلالَةَ إفادَةٍ، فَإنْ جَعَلْتَ الصِّفَةَ اسْمًا، دَلَّتْ عَلى الأمْرَيْنِ: عَلى الإشارَةِ والإفادَةِ.
وَزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ الِاسْمَ ذاتُ المُسَمّى، واللَّفْظَ هو التَّسْمِيَةُ دُونَ الِاسْمِ، وهَذا فاسِدٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أسْماءُ الذَّواتِ هي الذَّواتَ، لَكانَ أسْماءُ الأفْعالِ هي الأفْعالَ، وهَذا مُمْتَنِعٌ في الأفْعالِ فامْتَنَعَ في الذَّواتِ.
واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ الِاسْمِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّمَةِ، وهي العَلامَةُ، لِما في الِاسْمِ مِن تَمْيِيزِ المُسَمّى، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ، وهي الرِّفْعَةُ لِأنَّ الِاسْمَ يَسْمُو بِالمُسَمّى
فَيَرْفَعُهُ مِن غَيْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والزَّجّاجِ.
وَأنْشَدَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
إذا لَمْ تَسْتَطِعْ أمْرًا فَدَعْهُ ∗∗∗ وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ ∗∗∗ وصِلْهُ بِالدُّعاءِ فَكُلُّ أمْرٍ ∗∗∗ سَما لَكَ أوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ
وَتَكَلَّفَ مَن راعى مَعانِيَ الحُرُوفِ بِبِسْمِ اللَّهِ تَأْوِيلًا، أجْرى عَلَيْهِ أحْكامَ الحُرُوفِ المَعْنَوِيَّةَ، حَتّى صارَ مَقْصُودًا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ في كُلِّ تَسْمِيَةٍ، ولَهم فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الباءَ بَهاؤُهُ وبَرَكَتُهُ، وبِرُّهُ وبَصِيرَتُهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ وسُمُوُّهُ وسِيادَتُهُ، والمِيمَ مَجْدُهُ ومَمْلَكَتُهُ ومَنُّهُ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.والثّانِي: أنَّ الباءَ بَرِيءٌ مِنَ الأوْلادِ، والسِّينَ سَمِيعُ الأصْواتِ والمِيمَ مُجِيبُ الدَّعَواتِ، وهَذا قَوْلُ سُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الباءَ بارِئُ الخَلْقِ، والسِّينَ ساتِرُ العُيُوبِ، والمِيمَ المَنّانُ، وهَذا قَوْلُ أبِي رَوْقٍ.
وَلَوْ أنَّ هَذا الِاسْتِنْباطَ يُحْكى عَمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ لَرُغِبَ عَنْ ذِكْرِهِ، لِخُرُوجِهِ عَمّا اخْتَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن أسْمائِهِ، لَكِنْ قالَهُ مَتْبُوعٌ فَذَكَرْتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكِيًا، لا مُحَقِّقًا لِيَكُونَ الكِتابُ جامِعًا لِما قِيلَ.
وَيُقالُ لِمَن قالَ (بِسْمِ اللَّهِ بَسْمَلَ عَلى لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ، وقَدْ جاءَتْ في الشِّعْرِ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلى غَداةَ لَقِيتُها ∗∗∗ فَيا حَبَّذا ذاكَ الحَبِيبُ المُبَسْمِلُ
فَأمّا قَوْلُهُ: (اللَّهِ)، فَهو أخَصُّ أسْمائِهِ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِاسْمِهِ الَّذِي هو (اللَّهُ) غَيْرُهُ.والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ شَبِيهًا، وهَذا أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ، لِأنَّهُ يَتَناوَلُ الِاسْمَ والفِعْلَ.
وَحُكِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، لِأنَّ غَيْرَهُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ.
واخْتَلَفُوا في هَذا الِاسْمِ هَلْ هو اسْمُ عَلَمٍ لِلذّاتِ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن صِفَةٍ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِذاتِهِ، غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِن صِفاتِهِ، لِأنَّ أسْماءَ الصِّفاتِ تَكُونُ تابِعَةً لِأسْماءِ الذّاتِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يَخْتَصَّ بِاسْمِ ذاتٍ، يَكُونُ عَلَمًا لِتَكُونَ أسْماءُ الصِّفاتِ والنُّعُوتُ تَبَعًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ألِهَ، صارَ بِاشْتِقاقِهِ عِنْدَ حَذْفِ هَمْزِهِ، وتَفْخِيمِ لَفْظِهِ اللَّهَ.
واخْتَلَفُوا فِيما اشْتُقَ مِنهُ إلَهٌ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلَهِ، لِأنَّ العِبادَ يَأْلَهُونَ إلَيْهِ، أيْ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ في
أُمُورِهِمْ، فَقِيلَ لِلْمَأْلُوهِ إلَيْهِ: إلَهٌ، كَما قِيلَ لِلْمُؤْتَمِّ بِهِ: إمامٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ، وهي العِبادَةُ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَتَألَّهُ، أيْ يَتَعَبَّدُ، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ
لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ∗∗∗ لَمّا رَأيْنَ خَلِقَ المُمَوَّهِ
سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَألُّهِ
أيْ مِن تَعَبُّدٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ أيْ وعِبادَتَكَ.ثُمَّ اخْتَلَفُوا، هَلِ اشْتُقَّ اسْمُ الإلَهِ مِن فِعْلِ العِبادَةِ، أوْ مِنِ اسْتِحْقاقِها، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ العِبادَةِ، فَعَلى هَذا، لا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً قَدِيمَةً لِذاتِهِ، لِحُدُوثِ عِبادَتِهِ بَعْدَ خَلْقِ خَلْقِهِ، ومَن قالَ بِهَذا مَنَعَ مِن أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى إلَهًا لَمْ يَزَلْ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ قَبْلَ خَلْقِهِ غَيْرَ مَعْبُودٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً لِذاتِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَلَمْ يَزَلْ إلَهًا، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُشْتَقًّا مِن فِعْلِ العِبادَةِ لا مِنِ اسْتِحْقاقِها، لَلَزِمَ تَسْمِيَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا، لِعِبادَةِ النَّصارى لَهُ، وتَسْمِيَةُ الأصْنامِ آلِهَةً، لِعِبادَةِ أهْلِها لَها، وفي بُطْلانٍ هَذا دَلِيلٌ عَلى اشْتِقاقِهِ مِنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، لا مِن فِعْلِها، فَصارَ قَوْلُنا: (إلَهٌ عَلى هَذا القَوْلِ صِفَةً مِن صِفاتِ الذّاتِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مِن صِفاتِ الفِعْلِ.
وَأمّا (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فَهُما اسْمانِ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، والرَّحِيمُ فِيها اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن صِفَتِهِ.
وَأمّا الرَّحْمَنُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ مُعَرَّبٌ، ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ، كالفُسْطاطِ رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، والإسْتَبْرَقِ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، لِأنَّ قُرَيْشًا وهم فَطَنَةُ العَرَبِ وفُصَحاؤُهُمْ، لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى ذُكِرَ لَهُمْ، وقالُوا ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ﴿وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٠]، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ جَرِيرٍ
أوَتَتْرُكُونَ إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكم ∗∗∗ ومَسْحَكم صُلْبَهم رَحْمَنَ قُرْبانًا
قالَ: ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ، لِيَزُولَ الِالتِباسُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الأصْلُ فِيهِ تَقْدِيمَ الرَّحِيمِ عَلى الرَّحْمَنِ لِعَرَبِيَّتِهِ، لَكِنْ قَدَّمَ الرَّحْمَنَ لِمُبالَغَتِهِ.والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرَّحْمَنَ اسْمٌ عَرَبِيٌّ كالرَّحِيمِ لِامْتِزاجِ حُرُوفِهِما، وقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وجاءَتْ بِهِ أشْعارُهُمْ، قالَ الشَّنْفَرى:
ألا ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتاةُ هَجِينَها ∗∗∗ ألا ضَرَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَها
فَإذا كانا اسْمَيْنِ عَرَبِيَّيْنِ فَهُما مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والرَّحْمَةُ هي النِّعْمَةُ عَلى المُحْتاجِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧]، يَعْنِي نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، وإنَّما سُمِّيَتِ النِّعْمَةُ رَحْمَةً لِحُدُوثِها عَنِ الرَّحْمَةِ.والرَّحْمَنُ أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحِيمِ، لِأنَّ الرَّحْمَنَ يَتَعَدّى لَفْظُهُ ومَعْناهُ، والرَّحِيمُ
لا يَتَعَدّى لَفْظُهُ، وإنَّما يَتَعَدّى مَعْناهُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ قَوْمٌ بِالرَّحِيمِ، ولَمْ يَتَسَمَّ أحَدٌ بِالرَّحْمَنِ، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُسَمِّي اللَّهَ تَعالى بِهِ وعَلَيْهِ بَيْتُ الشَّنْفَرى، ثُمَّ إنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ تَسَمّى بِالرَّحْمَنِ، واقْتَطَعَهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ عَطاءٌ: فَلِذَلِكَ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِالرَّحِيمِ، لِأنَّ أحَدًا لَمْ يَتَسَمَّ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِيَفْصِلَ اسْمَهُ عَنِ اسْمِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الفَرْقُ في المُبالَغَةِ، وفَرَّقَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْنَهُما، فَقالَ: بِأنَّ الرَّحْمَنَ ذُو الرَّحْمَةِ، والرَّحِيمَ الرّاحِمُ.
واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مُشْتَقّانِ مِن رَحْمَةٍ واحِدَةٍ، جُعِلَ لَفْظُ الرَّحْمَنِ أشَدَّ مُبالَغَةً مِنَ الرَّحِيمِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُشْتَقّانِ مِن رَحْمَتَيْنِ، والرَّحْمَةَ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها الرَّحْمَنُ، غَيْرُ الرَّحْمَةِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها الرَّحِيمُ، لِيَصِحَّ امْتِيازُ الِاسْمَيْنِ، وتَغايُرُ الصِّفَتَيْنِ، ومَن قالَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في الرَّحْمَتَيْنِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّحْمَنَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، والرَّحِيمَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِأهْلِ طاعَتِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الرَّحْمَنَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأهْلِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والرَّحِيمَ مُشْتَقٌّ مِن رَحْمَتِهِ لِأهْلِ الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الرَّحْمَنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ اللَّهُ تَعالى بِها دُونَ عِبادِهِ، والرَّحِيمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُوجَدُ في العِبادِ مِثْلُها.
[سورة الفاتحة (1) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)
السورة طائفة من القرآن مؤلفة من ثلاث آيات فأكثر لها اسم يعرف بطريق الرواية، وقد روى لهذه السورة عدة أسماء اشتهر منها: أم الكتاب، أم القرآن.
(لاشتمالها على مقاصد القرآن من الثناء على الله والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده) ، (والسبع المثاني لأنها تثنى فى الصلاة) ، والأساس (لأنها أصل القرآن وأول سورة فيه) ، والفاتحة (لأنها أول القرآن فى هذا الترتيب أو أول سورة نزلت)
فقد أخرج البيهقي فى كتابه الدلائل عن أبى ميسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: إنى إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا.
فقالت معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدى الأمانة وتصل الرّحم.
وتصدق.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم أخبر ورقة بذلك، وإن ورقة أشار عليه بأن يثبت ويسمع النداء، وإنه صلى الله عليه وسلم لما خلا ناداه الملك يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين- حتى بلغ ولا الضالين .
وقد رجح هذا بأنها مشتملة على مقاصد القرآن على سبيل الإجمال، ثم فصل ما أجملته بعد.
بيان هذا أن القرآن الكريم اشتمل على التوحيد، وعلى وعد من أخذ به بحسن المثوبة ووعيد من تجافى عنه وتركه بسىء العقوبة، وعلى العبادة التي تحيى التوحيد فى القلوب وتثبته فى النفوس، وعلى بيان سبيل السعادة الموصل إلى نعيم الدنيا والآخرة، وعلى القصص الحاوي أخبار المهتدين الذين وقفوا عند الحدود التي سنها الله لعباده، وفيها سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم، والضالين الذين تعدّوا الحدود، ونبذوا أحكام الشرائع وراءهم ظهريا.
وقد حوت الفاتحة هذه المعاني جملة، فالتوحيد يرشد إليه قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)
لأنه يدل على أن كل ثناء وحمد يصدر عن نعمة فهو له، ولن يكون هذا إلا إذا كان عز اسمه مصدر النعم التي تستوجب الحمد، وأهمها نعمة الإيجاد والتربية وذلك صريح قوله: (رَبِّ الْعالَمِينَ) وقد استكمله بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وبذلك اجتثّ جذور الشرك التي كانت فاشية فى جميع الأمم، وهى اتخاذ أولياء من دون الله يستعان بهم على قضاء الحاجات ويتقرب بهم إلى الله زلفى.
والوعد والوعيد يتضمنهما قوله: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) إذ الدين هو الجزاء وهو إما ثواب للمحسن وإما عقاب للمسىء.
والعبادة تؤخذ من قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
وطريق السعادة يدل عليه قوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) إذ معناه أنه لا تتم السعادة إلا بالسير على ذلك الصراط القويم، فمن خالفه وانحرف عنه كان فى شقاء مقيم.
والقصص والأخبار يهدى إليها قوله: (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فهو يرشد إلى أن هناك أمما قد مضت وشرع الله شرائع لهديها فاتبعتها وسارت على نهجها، فعلينا أن نحذو حذوها ونسير على سننها.
وقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) يدل على أن غير المنعم عليهم صنفان:
صنف خرج عن الحق بعد علمه به، وأعرض عنه بعد أن استبان له، ورضى بما ورثه عن الآباء والأجداد وهؤلاء هم المغضوب عليهم، وصنف لم يعرف الحق أبدا أو عرفه على وجه مضطرب مهوش، فهو فى عماية تلبس الحق بالباطل وتبعد عن الجادة الموصلة إلى الصراط السوي، وهؤلاء هم الضالون.
وهذه السورة إحدى السور المكية التي نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعدة آيها سبع.
وقد نزل القرآن الكريم منجّما أي مفرقا فى ثلاث وعشرين سنة بحسب الحوادث التي دعت إلى نزوله، وقد نزل بعضه بمكة قبل الهجرة وبعضه بالمدينة بعدها، ولكل من المكي والمدني ميزات يعرف بها.
ميزات المكي:
فمن ميزات المكي أنه نزل لبيان أسس الدين من الإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين، وفعل الخيرات وترك المنكرات، مع إيجاز فى التعبير، واختصار فى الأسلوب، ويتضح ذلك جليا فى قصار المفصّل كالحاقة والواقعة والمرسلات.
ميزات المدني:
ومن ميزات المدني أنه جاء بأحكام العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية فى السلم والحرب، وأصول التشريع للحكومات الإسلامية، إلى إسهاب فى الأسلوب وبسطة فى القول، ولا سيما عند محاجة أهل الكتاب، والنعي عليهم بتحريف ما أنزل إليهم ودعوتهم إلى التوحيد الخالص، وبيان أن الإسلام الذي جاء به القرآن هو دين الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
تمهيد
يرى بعض الصحابة كأبى هريرة وعلىّ وابن عباس وابن عمر، وبعض التابعين كسعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك وبعض فقهاء مكة وقرائها ومنهم ابن كثير، وبعض قراء الكوفة وفقهائها ومنهم عاصم والكسائي والشافعي وأحمد، أن البسملة آية من كل سورة من سورة القرآن الكريم.
ومن أدلتهم على ذلك:
(1) إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها فى المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة، مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه، ومن ثم لم يكتبوا (آمين) فى آخر الفاتحة.
(2) ما ورد في ذلك من الأحاديث،
فقد أخرج مسلم فى صحيحه عن أنس رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ،
وروى أبو داود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف انقضاء السورة، حتى ينزل عليه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
وروى الدار قطنى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرّحمن الرحيم فإنها أم القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرّحمن الرحيم إحدى آياتها .
(3) أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، والبسملة بينهما فوجب جعلها منه.
ويرى مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعى وجماعة من علماء الشام، وأبو عمرو يعقوب من قراء البصرة وهو الصحيح من مذهب أبى حنيفة- أنها آية مفردة من القرآن أنزلت لبيان رءوس السور والفصل بينها.
ويرى عبد الله بن مسعود أنها ليست من القرآن أصلا وهو رأى بعض الحنفية.
ومن أدلتهم على ذلك
حديث أنس قال: صليت خلف النبي صلّى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة ولا آخرها.
الإيضاح
(بسم) الاسم هو اللفظ الذي يدل على ذات كمحمد وإنسان، أو معنى كعلم وأدب.
وقد أمرنا الله بذكره وتسبيحه فى آيات فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) وقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) وقال:
(فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ) .
وأمرنا بذكر اسمه وتسبيحه فى آيات أخرى فقال: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) وقال: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) وقال: (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) .
ومن ذلك يعلم أن ذكر المسمى مطلوب بتذكر القلب إياه ونطق اللسان به لتذكر عظمته وجلاله ونعمه المتظاهرة على عباده، وذكره باللسان هو ذكر أسمائه الحسنى وإسناد الحمد والشكر إليه وطلب المعونة منه على إيجاد الأفعال وإحداثها.
وذكر الاسم مشروع ومطلوب كذلك، فيعظم الاسم مقرونا بالحمد والشكر وطلب المعونة فى كون الفعل معتدا به شرعا، فإنه ما لم يصدّر باسمه تعالى يكون بمنزلة المعدوم.
(اللَّهِ) علم مختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره تعالى، وكان العربي فى الجاهلية إذا سئل من خلق السموات والأرض؟ يقول الله: وإذا سئل هل خلقت اللات والعزّى شيئا من ذلك؟ يجيب (لا) .
والإله اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق.
(الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) كلاهما مشتق من الرحمة وهى معنى يقوم بالقلب يبعث صاحبه على الإحسان إلى سواه، ويراد منها فى جانب المولى عزّ اسمه أثرها وهو الإحسان.
إلا أن لفظ (الرَّحْمنِ) يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة وهى إسباغ النعم والإحسان، ولفظ (الرَّحِيمِ) يدل على منشأ هذه الرحمة، وأنها من الصفات الثابتة اللازمة له، فإذا وصف الله جل ثناؤه بالرحمن استفيد منه لغة أنه المفيض للنعم، ولكن لا يفهم منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما.
وإذا وصف بعد ذلك بالرحيم علم أن لله صفة ثابتة دائمة هى الرحمة التي يكون أثرها الإحسان الدائم وتلك الصفة على غير صفات المخلوقين، وإذا يكون ذكر الرحيم بعد الرحمن كالبرهان على أنه يفيض الرحمة على عباده دائما لثبوت تلك الصفة له على طريق الدوام والاستمرار.
افتتح عزّ اسمه كتابه الكريم بالبسملة إرشادا لعباده أن يفتتحوا أعمالهم بها،
وقد ورد في الحديث كل أمر ذى بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر
(أي مقطوع الذنب ناقص) .
وقد كان العرب قبل الإسلام يبدءون أعمالهم بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات أو باسم العزى، وكذلك كان يفعل غيرهم من الأمم، فإذا أراد امرؤ منهم أن يفعل أمرا مرضاة لملك أو أمير يقول أعمله باسم فلان، أي إن ذلك العمل لا وجود له لولا ذلك الملك أو الأمير.
وإذا فمعنى أبتدئ عملى باسم الله الرحمن الرحيم أننى أعمله بأمر الله ولله لا لحظ نفسى وشهواتها.
ويمكن أن يكون المراد- أن القدرة التي أنشأت بها العمل هى من الله ولولا ما أعطانى من القدرة لم أفعل شيئا، فأنا أبرأ من أن يكون عملى باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأننى أستمد القوة والعون منه، ولولا ذلك لم أقدر على عمله، وإذا فمعنى البسملة التي جاءت أول الكتاب الكريم، أن جميع ما جاء فى القرآن من الأحكام والشرائع والأخلاق والآداب والمواعظ- هو لله ومن الله ليس لأحد غيره فيه شىء، وكأنه قال اقرأ يا محمد هذه السورة بسم الله الرحمن الرحيم، أي اقرأها على أنها من الله لا منك، فإنه أنزلها عليك لتهديهم بها إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد من تلاوتها على أمته أنه يقرأ عليهم هذه السورة باسم الله لا باسمه أي أنها من الله لا منه، فإنما هو مبلّغ عنه تبارك وتعالى كما جاء فى قوله:
(وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) .
وأقول الآن: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنها آية من كل سورة علماء السلف من أهل مكة فقهائهم وقرائهم ومنهم ابن كثير، وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، والإمامية، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وابن المبارك، وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة براءة {التوبة} مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه، ولذلك لم يكتبوا {آمين} في آخر الفاتحة، وأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يعرف فصل السورة - وفي رواية انقضاء السورة - حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم . وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين. وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا قرأتم الحمد لله (أي سورة الحمد لله ) فاقرأوا {بسم الله الرحمن الرحيم} فإنها أم القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها وذهب مالك وغيره من علماء المدينة، والأوزاعي وغيره من علماء الشام، وأبو عمرو ويعقوب من قراء البصرة إلى أنها آية مفردة أنزلت لبيان رءوس السور والفصل بينها، وعليه الحنفية، وقال حمزة من قراء الكوفة وروي عن أحمد: أنها آية من الفاتحة دون غيرها، وثمة أقوال أخرى شاذة.
هذا - وقد قال الأستاذ الإمام: القرآن إمامنا وقدوتنا، فافتتاحه بهذه الكلمة إرشاد لنا بأن نفتتح أعمالنا بها فما معنى هذا؟ ليس معناه أن نفتتح أعمالنا باسم من أسماء الله تعالى بأن نذكره على سبيل التبرك أو الاستعانة به، بل أن نقول هذه العبارة: {بسم الله الرحمن الرحيم} فإنها مطلوبة لذاتها.
أقول الآن: الاسم هو اللفظ الذي يدل على ذات من الذوات كحجر وخشب وزيد، أو معنى من المعاني كالعلم والفرح. وقال ابن سيده: هو اللفظ الموضوع على الجوهر أو العرض. وقال الراغب: الاسم ما يعرف به ذات الشيء وأصله. وقال كثيرون: إنه مشتق من السمو، وإن أصله سمو؛ لأن تصغيره سمي وجمعه أسماء. والسمو: العلو، كأن الاسم يعلو مسماه بكونه عنوانا له ودليلا عليه. وقال آخرون: إنه من السمة، وهي العلامة، وأصله وسم. وقال بعض الباحثين في الكلام والفلسفة: إن الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين - وهي عندهم أسماء مترادفة - وهذا القول ليس من اللغة في شيء، ولا هو من الفلسفة النافعة، بل من الفلسفة الضارة، وإن قال الألوسي بعد نقله عن ابن فورك والسهيلي: وممن يعض عليه بالنواجذ بل لا ينبغي أن يذكر مثل هذا القول إلا لأجل النهي عن إضاعة الوقت في قراءة ما بني عليه من السفسطة في إثبات قول القائلين: إن الاسم عين المسمى. وقد كتبوا لغوا كثيرا في هذه المسألة، وقلما ترى أحدا رضي كلام غيره فيها، ولكن قد يرضيه كلام نفسه الذي يؤيد به ما لم يفهمه من كلام غيره.
والحق أن الاسم: هو اللفظ الذي ينطق به لسانك ويكتبه قلمك، كقولك: الشمس أو زيد أو مكة. والمسمى: هو الكوكب المعروف أو الشخص المعين أو البلد المحدد، وقد يكون بعيدا عنك عند إطلاق الاسم.
ولفظ اسم اسم لهذا النوع من اللفظ الذي يدل على الجواهر والأعراض، دون الأحداث التي تسمى في النحو أفعالا. ومدلوله مثل مدلول لفظ إنسان يطلق على أفراد كثيرة كلفظ الشمس الذي تنطق به وتكتبه، ولفظ زيد ولفظ مكة ، وغير ذلك من أسماء الموجودات.
فالاسم غير المسمى في اللغة، وقد أخطأ من نسب إلى سيبويه غير هذا كما قال ابن القيم، بل قال في كتابه (بدائع الفوائد): ما قال نحوي قط ولا عربي إن الاسم عين المسمى، وذكر بعض من قال باتحاد الاسم والمسمى بالتسمية وبين الخطأ في ذلك. وأن معنى {سبح اسم ربك الأعلى} سبح ربك ذاكرا اسمه الأعلى، ومعنى سبح باسم ربك سبحه ناطقا باسمه العظيم.
ومنشأ الاشتباه عند بعضهم أن الله تعالى أمرنا بذكره و تسبيحه في آيات، وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى، فقال تعالى: { واذكر اسم ربك و تبتل إليه تبتيلا } [المزمل: 89] { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } [الإنسان: 25] { ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا } [الحج: 40] { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } [الأنعام: 118] { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 119] { فاذكروا اسم الله عليها صواف } [الحجر: 36] أي البدن عند نحرها، وقال تعالى: { ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا } [الأحزاب: 41 - 42]. { فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم } [البقرة: 198]. { فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } [198 - 200}. { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } [آل عمران: 191]. { فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم } [النساء: 103]. وقال تعالى في التسبيح: { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } [الأعراف: 206] أي يسبحون ربك فعدى التسبيح بنفسه إلى ضمير الرب كما عداه بنفسه إلى اسم الرب في قوله تعالى: { سبح اسم ربك الأعلى } [الأعلى: 1] وبالباء في قوله: { فسبح باسم ربك العظيم } [الواقعة: 74، 96]. وقال { سبح لله ما في السماوات والأرض } [الحديد: 1] ومثله كثير. وقال تعالى: { فتبارك الله } [المؤمنون: 14]. { تبارك الذي نزل الفرقان } [الفرقان: 1] كما قال: { تبارك اسم ربك } [الرحمن: 78].
رأى بعضهم أن يجمع بين هذه الآيات بجعل الاسم عين المسمى، وأن ذكر الله وذكر اسمه وتسبيحه وتسبيح اسمه واحد؛ لأن اسمه عين ذاته، وأن هذا خير من القول بأن لفظ اسم مقحم زائد. والصواب أن الذكر في اللغة ضد النسيان، وهو ذكر القلب، ولذلك قرنه بالتفكر في سورة آل عمران [3: 191] وهما عبادتان قلبيتان، وقال: { واذكر ربك إذا نسيت } [الكهف: 24] ويطلق الذكر أيضا على النطق باللسان؛ لأنه دليل على ذكر القلب وعنوان وسبب له، وإنما يذكر اللسان اسم الله تعالى كما يذكر من كل الأشياء أسماءها، دون ذوات مسمياتها، فإذا قال: نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن: ماء لا يحصل مسمى هذا اللفظ في فيه فينقع غلته، فذكر الله تعالى في القلب هو تذكر عظمته وجلاله وجماله ونعمه، وورد التصريح بالأمر بذكر نعمة الله وآلاء الله. وذكره باللسان هو ذكر أسمائه الحسنى وإسناد الحمد والشكر والثناء إليها، وكذلك تسبيحه تعالى، فالقلب يسبحه باعتقاد كماله وتذكر تنزيهه عما لا يليق به، واللسان يسبحه بإضافة التسبيح إلى أسمائه من غير ذكر للفظ الاسم. روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: لما نزلت {فسبح باسم ربك العظيم} قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} قال: اجعلوها في سجودكم والمراد أن يقولوا: سبحان ربي العظيم لا سبحان اسم ربي العظيم فقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي عن حذيفة قال: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى . ولهذا ورد في الكلام عن الذبائح ذكر اسم الله عليها {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} وتقدم آنفا ذكر عدة آيات في هذا - فعلم من هذا التحقيق: أن الاسم غير المسمى، وأن ذكر الاسم مشروع، وذكر المسمى مشروع. والفرق بينهما ظاهر كالصبح، وكذلك التسبيح والتبارك، فكما يعظم الله يعظم اسمه الكريم، فيذكر مقرونا بالحمد والشكر والثناء والتقديس. وقد صرحوا بأن تعمد إهانة أسماء الله تعالى في اللفظ والكتابة كفر؛ لأنه لا يمكن أن يأتي من مؤمن. ا هـ. ما زدته الآن.
وقال الأستاذ الإمام ما معناه عندما تقول: إنني أذكر اسم الله تعالى كالعزيز والحكيم، لا تعني أنك تذكر لفظ اسم فلو كان قولهم: إن المراد من الابتداء بالكلمة بسم الله التبرك باسم الله هو الصواب لكان ينبغي أن يكون قولك: بالله الرحمن الرحيم مثل {بسم الله الرحمن الرحيم} وقوله تعالى: { بسم الله مجراها ومرساها } [هود: 41] وقد قال بعضهم: إن الإضافة هاهنا للبيان، أي أفتتح كلامي بسم الله، ولكن يقتضي أن يكون لفظ الرحمن الرحيم واردا على اللفظ وهو غير صحيح. وإرادة أن الأسماء الثلاثة هي المبينة للفظ الاسم تمحل ظاهر، فما المقصود إذا من هذا التعبير؟
مثل هذا التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب، وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمرا ما لأجل أمير أو عظيم بحيث يكون متجردا من نسبته إليه ومنسلخا عنه، يقول: أعمله باسم فلان، ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان؛ لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه، فإذا كنت أعمل عملا لا يكون له وجود ولا أثر، لولا السلطان الذي به أمر، أقول إن عملي هذا باسم السلطان أي إنه معنون باسمه ولولاه لما عملته. فمعنى أبتدئ عملي {بسم الله الرحمن الرحيم} أنني أعمله بأمره وله لا لي، ولا أعمله باسمي مستقلا به على أنني فلان. فكأني أقول: إن هذا العمل لله لا لحظ نفسي. وفيه وجه آخر وهو: أن القدرة التي أنشأت بها العمل هي من الله تعالى، فلولا ما منحني منها لم أعمل شيئا، فلم يصدر عني هذا العمل إلا باسم الله ولم يكن باسمي، إذ لولا ما آتاني من القوة عليه لم أستطع أن آتيه. وقد تم هذا المعنى بلفظ {الرحمن الرحيم} كما هو ظاهر. وحاصل المعنى أنني أعمل عملي متبرئا من أن يكون باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأنني استمد القوة والعناية منه وأرجو إحسانه عليه، فلولاه لم أقدر عليه ولم أعمله، بل وما كنت عاملا له على تقدير القدرة عليه، لولا أمره ورجاء فضله، فلفظ الاسم معناه مراد، ومعنى لفظ الجلالة مراد أيضا، وكذلك كل من لفظ {الرحمن الرحيم}. وهذا الاستعمال معروف مألوف في كل اللغات. وأقربه إليكم اليوم ما ترونه في المحاكم النظامية حيث يبتدئون الأحكام قولا وكتابة باسم السلطان فلان أو الخديوي فلان.
ومعنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام والآيات وغيرها هو لله ومنه، ليس لأحد غير الله فيه شيء ا هـ.
أقول: هذا صفوة ما قرره في متعلق {بسم الله} ومعناها، وهاهنا نظر آخر فيه، وهو أن القرآن كان وحيا يلقيه الروح الأمين في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل سورة منه مبتدأة ببسملة، فمتعلق البسملة من ملك الوحي تعلم من أول آية نزل بها وهي قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} فمعنى البسملة الذي كان يفهمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من روح الوحي: اقرأ يا محمد هذه السورة {بسم الله الرحمن الرحيم} على عباده، أي اقرأها على أنها منه تعالى لا منك، فإنه برحمته بهم أنزلها عليك لتهديهم بها إلى ما فيه الخير لهم في الدنيا والآخرة. وعلى هذا كان يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - من متعلق البسملة أنني أقرأ السورة عليكم أيها الناس باسم الله لا باسمي، وعلى أنها منه لا مني، فإنما أنا مبلغ عنه - عز وجل - { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [الزمر: 12]. { وأن أتلو القرآن } [البقرة: 92] إلخ.
اختصر الأستاذ الإمام في الكلام على لفظ اسم ولفظ الجلالة؛ لأن الكلام فيهما مشهور. وقد تكلمنا على اللفظ الأول، وهاك جملة صالحة في اللفظ الآخر العظيم:
لفظ الجلالة {الله} علم على ذات واجب الوجود، قال ابن مالك: وضع معرفا، وقيل: أصله إله فحذفت همزته وأدخلت عليه الألف واللام، وقيل: أصله الإله، والإله في اللغة: يطلق على كل معبود، ولذلك جمعوه على آلهة، وما كل معبود سموه إلها يطلقون عليه اسم {الله} فإن هذا الاسم الكريم كان خاصا في لغتهم بخالق السماوات والأرض وكل شيء. فالتعريف فيه خصصه بالواحد الفرد الكامل، كما جعلوا لفظ النجم بالتعريف خاصا بالثريا. فكان العربي في الجاهلية إذا سئل من خلقك أو من خلق السماوات والأرض؟ يقول: الله وإذا سئل عن بعض آلهتهم: هل خلقت اللات والعزى شيئا من هذه الموجودات؟ يقول: لا وقد احتج القرآن عليهم باعتقادهم هذا كما يأتي في محله. وإنما كانوا يتوسلون بها إلى الله ويعتقدون شفاعتها عنده.
قال بعض العلماء: إن لفظ إله من أله بمعنى عبد فهو بمعنى معبود ككتاب بمعنى المكتوب، يقال: أله يأله إلاهة وألوهة وألوهية، كما يقال عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية فهو صفة بمعنى اسم المفعول، وقيل: هو من أله بمعنى تحير، وقيل: من وله بمعنى تحير. وهو إذا استشكل من جهة اللفظ - لأنه تعالى منزه عن الحيرة - يصح أن يقال من جهة المعنى، والمراد أنه سبب الحيرة. لأن الناظرين إذا ارتقوا في سلم أسباب التكوين ينتهون عند درجة الحيرة في معرفة الموجد الأول الذي هو موجود بنفسه لا بسبب ولا علة سابقة عليه، وبه وجد كل ما عداه، لا يستطيعون الوصول إلى حقيقة هذا الموجود العظيم الذي لا يعقل وجود هذه الكائنات الممكنة إلا بوجوده حتى إن الملاحدة الماديين لما بحثوا في أصل الموجودات، وارتقوا إلى معرفة البسائط التي تركبت منها الكائنات، قالوا: إنه لا بد أن يكون لها منشأ وحده مجهول الذات، ذو قوة وحياة.
والحاصل أن اسم الجلالة الله علم على ذات الباري سبحانه وتعالى تجري عليه الصفات ولا يوصف به. ولفظ الإله صفة. والجمهور على أن معناه الشرعي: المعبود بحق، ولذلك أنكر القرآن عليهم تسمية أصنامهم آلهة، والتحقيق أنه أنكر عليهم تأليهها وعبادتها، لا مجرد تسميتها، وقد سماها هو آلهة في قوله: { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } [هود: 101] ولا يظهر في هذه الآية قصد الحكاية.
ومما يترتب على قولنا: أن لفظ الجلالة {الله} علم يوصف ولا يوصف به أن أسماء الله الحسنى صفات تجري على هذا الاسم العظيم، ولكونها صفات وصفت بالحسنى. قال تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه } [الأعراف: 180] وتسند إليه تعالى أفعال هذه الصفات، ويقال: رحم الله فلانا، ويرحمه الله، واللهم ارحم فلانا، وتضاف إليه مصادرها فيقال: رحمة الله وربوبيته ومغفرته { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] وهذه الأسماء المشتقة كل منها يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التي اشتق منها معا بالمطابقة، وعلى الذات وحدها أو الصفة بالتضمن، ولكل منها لوازم يدل عليها بالالتزام، كدلالة الرحمن على الإحسان والإنعام، ودلالة الحكيم على الإتقان والنظام، ودلالة الرب على البعث والجزاء؛ لأن الرب الكامل لا يترك مربوبيه سدى، ومن عرف الأسماء الحسنى، والصفات العليا، عرف أن اسم الجلالة الأعظم {الله} يدل عليها كلها وعلى لوازمها الكمالية وعلى تنزهه عن أضدادها السلبية، فدل هذا الاسم الأعلى على اتصاف مسماه بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع النقائص، فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ا هـ ما أحببت زيادته الآن.
قال الأستاذ الإمام ما معناه: والرحمن الرحيم مشتقان من الرحمة وهي معنى يلم بالقلب فيبعث صاحبه ويحمله على الإحسان إلى غيره، وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر؛ لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات، فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها وهو الإحسان. وقد مشى الجلال في تفسيره وتبعه الصبان على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول. ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها.
(قال): وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن كلمة تغاير أخرى، ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به. نعم قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخرى تقريرا أو إيضاحا، ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة، ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير بحيث تكون من قبيل ما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة. فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق. وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها، وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وضع لذلك، ومعناه هو التأكيد وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها، الباء في قوله تعالى: { وكفى بالله شهيدا } [الفتح: 28] تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها ومعناها الذي وضعت له. ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب، وكذلك معنى من في قوله { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } [البقرة: 102] ونحو ذلك. أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 13] ونحوها عقب ذكر كل نعمة، وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها عند ذكر كل نعمة: أفبهذه النعمة تكذبان. وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو.
والجمهور على أن معنى الرحمن المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم المنعم بدقائقها، وبعضهم يقول: إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم هو المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين. وكل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه سواء كان جليلا أو دقيقا. وأما كون أفراد الإحسان الذي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا فهو غير معني ولا مراد. وقد قارب من قال: إن معنى الرحمن المحسن بالإحسان العام، ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين، ولعل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول على قوله هذا هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة مع عدم التفطن لما هو أحسن منه.
قال الأستاذ الإمام: والذي أقول إن صيغة فعلان تدل على وصف فعلى فيه معنى المبالغة كفعال وهو في استعمال اللغة للصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان، وأما صيغة فعيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وحليم وجميل. والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله - عز وجل - التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين. فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة. وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ولا يكون الثاني مؤكدا للأول، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلا لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما. لأن الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيرا، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه. ويعلم أن لله صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهانا عليه ا هـ.
أقول قد سبق العلامة ابن القيم إلى مثل هذه التفرقة، ولكنه عكس في دلالة الاسمين الكريمين. قال: وأما الجمع بين الرحمن والرحيم ففيه معنى بديع، وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، وكأن الأول الوصف والثاني الفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته أي صفة ذات له سبحانه، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، أي صفة فعل له سبحانه، فإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: { وكان بالمؤمنين رحيما } [الأحزاب: 43]، { إنه بهم رءوف رحيم } [التوبة: 117] ولم يجيء قط رحمن بهم، فعلمت أن رحمن هو الموصوف بالرحمة. ورحيم هو الراحم برحمته. قالرحمه الله تعالى: هذه النكتة لا تكاد تجدها في كتاب، وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها.
وقال في كتاب آخر عند ذكر الاسمين الكريمين: وكرر أذانا (أي إعلاما) بثبوت الوصف وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته، فالرحمن: الذي الرحمة وصفه، والرحيم: الراحم لعباده، ولهذا يقول تعالى: { وكان بالمؤمنين رحيما } [السجدة: 43]. { إنه بهم رءوف رحيم } [التوبة: 117] ولم يجيء رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين، مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن (فعلان) من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه للموصوف به، ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبا، وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن ملئ بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول المراد منه. ا هـ.
أقول: إن هذه الأمثلة تؤيد ما قاله الأستاذ الإمام من أن صيغة (فعلان) تدل على الصفة العارضة، ولا تدل على الدائمة، فاحتيج إلى صيغة أخرى تدل على الصفة الثابتة الدائمة وهي صيغة (فعيل) فهذا أقوى ما قيل في نكتة الجمع بين الاسمين الكريمين بالصيغتين. ويليه دلالة أحدهما على الرحمة بالقوة، والآخر دلالته عليها بالفعل، وهذا معنى آخر ألم به هذان الإمامان، ولكن ابن القيم جعل لفظ الرحيم هو الدال على الرحمة بالفعل بدليل الآيتين اللتين أوردهما، ولفظ الرحمن هو الدال عليها بالقوة لعدم تعلق مثل ذلك الظرف به، وهو قوي. وعكس (محمد عبده) وجعل ذلك من مدلول الصيغة باللزوم.
{الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم} قالوا: إن معنى الحمد الثناء باللسان، وقيدوه بالجميل؛ لأن كلمة ثناء تستعمل في المدح والذم جميعا، يقال: أثنى عليه شرا، كما يقال: أثنى عليه خيرا. ويقولون: إن أل التي في الحمد هي للجنس في أي فرد من أفراده لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص؛ لأنه لا يصار إلى كل منهما في فهم الكلام إلا بالبديل، وهو غير موجود في الآية، ومعنى كون الحمد لله تعالى بأي نوع من أنواعه، هو أن أي شيء يصح الحمد عليه فهو مصدره، وإليه مرجعه، فالحمد له على كل حال.
وهذه الجملة خبرية ولكنها استعملت لإنشاء الحمد - فأما معنى الخبرية فهو إثبات أن الثناء الجميل في أي أنواعه تحقق، فهو ثابت له تعالى وراجع إليه؛ لأنه متصف بكل ما يحمد عليه الحامدون فصفاته أجل الصفات، وإحسانه عم جميع الكائنات، ولأن جميع ما يصح أن يتوجه إليه الحمد مما سواه فهو منه جل ثناؤه، إذ هو مصدر الكون كله، فيكون له ذلك الحمد أولا وبالذات. والخلاصة: أن أي حمد يتوجه إلى محمود ما فهو لله تعالى، سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه. وأما معنى الإنشائية فهو أن الحامد جعلها عبارة عما وجهه من الثناء إلى الله تعالى في الحال.
هذا ملخص ما قاله الأستاذ الإمام، وأقول الآن: التعريف المشهور بين العلماء للحمد: أنه الثناء باللسان على الجميل الاختياري. أي الفعل الجميل الصادر عن فاعله باختياره، أي سواء أسدى هذا الجميل إلى الحامد أم لا. ا هـ وأزيد عليهم: أنه قد يحمد غير الفاعل المختار تنزيلا له منزلة الفاعل في نفعه، ومنه: إنما يحمد السوق من ربح . وهذا هو المتبادر من استعمال اللغة. وحذف بعضهم قيد الاختيار ليدخل في الحمد الثناء على صفات الكمال ولذلك وصف بعضهم الجميل الاختياري بقوله: سواء كان من الفضائل - أي الصفات الكمالية لصاحبها أو الفواضل، وهي ما يتعدى أثره من الفضل إلى غير صاحب الفضل. والظاهر أن الحمد على الفضائل وصفات الكمال إنما يكون باعتبار ما يترتب عليها من الأفعال الاختيارية، ما عدا هذا من الثناء تسميه العرب مدحا. يقال: مدح الرياض، ومدح المال، ومدح الجمال، ولا يطلق الحمد على مثل هذه الأشياء، وقيل: هما مترادفان.
والمقام المحمود للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ما يحمد فيه لما يناله الناس كلهم من خير دعائه وشفاعته على المشهور. وسيأتي تفسيره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد يقال: إن ما ذكر هو الحمد الذي يكون من بعض الناس لبعض، وأما الله - عز وجل - فإنه يحمد لذاته باعتبار أنها مصدر جميع الوجود الممكن وما فيه من الخيرات والنعم، أو مطلقا خصوصية له، إذ ليست ذات أحد من الخلق كذاته، ويحمد لصفاته باعتبار تعلقها وآثارها كما سترى بيانه في تفسير الرب والرحمن والرحيم.
{رب العالمين} يشعر هذا الوصف ببيان وجه الثناء المطلق، ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره، ولفظ العالمين جمع عالم بفتح اللام جمع جمع المذكر العاقل تغليبا، وأريد به جميع الكائنات الممكنة، أي: إنه رب كل ما يدخل في مفهوم لفظ العالم. وما جمعت العرب لفظ العالم هذا الجمع إلا لنكتة تلاحظها فيه، وهي أن هذا اللفظ لا يطلق عندهم على كل كائن وموجود كالحجر والتراب، وإنما يطلقونه على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه، إن لم تكن منه فيقال: عالم الإنسان، وعالم الحيوان، وعالم النبات. ونحن نرى أن هذه الأشياء هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يعطيه لفظ رب ؛ لأن فيها مبدأها وهو الحياة والتغذي والتولد، وهذا ظاهر في الحيوان. ولقد كان السيد (أي جمال الدين الأفغاني)رحمه الله تعالى يقول: الحيوان شجرة قطعت رجلها من الأرض فهي تمشي، والشجرة حيوان ساخت رجلاه في الأرض، فهو قائم في مكانه يأكل ويشرب، وإن كان لا ينام ولا يغفل.
هذا ملخص ما قاله الأستاذ الإمام. وأزيد الآن أن بعض العلماء قال: إن المراد بالعالمين هنا أهل العلم والإدراك من الملائكة والإنس والجن، ويؤثر عن جدنا الإمام جعفر الصادق عليه الرضوان. أن المراد به الناس فقط كما يدل على هذا وذاك استعمال القرآن في مثل: { أتأتون الذكران من العالمين } [الشعراء: 165] أي الناس، ومثل { ليكون للعالمين نذيرا } [الفرقان: 1] ويرى بعضهم: أنه على هذا مشتق من العلم. ومن قال: يعم جميع أجناس المخلوقات يرى أنه مشتق من العلامة، وربوبية الله للناس تظهر بتربيته إياهم، وهذه التربية قسمان: تربية خلقية بما يكون به نموهم، وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية - وتربية شرعية تعليمية وهي ما يوحيه إلى أفراد منهم ليكمل به فطرتهم بالعلم والعمل إذا اهتدوا به. فليس لغير رب الناس أن يشرع للناس عبادة، ولا أن يحرم عليهم ويحل لهم من عند نفسه بغير إذن منه تعالى.
{الرحمن الرحيم} تقدم معناهما وبقي الكلام في إعادتهما، والنكتة فيها ظاهرة وهي أن تربيته تعالى للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة، وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه. وثم نكتة أخرى وهي أن البعض يفهم من معنى الرب: الجبروت والقهر، فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجتمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال، فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدا. فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده، فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وليتعلقوا به ويقبلوا على اكتساب مرضاته، منشرحة صدورهم، مطمئنة قلوبهم، ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا، وما أعده من العذاب في الآخرة للذين يتعدون الحدود، وينتهكون الحرمات، فإنه وإن سمي قهرا بالنسبة لصورته ومظهره فهو في حقيقته وغايته من الرحمة؛ لأن فيه تربية للناس وزجرا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية، وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، والوالد الرءوف يربي ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان عليه إذا قام به، وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال، ولله المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون.
أقول الآن: إنني لا أرى وجها للبحث في عد ذكر الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة تكرارا أو إعادة مطلقا، أما على القول بأن البسملة ليست آية منها فظاهر، وأما على القول بأنها آية منها فيحتاج إلى بيان، وهو أن جعلها آية منها ومن كل سورة يراد به ما تقدم شرحه آنفا من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلقنها ويبلغها للناس على أنها (أي السورة) منزلة من عند الله تعالى أنزلها برحمته لهداية خلقه، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لا كسب له فيها ولا صنع، وإنما هو مبلغ لها بأمر الله تعالى. فهي مقدمة للسور كلها إلا سورة براءة المنزلة بالسيف، وكشف الستار عن نفاق المنافقين، فهي بلاء على من أنزل أكثرها في شأنهم لا رحمة بهم. وإذا كان المراد ببدء الفاتحة بالبسملة أنها منزلة من الله رحمة بعباده فلا ينافي ذلك أن يكون من موضوع هذه السورة بيان رحمة الله تعالى مع بيان ربوبيته للعالمين، وكونه الملك الذي يملك وحده جزاء العاملين على أعمالهم، وأنه بهذه الأسماء والصفات كان مستحقا للحمد من عباده، كما أنه مستحق له في ذاته، ولهذا نسب الحمد إلى اسم الذات، الموصوف بهذه الصفات.
والحاصل: أن معنى الرحمة في بسملة كل سورة، هو أن السورة منزلة برحمة الله وفضله فلا يعد ما عساه يكون في أول السورة أو أثنائها من ذكر الرحمة مكررا مع ما في البسملة، وإن كان مقرونا بذكر التنزيل كأول سورة فصلت { حم تنزيل من الرحمن الرحيم } [فصلت: 1 - 2] لأن الرحمة في البسملة للمعنى العام في الوحي والتنزيل، وفي السور للمعنى الخاص الذي تبينه السورة، وقد لاحظ هذا المعنى من قال: إن البسملة آية مستقلة فاصلة بين السور. وأما من قال: إنها آية من كل سورة فمراده أنها تقرأ عند الشروع في قراءتها، وأن من حلف ليقرأن سورة كذا لا يبرأ إلا إذا قرأ البسملة معها، وأن الصلاة لا تصح إلا بقراءتها أيضا.
هذا - وأما حظ العبد من وصف الله بالربوبية فهو أن يحمده تعالى ويشكره باستعمال نعمه التي تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله، فليحسن تربية نفسه وتربية من يوكل إليه تربيته من أهل وولد ومريد وتلميذ، وباستعمال نعمته بهداية الدين في تربية نفسه الروحية والاجتماعية، وكذا تربية من يوكل إليه تربيتهم وألا يبغي كما بغى فرعون فيدعي أنه رب الناس، وكما بغى فراعنة كثيرون ولا يزالون يبغون بجعل أنفسهم شارعين يتحكمون في دين الناس بوضع العبادات التي لم ينزلها الله تعالى، وبقولهم: هذا حلال وهذا حرام من عند أنفسهم أو من عند أمثالهم، فيجعلون أنفسهم شركاء لله في ربوبيته. قال تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } [الشورى: 21] وفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا بمثل هذا.
وأما حظ العبد من وصف الله بالرحمة فهو أن يطالب نفسه بأن يكون رحيما بكل من يراه مستحقا للرحمة من خلق الله تعالى حتى الحيوان الأعجم، وأن يتذكر دائما أنه يستحق بذلك رحمة الله تعالى، قال - صلى الله عليه وسلم -: إنما يرحم الله من عباده الرحماء رواه الطبراني عن جرير بسند صحيح، وقال: الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث ابن عمر، ورويناه مسلسلا بالأولية من طريق الشيخ أبي المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي الشامي. وقال - صلى الله عليه وسلم -: من رحم ولو ذبيحة عصفوررحمه الله يوم القيامة رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني عن أبي أمامة، وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى صحته. ومما يدل على الترغيب في رحمة الحيوان والرفق به بغير لفظ الرحمة حديث: في كل ذات كبد حرى أجر رواه أحمد وابن ماجه عن سراقة بن مالك، وأحمد أيضا عن عبد الله بن عمرو. وهو حديث صحيح.
ومن مباحث اللغة أن لفظ الرحمن خاص بالله تعالى كلفظ الجلالة. قالوا: لم يسمع عن أحد من العرب أنه أطلقه على غير الله تعالى، وكذلك لفظ رحمن غير معرف، قالوا: لم يرد إطلاقه على غير الله تعالى إلا في شعر لبعض الذين فتنوا بمسيلمة الكذاب قال فيه: وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا.
وقيل: إن هذا تعنت وغلو لا من الاستعمال المعروف عند العرب، وأما العرب فكانت تطلق لفظ رب على الناس، يقولون: رب الدار ورب هذه الأنعام مثلا لا رب الأنعام مطلقا. قال عبد المطلب في يوم الفيل: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فإن له ربا يحميه، وقال تعالى في حكاية قول يوسف عليه السلام في مولاه عزيز مصر: { إنه ربي أحسن مثواي } [يوسف: 23] ويرى بعض العلماء أن هذا الاستعمال ممنوع في الإسلام، واستدل بالنهي في الحديث عن قول المملوك لسيده ربي والصواب أن يمنع ما ورد النص به كهذا الاستعمال، وما من شأنه ألا يقال إلا في البارئتعالى كلفظ الرب بالتعريف مطلقا، ولفظ رب الناس، رب المخلوقات، رب العالمين، وما أشبه ذلك.
{مالك يوم الدين}
قرأ عاصم والكسائي ويعقوب: مالك والباقون ملك وعليها أهل الحجاز والفرق بينهما أن المالك ذو الملك بكسر الميم، والملك ذو الملك بضمها، والقرآن يشهد للأولى بمثل قوله: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } [الإنفطار: 19] وللثانية بقوله: { لمن الملك اليوم } [غافر: 16] قال بعضهم: إن قراءة ملك أبلغ؛ لأن هذا اللفظ يفهم منه معنى السلطان والقوة والتدبير. قال آخرون: إن القراءة الأخرى أبلغ؛ لأن الملك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة، ولا تصرف له بشيء من شئونهم الخاصة، والمالك سلطته أعم، فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شئونه دون سلطانه.
وأقول الآن: الظاهر أن قراءة ملك أبلغ؛ لأن معناها المتصرف في أمور العقلاء المختارين بالأمر والنهي والجزاء، ولهذا يقال: ملك الناس ولا يقال ملك الأشياء. قاله الراغب. وقال في {ملك يوم الدين} تقديره الملك في يوم الدين؛ لقوله: { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } [غافر: 16] ا هـ. وإنما كان هذا أبلغ؛ لأن السياق يدلنا على أن المراد بالآية تذكير المكلفين بما ينتظرهم من الجزاء على أعمالهم رجاء أن تستقيم أحوالهم، ومعنى {مالك يوم الدين} قد يستفاد من قوله {رب العالمين} على أن مجموع القراءتين يدل على المعنيين فكلاهما ثابت، ولكن القراءة في الصلاة بملك يوم الدين تثير من الخشوع ما لا تثيره القراءة الأخرى التي يفضلها بعضهم؛ لأنها تزيد حرفا في النطق. وورد في الحديث أن للقارئ بكل حرف كذا حسنة، ولكن فاتهم أن حسنة واحدة تكون أكبر تأثيرا في القلب خير من مائة حسنة يكن دونها في التأثير.
و {الدين} يطلق في اللغة على الحساب وعلى المكافأة، وورد كما تدين تدان وقال الشاعر:
ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا
وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة، وعلى الطاعة، وعلى الإخضاع، وعلى السياسة؛ يقال: دنته، ودينته فلانا (بالتشديد) أي وليته سياسته، وهو قريب من معنى الإخضاع، وعلى الشريعة: ما يؤخذ العباد به من التكاليف. والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع وإنما قال يوم الدين ولم يقل الدين لتعريفنا بأن للدين يوما ممتازا عن سائر الأيام، وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفى جزاءه.
ولسائل أن يسأل: أليست كل الأيام أيام جزاء. وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق والقيام بالواجبات التي عليهم؟ والجواب: بلى إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا، ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها. والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورا تاما بالنسبة إلى مجموع الأمة لا إلى كل فرد من الأفراد، فما من أمة انحرفت عن صراط الله المستقيم ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهي ما تستحق من الجزاء كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة. وأما الأفراد فإننا نرى كثيرا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات، نعم إن ضمائرهم توبخهم أحيانا وإنهم لا يسلمون من المنغصات، وقد يصيبهم النقص في أموالهم، وعافية أبدانهم، وقوة عقولهم. ولكن هذا كله لا يقابل بعض أعمالهم القبيحة، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب. كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم حقوقه، ولا ينال الجزاء الذي يستحقه على عمله، فإن كان قد ينال رضاء نفسه وسلامة أخلاقه وصحة ملكاته، فما ذلك كل ما يستحق، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العالمين جزاءه كاملا لا يظلم شيئا منه، كما قال تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [الزلزلة: 7 - 8].
علمنا الله أنه رحمن رحيم ليجذب قلوبنا إليه، ولكن هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب؟ أليس فينا من يسلك كل سبيل لا يبالي بمستقيم ومعوج؟ بلى، ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعي التربية كليهما: الترغيب والترهيب، كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم } [الحجر: 49 - 50].
{إياك نعبد وإياك نستعين}
ما هي العبادة؟ يقولون هي الطاعة مع غاية الخضوع، وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل، فكثيرا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها إجمالا وتساهلا. وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لـ عبد وما يماثلها ويقاربها في المعنى - كخضع وخنع وأطاع وذل - نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي عبد ويحل محلها ويقع موقعها، ولذلك قالوا: إن لفظ العباد مأخوذ من العبادة، فتكثر إضافته إلى الله تعالى، ولفظ العبيد تكثر إضافته إلى غير الله تعالى؛ لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى، ومن هنا قال بعض العلماء: إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى، ولكن استعمال القرآن يخالفه.
يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوا كبيرا حتى يفنى هواه في هواه، وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، دع سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة، فما هي العبادة إذا؟
تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها. وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده وإن قبل موطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفا وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة إلى الذين يعتقدون أن الملك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرا، وأكرمهم جوهرا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابا وعبدوهم عبادة حقيقية.
للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون عن ذلك الروح، والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانا.
خذ إليك عبادة الصلاة مثلا، وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها، وإقامة الشيء: هي الإتيان به مقوما كاملا يصدر عن علته وتصدر عنه آثاره. وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا الله تعالى بها بقوله: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [العنكبوت: 45] وقوله - عز وجل -: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين } [المعارج: 19 - 22] وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها المؤدي إلى غايتها بقوله: { فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون } [الماعون: 4 - 7] فسماهم مصلين، لأنهم أتوا بصورة الصلاة، ووصفهم بالسهو عن الصلاة الحقيقية التي هي توجه القلب إلى الله تعالى المذكر بخشيته، والمشعر للقلوب بعظم سلطانه، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون. وذكر الأستاذ الإمام أن الرياء ضربان: رياء النفاق وهو العمل لأجل رؤية الناس، ورياء العادة وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته، ولا ملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به، وهو ما عليه أكثر الناس، فإن صلاة أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكي به أباه في طور الطفولية عندما يراه يصلي - يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم ولا عقل، وليس لله شيء في هذه الصلاة، وقد ورد في بعض الأحاديث: أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا وأنها تلف كما يلف الثوب البالي ويضرب بها وجهه وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى أن من شأن الإنسان أن يكون منوعا له إلا المصلين.
والاستعانة: طلب المعونة، وهي إزالة العجز والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز المستعين عن الاستقلال به بنفسه.
ثم تكلم الأستاذ الإمام على حصر العبادة والاستعانة في الله تعالى الذي دل عليه تقديم المفعول {إياك} على الفعل {نعبد} و {نستعين} فقال ما مثاله:
أمرنا الله تعالى بألا نعبد غيره؛ لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له دون غيره، فلا يشاركه فيها أحد فيعظم تعظيم العبادة، وأمرنا بألا نستعين بغيره أيضا، وهذا يحتاج إلى البيان؛ لأنه أمرنا أيضا في آيات أخرى بالتعاون: { وتعاونوا على البر والتقوى } [المائدة: 2] فما معنى حصر الاستعانة به مع ذلك؟
الجواب: أن كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية إليه وانتفاء الموانع التي من شأنها بمقتضى الحكمة أن تحول دونه وقد مكن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب، وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك. ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة، وأن نتعاون ويساعد بعضنا بعضا على ذلك. ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء، ونلجأ إليه وحده، ونطلب المعونة المتممة للعمل والمواصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه، إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا مسبب الأسباب، ورب الأرباب، فقوله تعالى: {وإياك نستعين} متمم لمعنى قوله: {إياك نعبد} لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به، وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه العبد بها إلى غير الله تعالى كان ضربا من ضروب العبادة الوثنية التي كانت ذائعة في زمن التنزيل وقبله، وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجهلاء أن الاستعانة بمن اتخذوهم أولياء من دون الله، واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة لعامة الناس، هي كالاستعانة بسائر الناس في الأسباب العامة، فأراد الحق جل شأنه أن يرفع هذا اللبس عن عباده ببيان أن الاستعانة بالناس فيما هو في استطاعة الناس إنما هو ضرب من استعمال الأسباب المسنونة، وما منزلتها إلا كمنزلة الآلات فيما هي آلات له، بخلاف الاستعانة بهم في شئون تفوق القدرة والقوى الموهوبة لهم، والأسباب المشتركة بينهم، كالاستعانة في شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العدة والعدة، فإن ذلك مما لا يجوز الفزع والتوجه فيه إلى غير الله تعالى صاحب السلطان الأعظم، على ما لا يصل إليه سلطان أحد من العالم.
ضرب الأستاذ الإمام مثلا لذلك، الزارع يبذل جهده في الحرث والعزق وتسميد الأرض وريها، ويستعين بالله تعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية، ومثل بالتاجر يحذق في اختيار الأصناف، ويمهر في صناعة الترويج، ثم يتوكل على الله فيما بعد ذلك. ثم قال: ومن هنا تعلمون أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم، وتيسير أمورهم، وشفاء أمراضهم، ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم، وغير ذلك من المصالح، هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون.
أرشدتنا هذه الكلمة الوجيزة {وإياك نستعين} إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة: (أحدهما): أن نعمل الأعمال النافعة، ونجتهد في إتقانها ما استطعنا؛ لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه، أو يخشى ألا ينجح فيه، فيطلب المعونة على إتمامه وكماله، فمن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به وحده، يطلب المعونة من غيره على رفعه، ولكن بعد استفراغ القوة في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية، وركن من أركان السعادة الأخروية.
(ثانيهما): ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين، وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار، ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين، والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين، من الأحياء والميتين، فيكون المؤمن مع الناس حرا خالصا وسيدا كريما، ومع الله عبدا خاضعا { ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } [الأحزاب: 71].
وأقول أيضا: عبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما الأول فظاهر؛ لأنه هو الإله الحق فلا يعبد بحق سواه، وأما الثاني: فلأنه هو المربي للعباد الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية والمعنوية، ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم، واسم الرب الأكرم، إنما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللف. والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله، وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة، ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: { ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه } [هود: 123].
فهذه الاستعانة هي ثمرة التوحيد واختصاص الله تعالى بالعبادة، فإن من معنى العبادة: الشعور بأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العامة، الموهوبة من الله تعالى لعباده كافة، هي لله وحده، كما تنطق به الآية التي استشهدنا بها آنفا على قرن العبادة بالتوكل، فمن كان موحدا خالصا لا يستعين بغير الله تعالى قط، فما كان من أنواع المعونة داخلا في حلقات سلسلة الأسباب كان طلبه بسببه طلبا من الله تعالى ولكنه يحتاج في تحقق ذلك إلى قصد وملاحظة وشهود قلبي، وما كان غير داخل فيها يتوجه في طلبه إلى الله تعالى بلا واسطة ولا حجاب، وبهذا البيان تعلم أنه لا منافاة بين التوحيد والتوكل وبين الأخذ بالأسباب وإقامة سنن الله تعالى فيها، بل الكمال والأدب في الجمع بينهما، فالسيد المالك إذا نصب لعبده وخدمه مائدة يأكلون منها غدوا وعشيا، وجعل لهم خدما يقومون بأمرها، لا يكون طلب الطعام منه إلا بالاختلاف إلى المائدة، وإنما ينبغي ألا يغفلوا بها وبخدمها عن ذكر صاحب الفضل الذي أنشأها بماله وسخر أولئك الخدم للآكلين عليها، ولا عن حمده وشكره، فهذا مثال مائدة الكون بأسبابه ومسبباته، والعبد إذا احتاج شيئا من الأشياء التي لم يجعلها سيده مبذولة لجميع عبيده في كل وقت، طلبه منه دون سواه، فإن أظهر الحاجة إلى غيره كان ذلك من قلة ثقته بمولاه، وجعل ذلك الغير في مرتبته أو أجدر منه بالفضل. هذا في العبيد مع السادة الذين لهم نظراء وأنداد، فكيف إذا كان العبد الذي يتوجه إلى غير مولاه، لا يجد من يتوجه إليه سواه، إلا أمثاله من العبيد المحتاجين إلى المولى مثله؛ لأنه هو السيد الصمد الذي ليس له كفوا أحد؟
ثم إن لفظ الاستعانة يشعر بأن يطلب العبد من الربتعالى الإعانة على شيء له فيه كسب ليعينه على القيام به، وفي هذا تكريم للإنسان بجعل عمله أصلا في كل ما يحتاج إليه لإتمام تربية نفسه وتزكيتها، وإرشاد له إلى أن ترك العمل والكسب، ليس من سنة الفطرة ولا من هدي الشريعة، فمن تركه كان كسولا مذموما لا متوكلا محمودا، وبتذكيره من جهة أخرى بضعفه لكيلا يغتر، فيتوهم أنه مستغن بكسبه عن عناية ربه، فيكون من الهالكين في عاقبة أمره.
إذا تدبرت هذا فهمت منه نكتة من نكت تقديم العبادة على الاستعانة، وهي أن الثانية ثمرة للأولى، ولا ينافي هذا أن العبادة نفسها مما يستعان عليه بالله تعالى ليوفق العابد للإتيان بها على الوجه المرضي له - عز وجل -. لا منافاة بين الأمرين؛ لأن الثمرة التي تخرج من الشجرة تكون حاوية للنواة التي تخرج منها شجرة أخرى. فالعبادة تكون سببا للمعونة من وجه، والمعونة تكون سببا للعبادة من وجه آخر، كذلك الأعمال تكون الأخلاق التي هي مناشئ الأعمال، فكل منهما سبب ومسبب وعلة ومعلول، والجهة مختلفة فلا دور في المسألة.
وأقول أيضا إن نكتة تقديم إياك على الفعلين نعبد، ونستعين هي إفادة الاختصاص والحصر على المشهور الذي جرى عليه الأستاذ الإمام كغيره فالمعنى إذا: نعبدك ولا نعبد غيرك ونستعينك ولا نستعين بسواك. وقد استخرج له بعض الغواصين على المعاني نكتا أخرى (منها) أن إياك ضمير راجع إلى الله تعالى، وقيل إن إيا اسم ظاهر مضاف إلى الضمير الذي هو الكاف، فتقديمه على الوجهين يؤذن بالاهتمام به الذي هو العلة الأصلية العامة للتقديم في هذه اللغة (ومنها) أنه من الأدب أيضا، (ومنها) أن إفادة الحصر بهذا الاسم أو الضمير المقدم على الفعل أبلغ من إفادة الحصر بالضمير المتصل الذي يقرن به ما يدل على ذلك من الكلم، كقولك: إنما نعبدك وإنما نستعينك، أو نستعين بك وحدك وإعادة، إياك مع الفعل الثاني يفيد أن كلا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات فلا يستلزم كل منهما الآخر. ذلك بأن الاستعانة بالله تعالى يجب أن تكون عامة في كل شيء، ومن الناس من لا يستعين بالله على شيء من أعماله الاختيارية، زعما منهم أنهم يستقلون بذلك بدون إعانة خاصة منه تعالى كالقدرية. وأفضل الاستعانة ما كان على الطاعة والخير، وقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد معاذ يوما وقال: والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك عبادتك وقد روينا هذا المعنى في الأحاديث المسلسلة. قال لي شيخنا أبو المحاسن محمد القاوقجي في طرابلس الشام: إني أحبك فقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، قال لي شيخنا محمد عابد السندي في الحرم النبوي الشريف: إني أحبك إلخ وذكر سنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
{اهدنا الصراط المستقيم}
ذكر الأستاذ الإمام أولا ما قالوه في معنى الهداية لغة من أنها: الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب، ثم بين أنواعها ومراتبها فقال ما مثاله: منح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته.
(أولاها): هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري. وتكون للأطفال منذ ولادتهم، فإن الطفل بعد ما يولد يشعر بألم الحاجة إلى الغذاء فيصرخ طالبا له بفطرته، وعندما يصل الثدي إلى فيه يلهم التقامه وامتصاصه. (الثانية): هداية الحواس والمشاعر، وهي متممة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيهما الحيوان الأعجم، بل هو فيهما أكمل من الإنسان، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل، بخلاف الإنسان فإن ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير، ألا تراه عقب الولادة لا تظهر عليه علامات إدراك الأصوات والمرئيات، ثم بعد مدة يبصر، ولكنه لقصر نظره يجهل تحديد المسافات، فيحسب البعيد قريبا فيمد يديه إليه ليتناوله وإن كان قمر السماء ولا يزال يغلط حسه حتى في طور الكمال:
(الهداية الثالثة): العقل، خلق الله الإنسان ليعيش مجتمعا ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أعطي النحل والنمل، فإن الله قد منحها من الإلهام ما يكفيها، لأن تعيش مجتمعة يؤدي كل واحد منها وظيفة العمل لجميعها، ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وبذلك قامت حياة أنواعها كما هو مشاهد. أما الإنسان فلم يكن من خاصة نوعه أن يتوفر له مثل ذلك الإلهام، فحباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام، وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيرا، ويرى العود المستقيم في الماء معوجا، والصفراوي يذوق الحلو مرا. والعقل هو الذي يحكم بفساد مثل هذا الإدراك. (الهداية الرابعة): الدين، يغلط العقل في إدراكه كما تغلط الحواس، وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية النوعية ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال، فيجعلها مسخرة لشهواته ولذاته حتى تورده موارد الهلكة. فإذا وقعت المشاعر في مزالق الزلل، واسترقت الحظوظ والأهواء العقل فصار يستنبط لها ضروب الحيل، فكيف يتسنى للإنسان مع ذلك أن يعيش سعيدا؟ وهذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد يقف الإنسان عنده وما هو بعائش وحده، وكثيرا ما تتطاول به إلى ما في يد غيره، فهي لهذا تقتضي أن يعدو بعض أفراده على بعض، فيتنازعون ويتدافعون، ويتجادلون ويتجالدون، ويتواثبون ويتناهبون حتى يفني بعضهم بعضا، ولا تغني عنهم تلك الهدايات شيئا فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم، إذا هي غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها ويكفوا أيديهم عما وراءها. ثم إن مما أودع في غرائز الإنسان الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببا. لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة، فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه، ووهبه هذه الهدايات وغيرها، وما فيه سعادته في تلك الحياة الثانية؟ كلا إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة - الدين - وقد منحه الله تعالى إياها.
أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة منها قوله تعالى: { وهديناه النجدين } [البلد: 10] أي طريقي السعادة والشقاوة والخير والشر.
قال الأستاذ الإمام: وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة، وهداية العقل وهداية الدين، ومنها قوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } [فصلت: 17] أي دللناهم على طريقي الخير والشر، فسلكوا سبل الشر المعبر عنه بالعمى. وذكر غير هاتين الآيتين مما في معناهما ثم قال
بقي معنا هداية أخرى وهي المعبر عنها بقوله تعالى: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90] فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين: المهلك، والمنجي، مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما، وهي مما تفضل الله به على جميع أفراد البشر. وأما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل وشرع الدين.
ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل على ما قدمنا، كان محتاجا إلى المعونة الخاصة، فأمرنا الله بطلبها منه في قوله {اهدنا الصراط المستقيم} فمعنى {اهدنا الصراط المستقيم دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ، وما كان هذا أول دعاء علمنا الله إياه، إلا لأن حاجتنا إليه أشد من حاجتنا إلى كل شيء سواه.
ثم بين معنى الصراط (وهو الطريق) واشتقاقه، وقراءة الصراط بالسين المهملة واشتقاقها على نحو ما في كتب اللغة والتفسير، ومعنى المستقيم: وهو ضد المعوج، وقال: ليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التموج والتعاريج، بل المراد: كل ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب أن ينتهي سالكه إليها. والمستقيم في عرف الهندسة: أقرب موصل بين طرفين، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوي كما هو ظاهر بالبداهة. وإنما قلنا: إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف؛ لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها في خط ذي تعاريج؛ لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل. ولكن الأول لا يصل إليها أبدا. بل يزداد عنها بعدا كلما أوغل في السير وانهمك فيه.
وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم، الدين، أو الحق، أو العدل، أو الحدود. ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم. لم سمي الموصل إلى السعادة من ذلك صراطا وطريقا؟ خذ الحق مثلا وهو العلم الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس، ترى معنى الصراط فيه واضحا؛ لأن السبيل أو الصراط ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التي أقصدها، كذلك الحق الذي يبين لي الواقع الثابت في العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة، فالطريق الواضح للحس، يشبه الحق للعقل والنفس، سير حسي، وسير معنوي، كذلك إذا اعتبرت هذا المعنى في الحدود والأحكام تجده واضحا - قسمت أحكام الأعمال إلى: واجب، ومندوب، ومباح، ومحرم ومكروه، فكان هذا مريحا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى وهي الدين كالطريق الواضح يسلك بالعمل. ومع هذا تجد الشهوات تتلاعب بالأحكام وترجعها إلى أهوائها كما يصرف السفهاء عقولهم وحواسهم فيما يرديهم. وهذا التلاعب بالدين إنما يصدر من علمائه. وضرب الأستاذ الإمام لذلك مثلا أحد الشيوخ المتفقهين، سرق كتابا من وقف أحد الأروقة في الأزهر مستحلا له بحجة أن قصد الواقف الانتفاع به، وهو يحصل بوجود الكتاب عنده، وأنه قد يفوت النفع ببقائه في الرواق حيث وضعه الواقف، إذ لا يوجد فيه من يفهمه مثله بزعمه!! واستحلال المحرمات بمثل هذا التأويل ليس بقليل، ولذلك كان الإنسان محتاجا أشد الاحتياج إلى العناية الإلهية الخاصة لأجل الاستقامة والسير في تلك الهدايات الأربع سيرا مستقيما يوصل إلى السعادة. لهذا نبهنا الله جل شأنه أن نلجأ إليه، ونسأله الهداية ليكون عونا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا، وأن تكون استعانتنا في ذلك به لا بسواه، بعد أن نبذل ما نستطيع من الفكر والجهاد في معرفة ما أنزل إلينا من الشريعة والأحكام وأخذ أنفسنا بما نعلم من ذلك. وهذا أفضل ما نطلب فيه المعونة منه جل شأنه لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة. فهو بهذه الآية يعلمنا كيف نستعين بعد أن علمنا اختصاصه بالاستعانة في قوله: {وإياك نستعين}.
{صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
قال الأستاذ: الصراط المستقيم: هو الطريق الموصل إلى الحق، ولكنه تعالى ما بينه بذلك كما بينه في نحو سورة العصر وإنما بينه بإضافته إلى من سلك هذا الصراط كما قال في سورة الأنعام: {فبهداهم اقتده} وقد قلنا: إن الفاتحة مشتملة على إجمال ما فصل في القرآن حتى من الأخبار، التي هي مثل الذكرى والاعتبار، وينبوع العظة والاستبصار، وأخبار القرآن كلها تنطوي في إجمال هذه الآية.
(قال): فسر بعضهم المنعم عليهم بالمسلمين، والمغضوب عليهم: باليهود، والضالين بالنصارى، ونحن نقول إن الفاتحة أول سورة نزلت كما قال الإمام علي رضي الله عنه، وهو أعلم بهذا من غيره؛ لأنه تربى في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأول من آمن به، وإن لم تكن أول سورة على الإطلاق فلا خلاف في أنها من أوائل السور (كما مر في المقدمة) ولم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم، وما هداهم إلا من الوحي ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل، سبيل من أنعم الله عليهم من قبلهم، فأولئك غيرهم، وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90] وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة. فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن بقدر الحاجة، فثلاثة أرباع القرآن تقريبا قصص. وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم، في كفرهم وإيمانهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع. فإذا امتثلنا الأمر والإرشاد، ونظرنا في أحوال الأمم السالفة، وأسباب علمهم وجهلهم، وقوتهم وضعفهم، وعزهم وذلهم، وغير ذلك مما يعرض للأمم - كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض، واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار. ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين ويرغبون عنه، ويقولون: إنه لا حاجة إليه ولا فائدة له. وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين؟ { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات } [الرعد: 6].
وهاهنا سؤال وهو: كيف يأمرنا الله تعالى باتباع صراط من تقدمنا وعندنا أحكام وإرشادات لم تكن عندهم، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم، وأصلح لزماننا وما بعده؟ والقرآن يبين لنا الجواب وهو أنه يصرح بأن دين الله في جميع الأمم واحد، وإنما تختلف الأحكام بالفروع التي تختلف باختلاف الزمان، وأما الأصول فلا خلاف فيها. قال تعالى: { قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } [آل عمران: 64] الآية، وقال تعالى: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } [النساء: 163] الآية. فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، وترك الشر وعمل البر، والتخلق بالأخلاق الفاضلة مستو في الجميع. وقد أمرنا الله بالنظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه: لنقتدي بهم في القيام على أصول الخير. وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة. على حسب طريقة القرآن في قرن الدليل بالمدلول والعلة بالمعلول، والجمع بين السبب والمسبب. وتفصيل الأحكام التي هذه كلياتها بالإجمال، نعرفه من شرعنا وهدي نبينا عليه الصلاة والسلام ا هـ بتفصيل وإيضاح. وأزيد هنا أن في الإسلام من ضروب الهداية ما قد يعد من الأصول الخاصة بالإسلام، ويرى أنه مما يستدرك على ما قرره الأستاذ الإمام، كبناء العقائد في القرآن على البراهين العقلية والكونية، وبناء الأحكام الأدبية والعملية على قواعد المصالح والمنافع ودفع المضار والمفاسد، وكبيان أن للكون سننا مطردة تجري عليه عوالمه العاقلة وغير العاقلة، وكالحث على النظر في الأكوان، للعلم والمعرفة بما فيها من الحكم والأسرار التي يرتقي بها العقل وتتسع بها أبواب المنافع للإنسان، وكل ذلك مما امتاز به القرآن. والجواب عن هذا أنه تكميل لأصول الدين الثلاثة التي بعث بها كل نبي مرسل لجعل بنائه رصينا مناسبا لارتقاء الإنسان. وأما تلك الأصول وهي: الإيمان الصحيح، وعبادة الله تعالى وحده، وحسن المعاملة مع الناس، فهي التي لا خلاف فيها.
وأما وصفه تعالى الذين أنعم عليهم بأنهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فالمختار فيه أن المغضوب عليهم هم الذين خرجوا عن الحق بعد علمهم به، والذين بلغهم شرع الله ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه، انصرافا عن الدليل، ورضاء بما ورثوه من القيل، ووقوفا عند التقليد، وعكوفا على هوى غير رشيد، وغضب الله يفسرونه بلازمه: وهو العقاب، ووافقهم الأستاذ الإمام، والذي ينطبق على مذهب السلف أن يقال: إنه شأن من شئونه تعالى يترتب عليه عقوبته وانتقامه، وإن الضالين هم الذين لم يعرفوا الحق ألبتة، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح الذي يقرن به العمل كما سيأتي تفصيله. وقرن المعطوف في قوله {ولا الضالين} بلا لما في غير من معنى النفي، أي وغير الضالين، ففيه تأكيد للنفي. وهو يدل على أن الطوائف ثلاث: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون. ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضا لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون منها إلى المطلوب، ولا يهتدون فيها إلى مرغوب، ولكن فرقا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم، وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق، لا يهتدي إلى الجادة الموصلة منها، وهم من لم تبلغهم الرسالة، أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق. فهؤلاء هم أحق باسم الضالين، فإن الضال حقيقة: هو التائه الواقع في عماية لا يهتدي معها إلى المطلوب، والعماية في الدين: هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل وتشبه الصواب بالخطأ.
الأستاذ الإمام: الضالون على أقسام: - القسم الأول من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة، أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر. فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل، وحرموا رشد الدين، فإن لم يضلوا في شئونهم الدنيوية ضلوا لا محالة فيما تطلب به نجاة الأرواح وسعادتها في الحياة الأخرى. على أن من شأن الدين الصحيح أن يفيض على أهله من روح الحياة ما به يسعدون في الدنيا والآخرة معا، فمن حرم الدين حرم السعادتين، وظهر أثر التخبط والاضطراب في أعماله المعاشية، وحل به من الرزايا ما يتبع الضلال والخبط عادة، سنة الله في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلا. أما أمرهم في الآخرة فعلى أنهم لن يساووا المهتدين في منازلهم، وقد يعفو الله عنهم وهو الفعال لما يريد.
وأزيد في إيضاح كلام الأستاذ: أن الذين حرموا هداية الدين لا يعقل أن يؤاخذوا في الآخرة على ترك شيء مما لا يعرف إلا بهذه الهداية. وهذا هو معنى كونهم غير مكلفين، وعليه جمهور المتكلمين لقوله تعالى في سورة الإسراء { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } [الإسراء: 15] ومن قال: إنهم مكلفون بالعقل لا يظهر وجه لقوله إلا إذا أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتقاء أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة، إذ لا شك أن من لم يبعث فيهم رسول يتفاوتون في إدراكهم وأعمالهم بتفاوت استعدادهم الفطري وما يصادفون من حسن التربية وقبحها. وبهذا يجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو يفصل بينها. وما يعطيهم الله تعالى إياه في الآخرة على حسب حالهم في الخير والشر والفضيلة والرزيلة - يكون جزاء عادلا على أعمالهم الاختيارية ويزيدهم من فضله إن شاء وسأفصل هذا المعنى في تفسير الآيات المنزلة فيه إن شاء الله تعالى. وأعود الآن إلى إتمام سياق الأستاذ، قال:
القسم الثاني: من بلغته الدعوة على وجه يبعث على النظر، فساق همته إليه، واستفرغ جهده فيه، ولكن لم يوفق إلى الإيمان بما دعي إليه، وانقضى عمره وهو في الطلب، وهذا القسم لا يكون إلا أفرادا متفرقة في الأمم، ولا يعم حاله شعبا من الشعوب، فلا يظهر له أثر في أحوالها العامة، وما يكون لها من سعادة وشقاء في حياتها الدنيا أما صاحب هذه الحالة فقد ذهب بعض الأشاعرة إلى أنه ممن ترجى له رحمة الله تعالى، وينقل صاحب هذا الرأي مثله عن أبي الحسن الأشعري وأما على رأي الجمهور فلا ريب أن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد الذي أنكر التنزيل، واستعصى على الدليل، وكفر بنعمة العقل، ورضي بحظه من الجهل.
القسم الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدقوا بها، بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها، فاتبعوا أهواءهم في فهم ما جاءت به من أصول العقائد، وهؤلاء هم المبتدعة في كل دين، ومنهم المبتدعون في دين الإسلام، وهم المنحرفون في اعتقادهم عما تدل عليه جملة القرآن وما كان عليه السلف الصالح وأهل الصدر الأول، ففرقوا الأمة إلى مشارب، يغص بمائها الوارد، ولا يرتوي منها الشارب، قال: وإني أشير إلى طرف من آثارهم في الناس: يأتي الرجل إلى دوائر القضاء فيستحلف بالله العلي العظيم، أو بالمصحف الكريم وهو كلام الله القديم، - أنه ما فعل كذا، فيحلف وعلامة الكذب بادية على وجهه، فيأتيه المستحلف من طريق آخر ويحمله على الحلف بشيخ من المشايخ الذين يعتقد لهم الولاية، فيتغير لونه، وتضطرب أركانه، ثم يرجع في أليته ويقول الحق، ويقر بأنه فعل ما حلف أولا أنه لم يفعله، تكريما لاسم ذلك الشيخ، وخوفا منه أن يسلب عنه نعمة أو يحل به نقمة إذا حلف باسمه كاذبا. فهذا ضلال في أصول العقيدة، يرجع إلى الضلال في الإيمان بالله تعالى وما يجب له من الوحدانية في الأفعال، ولو أردنا أن نسرد ما وقع فيه المسلمون من الضلال في العقائد الأصلية بسبب البدع التي عرضت على دين الإسلام لطال المقال، واحتيج إلى وضع مجلدات في وجوه الضلال، ومن أشنعها أثرا، وأشدها ضررا، خوض رؤساء الفرق منهم في مسائل القضاء والقدر، والاختيار والجبر، وتحقيق الوعد والوعيد، وتهوين مخالفة الله على نفوس العبيد.
إذا وزنا ما في أدمغتنا من الاعتقادات بكتاب الله تعالى من غير أن ندخلها أولا فيه يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين. وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن وحشرناها فيه أولا فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال لاختلاط الموزون بالميزان. فلا يدرى ما هو الموزون من الموزون به - أريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها، ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون.
القسم الرابع: ضلال في الأعمال، وتحريف للأحكام عما وضعت له، كالخطأ في فهم معنى الصلاة والصيام وجميع العبادات، والخطأ في فهم الأحكام التي جاءت في المعاملات، ولنضرب لذلك مثلا: الاحتيال في الزكاة بتحويل المال إلى ملك الغير قبل حلول الحول ثم استرداده بعد مضي قليل من الحول الثاني، حتى لا تجب الزكاة فيه، ويظن المحتال أنه بحيلته قد خلص من أداء الفريضة، ونجا من غضب من لا تخفى عليه خافية، ولا يعلم أنه بذلك قد هدم ركنا من أهم أركان دينه، وجاء بعمل من يعتقد أن الله قد فرض فرضا وشرع بجانب ذلك الفرض ما يذهب به ويمحو أثره، وهو محال عليه جل شأنه.
ثلاثة أقسام من هذا الضلال أولها وثالثها ورابعها يظهر أثرها في الأمم فتختل قوى الإدراك فيها، وتفسد الأخلاق، وتضطرب الأعمال، ويحل بها الشقاء، عقوبة من الله لا بد من نزولها بهم، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تحويلا. ويعد حلول الضعف ونزول البلاء بأمة من الأمم من العلامات والدلائل على غضب الله تعالى عليها لما أحدثته في عقائدها وأعمالها مما لا يخالف سننه، ولا يتبع فيه سننه. لهذا علمنا الله تعالى كيف ندعوه بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم بالوقوف عند حدوده، وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق أولئك الذين ظهرت فيهم آثار نقمه بالانحراف عن شرائعه، سواء كان ذلك عمدا وعنادا، أو غواية وجهلا.
إذا ضلت الأمة سبيل الحق ولعب الباطل بأهوائها، ففسدت أخلاقها واعتلت أعمالها، وقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشئونها ولا يؤخر لها العذاب إلى يوم الحساب، وإن كانت ستلاقي نصيبها منه أيضا، فإذا تمادى بها الغي وصل بها إلى الهلاك، ومحا أثرها من الوجود، هكذا علمنا الله تعالى كيف ننظر في أحوال من سبقنا، ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم، لنعتبر ونميز بين ما به تسعد الأقوام وما به تشقى. أما في الأفراد فلم تجر سنة الله بلزوم العقوبة لكل ضال في هذه الحياة الدنيا، فقد يستدرج الضال من حيث لا يعلم، ويدركه الموت قبل أن تزول النعمة عنه، وإنما يلقى جزاءه { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } [الإنفطار: 19] ا هـ.
فوائد في تفسير الفاتحة
كان غرضنا الأول من كتابة تفسير الفاتحة ونشره في المنار هو بيان ما نستفيده من دروس شيخنا الأستاذ الإمام، مع شيء مما يفتح الله به علينا بالاختصار، فلذلك اختصرنا فيما كتبناه أولا، ثم لما طبعنا تفسير الفاتحة على حدته مرة ثانية زدنا فيه بعض زيادات، وكان بدا لنا أن نجعل هذا التفسير مطولا مستوفى. ولهذا زدنا في تفسير الفاتحة هنا زيادات كثيرة كما نبهنا على ذلك في المقدمة. وبعد الفراغ من طبعه رأينا أن نعززه بالفوائد الآتية:
حكمة إيثار ذكر الربوبية والرحمة في أول الفاتحة على سائر الصفات
قد علمت أن اسم الجلالة (الله) هو اسم الذات الجامع لمعاني الصفات العليا، وسائر الأسماء الحسنى، والأصول من هذه الأسماء والصفات التي ترجع إليها غيرها، وتعود إليها معانيها ولو بطريق اللزوم أربعة: اثنان منها ذاتيان وهما {الحي القيوم} والاثنان الآخران: فعليان وهما الرب والرحمن الرحيم، وبتعبير أظهر أو أصح اثنان منهما لا يتعلقان بتدبير الخلق، واثنان يتعلقان به، فالحي ذو الحياة وهي بأعم معانيها الصفة الوجودية التي هي الأصل في معقولنا لجميع صفات الكمال في الوجود من صفات ذات وصفات أفعال كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وهي الصفات التي يسميها علماء الكلام صفات المعاني. ويجعلون عليها مدار معرفة الله تعالى مع الصفات السلبية التي يراد بها تنزيهه سبحانه وتعالى عما لا يليق من النقص ومشابهة الخلق كالرحمة والحلم والغضب والعدل والعزة والخالقية والرازقية إلخ، وكمال الحياة يستلزم الاتصاف بهذه الصفات وبغيرها من صفات الكمال.
والحياة في الخلق قسمان: حسية ومعنوية، فالأولى: الحياة النباتية، والحياة الحيوانية، ولكل منها صفات لازمة لها أعلاها في الحياة الثانية حياة الإنسان التي من خواصها العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك مما يفقده بالموت. والثانية الحياة العقلية والعلمية والروحية الدينية. ومن الشواهد القرآنية على هذه الحياة قوله تعالى: { لينذر من كان حيا } [يس: 70] وقوله: { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 28] وكمال هذه الحياة للبشر لا يكون إلا في الآخرة وإنما يكون الاستعداد له في الدنيا بتزكية النفس بالعلم والعمل.
وحياة الخالقتعالى أعلى وأكمل من حياة جميع خلقه من الجن والإنس والملائكة وهي لا تشبهها { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]. وإنما نفهم من إطلاقها اللغوي مع التنزيه أنها الصفة الذاتية الواجبة الأزلية الأبدية التي يلزمها اتصافه بما وصف به نفسه من صفات الكمال، بدونها، فهي لا يتوقف تعقلها على غيرها من الصفات، ويتوقف تعقل جميع الصفات عليها، وعبر عنها بعضهم بأنها تصحح له الاتصاف بصفات المعاني.
وأما القيوم فأحسن ما قيل في تفسيرها في معجم (لسان العرب) وهو القائم (أي الثابت المتحقق) بنفسه مطلقا لا بغيره وهو مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به اهـ. وسبقه إلى مثله غيره. وقولهم: القائم بنفسه بمعنى قول المتكلمين واجب الوجود أي الذي وجوده ثابت لذاته غير مستمد من وجود آخر فهو يستلزم القدم الذي لا أول له، والبقاء الذي لا آخر له { هو الأول والآخر } [الحديد: 3] وقولهم: الذي يقوم به كل موجود، معناه أنه لا وجود لشيء غيره ابتداء ولا بقاء إلا به، فكل وجود سواه مستمد منه وباق ببقائه إياه { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } [فاطر: 41] ومن كان هذا وصفه كان بالضرورة قادرا مريدا عليما حكيما، فإذا كانت الحياة تصحح لصاحبها الاتصاف بهذه الصفات وغيرها وتدل عليها بقيد الكمال دلالة التزام، فالقيومية تدل عليها دلالة بغير قيد.
ولجمع هذين الاسمين الكريمين هذه المعاني وغيرها من معاني الكمال الأعلى كان القول بأنهما مع اسم الجلالة - ما يعبر عنه بالاسم الأعظم - هو القول الراجح المختار عندنا، وإنما فسرنا الاسمين الكريمين هنا وذكرهما استطرادي لا يدخل في تفسير الفاتحة؛ لأن أكثر القراء لا يفهم معانيهما التي يدل عليها لفظهما بطرق الدلالة الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام.
وأما صفتا الربوبية والرحمة فهما الصفتان الدالتان على أن الله تعالى هو المالك المدبر لأمور العالم كلها، وعلى أن رحمته تعالى تغلب غضبه، وإحسانه الذي هو أثر رحمته يغلب انتقامه، ومعنى الانتقام لغة: الجزاء على السيئات، فإذا كان جزاء على السيئة بمثلها كان انتقام حق وعدل، وإن كان بأكثر من ذلك كان انتقام باطل وجور، والله تعالى منزه عن الباطل والجور { ولا يظلم ربك أحدا } [الكهف: 49] بل يتجاوز عن بعض السيئات، ويضاعف جزاء الحسنات { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون } [الفرقان: 42]، { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } [الروم: 42]، { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } [النساء: 40] والآيات في الجزاء على السيئة بمثلها وعلى الحسنة بعشر أمثالها معروفة، وكذا آية المضاعفة سبعمائة ضعف وما شاء الله تعالى.
فمن شأن الرب المالك للعباد المدبر لأمورهم المربي لهم أن يجازي كل عامل بعمله، وينتقم للمظلوم من ظالمه، والجزاء بالعدل مخيف لأكثر الناس بل لجميع الناس، فإنه ما من أحد إلا ويقصر فيما يجب عليه لربه ولنفسه ولأهله ولولده بله من دونهم حقا عليه ومكانة عنده، ومن حقهم أن يغلب الخوف على الرجاء في قلوبهم، ولذلك قرن سبحانه صفة الربوبية بصفة الرحمة، وعبر عنها باسمين لا باسم واحد: اسم الرحمن الدال على منتهى الكمال في اتصافه بها، واسم الرحيم الدال على أنها من الصفات النفسية المعنوية مع تعلقها بالحق تعلقا تنجيزيا كقوله تعالى: { إن الله كان بكم رحيما } [النساء: 29]، { وكان بالمؤمنين رحيما } [الأحزاب: 34] وبهذا التفسير ضممنا في التفرقة بين الاسمين ما قاله المحقق ابن القيم إلى ما قاله شيخنا رحمهما الله.
وأما دلالة صفتي الربوبية والرحمة على جميع معاني صفات الأفعال الإلهية فظاهر؛ فإن رب العباد هو الذي يسدي إليهم كل ما يتعلق بخلقهم ورزقهم وتدبير شئونهم من فعل دلت عليه أسماؤه الحسنى كالخالق البارئ المصور القهار الوهاب الرزاق الفتاح القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم الرقيب المقيت الباعث الشهيد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت المقدم المؤخر المغني المانع الضار النافع وأمثالها. والرحمن في ذاته الرحيم بعباده لا بد أن يكون توابا غفورا عفوا رءوفا شكورا حليما وهابا. إذا علمنا هذا تجلت لنا حكمة وصف الله تعالى في أول فاتحة الكتاب العزيز بالربوبية والرحمة الدالتين على جميع صفات الأفعال دون الحياة والقيومية الدالتين على صفات الذات وغيرها، وهي - والله أعلم بمراده - أن الفاتحة ينظر فيها من وجهين (أحدهما): ما دل عليه اسمها هذا؛ أعني كونها فاتحة ومبدأ للقرآن (وثانيهما): أنها قد شرعت للقراءة في الصلوات كل يوم، وكل منهما يناسبه البدء بذكر ربوبية الله ورحمته.
ذلك بأن القرآن كما قال الله في أول سورة البقرة { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } [البقرة: 2 - 3] إلخ. الآيات. فهم الذين يتلونه حق تلاوته، وهم الذين يتدبرونه ويتعظون به، وهم { الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون } [الأنبياء: 49] فالمناسب في حقهم أن تكون السورة الأولى وهي المثاني التي يثنونها دائما في صلاتهم وفي بدء أورادهم القرآنية المسماة بالختمات مبدوءة بذكر الصفتين الجامعتين لمعاني الصفات التي تتعلق بتدبير الله سبحانه لشئونهم، وبعدله في الحكم بينهم فيما يختصمون فيه، وبمجازاتهم على أعمالهم، وبرحمته لهم وإحسانه إليهم الدالتين على ما يجب عليهم من شكره وتخصيصه بالعبادة والاستعانة، والتوجه إليه في طلب كمال الهداية، وهاتان الصفتان هما الربوبية والرحمة. فبدء فاتحة القرآن بذكرهما في البسملة ثم أثناء السورة مرشد لما ذكر، مذكر للمصلي وللتالي به. وكذا بدء كل سورة بالبسملة التي لم يوصف اسم الذات (الله) فيها بغير الرحمة الكاملة الشاملة، هو إعلام منه سبحانه بأنه أنزله رحمة للعالمين، كما قال مخاطبا لمن أنزله عليه: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107] ولذلك لم تنزل البسملة في أول سورة التوبة التي فضحت آياتها المنافقين، وبدئت بنبذ عهود المشركين، وشرع فيها القتال بصفة أعم مما أنزله فيما قبلها من أحكامه.
وهذا الذي شرحناه يفند زعم بعض المتعصبين الغلاة في ذم الإسلام بالهوى الباطل أن رب المسلمين رب غضوب منتقم قهار، ودينهم دين رعب وخوف، بخلاف دين النصرانية الذي يسمي الرب أبا للإعلام بأنه يعامل عباده كمعاملة الأب لأولاده، وقد أشار شيخنا إلى هذا الزعم وفنده في تفسير اسم الرب. وسنذكر في فائدة أخرى المقابلة بين صلاة المسلمين بقراءة الفاتحة وصلاة النصارى بالصيغة المعروفة عندهم بالصلاة الربانية، وثبت في الحديث الصحيح أن الرب أرحم بعباده من الأم بولدها الرضيع، وأن جميع ما أودعه في قلوب خلقه من الرحمة جزء من مائة جزء من رحمته تبارك وتعالى، ويجد القارئ تفصيل القول في سعة الرحمة الإلهية في تفسير قوله - عز وجل -: { ورحمتي وسعت كل شيء } [الأعراف: 156] من سورة الأعراف.
تفسير صفة الرحمة على مذهب السلف
ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة. تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولا. ومحصله أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها اللغوي عليه فيجب تأويلها بلازمها وهو الإحسان فتكون من صفات الأفعال كالخالق الرزاق. وقال بعضهم: يمكن تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة فلا تكون صفة مستقلة. وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح. والتحقيق: أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافا للمعتزلة. فإن معاني هذه الصفات كلها بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على الله تعالى إذ العلم بحسب مدلوله اللغوي هو صورة المعلومات في الذهن، التي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر، وهي بهذا المعنى محال على الله تعالى، فإن علمه تعالى قديم بقدمه غير عرض منتزع من صور المعلومات. وكذلك يقال في سمعه تعالى وبصره وقد عدوهما من صفات المعاني القائمة بنفسه، والرحمة مثلها في هذا.
فقاعدة السلف في جميع الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن صفات الخلق الثابت عقلا ونقلا بقوله - عز وجل - { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] فنقول: إن لله علما حقيقيا هو وصف له، ولكنه لا يشبه علمنا، وإن له سمعا حقيقيا هو وصف له لا يشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي وصف له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى فنجمع بذلك بين النقل والعقل، وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من المجاز المرسل. أو الاستعارة التمثيلية كما قالوا في الرحمة والغضب وأمثالهما دون العلم والسمع والبصر وأمثالهما، فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها، فأما أن تجعل كلها من باب الحقيقية مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى الصفة العامة مع التنويه عن التشبيه، وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتبار أن واضع اللغة وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم شبهها بها من باب التجوز.
وقد عبر الشيخ أبو حامد الغزاليرحمه الله تعالى عن هذا المعنى أفصح تعبير، فقال في كتاب الشكر من الإحياء: إن الله - عز وجل - في جلاله وكبريائه صفة يصدر عنها الخلق والاختراع وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى تعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها، فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف أبصار الخفافيش، فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا، فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا: إن لله تعالى صفة هي القدرة، عنها يصدر الخلق والاختراع اهـ.
وقد رجع الإمام أبو الحسن الأشعري شيخ المتكلمين والنظار إلى مذهب السلف في نهاية أمره، وصرح في آخر كتبه وهو (الإبانة) بذلك، وأنه متبع للإمام أحمد بن حنبل شيخ السنة والمدافع عنها رحمهم الله أجمعين.
معارضة نصرانية سخيفة، للفاتحة الشريفة
عرف كل من ذاق طعم البلاغة العربية من مؤمن وكافر أن القرآن أبلغ الكلام وأفصحه، لم يكابر في ذلك مكابر، ولم يجادل فيه مجادل، وأن الفاتحة من أعلاه فصاحة وبلاغة وجمعا للمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، واشتمالا على مهمات الدين من صفات الله التي تجذب قلب من تدبرها إلى حبه، وتنطق لسانه بحمده، وتعلي همته بتوحيده. وتهذب نفسه بمعاني أسمائه وصفاته، وإحاطة ربوبيته وملكه، وتذكره يوم الدين الذي يجزى فيه على عمله، وتوجه وجهه إلى السير على الصراط المستقيم في خاصة نفسه، وفي معاملة الله ومعاملة خلقه، وتذكره بالقدوة الصالحة في ذلك بإضافة الصراط الذي يتحرى الاستقامة عليه، ويسأل الله توفيقه دائما له، إلى من أسبغ الله عليهم نعمه، ومنحهم رضوانه، وجعلهم هداة خلقه بأقوالهم، وأسوتهم الحسنة في أفعالهم، ومثل الكمال في آدابهم وأخلاقهم، من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وتحذره من شرار الخلق الذين يؤثرون الباطل على الحق، ويفضلون الشر على الخير، على علم منهم بذلك. وهم المغضوب عليهم - أو على جهل به كالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهم الضالون. وهذا التحذير يتضمن حث المسلم المتعبد بالفاتحة المكرر لها في صلاته على العناية بتكميل نفسه بتحري التزام الحق وعمل الخير، بأحكام العلم وتربية النفس والتمرن على العمل الصالح.
هذه السورة الجليلة التي ذكرناك أيها القارئ بمجمل مما فصلناه في تفسيرها يزعم أحد دعاة النصرانية في هذا العصر أنها بمعزل من البلاغة بأن ما بعد الصراط المستقيم فيها حشو وتحصيل حاصل وما قبله يمكن اختصاره بما لا يضيع شيئا من معناه، كما فعله بعضهم، قال هذا القول داعية من المبشرين المأجورين من قبل جمعيات التبشير الإنكليزية والأميركانية في كتاب لفقه في إبطال إعجاز القرآن بزعمه، بل أنكر بلاغته من أصلها؛ قال:
وما أحسن قول بعضهم أنه لو قال: الحمد للرحمن، رب الأكوان، الملك الديان، لك العبادة وبك المستعان، اهدنا صراط الإيمان، لأوجز وجمع كل المعنى وتخلص من ضعف التأليف والحشو والخروج عن الرديء كما بين الرحيم ونستعين أ هـ.
أقول لقد كان خيرا لهذا المتعصب المأجور لإضلال عوام المسلمين على شرط ألا يذكر اسمه في كتيبه، ولا يفضح نفسه بين قومه، أن يختصر لمستأجريه آلهتهم وكتبهم التي صدت جميع مستقلي الفكر من أقوامهم وشعوبهم عن دينهم بل صدت بعضهم عن كل دين، فإن اختصار الدراري السبع في السماء، أهون من اختصار آيات الفاتحة السبع في الأرض. وحسب العالم من فضيحته إيراد سخافته هذه وتشهيره بها لو كان حيا يمشي بين الناس.
وأما العامي الجاهل، الذي قد يغتر بقول كل قائل، ولا سيما إذا كان في الطعن بغير دينه، فربما يحتاج إلى التنبيه لبعض فضائح هذا الاختصار، وإن كانت لا تخفى على أولي الأبصار ونكتفي منه بما يلي:
1- إن أول شيء اختصره هذا الجاهل المتعصب وجعل ذكره مطعنا في فاتحة القرآن اسم الجلالة الأعظم (الله) الذي لا يغني عنه سرد جميع أسماء الله الحسنى! فإنه هو اسم الذات الملاحظ معه اتصاف تلك الذات بجميع صفات الكمال إجمالا.
2- أنه اختصر اسم الرحيم وقد بينا فائدته وأن اسم الرحمن لا يغني عنه، وأنى لمثله أن يعلمه؟ ويراجع الفرق بينهما فيما تقدم.
3- أنه استبدل الأكوان بالعالمين وليس في هذا اختصار، وإنما فيه استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وأولى، فإن الأكوان جمع كون، وهو في الأصل مصدر لا يجمع، وله معان لا يصح إضافة اسم الرب إليها، منها الحدث والصيرورة والكفالة، ويطلقه عرب الجزيرة على الحرب لعلهم لا يستعملونه في غيرها، وأما العالمون فجمع عالم، وفي اشتقاقه التذكير بكونه علامة ودليلا على وجود خالقه، وفي جمعه جمع العقلاء تذكير للقارئ بما في كلمة رب من معنى تربيته جل جلاله وعم نواله للأحياء ولا سيما الناس، وكونهم يشكرونه عليها بقدر استعمال عقولهم، ولذلك قال بعض الأعلام: إن لفظ العالمين عام مستعمل هنا في الخاص، وهو عالم البشر، وراجع سائر تفسيره المتقدم.
4- أنه استبدل كلمة (الديان) بكلمة {يوم الدين} وهي لا تقوم مقامها، ولا تفيد ما فيها من المعاني المطلوبة لذاتها، فإن للديان في اللغة معاني منها القاضي والحاسب أو المحاسب والقاهر. وغاية ما يفيده وصف الرب بأنه حاكم يدين عباده ويجزيهم. وأما يوم الدين: فإنه اسم ليوم معين موصوف في كتاب الله بأوصاف عظيمة هائلة، يحاسب الله فيه الخلائق ويحكم بينهم ويجزيهم، والإيمان بهذا اليوم ركن من أركان الدين، وإضافة ملك ومالك إليه تفيد أن الأمر كله في ذلك اليوم له وحده فلا يملك أحد لأحد فيه شيئا من نفع ولا من كشف ضر كما تقدم تفصيله في تفسير الآية - فاستحضار هذه المعاني في النفس له من التأثير المقوي لعقيدة التوحيد المرغب في العمل الصالح المرهب الزاخر عن الشر، ما ليس لاسم الديان وحده، ويكفي الإنسان في الجزم بهذا مشاورة فكره، ومراجعة وجدانه، وإن لم يكن يعلم من فنون البلاغة شيئا، وهل لهذا المبشر المتعصب فكر ووجدان يهديانه إلى ما يجهل من بلاغة القرآن؟
5و6- أنه اختصر قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} بقوله هو: لك العبادة وبك المستعان. وهو أغرب ما جاء به وسماه إيجازا، فإنه استبدل أربعا بأربع، ولكنها أطول منها بزيادة حرف، وتنقص عنها في المعنى، فأين الإيجاز؟ إنه مفقود لفظا ومعنى.
إذا أراد بقوله: لك العبادة - أنها كلها له تعالى في الواقع ونفس الأمر، فالجملة غير صحيحة؛ لأن الذين لا يعبدونه وحده من البشر هم الأكثرون. ومنهم النصارى قوم الطاعن في دين التوحيد وكتاب التوحيد الأعظم (القرآن) المبدلين لآية التوحيد البليغة. وإن أراد أن العبادة مستحقة لله تعالى وحده فالمعنى صحيح، لكنه لا يدل على أن القارئ، ولا واضع الجملة من القائمين بهذا الحق له تعالى. وأما إياك نعبد فإنها تفيد عرض عبادة القارئ مع عبادة جميع المؤمنين الموحدين عليه جل جلاله، وتقربهم إليه بأنهم يعبدونه ولا يعبدون غيره.
وأحيلك في الفرق بين تأثير هذا وذاك على الوجدان الذي ذكرتك به في النقد الذي قبله، دع ما في عرض المؤمن عبادته واستعانته على ربه في ضمن عبادة جميع المؤمنين واستعانتهم من ملاحظة أخوة الإيمان وتكافل أهله، ومن هضم الفرد لنفسه، ورجاء القبول في ضمن الجماعة، وغير ذلك مما يعلم من تفسير الآية.
ومثل هذا يقال في مسألة الاستعانة، ويمكن الزيادة عليه من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، ومنه اختياره المصدر الميمي الذي هو صيغة اسم المفعول (المستعان) على المصدر الأصلي وهو الاستعانة المناسب للفظ العبادة، ومن جهة ارتباطه بما بعده، فإن طلبنا للهداية من الاستعانة التي أسندناها إلى أنفسنا.
7- استبداله صراط الإيمان بالصراط المستقيم، وهذا أعم منه وأشمل؛ لأنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان، من العقائد والعبادات والآداب، مع وصفه بالمستقيم الذي لا عوج فيه. فإن بعض الطرق الموصلة إلى المقاصد التي يسمى سالكها مهتديا إلى مقصده في الجملة، قد يكون فيها عوج يعوق هذا السالك، والمستقيم هو أقرب موصل بين طرفين فسالكه يصل إلى مقصده في أسرع وقت، كذلك الطرق المعنوية، منها الموصل إلى الغاية وغير الموصل، ومن الموصل ما يوصل بسرعة لعدم العائق، وما يعتري سالكه الموانع واقتحام لعقبات واتقاء العثرات.
8- أن وصف الصراط المستقيم بكونه الصراط الذي سلكه خيار عباد الله المفلحين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مذكر لقارئه بأولئك الأئمة الوارثين، الذين يجب التأسي بهم، والسعي للانتظام في سلكهم، والتصريح بكونه غير صراط المغضوب عليهم من المعاندين للحق، وغير الضالين الزائغين عن القصد، مذكر للقارئ بوجوب اجتناب سبلهم، لئلا يتردى في هاويتهم.
أين من هذه المقاصد السامية الهادية إلى تزكية النفس وإعدادها لسعادتي الدنيا والآخرة، صيغة الصلاة في ملة هذا المختصر المستأجر، وهي كما في إنجيل متى أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، ولكن نجنا من الشرير آمين [6: 9 - 13] أهـ. زاد في نسخة الأميركان: {لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد} وجعلوا هذه الزيادة بين علامتي الكلام الدخيل هكذا ( ) فمن ذا الذي زادها على كلام المسيح؟
وقد يقول لهم من لا يؤمن بأن هذه الصيغة منقولة نقلا صحيحا عن المسيح - عليه السلام -، أو من لا يؤمن به نفسه: إنها صلاة ليس فيها من الثناء على الله تعالى ما في فاتحة المسلمين ولا بعضه، وطلب تقديس اسم الأب وإتيان ملكوته تحصيل حاصل، فهو لغو لا يليق بالعاقل، وذكره بصيغة الأمر باللام غير لائق - إن لم نقل في انتقاده ما هو أشد من ذلك - وأبعد من ذلك عن اللياقة والأدب مع الرب تبارك وتعالى طلب كون مشيئته على الأرض كمشيئته في السماء. وكونها بصيغة الأمر باللام أيضا، فمشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه من سمائه وأرضه بالضرورة، فلا معنى لطلبها، وطلب المساواة بين السماء والأرض فيها إن أريد به من كل وجه، فهو تحكم لا يخفى ما يترتب عليه.
وأما طلب الخبز الكفاف في كل يوم بصيغة الحصر فهو يفيد أن كل همهم وكل مطلبهم من ربهم ولو لدنياهم هو الخبز الذي يكفيهم، فأين هذا المطلب من طلب الهداية إلى الصراط المستقيم الموصل إلى سعادتي الدنيا والآخرة على أكمل وجه، لكونه نفس صراط خيار الناس دون شرارهم.
وأما مطلب المغفرة - فهو على كونه يليق أن يطلب منه تعالى - ينتقد منه تشبيهها بمغفرة الطالب للمذنب المسيء إليه من وجهين: (أحدهما) أن مغفرة الله لعبده أجل وأعظم وأعم من مغفرة العبد لمثله. (ثانيهما) أن الذي يغفر لجميع المسيئين إليه نادر، ومن المشاهد أن أكثر الناس يجزون على السيئة إما بمثلها، وإما بأكثر منها، فكيف يكلف هؤلاء بمخاطبة ربهم بالكذب عليه، الذي حاصله أنهم يطلبون ألا يغفر لهم، لأنهم لا يغفرون للمسيئين إليهم.
قد يقولون: نعم نحن نلتزم هذا؛ لأن ديننا يوجب علينا أن نغفر لجميع من أذنب وأساء إلينا، ونعتقد أن ربنا لا يغفر لنا إذا لم نغفر لهم؛ لأن من علمنا هذه الصلاة قال بعدها: (متي 6: فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم).
فنقول: هذا التعبير يدل على وجوب مغفرة جميع الذنوب لجميع الناس عامة كانت أو خاصة، فأين منكم يا معشر النصارى من يفعل ذلك؟ وهل يوجد في الألف أو الألوف منكم واحد كذلك؟ ألسنا نرى أكثركم ومن تعدونهم أرقاكم وتفتخرون بهم كالإفرنج لا يغفرون لأحد أدنى زلة، بل لا يكتفون بعقاب من يسئ إلى أحد منهم إذا كان من غيرهم بمثل ذنبه، وإنما يضاعفون له العقاب أضعافا، بل ينتقمون من أمته كلها إذا كانت ضعيفة لا يمكنها أن تصدهم بالقوة، فهم لا يمنعهم من الجزاء على السيئة بأضعافها من السيئات ولا من ابتداء الظلم والعدوان إلا العجز.
وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والبسملة منها
في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة أحاديث قولية صحيحة صريحة، وجرى عليها العمل من أول الإسلام إلى اليوم، وإن تنازع بعض أهل الخلاف والجدل في تسمية هذا الواجب فرضا وعده شرطا، وأصح ما ورد وأصرحه فيه ما رواه الجماعة كلهم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وفي لفظ رواه الدارقطني بإسناد صحيح لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بفاتحة الكتاب وهو تفسير للفظ الجماعة، فإن نفي الصلاة فيه نفي صحتها ووجهه: أن الحقيقة المؤلفة من عدة أركان ذاتية تنتفي بانتفاء ركن منها، كقولك: لا وضوء لمن لم يغسل يديه إلى المرفقين، وقد أجمع المسلمون على العمل بهذا، فلم يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه وأصحابه ولا التابعون ولا غيرهم من الخلفاء وأئمة العلم صلاة بدون قراءة الفاتحة فيها، وإنما بحث الحنفية في تسمية قراءتها فرضا وعدها ركنا بناء على اصطلاحات لهم ردها الجمهور بأدلة صحيحة لا محل لتلخيصها هنا وأجابوا عن شبهاتهم النقلية بأجوبة سديدة، وأقواها قوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن قالوا في الجواب عنه: إنه ثبت رواية أخرى أنه قال له: ثم اقرأ بأم القرآن فهذا مفسر لما تيسر من القرآن، وأن الفاتحة هي التي كانت متيسرة لجميع المسلمين، لأنهم كانوا يلقنونها كل من يدخل في الإسلام، وقال بعضهم: المراد بما يتيسر منه هنا ما زاد عن الفاتحة، وفي البخاري عن أبي قتادة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة والأحاديث المصرحة بأنه كان يقرأ في الركعة الأولى أم القرآن وسورة كذا، وفي الثانية بعد أم القرآن كذا في صلاة كذا، كثيرة.
وأما كون البسملة آية في الفاتحة، فأقوى الحجج المثبتة له: كتابتها في المصحف الإمام الرسمي الذي وزع نسخه الخليفة الثالث على الأمصار برأي الصحابة وأجمعت عليه الأمة، وكذا جميع المصاحف المتواترة إلى اليوم، والخط حجة عليه، كما قال العلامة العضد، وعليه جميع شعوب العلم والمدنية في هذا العصر، لا حجة عندهم أقوى من حجة الكتابة الرسمية، ثم إجماع القراء على قراءتها في أول الفاتحة. وإن زعم بعضهم أنها آية مستقلة، فإن هذا رأي، والعبرة بالعمل، وهو إذا كان عاما مطردا من أقوى الحجج. على أن تواترها عن واحد منهم تقوم به الحجة على باقيهم وعلى سائر الناس، فإنه إثبات بالتواتر لا يعارضه نفي ما. وقد كنا ذكرنا هذه المسألة وآراء أهل الخلاف فيها ونزيدها إيضاحا فنقول:
وقد وردت أحاديث آحادية في إثبات ذلك ونفيه ترتب عليها اختلاف الفقهاء الذين جعلوا المسألة مسألة مذاهب، ينصر كل حزب منهم أهل المذهب الذي ينسبون إليه { كل حزب بما لديهم فرحون } [الروم: 32] ولولا ذلك لاتفقوا؛ لأن لإثبات البسملة في أول الفاتحة في جميع المصاحف المجمع عليها المتواترة حجة قطعية لا تعارض بأحاديث الآحاد وإن صح سندها.
وأصرح الأحاديث التي استدلوا بها على كون البسملة ليست آية من الفاتحة ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج يقولها ثلاثا - أي كلمة فهي خداج أي ناقصة غير تامة كالناقة تلد لغير التمام - فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله - عز وجل -: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين} قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: {مالك يوم الدين} قال: مجدني عبدي. وقال مرة: فوض إلي عبدي. وإذا قال {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل
قال النافون: إن الحديث يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ لأنها لو كانت منها لذكرت في الحديث، وهو استدلال سلبي لا يعارض القطعي المتواتر وهو إثباتها في المصحف وإجماع القراء على قراءتها عند البدء بالختمات، وثبوت التواتر بذلك، على أن عدم ذكرها في الحديث قد يكون لسبب اقتضى ذلك. ومما يخطر على البال بداهة: أنه كما اكتفى من قسمة الصلاة بالفاتحة دون سائر التلاوة والأذكار والأفعال اكتفى من الفاتحة بما لا يشاركها فيه غيرها من السور، إذ البسملة آية من كل سورة غير (براءة) على التحقيق الذي يدل عليه خط المصحف، وثم سبب آخر لعدم ذكر البسملة في القسمة، وهو أنه ليس فيها إلا الثناء على الله تعالى بوصفه بالرحمة، وهو معنى مكرر في الفاتحة وذكر في القسمة. والعمدة في عدم المعارضة أن دلالة الحديث ظنية سلبية، وإثبات البسملة إيجابي وقطعي كما تقدم، وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة: مخالفة راويه لغيره من الثقات فمخالفة القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه. على أن هذا الحديث هو المعارض بالأحاديث المثبتة لكون البسملة من الفاتحة.
واستدلوا أيضا بحديث أبي هريرة المرفوع عند أحمد وأصحاب السنن قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: تبارك الذي بيده الملك قالوا: وإنما هي ثلاثون بدون البسملة. وأجيب بمثل ما قلنا آنفا من أن عدد آيات السور باعتبار ما هو خاص بالسورة وهو ما دون البسملة. ويؤيده ما روي عن أبي هريرة من أن سورة الكوثر ثلاث آيات. وقد روى أحمد ومسلم والنسائي من حديث أنس قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: نزلت علي آنفا سورة، فقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر} . وهذا الحديث ناطق بأن البسملة من سورة الكوثر مع عدم عدها من آياتها لما ذكرنا، فكونها آية من الفاتحة أولى وهو أصح في حديث أبي هريرة في سورة الملك؛ لأن البخاري أعله بأن عباسا الحشمي راويه لا يعرف سماعه من أبي هريرة.
واستدلوا بالأحاديث الواردة في عدم قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه لها في الصلاة وأصرحها قول عبد الله بن مغفل: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر، ومع عمر ومع عثمان. فلم أسمع أحدا منهم يقولها يعني البسملة رواه أحمد والترمذي وحسنه النسائي وابن ماجه عن ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول، فقد كان له سبعة أولاد وهذه علة تمنع صحة الحديث. قالوا: وقد تفرد به الحريري وقيل: إنه قد اختلط بآخره. وقد يفسر بما ترى فيما قالوه في الحديث الذي بعده.
وفي معناه حديث أنس في إحدى الروايات قال: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم}. رواه أحمد ومسلم. قال في المنتقى: وفي لفظ صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الصحيح. ولأحمد ومسلم: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها . ولعبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: صليت خلف رسول الله وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم قال شعبة قلت لقتادة: أنت سمعت من أنس؟ قال: نعم نحن سألناه عنه. وللنسائي عن منصور بن زازان عن أنس قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما اهـ.
قال الشوكاني في شرح الحديث: ورواية فكانوا لا يجهرون أخرجها أيضا ابن حبان والدارقطني، والطحاوي والطبراني. وفي لفظ لابن خزيمة: كانوا يسرون - وقوله: كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين هذا متفق عليه. وإنما انفرد مسلم بزيادة: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم وقد أعل هذا اللفظ بالاضطراب وفسر بأن جماعة من أصحاب شعبة رووه عنه به، وجماعة رووه عنه بلفظ: فلم أسمع أحدا منهم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم . ثم نقل عن الحافظ أن بعضهم رواه باللفظين وقد خرج كل رواية.
أقول: وقد جمعوا بين الروايات بأن المراد بالاستفتاح بالحمد لله الاستفتاح بهذه السورة فقد صح التعبير عنها في حديث آخر بجملة: الحمد لله . وبأن عدم سماعها سببه عدم الجهر بها، وقد يكون له سبب آخر وهو البعد عن أول الصف. ومن العادة أن يكون صوت القارئ خافتا في أول القراءة. وسبب ثالث وهو اشتغال المأموم عند السماع بالتحرم ودعاء الافتتاح.
وقد عورض وأعل حديث أنس على اضطراب متنه بما يأتي عنه من مخالفته له في صفة قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبما رواه الدارقطني وصححه عن أبي سلمة، قال: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين، أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك فقلت: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى في النعلين؟ قال: نعم . قالوا: وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر فقد حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع، فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات قال: - وكان صيتا يملأ صوته الجامع - فاختلفوا في ذلك فقال بعضهم: يجهر، وقال بعضهم يخفت. أ هـ.
أقول: ولم يختلف هؤلاء المصلون في صلاة واحدة، بل في جميع الصلوات، وسبب ذلك الغفلة والناس عرضة لها، ولا سيما الغفلة عن أول صلاة الإمام. إذ يكون المأمومون مشغولين بمثل ما يشغله من الدخول فيها وقراءة دعاء الافتتاح كما تقدم آنفا.
وأما أحاديث إثبات كون البسملة من الفاتحة، فمنها: ما رواه البخاري عن قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال كانت مدا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. ويمد بالرحمن وبالرحيم . وروى عنه الدارقطني من طريقين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالبسملة
. ومنها: حديث أم سلمة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها سئلت عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} رواه أحمد وأبو داود بهذا اللفظ وغيرهما.
ومنها ما رواه النسائي وغيره عن نعيم المجمر. قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن . وفيه يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال: على شرط البخاري ومسلم وأقره الحافظ الذهبي. وقال البيهقي: صحيح الإسناد وله شواهد. وقال أبو بكر الخطيب فيه: ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل، وروي عن أبي هريرة حديثان آخران بمعناه، وثق بعضهم جميع رجالهما وتكلم بعضهم في بعضهم.
ومنها: حديث علي - رضي الله عنه - سئل عن السبع المثاني فقال: {الحمد لله رب العالمين} قيل: إنما هي ست فقال: {بسم الله الرحمن الرحيم}. ورواه الدارقطني وإسناده كلهم ثقات لم يطعنوا في أحد منهم، وله حديثان آخران عنه وعن عمار بن ياسر في إثبات جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبسملة في صلاته قد تكلموا في سندها.
ومنها حديث أنس: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم رواه الحاكم وقال: ورواته عن آخرهم ثقات، وأقره الحافظ الذهبي.
وقد أورد الشوكاني في نيل الأوطار هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها من الروايات الضعيفة الأسانيد الصحيحة المتون، وذكر حمل الروايات الصحيحة من أحاديث النفي المعارضة لها على عدم الجهر بالبسملة من باب حمل المطلق على المقيد وهو ترك الجهر، ثم قال:
إذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه. قال الحافظ - ابن حجر - لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي - أي كما هي القاعدة - لأن أنسا يبعد جدا أن يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة عشر سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه إلا الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر أ هـ.
أقول: وقد تقدم نص الرواية عنه بنسيان هذا الحكم آنفا فعد حديثه مضطربا لا يحتج به. قال الحافظ ابن عبد البر بعد سرده روايات حديثه في الاستذكار: هذا الاضطراب لا تقوم معه حجة. وقد سئل عن ذلك أنس فقال: كبرت سني ونسيت. أ هـ
وقد روى الطبراني في الكبير والأوسط في سبب ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - للجهر بالبسملة في الصلاة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزءون بمكاء وتصدية، ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة - وكان مسيلمة الكذاب يسمى رحمن - فأنزل الله { ولا تجهر بصلاتك } [الإسراء: 110] فتسمع المشركين فيهزءوا بك { ولا تخافت بها } [الإسراء: 110] عن أصحابك فلا تسمعهم. وقد قال في مجمع الزوائد: إن رجاله موثقون. وقال الحكيم الترمذي. فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم وإن زالت العلة. وجمع به القرطبي بين الروايات.
وقال ابن القيم في زاد المعاد: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفتها أكثر مما جهر بها إلخ . وهذا القول معقول، وإذا صح أن سببه ما رواه الطبراني واعتمده القرطبي والنيسابوري والحكيم الترمذي يكون ترك الجهر في أول الإسلام بمكة وأوائل الهجرة، والجهر فيما بعده، وقد علمت ما في حديثي أنس وأبي قتادة المخالفين لهذا.
ولا يغرن أحدا قول العلماء إن منكر البسملة من الفاتحة أو من كل سورة لا يكفر ومثبتها لا يكفر فيظن أن سبب هذا عدم ثبوتها بالدليل القطعي، كلا إنها ثابتة ولكن منكرها لا يكفر لتأويله الدليل القطعي بشبه المعارضة التي تقدمت وبينا ضعفها، وسنزيده بيانا والشبهة تدرأ حد الردة.
وجملة القول أن اختلاف الروايات الآحادية في الإسرار بالبسملة والجهر بها قوي، وأما الاختلاف في كونها من الفاتحة أو ليست منها فضعيف جدا جدا وإن قال به بعض كبار العلماء ذهولا عن رسم المصحف الإمام القطعي المتواتر والقراءات المتواترة التي لا يصح أن تعارض بروايات أحادية، أو بنظريات جدلية، وأصحاب الجدل يجمعون بين الغث والسمين وبين الضدين والنقيضين، وصاحب الحق منهم يشتبه بغيره، وربما يظهر عليه المبطل بخلابته، إذا كان ألحن بحجته.
وقد ذكر الرازي في تفسيره سبع عشرة حجة على إثبات كون البسملة من الفاتحة منها القوية والضعيفة، وتصدى له الألوسي محاولا دحضها تعصبا لمذهبه الذي تنحله في الكبر إذ كان شافعيا فتحول حنفيا تقربا إلى الدولة وصرح بهذا التعصب إذ قال هنا: على المرء نصرة مذهبه والذب عنه إلخ. وهذه كبرى زلاته المثبتة لعدم استقلاله بعدم طلبه الحق لذاته، حتى إنه مارى في حجة لإثبات البسملة في أولها بخط المصحف المتواتر فجعلها دليلا على كونه من القرآن دون كونها من الفاتحة، وهو من تمحل الجدل، فلا معنى لكونها آية مستقلة في القرآن ألحقت بسوره كلها إلا واحدة وليست في شيء منها ولا في فاتحته التي اقتدوا بها في بدء كتبهم كلها، إنه لقول واه تبطله عبادتهم وسيرتهم، وينبذه ذوقهم، لولا فتنة الروايات والتقليد. فتعارض الراويات اغتر به أفراد مستقلون، وبالتقليد فتن كثيرون، ولله في خلقه شئون.
على أن الألوسي حكم وجدانه واستفتى قلبه في بعض فروع المسألة، فأفتاه بوجوب قراءة الفاتحة والبسملة في الصلاة، وخانه في كونها آية منها، وأورد في حاشية تفسيره على ذلك إشكالا استكبره جد الاستكبار وما هو بكبير، فنحن نذكر عبارتيه، ونقفي عليهما بالرد عليه. قال في تفسيره روح المعاني : وبالجملة يكاد أن يكون اعقتاد كون البسملة جزءا من سورة (1) من الفطريات!! كما لا يخفى على من سلم له وجدانه (!!) فهي آية من القرآن مستقلة ولا ينبغي لمن وقف على الأحاديث أن يتوقف في قرآنيتها. أو ينكر وجوب قراءتها ويقول بسنيتها، فوالله لو ملئت لي الأرض ذهبا لا أذهب إلى هذا القول وإن أمكنني بفضل الله توجيهه (!!) كيف وكتب الأحاديث ملأى بما يدل على خلافه. وهو الذي صح عندي عن الإمام - يعني إمامه الجديد أبا حنيفةرحمه الله تعالى - والقول بأنه لم ينص بشيء ليس بشيء، وكيف لا ينص إلى آخر عمره في مثل هذا الأمر الخطير الدائر عليه أمر الصلاة من صحتها أو استكمالها، ويمكن أن يناط به بعض الأحكام الشرعية، وأمور الديانات كالطلاق والحلف والعتق. وهو الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم، رضي الله عنه ؟
وكتب في حاشيته عند قوله: فهي آية من القرآن مستقلة ما نصه:
استشكل بعضهم الإثبات والنفي، فإن القرآن لا يثبت بالظن ولا ينفى به. وهو إشكال كالجبل العظيم (؟) وأجيب عنه أن حكم البسملة في ذلك حكم الحروف المختلف فيها بين القراء السبعة قطعية الإثبات والنفي معا (!!) ولهذا قرأ بعضهم بإثباتها وبعضهم بإسقاطها، وإن اجتمعت المصاحف على الإثبات، فإن من القراءات ما جاء على خلاف خطها كالصراط ومصيطر فإنهما قرئا بالسين ولم يكتبا إلا بالصاد { وما هو على الغيب بضنين } [التكوير :24] تقرأ بالظاء ولم تكتب إلا بالضاد ففي البسملة التخيير، وتتحتم قراءتها في الفاتحة عند الشافعي احتياطيا (!!) وخروجا من عهدة الصلاة الواجبة بيقين لتوقف صحتها على ما أسماه الشرع فاتحة الكتاب فافهم، والله أعلم بالصواب ا هـ
أقول: نعم. إن الله أعلم بالصواب، وقد وفق لعلمه أولي الألباب، وهم { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } [الزمر: 18] دون الذين يستمعون القول فيتبعون منه ما وافق رواية فلان ورأي فلان، ويوجبون على أنفسهم نصره ولو بتأويل ما مضت به السنة العملية وثبت بنص القرآن، ولولا عصبية المذاهب عند المقلدين، والغرور بظواهر بعض الروايات عند الأثريين، لما اختلف أحد من الفريقين في هذه المسألة، ونحمد الله تعالى أن اختلافهم فيها قولي جدلي لا عملي.
سبحان الله! ما أعجب صنع الله في عقول البشر! أيقول السيد محمود الألوسي العالم الذكي النزاع إلى استقلال الفكر في كثير من مسائل التفسير. وبالرغم من رضائه بمهانة جهالة التقليد: إن استشكال الجمع بين الإثبات والنفي القطعيين في مسألة البسملة إشكال كالجبل العظيم ؟ ثم يرضى بالجواب عنه بما يقرر به الجمع بين الإثبات والنفي القطعيين.
سبحان الله! إن الجمع بين النفي والإثبات هو التناقض الحقيقي الذي يعز إيراد مثال للمحال العقلي مثله، فكيف يصدر القول به عن عالم أو عن عاقل؟
إن الإشكال الذي نظر إليه المفسر بعيني التقليد العمياوين فرآه كالجبل العظيم، هو في نفسه صغير حقير ضئيل قميء خفي كالذرة من الهباء، أو كالجزء لا يتجزأ من حيث كونه لا يرى ولا يثبت إلا بطريقة الفرض، أو كالعدم المحض.
والجواب الحق: أنه لم ينف أحد من القراء كون البسملة من الفاتحة نفيا حقيقيا برواية متواترة عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - تصرح بأنها ليست من الفاتحة - كما يقول بعض الناس بشبهة عدم رواية القراء لها، وشبه تعارض الروايات الآحادية التي ذكرنا أقواها والمخرج منها - أو ليست إلا جزء آية من سورة النمل، كما زعم من لا شبهة لهم على النفي تستحق أن يجاب عنها. وإنما أثبت بعض القراء بالروايات المتواترة: أن البسملة آية من الفاتحة وبعضهم لم يرو ذلك بأسانيده المتواترة، وعدم نقل الإثبات للشيء ليس نفيا لذلك الشيء، لا رواية ولا دراية. وأعم من هذا، ما قال العلماء، من أن بين عدم إثبات الشيء وبين إثبات عدمه بونا بعيدا كما هو معلوم بالضرورة. ولو فرضنا أن بعضهم روى التصريح بالنفي لجزمنا بأن روايته باطلة سببها أن بعض رجال سندها اشتبه عليه عدم الإثبات بإثبات النفي، إذ يستحيل عقلا أن يكون الأمران المتناقضان قطعيين معا، ورواية الإثبات لا يمكن الطعن فيها، وناهيك وقد عززت بخط المصحف الذي هو بتواتره خطا وتلقينا أقوى من جميع الروايات القولية وأعصى على التأويل والاحتمال، وأما القول بأنها آية مستقلة بين كل سورتين للفصل بينهما ما عدا الفصل بين سورتي الأنفال وبراءة، فما هو إلا رأي للجمع بين الروايات الآحادية الظنية المتعارضة، ويمكن الجمع بغيره مما لا إشكال فيه، إذ لو كانت البسملة للفصل بين السور لم توضع في أول الفاتحة ولم تحذف من أول براءة للعلة التي ذكرناها عنهم في هذا البحث فهي لا تتحقق إلا إذا كانت البسملة من السورة، ورد على ذلك ما أوردناه من المعاني والحكم في بدء القرآن بها، وما صح مرفوعا من كونها هي السبع المثاني.
وأما الجواب الذي نقله الألوسي وارتضاه فلا يستغرب صدوره ولا إقراره ممن يثبت الجمع بين النقيضين المنطقيين ويفتخر بأنه يمكنه توجيه ما يعتقد بطلانه على أنه جواب عن إشكال غير وارد، وبعبارة أخرى ليس جوابا عن إشكال إذ لا إشكال. والخلاف بين القراء في مثل السراط و الصراط، ومسيطر ومصيطر، وضنين، وظنين، ليس خلافا بين النفي والإثبات كمسألة البسملة بل هي قراءات ثابتة بالتواتر، فأما ضنين وظنين فهما قراءتان متواترتان - كمالك وملك في الفاتحة - كتبت قراءة الضاد في مصحف أبي وهو الذي وزع في الأمصار وقرأ بها الجمهور، وقراءة الظاء في مصحف عبد الله بن مسعود وقرأ بها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ولكل منهما معنى وليستا من قبيل تسهيل القراءة لقرب المخرج كما سيأتي في بيان الفرق بين مخرجي الحرفين قريبا، وأما السراط والصراط ومسيطر ومصيطر فلا فرق بينهما إلا تفخيم السين وترقيقه وبكل منهما نطق بعض العرب وثبت به النص فهو من قبيل ما صح من تحقيق الهمزة و تسهيلها، ومن الإمالة وعدمها، فلا تنافي بين هذه القراءات فنعد إثبات إحداها نفيا لمقابلتها كما هو بديهي. على أن خط المصحف أقوى الحجج فلو فرضنا تعارض هذه القراءات لكان هو المرجح، ولكن لا تعارض ولله الحمد.
نكتفي بهذا ردا لما في كلام الألوسي وأمثاله من الخطأ، فإن غيره لا يعنينا في موضوعنا ولا سيما ما رجحه عن إمامه وخالف فيه غيره، وعلله بإطلاقهم عليه لقب الإمام الأعظم، وزيادته هو عليهم لقب المجتهد الأقدم، مع علمه بأن علماء الصحابة والتابعين أقدم منه اجتهادا، وأن هذه الألقاب وإن صح معناها لا تقتضي عدم الخطأ ولا عدم النسيان ولا إهمال بعض المسائل المهمة. ونحن يسرنا أن يصح ما ذكره، وأن يخطئ ما أنكره، فإن من المصائب أن يوجد في المسلمين عالم ينكر ما ثبت في خط المصحف المتواتر كتابة ورواية. وقد نقل الرازي أن أبا حنيفة ليس له نص في المسألة، وإنما قال: يقرأ البسملة ويسر بها، ولم يقل إنها آية من أول السورة أم لا. (قال الرازي): وسئل محمد بن الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: ما بين الدفتين كلام الله، قال (أي السائل له): فلم تسره؟ قال: فلم يجبني. وقال الكرخي: لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدمي أصحابنا، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة. وقال بعض فقهاء الحنفية: تورع أبو حنيفة وأصحابه عن الوقوع في هذه المسألة؛ لأن الخوض في أن البسملة من القرآن أو ليست منه أمر عظيم، فالأولى السكوت عنه ا هـ.
أقول: من الخطأ البين الاستدلال بأمر بعض الفقهاء بإخفاء البسملة على كونها ليست من القرآن، مع الإجماع على أن ما بين دفتي المصحف قرآن منزل من الله. على أن الروايات الصحيحة في الأحاديث فيها الجهر بالبسملة والإسرار، وروايات الجهر أقوى وأبعد عن التعليل والتأويل.
وصفوة القول: أن دلالة المصحف أقوى الدلالات، ترجح على كل ما عارضها من الروايات، ودلالتها قطعية، تؤيدها الروايات المتواترة في إثباتها، والإجماع العملي على قراءتها، ولا ينافيها عدم رواية بعضهم لها. فالمسألة قطعية في نفسها، وإنما جعلوها اجتهادية باختلاف الروايات الآحادية في قراءتها، وقد علمت ما فيها والله الموفق للصواب.
فضل الفاتحة وكونها هي السبع المثاني
قال الله تعالى في سورة الحجر مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } [الحجر: 87] وقد ثبت في الحديث الصحيح والآثار الصحيحة عن الصحابة والتابعين: أن السبع المثاني هي سورة الفاتحة ، ومعنى كونها مثاني: أنها تثنى وتعاد في كل ركعة من الصلاة لفرضيتها فيها كما تقدم، وقيل معناه: أنها يثنى فيها على الله تعالى بما أمره، وقيل غير ذلك: فأما الحديث المرفوع في تفصيلها وكونها هي المرادة بالسبع المثاني فهو ما رواه البخاري في مواضع من صحيحه، وأصحاب السنن عن أبي سعيد بن المعلى، وروى نحوه مالك والترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة. ذكر أبو سعيد بن المعلى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له وهما في المسجد: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن نخرج من المسجد - وفي رواية: قبل أن أخرج - (قال): أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ فقال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته وفي حديث أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بن كعب: أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل في التوراة ولا الإنجيل ولا في الفرقان مثلها؟ قال أبي: ثم أخذ بيدي يحدثني وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث ولما سأله عن السورة قال: كيف نقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم الكتاب فقال: إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته . وفيه إزالة إشكال في حديث أبي سعيد بن المعلى، وهو أن ظاهره يوهم أنه لم يكن يعرف الفاتحة مع أنه كان يصلي في ذلك اليوم وقبله فهو من الأنصار - وقد علم من حديث أبي هريرة: أن المراد بتعليمه هذه السورة تعليمه ما فيها من الفضيلة على غيرها، وكونها هي المرادة بآية سورة الحجر. وأما عطف القرآن على سبعا من المثاني فهو من عطف الكل على الجزء أو العام على الخاص، وقيل في توجيهه غير ذلك.
وقد تعلق برواية الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني من قالوا: إن البسملة ليست من الفاتحة. وعكس الآخرون قائلين: إن المراد بالجملة الأولى لفظها على أنه اسم السورة وإلا ما صح قوله: هي السبع المثاني؛ لأنها آية واحدة، وإنما السبع المثاني: هي آيات الفاتحة السبع، وهي ليست سبعا إلا بالبسملة آية منها، فكونها منها ثابت بالقرآن أي بآية سورة الحجر، كما فسرها أعلم الناس به وهو الرسول الذي أنزله الله عليه، وكبار أصحابه والتابعين والحديث يدل على تسميتها بالحمد لله رب العالمين، إذ لا يصح معناه إلا بذلك.
وأما الآثار فقد فصلها السيوطي في الدر المنثور، وأجملها الحافظ في الفتح مع بيان درجة أسانيدها بقوله: وقد روى الطبري بإسنادين جيدين عن عمر ثم عن علي قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب - زاد عن عمر تثنى في كل ركعة وبإسناد منقطع عن ابن مسعود مثله، وبإسناد حسن عن ابن عباس: أنه قرأ الفاتحة، ثم قال: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } [الحجر: 87] قال: هي فاتحة الكتاب، وبسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة ومن طريق جماعة من التابعين: السبع المثاني فاتحة الكتاب. ومن طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب: قلت للربيع: إنهم يقولون: إنها السبع الطول (جمع طولى مؤنث أطول) قال: لقد أنزلت هذه الآية وما نزل من الطول شيء. ا هـ.
يقول محمد رشيد: يعني أن سورة الحجر التي فيها هذه الآية قد نزلت بمكة قبل السور السبع الطول وهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة - المدنيات - والأنعام والأعراف، ويونس - المكيات - كذا قال بعضهم في السابعة: إنها سورة يونس، قال آخرون: هي الأنفال، وبراءة - وعدهما سورة واحدة - وقال بعضهم: إن الراوي نسي السابعة عن ابن عباس.
والقول بأنها السبع الطول، رواه النسائي والطبري والحاكم عن ابن عباس بإسناد قوي كما قال الحافظ. ولا حاجة إلى التفصيل فيه فإنه مردود لمخالفته للحديث الصحيح المرفوع، ولا قول لأحد من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومنه يعلم أن قوة الإسناد لا قيمة لها تجاه الدليل القوي على بطلان متن الرواية.
استدراك على تفسير المغضوب عليهم والضالين
ورد في الحديث المرفوع تفسير {المغضوب عليهم} باليهود، و {الضالين} بالنصارى، رواه أحمد والترمذي وحسنه ابن حبان وصححه غيرهم، ونقلنا عن شيخنا الأستاذ الإمام عزوه إلى بعضهم، أي بعض المفسرين وهو يريد أن بعض المفسرين اختار أن هذا هو المعنى المراد، وهو لم يكن يجهل أن هذا روي مرفوعا، ولكنه كان يعلم ـ مع هذا ـ أن أكثر المفسرين فسروا اللفظين بما يدلان عليه لغة حتى بعض أهل الحديث منهم، وكأنهم لم يروا أن الحديث صحيح، فقد قال البغوي الملقب بمحيي السنة في تفسيره (معالم التنزيل) بعد تفسيرهما بمدلولهما اللغوي، قيل: المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى؛ لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: { لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60] وحكم على النصارى بالضلال فقال: { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل } المائدة: 77] وقال سهل بن عبد الله: غير المغضوب عليهم بالبدعة، ولا الضالين عن السنة ا هـ. فعبر عن هذا القول بقيل الدال على ضعفه عنده ولم يستدل عليه بالحديث.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ لا ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين وهما: طريقة اليهود والنصارى. ا هـ.
وبعد كلام طويل في إعراب غير و لا إنما جيئ بـ لا لتأكيد النفي لئلا يتوهم أنه معطوف على {الذين أنعمت عليهم} وللفرق بين الطريقتين لتجتنب كل واحدة منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى ـ واستشهد بالآيتين اللتين استشهد بهما البغوي، ثم ذكر الحديث ورواياته وهو عند أحمد والترمذي وكذا ابن حبان من طريق سماك بن حرب عن عدي بن حاتم، قال الترمذي، حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وسماك ضعفه جماعة ووثقه آخرون، واتفقوا على أنه تغير في آخر عمره بل خرف، فما رواه في هذه الحال فلا جدال في رده بالاتفاق، وأخرجه ابن مردويه عن أبي ذر أيضا بسند، قال الحافظ في الفتح، إنه حسن، وقال ابن أبي حاتم: إنه لا يعرف في تفسيرهما بما ذكر خلافا يعني المأثور، ومع هذا نقول: إن ما ذكره المحققون من الوجوه الأخرى لا يعد مخالفة للمأثور الذي هو من قبيل تفسير العام ببعض أفراده، من قبيل التمثيل لا التخصيص، ولا الحصر بالأولى.
التأمين بعد الفاتحة
عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وقال ابن شهاب: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: آمين . رواه الجماعة، إلا أن الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب، وفي رواية: إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أحمد والنسائي. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلا {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: آمين. حتى يسمع من يليه من الصف الأول رواه أبو داود وابن ماجه وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد وعن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقال: آمين. يمد بها صوته ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي. اهـ منتقى الأخبار.
وهذه الأحاديث كلها صحيحة وأخرجها غير من ذكر، وزاد أبو داود في الأخير منها ورفع بها صوته قال الحافظ ابن حجر: وسنده صحيح، وخطأ ابن القطان في إعلانه إياه بجهالة حجر بن عنبس وقال: إنه ثقة معروف، قيل: إن له صحبة.
وهنالك أحاديث أخرى في المسألة تبلغ مع هذه سبعة عشر حديثا، وهذه أصحها. قال الشوكاني في نيل الأوطار عند شرح حديث أبي هريرة الأول: والحديث يدل على مشروعية التأمين. قال الحافظ: وهذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه عملا بظاهر الأمر، وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي، والظاهر من الحديث وجوبه على المأموم فقط، لكن لا مطلقا بل مقيدا بأن يؤمن الإمام، وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط.
قال: وحكى المهدي في البحر عن العترة جميعا، أن التأمين بدعة ـ وقد عرفت ثبوته عن علي - رضي الله عنه - من فعله وروايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتب أهل البيت وغيرهم ـ على أنه قد حكى السيد العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير عن الإمام المهدي. محمد بن المطهر وهو أحد أئمتهم المشاهير أنه قال في كتابه (الرياض الندية): إن رواة التأمين جم غفير، قال: وهو مذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى. ا هـ. وقد استدل صاحب البحر على أن التأمين بدعة بحديث معاوية بن الحكم السلمي إن هذه صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولا شك أن أحاديث التأمين خاصة وهذا عام، وإن كانت أحاديثه الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوى بعضها على تخصيص حديث واحد من الصحابة ـ مع أنها مندرجة تحت تلك العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة؛ لأن التأمين دعاء، فليس في الصلاة تشهد، وقد أثبته العترة، فما هو جوابهم في إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك. على أن المراد بكلام الناس في الحديث هو تكليمهم؛ لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم ويدل على ذلك السبب المذكور في الحديث. أ هـ.
والمراد بقوله السبب المذكور في الحديث: هو أن معاوية بن الحكم السلمي شمت عاطسا في الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فرماه القوم بأبصارهم فقال: وا ثكل أماه، مالكم تنظرون إلي؟ إلخ. وجملة القول: أن التأمين في الصلاة مشروع بنص الأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا وجه لمنعه بعموم أحاديث أخرى لا تنافيها، ولو عارضتها لوجب ترجيحها عليها.
واختلف في موضعه بالنسبة إلى المأموم، هل هو بعد قول الإمام: {ولا الضالين} أم عند قوله: آمين ؟ وهو مبني على أن بين الحديثين في ذلك تعارضا، وهو غفلة عن كون الإمام إنما يؤمن بعد قوله: {ولا الضالين} كما صرح به في رواية أحمد والنسائي لحديث أبي هريرة فمعنى الحديثين متفق، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أمن الإمام فأمنوا مبني على أن من شأن الإمام أن يؤمن عقب إتمام الفاتحة اتباعا للسنة فلا مفهوم للشرط فيه.
فائدة في مخرجي الضاد والظاء وحكم تحريف الأول
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما، وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، والله أعلم. وأما الحديث: أنا أفصح من نطق بالضاد فلا أصل له. ا هـ.
وأقول: إن أكثر أهل الأمصار العربية قد أرادوا الفرار من جعل الضاد ظاء، كما يفعل الترك وغيرهم من الأعاجم، فجعلوها أقرب إلى الطاء منها إلى الضاد حتى القراء المجودون منهم، إلا أهل العراق وأهل تونس فهم على ما نعلم أفصح أهل الأمصار نطقا بالضاد، وإننا نجد أعراب الشام وما حولها ينطقون بالضاد فيحسبها السامع ظاء لشدة قربها منها وشبهها بها. وهذا هو المحفوظ عن فصحاء العرب الأولين حتى اشتبه نقلة العربية عنهم في مفردات كثيرة قالوا: إنها سمعت بالحرفين وجمعها بعضهم في مصنف مستقل، والأشبه أنه قد اشتبه عليهم أداؤها منهم فلم يفرقوا، والفرق ظاهر ولكنه غير بعيد.
وقد قرئ قوله تعالى في سورة التكوير: { وما هو على الغيب بضنين } [التكوير: 24] بكل من الضاد والظاء، والضنين: البخيل، والظنين: المتهم، وفائدتهما نفي كل من البخل والتهمة. والمعنى: ما هو ببخيل في تبليغه فيكتم، ولا بمتهم فيكذب، قال في الكشاف: وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبي بالضاد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بهما. وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما لا بد منه للقارئ، فإن أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين، وإن فرقوا ففرقا غير صواب وبينهما بون بعيد، فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان ويساره، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أضبط: يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين، وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. وهي أحد الأحرف الذولقية، أخت الذال والثاء، ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان، واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة. ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب. ا هـ.
وأقول: صدق أبو القاسم الزمخشري في تحقيقه هذا كله إلا قوله: إن البون بين الحرفين بعيد، فالفرق ثابت ولكنه قريب، وهو يحصل بإخراج طرف اللسان بالظاء بين الثنايا كأختيه الثاء والذال، ولا شركة بينه وبينهما إلا في هذا.
التوسع في الاستنباط من معنى الفاتحة
إن ما أوردناه في تفسير الفاتحة من تلخيص لما فهمناه من دروس شيخنا ومما قرأناه في الكتب، ثم ما زدناه عليه في أصله وفي هذه الفوائد الزوائد، فالغرض منه التفقه في معاني القرآن والاهتداء به، وقد اقتصدنا فيه، فاقتصرنا على ما لا يشغل القارئ عن المقصد، وقد أطال الفخر الرازي في استطرادات عديدة، ومسائل مستنبطة من لوازم للمعاني قريبة أو بعيدة، ولكنها تشغل مريد الاهتداء بالقرآن، وأطال ابن القيم في أول كتابه مدارج السالكين القول في استنباط المسائل منها من طريق الدلالات الثلاثة: المطابقة، والتضمن، والالتزام، وأخذ في الثالثة باللزوم البين بالمعنى الأعم وبالمعنى الأخص باللزوم غير البين أيضا، بل سمى كتابه مدارج السالكين، بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين وأجمل ذلك. بقوله: في خطبة الكتاب، إنه ينبه على بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطالب، وما تضمنته من الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، وما تضمنته من: منازل السائرين، ومقامات العارفين، والفرق بين وسائلها وغاياتها، ومواهبها وكسبياتها، وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها ولا يسد مسدها، ولذلك لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ا هـ.
ومما ذكره في تفصيل ذلك: فصول في الرد على أهل الوحدة، والمجوس، والقدرية، والجهمية، والجبرية، ومنكري النبوات، والقائلين بقدم العالم.
والفرق بين هذه المستنبطات، ومستنبطات الرازي: أن أكثر تلك في المصطلحات العربية والعقلية والكلامية والفقهية، وأكثر هذه في المقاصد الروحية التعبدية لتلك المصطلحات والعلوم، فهي تزيد قارئها دينا وإيمانا وتقوى، ولكن لا يصح أن يسمى شيء منهما تفسيرا للفاتحة، ولو كنا نعده تفسيرا لاقتبسناه أو لخصناه في هذه الفوائد.
وللصوفية منازع فيها أبعد عن اللغة والنقل والعقل من كل ذلك، جرأت مثل الدجال ميرزا غلام أحمد القادياني، الذي ادعى النبوة والوحي في هذا العصر، وزعم أنه المسيح الذي ينتظره أهل الملل في آخر الزمان - جرأته على ادعاء دلالة البسملة على دعواه الباطلة!! وقد فندنا شبهة أمثال هؤلاء في تفسير قوله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } [الأنعام: 38].
وقد ذهب بعض المعاصرين مذهبا أبعد من هذا وذاك في تفسير الفاتحة وغيرها من القرآن، فهو يرى أن تفسير لفظ العالمين ـ مثلا ـ يقتضي بيان كل ما وصل إليه علم البشر من مدلول هذا اللفظ، وأن تفسير لفظي {الرحمن} و {الرحيم} يقتضي بيان كل ما يعرف من نعم الله وإحسانه بخلقه وإلى خلقه من كل وجه، فاتباع هذا المذهب في تفسير الفاتحة أو آية أو كلمة منها لا يكمل إلا بكتابة ألوف من المجلدات يدون فيها كل ما وصل إليه علم جميع علماء الأرض في أعيان العالم، وصفاتها وأحوالها من أدنى الحشرات إلى أرقى البشر من حكماء الصديقين، والأنبياء المرسلين، وإن عد مثل هذا من التفسير إضلال عن القرآن، وإنما يحسن في التفسير تذكير المؤمن بألا يغفل عن ذكر الله والتفكر في آياته ورحمته ونعمه في كل نوع من مخلوقاته، عند النظر فيها، والتفكر في آيات الله الدالة عليها.
ونزع بعض الدجالين والمخرفين منزعا آخر سبقهم إليه اليهود، وهو استنباط المعاني من أعداد حروف الهجاء بحساب الجمل، قال بعضهم: إن القرآن يدل على قيام الساعة سيكون في سنة 1407 للهجرة، وهو عدد حروف بغتة من قوله تعالى: { لا تأتيكم إلا بغتة } [الأعراف: 187] ولهؤلاء في الحروف المقطعة في أوائل السور وفي أعدادها ضلالات لا نضيع الوقت بكتابتها، فلدلالة الألفاظ على المعاني طرق في اللغة لا تخرج عنها، وليس هذا منها.
ما ينبغي تدبره واستحضاره من معاني الفاتحة وغيرها في الصلاة
إذا قمت أيها المسلم إلى الصلاة فوجه كل قلبك فيها إلى استحضار كل ما يتحرك به لسانك من ذكر وتلاوة.
فإذا قلت: الله أكبر فحسبك أن تذكر في قلبك أن الله تعالى أعظم من كل عظيم، وأكبر من كل شيء، فلا يصح أن يشغلك عن الصلاة له أو فيها شيء دونه، وكل شيء دونه.
وإذا قرأت ما ورد في ذكر الافتتاح فلا تشغل نفسك بغير معناه وهو ظاهر، وإذا استعذت بالله تعالى قبل القراءة عملا بعموم قوله تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [النحل:98] فتصور من معنى صيغة الاستعاذة أنك تلجأ إلى الله تعالى وتعتصم به من وسوسة الشيطان الشاغلة عن الصلاة وما يجب فيها من التدبر لكتابه والخشوع والإخلاص له تعالى.
وإذا قرأت البسملة فاستحضر من معناها: إنني أصلي {بسم الله} ولله الذي شرع الصلاة وأقدرني عليها {الرحمن الرحيم} ذي الرحمة العامة التي وسعت كل شيء والخاصة بمن شاء من عباده المخلصين.
وإذا قلت: {الحمد لله رب العالمين} فاستحضر من معناها أن كل ثناء جميل بالحق فهو لله تعالى استحقاقا وفعلا، من حيث إنه الرب خالق العالمين ومدبر جميع أمورهم {الرحمن} في نفسه {الرحيم} بخلقه {مالك يوم الدين} ذي الملك والتصرف دون غيره يوم محاسبة الخلق ومجازاتهم بأعمالهم فلا يرجى غيره، وإذا قلت: {إياك نعبد} إلخ فتذكر أنك تخاطب هذا الرب العظيم كفاحا بما يجب أن تكون صادقا فيه، ومعناه نعبدك وحدك دون سواك بدعائك والتوجه إليك {وإياك نستعين} نطلب معونتك وحدك على عبادتك وعلى جميع شئوننا، بالعلم بما أعطيتنا من الأسباب، وبالتوكل عليك وحدك عند العجز عنها {اهدنا الصراط المستقيم} دلنا وأوصلنا بتوفيقك ومعونتك إلى طريق الحق في العلم والعمل، الذي لا عوج فيه ولا زلل {صراط الذين أنعمت عليهم} بالإيمان الصحيح والعمل الصالح وثمرتهما وهي سعادة الدارين، وتذكر إجمالا أولئك المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن حظك من هذه الهداية لصراطهم إنما يكون بالتأسي والاقتداء بهم في الدنيا، ومرافقتهم في الآخرة، وحسن أولئك رفيقا {صراط الذين أنعمت عليهم} فضلا وإحسانا منك {غير المغضوب عليهم} بإيثارهم الباطل على الحق، وترجيحهم الشر على الخير {ولا الضالين} عن طريق الحق والخير بجهلهم { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } [الكهف: 104].
وأنصح لك أيها التالي للقرآن في الصلاة وفي غير الصلاة، أن تقرأه على مكث وتمهل، بخشوع وتدبر، وأن تقف على رءوس الآيات، وتعطي القراءة حقها من التجويد والنغمات، مع اجتناب التكلف والتطريب، واتقاء الاشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإن قراءة آية واحدة مع التدبر والخشوع، خير لك من قراءة ختمة مع الغفلة، ومن المجربات: أن تغميض العينين في الصلاة يثير الخواطر، ولذلك كان مكروها، وأن رفع الصوت المعتدل في الصلاة الجهرية ولا سيما صلاة الليل يطرد الغفلة، ويوقظ راقد الخشية، وإعطاء كل أسلوب حقه من الأداء والصوت يعين على الفهم، ويستفيض ما غاض بطول الغفلة من شآبيب الدمع.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الثِّقَةُ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ رَحِمَهُ اللَّهُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي شَهْرِ اللَّهِ الْأَصَمِّ رَجَبٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمِّي الْعَدْلُ أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ فَأَقَرَّ بِهِ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَ: أَنْبَأَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَمَذَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِسُوقِ يَحْيَى مَشْرَعَةَ التَّبَّانِينَ فِي الْمَسْجِدِ قَدِمَ عَلَيْنَا وَقْتَ الْحَجِّ فِي غُرَّةِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمَذَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُجَاوِزُونَ الْعَشْرَ حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالَ: فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعاً [الفاتحة: 1]
قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، قال: وحدثني أبي عن الهذيل عن مُقَاتِلٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ مَدَنِيَّةٌ .
سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ كوفية وهي مدنية ويقال مكية .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
فمن ذلك أن في كسر الباء قولين:
- أحدهما: إنها كسرت لتكون حركتها مشبهة لعملها.
القول الثاني: إنها كسرت ليفرق بين ما لا يكون إلا "[حرفاً وبين ما] قد يكون اسماً نحو الكاف، وكذلك لام الجر.
وأصل الحروف التي تدخل للمعاني أن تكون مفتوحة لخفة الفتحة نحو حروف العطف وألف الاستفهام وشبهه.
ولكن خرجت الباء واللام عن الأصل للعلة التي ذكرنا.
وقيل: إنما كسرت لام الجر للفرق بينها، وبين لام التأكيد في قولك: "إن هذا لزيد" إذا أردت أن المشار إليه هو زيد، وإذا أردت أن المشار إليه في ملك زيد كسرت اللام.
ويدل على أن أصلها الفتح أنها تفتح مع المضمر إذ قد أمن اللبس لأن علامة المجرور خلاف علامة المرفوع. تقول: "هذا له وهذا لك"، وأيضاً فإن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها. هذا أصل مجمع عليه في كلام العرب، وسترى منه أشياء فيما بعد إن شاء الله.
ومن ذلك أن "اسما" فيه أربع لغات: "اسم" بكسر الألف وبضمها، و "سِم" بضم السين وبكسرها. فَمن ضَم الألف في الابتداء جعله من "سما يسمو" إذ ارتفع "كدعا يدعو". ومَن كسرها جعله من [سَميَ يَسْمَى] "كرَضِيَ يَرْضَى".
قال ابن كيسان: "يقال: "سموت وسميت كعلوت وعليت، وأصله سُمْوٌ أو سِمْوٌ على [وزن] فُعْلٌ أو فِعْلٌ، ثم حذفت الواو استخفافاً لكثرة الاستعمال.
فلما تغير آخره غير أوله بالسكون، فاحتيج إلى ألف وصل ليوصل بها إلى النطق بالساكن وهو السين المغيرة إلى السكون".
واختلف في كسرة الألف المجتلبة. فقيل: اجتلبت ساكنة وبعدها ساكن فكسرت لالتقاء الساكنين.
وقيل: بل اجتلبت مكسورة، وإنما ضمت إذا كان الثالث من الفعل مضموماً لاستثقال الخروج من كسر إلى ضم ، وضمت الألف إذا كان الثالث من الفعل مضموماً ليخرج الناطق من ضم إلى ضم، نحو: "أُقْتل، أُخْرج"، فذلك أسهل من الخروج من كسر إلى ضم.
وقيل: بل أصلها السكون لكن لا بد من حركتها إذ لا يبدأ بساكن فأتبعت ثالث الفعل، فكسرت إذا كان الثالث مكسوراً نحو "إضرب". وضمت إذا كان الثالث مضموماً نحو "أُقْتُل". ولم تفتح إذا كان الثالث مفتوحاً لئلا تشبه ألف المتكلم فكسرت، وكان الكسر أولى بها والثالث مفتوح لأن الخفض والنصب أخوان، وذلك نحو: "اصنع".
و "اسم" عند البصريين مشتق من السمو؛ يدل على ذلك قولهم في التصغير "سمي". فرجعت اللام المحذوفة إلى أصلها، ورجعت السين إلى حركتها لأن التصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها.
وقال الكوفيون: "هو مشتق من السمة وهي العلامة لأن صاحبه يعرف به، وليس يسمو به، كما ذكر البصريون أن اشتقاقه من السمو وهو العلو".
قال أبو محمد: وقول الكوفيين قول يساعده المعنى ويبطله التصريف لأنهم يلزمهم أن يقولوا في التصغير "وُسَيْمٌ"، لأن فاء الفعل واو محذوفة فيجب ردها في التصغير، وذلك لا يقوله أحد. وقد شرحنا هذه المسألة بأشبع من هذا في غير هذا الكتاب.
والباء من ﴿بِسمِ ٱللهِ﴾ متعلقة بمحذوف. ذلك المحذوف خبر ابتداء مضمر قامت الباء وما اتصل بها مقامه، فهي وما بعدها في موضع رفع إذ سدت مسد الخبر للابتداء المحذوف، تقديره: "ابتدائي ثابت بسم الله" أو "مستقر بسم الله"، ثم حذف الخبر وقامت الباء وما بعدها مقامه، وهذا مذهب البصريين.
وقال الكوفيون: "الباء متعلقة بفعل محذوف، وهي وما بعدها في موضع نصب بذلك الفعل"، تقديره عندهم: "ابتدأت بسم الله".
والاسم هو المسمى عند أهل السنة. قال أبو عبيدة: "معنى باسم الله: بالله".
وقال: "اسم الشيء هو الشيء".
ودل على ذلك قوله "﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] أي سبح ربك، أي نزه ربك.
واختلف النحويون في علة حذف الألف من الخط في ﴿بِسمِ ٱلله﴾؛ فقال الكسائي والفراء: "حذفت لكثرة الاستعمال".
وقال الأخفش "حذفت لعدمها من اللفظ. ويلزمه ذلك في كل ألف وصل لأنها معدومة أبداً في اللفظ في الوصل، لكنه قال: "مع كثرة الاستعمال بجعل حذفها لاجتماع العلتين".
وقيل [بل] حذفت لأن الباء دخلت على سين مكسورة أو مضمومة.
حكى ابن زيد أنه يقال: "سِمٌ" و "سُمٌ"، ثم أسكنت السين إذ ليس في الكلام فعل على مذهب من ضم السين وأسكنت على مذهب مَن كسر السين استخفافاً.
وقيل: حذفت الألف للزوم الباء هذا الاسم في الابتداء، فإن كتبت "بسم الرحمٰن" أو "بسم الخالق" و﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فالأخفش والكسائي يكتبان هذا وما أشبهه بغير ألف "كبسم الله". والفراء يكتبه بألف إذ لم يكثر استعماله، ككثرة استعمال "بسم الله". ولا يحسن الحذف للألف من الخط عند جميعهم إلا مع الباء. لو قلت: "لاسم الله حلاوة" أو قلت: "ليس اسم كاسم الله"، لم يجز حذف الألف مع غير الباء من حروف الجر، إلا على قول مَن قال: "سِمٌ" أو "سُمٌ" فأما مَن قال "اسم" بألف في الابتداء بكسر الألف أو بضمها فلا يجوز حذف الألف من الخط مع غير الباء عند أحد من النحويين إذ لم يكثر استعماله.
والحمد لله معناه الثناء الكامل. والشكر الشامل لله يكون لأفعاله الحسنة وفضائله الكاملة، والحمد أعم من الشكر وأمدح. ورفعه بالابتداء، "وَلِلَّهِ" في موضع الخبر تقديره: "الحمد ثابت لله" أو "مستقر لله". فاللام متعلقة بهذا المحذوف الذي قامت اللام وما بعدها مقامه.
والنصب جائز في الحمد في الكلام على المصدر، لكن الرفع فيه أعم لأن معناه إذا رفعتَه جميع "الحمد مني ومن جميع الخلق لله" وإذا نصبت فمعناه: "أحمد الله حمداً"، فإنما هو حمد منك لله لا غير. فالرفع يدل على أن الحمد منك ومن غيرك لله، فهو أعم وأكمل، فلذلك أجمع القراء على رفعه في جميع ما وقع في القرآن من لفظ ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾، إذ لم يكن قبله عامل فإذا كان "الحمد" مبتدأ، و "لله" خبر، وهو في اللفظ بمنزلة قولك: "المال لزيد" في حكم الإعراب، وليس مثله في المعنى لأنك إذا قلت: "الحمد لله" أخبرت بهذا، وأنت معتمد أن تكون حامداً لله داخلاً في جملة الحامدين طالباً للأجر على قولك، مقراً إذا رفعته أن جميع الحمد منك ومن غيرك لله متقرباً بذلك إلى الله، متعرضاً لعفوه مظهراً ما في قلبك بلسانك، شاهداً بذلك لله. ولست تخبر أحداً بشيء يجهله، فأنت غير مخبر على الحقيقة بشيء استقر علمه عندك، وليس ذلك العلم عند غيرك. وإذا قلت: "المال لزيد"، فأنت مخبر بما استقر علمه عندك مما ليس علمه عند غيرك. فاعرف الفرق بينهما.
فأما علة حذف الألف الثانية من "الله" في الخط ففيها أيضاً اختلاف.
قال قطرب: "حذف استخفافاً إذ كان طرحها من الخط لا يلبس.
وقيل: إنما حذفت الألف على لغة مَن يقول قال: "الله بغير مد، كقول الشاعر:
أقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ الله
وقيل: حذفت الثانية لأن الأولى تكتفي عنها، وتدل عليها.وقيل: إنما حذفت لئلا يشبه خط "اللات" في قول من وقف عليه بالهاء.
فأما حذف ألف ﴿الرَّحْمٰنِ﴾ من الخط فلكثرة الاستعمال والاستخفاف، ولأن المعنى لا يشكل بغيره.
وقدم ﴿الرَّحْمٰنِ﴾ على ﴿الرَّحِيـمِ﴾ لأن "الرحمٰن" اسم شريف مبني للمبالغة لا يتسمى به غير الله جل ذكره، والرحيم قد يوصف به الخلق فأخر لذلك.
وقيل: الرحيم، ولم يقل: الراحم، لأن فعيلا فيه مبالغة أيضاً تقارب مبالغة الرحمٰن، فقرن بالرحمٰن دون الراحم إذ الراحم لا مبالغة في بنيته لأنه يوصف بالراحم مَن رحم مرة في عمره، ولا يوصف بالرحيم إلا مَن تكررت منه الرحمة.
وقيل: إنما قدم الرحمٰن على الرحيم لأن النبي عليه السلام كان يكتب في كتبه "باسمك اللهم" حتى نزل: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا﴾ [هود: ٤١] فكتب ﴿بِسمِ ٱلله﴾، حتى نزل: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، فكتب ﴿بِسمِ ٱلله﴾، فسبق نزول الرحمٰن. ثم نزل: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. فكتب ذلك على ترتيب ما أنزل عليه ﷺ.
وقال ابن مسعود "كنا نكتب زماناً باسمك اللهم" حتى نزلت: ﴿أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ﴾، فكتبنا "بسم الله الرحمٰن" فلما نزلت "التي في النمل كتبناها".
* * *
ومعنى ﴿الرَّحْمٰنِ﴾: الرفيق بخلقه، ومعنى: ﴿الرَّحِيـمِ﴾ العاطف على خلقه بالرزق وغيره.
وقيل: إنما جيء بالرحيم ليعلم الخلق أن ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ على اجتماعهما لم يتسم بهما غير الله جل ذكره، لأن الرحمٰن على انفراده قد تسمى به مسيلمة الكذاب لعنه الله، و ﴿الرَّحِيـمِ﴾ على انفراده قد يوصف به المخلوق. فكرر الرحيم بعد الرحمٰن، وهما صفتان لله أو اسمان، ليعلم الخلق ما انفرد به الله تعالى ذكره من اجتماعهما له، وما ادعى بعضه بعض خلقه.
وهذا القول هو معنى قول عطاء لأنه قال: "لما اختُزِلَ الرحمٰن من أسمائه - أي تسمى به غيره -، صار لله الرحمٰن الرحيم".
والألف واللام في ﴿الرَّحِيـمِ﴾ للتعريف، وإنما اختيرا للتعريف، لأن الهمزة تختل بالتسهيل والحذف والبدل وبإلقاء حركتها على ما قبلها، واللام تدغم في أكثر الحروف وكلاهما من الحروف الزوائد.
{ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}: الحمد والمدحُ أخَوانِ لفظاً، ومعناهما الثناء الجميل، وهما هنا بقصد التعظيم والتبجيل في الضّراء والسراء على السواء.
وبعضهم فرقاً بينهما، فيقول: الحمد يكون بعد الإحسان وهو مأمور به دائما لحديث: من لم يحمَدِ الناسَ لم يحمد الله
أما المدح فيكون قبل الاحسان وبعده. وهو منهيٌّ عنه، لحديث احثُوا في وجوه المدّاحين التراب
والربّ في كلام العرب له معان ثلاثة: السيد المطاع، والرجل المصْلِح للشيء، والمالك للشيء.
فربُّنا جل ثناؤه: السيد المطاع في خلقه، والمصلح أمْرَ خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخَلْق والأمر.
{ٱلْعَالَمِينَ}: جميع الكائنات في هذا الوجود.
فمعنى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات والأرض، ومن فيهن وما بينهن، مما يُعلم وما لا يُعلم، فالثناء المطلق الذي لا يُحَدّ لله سبحانه إنما كان لأنه هو رب العالمين.
{ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ}: الرحمن صفة ذاتية هي مبدأ الرحمة، وقد تقدم انه لا يوصف بها الا الله: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ } [الرحمن:1ـ2]. { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه:5]. { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } [الإسراء:110].
أما الرحيم، فقد كثر استعمالها في القرآن وصفاً فعليا وجاءت بأسلوب ايصال النعمة والرحمة: { إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [البقر:143] { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [الأعراف:156] { وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } [الأحزاب:43]. ولا نطيل أكثر من ذلك، وإنما نريد أن نبين هنا نكتة إعادتهما وتكرارهما. فنأياً عن أن يُفهم من لفظة الرب صفة الجبروت والقهر اراد الله تعالى أن يذكِّر الخلق برحمته واحسانه، ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال. فذكَر الرحمن اي المفيض للنعم بسعة وتجدُّد لا منتهى لهما، والرحيم الثابتَ له وصف الرحمة، لا تزايله أبدا. بذا عرّفهم أن ربوبيته رحمة واحسان، ليعلموا ان هذه الصفة هي الأصلية التي يرجع اليها معنى بقية الصفات فيتعلقوا به ويُقبلوا على اكتساب مرضاته.
هذا وإن تكرار وصف الله لنفسه بالرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب لهو تأكيد لمعنى ان الدين الذي كتابه القرآن انما تقوم فضائله ونظُمه على الرحمة والحب والإحسان.
وإذا كان الحمد لله والثناء عليه مرجعهما وأساسهما التربية من الله للعالَم فما أجدر المؤمن ان يتخلق بخُلق الله، وان يلتمس الحمد والثناء من هذا السبيل الكريم. فمن حمّله الله مسئولية التربية من إمام أو معلّم أو أحد الزوجين فإن عليه أن يعتبر ما كُلف برعايته أمانةً عنده من المربي الاعظم سبحانه، فلْيمضِ فيها على سَنَن الرحمة والاحسان لا الجبروت والطغيان. ان ذلك أوفى الى ان يُصلح الله به، وأقربُ ان تناله رحمته.
{مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}: قرىء: مَلك يَوم الدِّين و مالكِ يوم الدين قراءتان يدل مجموعهما على ان المُلك والمِلك في يوم القيامة لله وحده. { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [الإنفطار:19] لا يشاركه في ذلك أحدٌ ممن خلق.
وللفظ الدين معان كثيرة، منها المكافأة والعقوبة، وهذا المعنى يناسب المقام.
وفي هذا تربية أُخرى للعبد، فإنه إذا آمن بأن هناك يوماً يظهر فيه احسان المحسن، واساءة المسيء، وأن زمام الحكم في ذلك اليوم العظيم بيد الله ـ تكوّن عنده خُلُق المراقبة، وتوقَّع المحاسبة، فكان ذلك أعظمَ سبيل لإصلاح كل ما يعمل.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: نخصّك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة. والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلُّل، لذلك لم يستعمل اللفظُ الا في الخضوعِ لله تعالى، لأنهُ مولي أعظم النعم، فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع.
أمرنا الله تعالى أن لا نعبد غيره لأنه هو الإلَه الواحد لا شريك له. وترشدنا عبارة {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة.
أحدهما: أن نعمل الاعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا، لأن طلب المعونة لا يكون الا على عملٍ يود المرء أن يبذل فيه طاقته، فهو يطلب المعونة على اتمامه.
وثانيهما: قصْر الاستعانة بالله عليه وحده.
وليس في هذا ما ينافي التعاون بين الناس.
{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ } [المائدة:2].
فان هذا التعاون في دائرة الحدود البشرية لا يخرج عنها.
قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن. وسرُّها هذه الكلمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فالقسم الأول من الآية تبرؤ من الشِرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتفويضٌ إلى الله عز وجل.
{ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}: هداه الله هُدًى وهَدْياً وهِدَايةً الى الإيمان أرشده، وهداه الى الطريق وهداه الطريق وللطريق بيّنة له وعرّفه به. و الهداية دلالة بلطف، كما يقول الراغب الاصفهاني، والصراط المستقيم: هو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه ولا انحراف.
والصراط المستقيم ههنا هو جملة ما يوصِل الناس الى سعادة الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام من جهتي العلم والعمل، وهو سبيل الاسلام الذي ختم الله به الرسالاتِ وجعل القرآن دستوره الشامل، ووكل الى الرسول الكريم تبليغه وبيانه.
فالشريعة الاسلامية في جميع امورها من عقيدة، واخلاق، وتشريع، وفي صلة الانسان بالحياة، وعلاقته بالمجتمع، وعلاقة المسلمين بالأمم ـ تأخذ الطريق الصائب، لا إفراط ولا تفريط. هذا هو الصراط المستقيم.
وهداية الله تعالى لا تحصى، نذكر منها:
أولاً: الهداية التي تعم كل مكلَّف بحيث يهتدي الى مصالحه، كالعقل والفطنة والمعارف الضرورية كما قال عز وجل { ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه:50].
ثانياً: نَصْبُ الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد: { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } [البلد:10]، وقوله: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } [فصلت:17].
ثالثاً: الهداية بإرسال الرسل وانزال الكتب: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } [الآنبياء:73]، وقوله: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء:9].
رابعاً: الكشف عن كثير من أسرار الأشياء كما هي، بالوحي والالهام والرؤيا الصادقة. وهذا القسم يختص بنيله الأولياء. والى ذلك اشار سبحانه وتعالى بقوله: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } [الأنعام:90].
وقال ابن تيمية: كل عبد مضطرٌّ دائما الى مقصود هذا الدعاء، أي هداية الصراط المستقيم. فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية، ولا وصول الى السعادة الا بها، فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم، واما من الضالين. وهذا الاهتداء لا يحصل الا بهدى الله { مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } [الكهف:17].
وقد بين الله تعالى هذا الصراط المستقيم بقوله: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}.
اختلف المفسرون في بيان: الذين أنعم اللهُ عليهم، والمغضوبِ عليهم، والضآلِّين ـ وكتبوا وطوّلوا في ذلك. وأحسن ما قيل في ذلك ان الآية دلّت على أن الناس ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: أهل الطاعة { ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } [البقرة:3ـ5]، وهؤلاء هم الذين انعم الله عليهم.
الفرقة الثانية: الكافرون: { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [البقرة:6ـ7]، وهؤلاء هم أهل النقمة المغضوب عليهم.
الفرقة الثالثة: هم المنافقون الحائرون، المترددون بين إيمانهم الظاهر وكفرهم الباطني { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً } [البقرة:10] فهم { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [البقرة:14]. وهؤلاء هم الضالّون المتحيرون.
وقد فصّل الله تعالى هذه الفرق الثلاث في أول سورة البقرة كما سيأتي ان شاء الله.
القراءات:
قرأ ابنُ كَثير برواية قنبل، والكسائي عن طريق رويس السراط بالسين في الموضعَين، وقرأ الباقون الصراط بالصاد، وهي لغة قريش.
هذه هي سورة الفاتحة، وقد تكفّل نصفُها الاول ببيان الحقيقة التي هي أساس هذا الوجود: تقرير ربوبية الله للعاملين ورحمته ورحمانيته، وتفرُّده بالسلطان يوم الدين؛ وتكفّل نصفها الثاني ببيان أساس الخطة العملية في الحياة، سواء في العبادات أو المعاملات. فالعبادة لله، والاستعانة به، والهداية منه بالتزام طريق الله، والبعد عن طريق الجاحدين والضالين المتحدّين.
هذا والمتتبع للقرآن جميعه، الواقف على مقاصده ومعارفه، يرى أنه جاء تفصيلاً لما أجملته هذه السورة الكريمة.
بهذا كانت فاتحة الكتاب وأمَّ القرآن والسبع المثاني والسورة الوحيدة التي طُلبت من المؤمنين في كل ركعة من كل صلاة.
* فَصْلٌ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في كُلِّ سُورَةٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هي آيَةٌ كامِلَةٌ، أمْ لا؟ وفِيهِ [عَنْ ] أحْمَدَ رِوايَتانِ.
واخْتَلَفُوا: هَلْ هي مِنَ الفاتِحَةِ، أمْ لا؟ فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ أيْضًا.
فَأُمًّا مَن قالَ: إنَّها مِنَ الفاتِحَةِ، فَإنَّهُ يُوجِبُ قِراءَتَها في الصَّلاةِ إذا قالَ بِوُجُوبِ الفاتِحَةِ، وأمّا مَن لَمْ يَرَها مِنَ الفاتِحَةِ فَإنَّهُ يَقُولُ: قِراءَتُها في الصَّلاةِ سُنَّةٌ.
ما عَدا مالِكًا فَإنَّهُ لا يَسْتَحِبُّ قِراءَتَها في الصَّلاةِ.
واخْتَلَفُوا في الجَهْرِ بِها في الصَّلاةِ فِيما يَجْهَرُ بِهِ، فَنَقَلَ جَماعَةٌ عَنْ أحْمَدَ: أنَّهُ لا يُسَنُّ الجَهْرُ بِها، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وابْنِ مُغَفَّلٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بِهِ مِن كُبَراءِ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهُمُ: الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والأعْمَشُ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأبُو عَبِيدٍ في آَخَرِينَ.
وَذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى أنَّ الجَهْرَ مَسْنُونٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، وعَطاءٍ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ.
فَأُمًّا تَفْسِيرُها:
فَقَوْلُهُ "بِسْمِ اللَّهِ" اخْتِصارٌ، كَأنَّهُ قالَ: أبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ أوْ: بَدَأْتُ بِاسْمِ اللَّهِ.
وَفِي الِاسْمِ خَمْسُ لُغاتٍ: "إسْمٌ" بِكَسْرِ الألِفِ، و"أُسْمٌ" بِضَمِّ الألِفِ إذا ابْتَدَأْتَ بِها، و"سِمٌ" بِكَسْرِ السِّينِ، و"سُمٌ" بِضَمِّها، و"سَمًا" .
قالَ الشّاعِرُ:
واللَّهُ أسْماكَ سُمًا مُبارَكًا آَثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا
وَأنْشَدُوا:بِاسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهُ
قالَ الفَرّاءُ: بَعْضُ قَيْسٍ [يَقُولُونَ ] "سِمُهُ"، يُرِيدُونَ: اسْمَهُ، وبَعْضُ قُضاعَةَ يَقُولُونَ: سُمُهُ.أنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ:
وعامُنا أعْجَبَنا مُقَدِّمُهُ ∗∗∗ يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرْضابٌ سُمُهُ
والقِرْضابُ: القِطاعُ، يُقالُ: سَيْفٌ قِرْضابٌ.واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو "اللَّهُ":
فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ عِلْمٌ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ.
وَفِيهِ عَنَ الخَلِيلِ رِوايَتانِ.
إحْداهُما: أنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الألِفِ واللّامِ مِنهُ كَما يَجُوزُ مِنَ الرَّحْمَنِ.
والثّانِيَةُ: رَواها عَنْهُ سِيبَوَيْهِ: أنَّهُ مُشْتَقٌّ.
وَذَكَرَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّ أصْلَهُ في الكَلامِ مُشْتَقٌّ مِن: ألَهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ: إذا فَزِعَ إلَيْهِ مِن أمْرٍ نَزَلَ بِهِ.
فَألَهَ، أيْ: أجارَهُ وأمِنَهُ، فَسُمِّيَ إلَهًا كَما يُسَمّى الرَّجُلُ إمامًا.
وَقالَ غَيْرُهُ: أصْلُهُ ولّاهُ. فَأُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً فَقِيلَ: إلَهٌ كَما قالُوا: وِسادَةٌ وإسادَةٌ، ووِشاحٌ وإشاحٌ.
واشْتُقَّ مِنَ الوَلَهِ، لِأنَّ قُلُوبَ العِبادِ تُوَلَّهُ نَحْوَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [ النَّحْلِ: ٥٣ ] .
وَكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: مَأْلُوهٌ، كَما قِيلَ: مَعْبُودٌ، إلّا أنَّهم خالَفُوا بِهِ البِناءَ لِيَكُونَ عِلْمًا، كَما قالُوا لِلْمَكْتُوبِ: كِتابٌ، ولِلْمَحْسُوبِ: حِسابٌ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُهُ مِن: ألَهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ إذا تَحَيَّرَ؛ لِأنَّ القُلُوبَ تَتَحَيَّرُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ في عَظَمَتِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ: ألَهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ إلاهَةً، بِمَعْنى: عَبَدَ يَعْبُدُ عِبادَةً.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٢٧ ] أيْ: عِبادَتُكَ.
قالَ: والتَّألُّهُ: التَّعَبُّدُ.
قالَ رُؤْبَةُ:
لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المَدَّهْ ∗∗∗ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مَن تَأْلِهِي
فَمَعْنى الإلَهُ: المَعْبُودُ.فَأمّا "الرَّحْمَنُ":
فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَبْنِيٌّ عَلى المُبالَغَةِ، ومَعْناهُ: ذُو الرَّحْمَةِ الَّتِي لا نَظِيرَ لَهُ فِيها.
وَبِناءُ فِعْلانِ في كَلامِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ لِلشَّدِيدِ الِامْتِلاءِ: مَلْآَنُ، ولِلشَّدِيدِ الشِّبَعِ: شَبْعانُ.
قالَ الخَطّابِيُّ: فِـ "الرَّحْمَنُ": ذُو الرَّحْمَةِ الشّامِلَةِ الَّتِي وسِعَتِ الخَلْقَ في أرْزاقِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، وعَمَّتِ المُؤْمِنَ والكافِرَ.
وَ"الرَّحِيمُ": خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [ الأحْزابُ: ٤٣ ] .
والرَّحِيمُ: بِمَعْنى الرّاحِمِ.
بَيْنَ يَدَي السُّوَرَة: هذه السورة الكريمة مكية وآياتها سبعٌ بالإجماع، وتسمى الفاتحة لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إنها أول القرآن في الترتيب لا في النزول، وهي على قصرها ووجازتها قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والتوجه إليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الاخبار عن قصص الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة ولهذا تسمّى أم الكتاب لأنها جمعت مقاصدة الأساسية.
فضْلَهَا أ روى الإمام أحمد في المسند أن أبيَّ بن كعب قرأ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أم القرآن فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: والذي نفسي بيده ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيمُ الذي أوتيتهُ فهذا الحديث الشريف يشير إلى قوله تعالى في سورة الحجر {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم} [الآية: 87] .
ب وفي صحيح البخاري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأبي سعيد بن المعلَّى: لأعلمنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبعُ المثاني والقُرآن العظيم الذي أوتيتُه .
التسِميَة: تسمى الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والشافية، والوافية، والكافية، والأساس، والحمد وقد عدّدها العلامة القرطبي وذكر أن لهذه السورة اثني عشر إسماً.
اللغة: {الحمد} الثناء بالجميل على جهة التعظيم، والتبجيل مقروناً بالمحبة وهو نقيض الذم وأعمُّ من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل النعمة بخلاف {اللَّهِ} اسم علم للذات المقدسة لا
يشاركه فيه غيره، قال القرطبي: هذا الاسم {الله} أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، وهو اسم للموجود الحق، الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو سبحانه {رَبِّ} الربّ: مشتق من التربية وهي إصلاح شئون الغير ورعاية أمره قال الهروي: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربَّه ومنه الربانيون لقيامهم بالكتب والربُّ يطلق على عدة معان وهي المالك، والمصلح، والمعبود، والسيد المطاع {العالمين} العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط، وهو يشمل: الإنس والجن والملائكة والشياطين كذا قال الفراء، وهو مشتق من العلامة لأن العالم علامة على وجود الخالق جل وعلا {الرحمن الرحيم} صفتان مشتقتان من الرحمة.
وقد روعي في كل من {الرحمن} و {الرحيم} معنى لم يراع في الآخر فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة لأن فَعْلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته ولا يلزم منه الدوام كغضبان وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف فكأنه قيل: العظيم الرحمة الدائم الإِحسان.
قال الخطابي: الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم وعمَّت المؤمن والكافر، والرحيم خاص بالمؤمن كما قال تعالى: {وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً} [الأحزاب: 43] ، {الدين} الجزاء ومنه الحديث (كما تدين تُدان) أي كما تفعل تُجزى {نَعْبُدُ} قال الزمخشري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولي أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى الخضوع {الصراط} الطريق وأصله بالسين من الاستراط بمعنى الاتبلاع كأن الطريق يبتلع السالك قال الشاعر:شحنّا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أَذلَّ من الصّراط{المستقيم} الذي لا عوج فيه ولا انحراف {آمين} أي استجب دعاءنا وهي ليست من القرآن الكريم إجماعاً.
التفِسير: علمنا الباري جلّ وعلا كيف ينبغي أن نحمده ونقدسه ونثني عليه بما هو أهله فقال {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} أي قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي الحمدلله، اشكروني على إِِِحساني وجميلي إِليكم، فأنا الله ذو العكمة والمد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإِيجاد، رب الإِنس والجن والملائكة، ورب السماوات والأرضين، فالثناء والشكر لله رب العالمين دون ما يُعبد من دونه {الرحمن الرحيم} أي الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخلق والرزق والهداية إلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإِحسان {مالك يَوْمِ الدين} أي هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين تصرّف المالك في ملكه {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نخصَّك يا ألله بالعبادة، ونخصك بطلب شيئاً الإعانة، فلا نعبد أحداً سواك، لك وحدك نذلُّ ونخضع ونستكين ونخشع، وإيَّاك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإِنك المستحق لكل إِجلال وتعظيم،
ولا يملك القدرة على عون أحدٌ سواك {اهدنا الصراط المستقيم} أي دلنا وأرشدنا يا رب إِلى طريقك الحق ودينك المستقيم، وثبتنا على الإِسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي طريق من تفضّلت عليهم بالجود والإنعام، من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أولئك رفيقاً {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين} أي لا تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم، السالكين غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم أو النصارى الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية.
اللهم آمين.
البَلاَغَة: 1 {الحمد للَّهِ} الجملة خبرية لفظاً إنشائية معنىً أي قولوا الحمدلله وهي مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى كقولهم: الكرم في العرب.
2 {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيه إلتفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى الكلام على الأصل لقال: إيّاه نعبد، وتقديم المفعول يفيد القصر أي لا نعبد سواك كما في قوله: {فارهبون} [البقرة: 40] .
3 قال في البحر المحيط: وفي هذه السورة الكريمة من أنواع الفصاحة والبلاغة أنواع:الأول: حسن الافتتاح وبراعة المطلع.
الثاني: المبالغة في الثناء لإِفادة أل الاستغراق.
الثالث: تلوين الخطاب إذ صيغته الخبر ومعناه الأمر أي قولوا الحمد لله.
الرابع: الاختصاص في قوله {للَّهِ}الخامس: الحذف كحذف صراط من قوله {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم} تقديره غير صراط المغضوب عليهم وغير صراط الضالين.
السادس: التقديم والتأخير في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .
السابع: التصريح بعد الإبهام {الصراط المستقيم} ثم فسره بقوله: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .
الثامن: الالتفات في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .
التاسع: طلب الشيء والمراد به دوامه واستمراره في {اهدنا الصراط} أي ثبتنا عليه.
العاشر: السجع المتوازي في قوله: {1649;لرحمن الرحيم ... اهدنا الصراط المستقيم} وقوله {نَسْتَعِينُ ... الضآلين} .
الفوَائِد: الأولى: الفرق بين {الله} و {الإله} أن الأول اسم علم للذات المقدسة ذات الباري
جل وعلا ومعناه المعبود بحق والثاني معناه المعبود بحقٍ أو باطل فهو اسم يطلق على الله تعالى وعلى غيره.
الثانية: وردت الصيغة بلفظ الجمع نعبد ونستعين ولم يقل إياك أعبد وإياك أستعين بصيغة المفرد وذلك للإعتراف بقصور العبد عن الوقوف في باب ملك الملوك فكأنه يقول: أنا يا رب العبد الحقير الذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنضم إلى سلك المؤمنين الموحّدين فتقبل دعائي في زمرتهم فنحن جميعاً نعبدك ونستعين بك.
الثالثة: نسبَ النعمة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم ينسب إليه الإضلال والغضب فلم يقل: غضبتَ عليهم أو الذين أضللتَهم وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله تعالى، فالشر لا ينسب إلى الله تعالى أدباً وإن كان منه تقديراً الخير كله بيديك والشر لا ينسب إليك .
خاتمة في بَيَان الأسَرار القُدْسِيّة في فاتِحَة الكِتاب العَزِيزيقول شهيد الإسلام الشيخ حسن البنا في رسالته القيمة مقدمة في التفسير ما نصه: لا شك أن من تدبَّر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه، فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله، الموصوف بالرحمة التي تظهر آثار رحمته متجددة في كل شيء، فإِذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله {الرحمن الرحيم} وذكّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله، وجميل آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست عن رغبةٍ ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية ب {الرحمن الرحيم} ومن كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمن ب العدل ويذكّر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين{يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب {مالك يَوْمِ الدين} وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه فليلجأ إِليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول فلا يوقفون للعثور عليه، آمين.
ولا جرم أن آمين براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه، بين معاني هذه الآية الكريمة، وتذكر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن ربه في الحديث القدسي قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل.. الحديث وآدم هذا التدبير والإنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة وغيرها على مكث وتمهّل، وخشوع وتذلّل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطى التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبرٍ وخشوع.
أي فاتحة الكتاب معناها أول ما من شأنه أن يفتتح به الكتاب، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية أو هي مصدر بمعنى الفتح أطلقت عليه تسمية للمفعول باسم المصدر، وإشعاراً بأصالته كأنه نفس الفتح والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى (من) كما في خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه لا جزئي له، وسميت بذلك لأن القرآن افتتح بها إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن، وقد اشتهرت بهذا الإسم في أيام النبوة، قيل أنها مكية وهو قول أكثر العلماء، وقيل مدنية وهو قول مجاهد، وقيل أنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلوات الخمس، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة جمعاً بين الروايات، والأول أصح قاله البغوي، ورجحه البيضاوي.
وأسماء السور توقيفية وكذا ترتيب السور والآيات أي تتوقف على نقلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل غير ذلك، وإنما هذا على الارجح، والسورة طائفة من القرآن لها أول وآخر وترجمة باسم خاص بها بتوقيف، والسورة قد يكون لها إسم واحد، وقد يكون لها إسمان أو أكثر.
وأسماء السور في المصاحف لم يثبتها الصحابة في مصاحفهم، وإنما هو شيء ابتدعه الحجاج كما ابتدع إثبات الأعشار والأسباع، وسميت هذه أم القرآن لكونها أصلاً ومنشأً له إما لمبدئيتها له وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل، والتعبد بأمره ونهيه وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، والمراد بالقرآن هو المراد بالكتاب، وسميت أيضاً أم الكتاب لأنه يبدأ بقراءتها في الصلاة، قاله البخاري في الصحيح.
وقال أبو السعود مناط التسمية ما ذكر في أم القرآن لا ما أورده البخاري، فإنه مما لا تعلق له بالتسمية كما أشير إليه، قال ابن كثير وصحح تسميتها بالسبع المثاني لأنها سبع آيات وتثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة أو لتكرر نزولها وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " هي أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم "(١) وأخرج ابن جرير عنه عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: " قال هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني "(٢)؛ وأخرج نحوه ابن مردويه والدارقطني من حديثه: " وقال كلهم ثقات.
ومن أسمائها كما حكاه في الكشاف سورة الكنز والوافية، وسورة الحمد، وسورة الصلاة، وتسمى الكافية لأنها تكفي عن سواها في الصلاة ولا يكفي سواها عنها، وسورة الشفاء والشافية لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم: " هي الشفاء من كل داء " وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلاً اشتكى إليه وجع الخاصرة فقال عليك بأساس القرآن(٣).
وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله أعطاني فيما مَنَّ به عليَّ فاتحة الكتاب وقال: هي كنز من كنوز عرشي(٤) "، وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن علي نحوه مرفوعاً، وذكر القرطبي للفاتحة اثني عشر اسماً، وقد ذكر السيوطي في الإتقان خمسة وعشرين اسماً للفاتحة.
وهي سبع آيات بلا خلاف كما حكاه ابن كثير في تفسيره، قال القرطبي: أجمعت الأمة على أنها سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي أنها ست وهو شاذ، وعن عمرو بن عبيد أنه جعل (إياك نعبد) آية فهي عنده ثمان وهو شاذ انتهى، وإنما اختلفوا في البسملة كما سيأتي:
وقد أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن الأنباري في المصاحف عن محمد بن سيرين أن أبيّ بن كعب وعثمان بن عفان كانا يكتبان فاتحة الكتاب والمعوذتين، ولم يكتب ابن مسعود شيئاً منهن، وقد خالف في ذلك إجماع الصحابة وسائر أهل البيت ومن بعدهم، وأخرج ابن حميد عن إبراهيم قال كان عبد الله بن مسعود لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف، وقال لو كتبتها لكتبت في أول كل شيء.
وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث: منها ما أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال نعم: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته "(٥).
وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبيّ بن كعب أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال له أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها(٦)؟ ثم أخبره أنها الفاتحة.
وأخرج أحمد في المسند من حديث عبد الله بن جابر: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: ألا أخبرك بآخر سورة في القرآن؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها(٧)، " وفي سنده ابن عقيل، وقد احتج به كبار الأئمة وبقية رجاله ثقات، وابن جابر هذا هو العبدي كما قال ابن الجوزي وقيل الأنصاري البياضي كما قال ابن عساكر.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما أخبره بأن رجلاً رقى سليماً بفاتحة الكتاب: " وما كان يدريه أنها رقية " الحديث(٨).
وأخرج مسلم والنسائي عن ابن عباس قال " بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده جبرائيل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبرائيل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح لنبيٍّ قط قال فنزل منه ملك فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته(٩) ".
وأخرج مسلم والنسائي والترمذي وصححه عن أبي هريرة " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام "(١٠) وأخرج البزار في مسنده بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت(١١) ".
وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم(١٢) "، وأخرج أبو الشيخ نحوه من حديثه وحديث أبي هريرة مرفوعاً، وأخرج الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان بسند رجاله ثقات عن عبد الملك ابن عمير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فاتحة الكتاب " شفاء من كل داء(١٣) ".
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن جرير والحاكم وصححه عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل راجعاً من عنده، فمر على قوم وعندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله أعندك ما تداوي به هذا فإن صاحبكم قد جاء بخير، قال فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية أجمع بناني ثم أتفل فبرأ فأعطاني مائة شاة، فأتيت النبي صلى الله عليهه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال " كُل فمن أكل برقية باطلة فقد أكلت برقية حق(١٤) ".
وعن ابن عباس قال: فاتحة الكتاب ثلثا القرآن(١٥)، وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ أم القرآن وقل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن "، وأخرج عبد بن حميد في مسنده بسند ضعيف عن ابن عباس يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - " فاتحة الكتاب تعدل بثلث القرآن(١٦) " وأخرج الحاكم وصححه وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في الشعب عن أنس قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسير له فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ألا أخبرك بأفضل القرآن فتلا عليه الحمد لله رب العالين(١٧) ".
وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فاتحة الكتاب تجزىء ما لا يجزىء شيء من القرآن، ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات(١٨) ".
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، إلى غير ذلك من الأحاديث.
ثم الاستعاذة قبل القراءة سنة عند الجمهور لقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) واختلفوا في لفظها المختار، ولا يأتي بكثير فائدة، ومعنى أعوذ بالله ألتجىء إليه وأمتنع به مما أخشاه، من عاذ يعوذ والشيطان أصله من شطن أي تباعد من الرحمة أو من شاط إذا هلك واحترق، والأول أولى.
والشيطان اسم لكل عات من الجن والإنس، والرجيم من يرجم بالوسوسة أو مرجوم بالشهب عند استراق السمع أو بالعذاب أو مطرود عن الرحمة.
والاستعاذة تطهر القلب عن كل شيء شاغل عن الله.
ومن لطائفها أن قوله (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) إقرار من العبد بعجزه وضعفه وبقدرة الباري على دفع جميع المضرات.
سورة الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)
اختلف أهل العلم في البَسْمَلَة: هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل، وقد جزم قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا إنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها.
وبالأول قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك وأحمد في أحد قوليه، وإسحق وعلي بن أبي طالب والزهري ومحمد ابن كعب والثوري، وهو القول الجديد للشافعي، ولذلك يجهر بها عنده.
وبالثاني قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه، قال أبو السعود وهو الصحيح من مذهب الحنفية.
وقد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن عما ايس منه، ولذا لم يكتبوا آمين. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يعرف فصل السورة، وفي رواية انقضاء السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين.
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، وفي إسناده عمر بن هارون البلخي وفيه ضعف. وروى نحوه الدارقطني مرفوعاً عن أبي هريرة، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني(١٩)، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها، رواه الدارقطني وقال رجال إسناده كلهم ثقات، ورواه البخاري في تاريخه، وروي موقوفاً أيضاً.
وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر(٢٠) " الحديث.
قال البيهقي أحسن ما احتج به أصحابنا في أن البسملة من القرآن وأنها من فواتح السور سوى سورة براءة ما روينا في جمع الصحابة كتاب الله عز وجل في المصاحف، وأنهم كتبوا فيها البسملة على رأس كل سورة سوى سورة براءة فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا فيها مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعد البسملة آية من الفاتحة ويقول انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن، رواه الشافعي.
وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة وقد أخرج النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، قال الترمذي وليس إسناده بذاك، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(٢١)، ثم قال صحيح.
وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال كانت قراءته مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، عن أم سلمة أنها قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين(٢٢)، وقال الدارقطني إسناده صحيح.
وبهذا قال من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين فمن بعدهم سعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاوس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ومكحول وغيرهم، وإليه ذهب الشافعي.
واحتج من قال إنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي الصحيحين عن أنس قال صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ولمسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها(٢٣)، وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل، وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة كابن مسعود وعمار بن ياسر وابن مغفل وغيرهم، ومن التابعين الحسن والشعبي وابراهيم النخعي وقتادة والأعمش والثوري، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم.
وأحاديث الترك وإن كانت أصح. ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجاً من مخرج صحيح فالأخذ به أوفى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي أعني كونها قرآناً، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة.
والحاصل أن البسملة آية من الفاتحة ومن غيرها من السور، وحكمها من الجهر والإسرار حكم الفاتحة فيجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية، ويسر بها مع الفاتحة في الصلاة السرية، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات.
ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالاً ورداً وتعقباً ودفعاً، ورواية ودراية موضع غير هذا، وقد استوفاه الشوكاني في شرحه للمنتقى، وله جواب عن سؤال نظماً ونثراً.
ومتعلق الباء محذوف وهو اقرأ أو اتلو، وتقديم المعمول للاعتناء به والقصد إلا التخصيص، ويظهر رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام ولا يعارضه قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) لأن المقام مقام القراءة فكان الأمر بها أهم، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق بذلك كثير فائدة، والباء للاستعانة أو للمصاحبة تبركاً، ورجح الثاني الزمخشري، والإسم هو اللفظ الدال على المسمَّى، ومن زعم أن الإسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن الفورك " وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية، فقد غلط غلطاً بيناً، وجاء بما لا يعقل مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الإسم الذي هو أصوات منقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام.
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة(٢٤)، وقال الله عز وجل (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وقال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً مَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى).
(الله) علم عربي مرتجل جامد عند الأكثر، خاص لذات الواجب الوجود تفرد به الباري سبحانه لِم يطلق على غيره، ولا يشركه فيه أحد، وعند الزمخشري اسم جنس صار علماً بالغلبة، والأول هو الصحيح، ولم يقل بالله للفرق بين اليمين والتيمن، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة ههنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى وتارة باسمه عز وعلا، فوجب تعيين المراد بذكر الإسم وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكره الله تعالى في ألفين وثلثمائة وستين موضعاً من القرآن.
(الرحمن) من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عز وجل، وقال أبو علي الفارسي الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى (الرحيم) إنما هو في جهة المؤمنين قال تعالى (وكان بالمؤمنين رحيماً) وعن ابن عباس قال هما إسمان أحدهما أرق من الآخر، وقيل معناهما ذو الرحمة جمع بينهما للتأكيد وقيل غير ذلك، والأول أولى، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم.
والرحمة إرادة الخير والإحسان لأهله، وقيل ترك عقوبة من يستحق العقاب: وإسداء الخير والإحسان إلى من لا يستحق، فهو على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل، وأسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي هي انفعالات، وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة، وهل الرحمن مصروف أو لا، فيه قولان، مال التفتازاني إلى جواز الأمرين، وقد ورد في فضلها أحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام عليها، وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل وعند الجماع وغير ذلك.
(٢) رواه أحمد الترمذي وصححه والبخاري تفسير 1/ 1 وتمام الحديث ص 30.
(٣) راجع زاد المسير 1/ 10.
(٤) ضعيف الجامع/1561.
(٥) النسائي/26 - أبو داود الوتر/15 - أحمد 4/ 211 - البخاري تفسير 1/ 1.
(٦) الترمذي- ثواب القرآن 1 - أحمد 2/ 413 و 5/ 114.
(٧) أحمد وصحيح الجامع الصغير 2589.
(٨) انظر الحديث بتمامه مسلم 4/ 2201 والبخاري 1132.
(٩) انظر الحديث بتمامه مسلم 1/ 806.
(١٠) انظر الحديث بتمامه مسلم 1/ 395.
(١١) ضعيف الجامع 822.
(١٢) ضعيف الجامع 3954 و3955.
(١٣) ضعيف الجامع 3954 و3955.
(١٤) صحيح الجامع 4370.
(١٥) انظر ضعيف الجامع 5953.
(١٦) من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن الزوائد 7/ 146.
(١٧) الحاكم 1/ 560.
(١٨) ضعيف الجامع/3952.
(١٩) صحيح الجامع 729 - الدارقطني 1/ 312.
(٢٠) صحيح الجامع 1510 - مسلم 1/ 53 - أبو داود 23 - النسائي 21.
(٢١) الحاكم 1/ 208.
(٢٢) ضعيف الجامع/4876.
(٢٣) مسلم/399 - البخاري/453.
(٢٤) صحيح الجامع/2163. وفي رواية مسلم إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً.
مسلم/2677 البخاري 2098.
وقَدِ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الشَّرِيفَةُ بِهَذا الِاسْمِ في أيّامِ النُّبُوَّةِ.
قِيلَ هي مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، والثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِمَكَّةَ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في دَلائِلَ النُّبُوَّةِ، والثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ شُرَحْبِيلَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا شَكا إلى خَدِيجَةَ ما يَجِدُهُ عِنْدَ أوائِلِ الوَحْيِ، فَذَهَبَتْ بِهِ إلى ورَقَةَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ لَهُ: إذا خَلَوْتُ وحْدِي سَمِعْتُ نِداءً خَلْفِي: يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ فَأنْطَلِقُ هارِبًا في الأرْضِ، فَقالَ: لا تَفْعَلْ، إذا أتاكَ فاثْبُتْ حَتّى تَسْمَعَ ما يَقُولُ ثُمَّ ائْتِنِي فَأخْبِرْنِي، فَلَمّا خَلا ناداهُ يا مُحَمَّدُ قُلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، حَتّى بَلَغَ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ قالَ: لَمّا أسْلَمَتْ فِتْيانُ بَنِي سَلِمَةَ وأسْلَمَ ولَدُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ قالَتِ امْرَأةُ عَمْرٍو لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَسْمَعَ مِن أبِيكَ ما رُوِيَ عَنْهُ ؟ فَسَألَهُ فَقَرَأ عَلَيْهِ: ( ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ )، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عُبادَةَ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
فَهَذا جُمْلَةُ ما اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
واسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وأبُو سَعِيدِ بْنُ الأعْرابِيِّ في مُعْجَمِهِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدِ بْنِ أبِي هُرَيْرَةَ «رَنَّ إبْلِيسُ حِينَ أُنْزِلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ» وأُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ.
* * *
وتُسَمّى أُمَّ الكِتابِ، قالَ البُخارِيُّ في أوَّلِ التَّفْسِيرِ: وسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتابَتِها في المَصاحِفِ، ويُبْدَأُ بِقِراءَتِها في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنِ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ: أُمُّ الكِتابِ، ويَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ولَكِنْ يَقُولُ: فاتِحَةُ الكِتابِ.
ويُقالُ لَها الفاتِحَةُ لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها القِراءَةُ، وافْتَتَحَتِ الصَّحابَةُ بِها كِتابَةَ المُصْحَفِ الإمامِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالسَّبْعِ المَثانِي، قالُوا: لِأنَّها تُثَنّى في الصَّلاةِ فَتُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِأُمِّ القُرْآنِ: «هِيَ أُمُّ القُرْآنِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي، وهي القُرْآنُ العَظِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «هِيَ أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ في تَفْسِيرِهِ والدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِهِ، وقالَ: كُلُّهم ثِقاتٌ.
ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّهم فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] بِالفاتِحَةِ.
ومِن جُمْلَةِ أسْمائِها كَما حَكاهُ في الكَشّافِ سُورَةُ الكَنْزِ، والوافِيَةُ، وسُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الصَّلاةِ.
وقَدْ أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كانَ يُسَمِّي فاتِحَةَ الكِتابِ الواقِيَةَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ أنَّهُ سَألَهُ سائِلٌ عَنْ قِراءَةِ الفاتِحَةِ خَلْفَ الإمامِ، فَقالَ: عَنِ الكافِيَةِ تَسْألُ ؟ قالَ السّائِلُ: وما الكافِيَةُ ! ؟ قالَ: الفاتِحَةُ، أمّا عَلِمْتَ أنَّها تَكْفِي عَنْ سِواها ولا يَكْفِي سِواها عَنْها.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا اشْتَكى إلَيْهِ وجَعَ الخاصِرَةِ، فَقالَ: عَلَيْكَ بِأساسِ القُرْآنِ، قالَ: وما أساسُ القُرْآنِ ؟ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي فِيما مَنَّ بِهِ عَلَيَّ فاتِحَةَ الكِتابِ، وقالَ: هي مِن كُنُوزِ عَرْشِي» وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وقَدْ ذَكَرَ الدّارَقُطْنِيُّ في تَفْسِيرِهِ لِلْفاتِحَةِ اثْنَيْ عَشَرَ اسْمًا وهي سَبْعُ آياتٍ بِلا خِلافٍ كَما حَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ إلّا ما رُوِيَ عَنْ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ أنَّها سِتٌّ وهو شاذٌّ.
وإلّا ما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ جَعَلَ إيّاكَ نَعْبُدُ آيَةً، فَهي عِنْدُهُ ثَمانٍ، وهو شاذٌّ انْتَهى.
وإنَّما اخْتَلَفُوا في البَسْمَلَةِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وعُثْمانَ بْنَ عَفّانَ كانا يَكْتُبانِ فاتِحَةَ الكِتابِ والمُعَوِّذَتَيْنِ، ولَمْ يَكْتُبِ ابْنُ مَسْعُودٍ شَيْئًا مِنهُنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لا يَكْتُبُ فاتِحَةَ الكِتابِ في المُصْحَفِ، وقالَ: لَوْ كَتَبْتُها لَكَتَبْتُ في أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أحادِيثُ، مِنها ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، قالَ: فَأخَذَ بِيَدِي، فَلَمّا أرادَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: «أتُحِبُّ أنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها ؟» ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّها الفاتِحَةُ.
وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ: ألا أُخْبِرُكَ بِأخْيَرِ سُورَةٍ في القُرْآنِ ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اقْرَأِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى تَخْتِمَها» .
وفِي إسْنادِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وقَدِ احْتَجَّ بِهِ كِبارُ الأئِمَّةِ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ.
وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جابِرٍ هَذا هو العَبْدِيُّ كَما قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ، وقِيلَ: الأنْصارِيُّ البَياضِيُّ كَما قالَ ابْنُ عَساكِرَ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَمّا أخْبَرُوهُ بِأنَّ رَجُلًا رَقى سَلِيمًا بِفاتِحَةِ الكِتابِ: وما كانَ يُدْرِيهِ أنَّها رُقْيَةٌ» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، والنَّسائِيُّ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: هَذا بابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّماءِ ما فُتِحَ قَطُّ، قالَ: فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأ حَرْفًا مِنهُما إلّا أُوتِيتَهُ» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «مَن صَلّى صَلاةً لَمْ يُقْرَأْ فِيها بِأُمِّ القُرْآنِ فَهي خِداجٌ - ثَلاثًا - غَيْرُ تامَّةٍ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إذا وضَعْتَ جَنْبَكَ عَلى الفِراشِ وقَرَأْتَ فاتِحَةَ الكِتابِ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَقَدْ أمِنتَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا المَوْتَ» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ وكانَ لَهُ صُحْبَةٌ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ فِجاجِ المَدِينَةِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَتَهَجَّدُ ويَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، فَقامَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فاسْتَمَعَ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: ما في القُرْآنِ مِثْلُها» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ شِفاءٌ مِن كُلِّ سَقَمٍ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِهِ، وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في فاتِحَةِ الكِتابِ: «شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ خارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمِّهِ أنَّهُ «أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ أقْبَلَ راجِعًا مِن عِنْدِهِ، فَمَرَّ عَلى قَوْمٍ وعِنْدَهم رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ بِالحَدِيدِ، فَقالَ أهْلُهُ: أعِنْدَكَ ما تُداوِي بِهِ هَذا ؟ ! فَإنَّ صاحِبَكم قَدْ جاءَ بِخَيْرٍ، قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فاتِحَةَ الكِتابِ ثَلاثَةَ أيّامٍ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، أجْمَعُ بُزاقِي ثُمَّ أتْفُلُ فَبَرَأ، فَأعْطانِي مِائَةَ شاةٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: كُلْ، فَمَن أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، فَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " فاتِحَةُ الكِتابِ ثُلُثُ القُرْآنِ " .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَن قَرَأ أُمَّ القُرْآنِ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ فَكَأنَّما قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ تَعْدِلُ بِثُلُثَيِ القُرْآنِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ في فَضائِلِهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في مَسِيرٍ لَهُ، فَنَزَلَ فَمَشى رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ إلى جَنْبِهِ، فالتَفَتَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِأفْضَلِ القُرْآنِ، فَتَلا عَلَيْهِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ تَجْزِي ما لا يَجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفَضَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ الحَسَنِ مُرْسَلًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ فاتِحَةَ الكِتابِ فَكَأنَّما قَرَأ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ والفُرْقانَ» .
* * *
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هي آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ في أوَّلِها، أوْ هي بَعْضُ آيَةٍ مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أوْ هي كَذَلِكَ في الفاتِحَةِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِها، أوْ أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ في الجَمِيعِ وإنَّما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ ؟ والأقْوالُ وأدِلَّتُها مَبْسُوطَةٌ في مَوْضِعِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ.
وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّها بَعْضُ آيَةٍ في سُورَةِ النَّمْلِ.
وقَدْ جَزَمَ قُرّاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ بِأنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ ومِن كُلِّ سُورَةٍ.
وخالَفَهم قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشّامِ فَلَمْ يَجْعَلُوها آيَةً لا مِنَ الفاتِحَةِ ولا مِن غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ، قالُوا: وإنَّما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ والتَّبَرُّكِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ لا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» .
وأخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ في الصَّلاةِ وغَيْرِها آيَةً» وفي إسْنادِهِ عَمْرُو بْنُ هارُونَ البَلْخِيُّ وفِيهِ ضَعْفٌ، ورَوى نَحْوَهُ الدّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
وكَما وقَعَ الخِلافُ في إثْباتِها وقَعَ الخِلافُ في الجَهْرِ بِها في الصَّلاةِ.
وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحَيْهِما، والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ " أنَّهُ صَلّى فَجَهَرَ في قِراءَتِهِ بِالبَسْمَلَةِ، وقالَ بَعْدَ أنْ فَرَغَ: إنِّي لَأشْبَهُكم صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ "» وصَحَّحَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم.
ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: ولَيْسَ إسْنادُهُ بِذاكَ.
وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِلَفْظِ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ثُمَّ قالَ: صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ «عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: كانَتْ قِراءَتُهُ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ويَمُدُّ ( الرَّحْمَنِ ) ويَمُدُّ ( الرَّحِيمِ )» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ وأبُو داوُدَ في السُّنَنِ وابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقْطَعُ قِراءَتَهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾» وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهُ لا يُجْهَرُ بِالبَسْمَلَةِ في الصَّلاةِ بِما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ فَكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾» .
ولِمُسْلِمٍ «لا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ قِراءَةٍ ولا في آخِرِها» .
وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ.
وإلى هَذا ذَهَبَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ.
وأحادِيثُ التَّرْكِ وإنْ كانَتْ أصَحَّ ولَكِنَّ الإثْباتَ أرْجَحُ مَعَ كَوْنِهِ خارِجًا مِن مَخْرَجٍ صَحِيحٍ، فالأخْذُ بِهِ أوْلى ولا سِيَّما مَعَ إمْكانِ تَأْوِيلِ التَّرْكِ، وهَذا يَقْتَضِي الإثْباتَ الذّاتِيَّ، أعْنِي كَوْنَها قُرْآنًا، والوَصْفِيَّ أعْنِي الجَهْرَ بِها عِنْدَ الجَهْرِ بِقِراءَةِ ما يُفْتَتَحُ بِها مِنَ السُّوَرِ في الصَّلاةِ.
ولِتَنْقِيحِ البَحْثِ والكَلامِ عَلى أطْرافِهِ اسْتِدْلالًا ورَدًّا وتَعَقُّبًا ودَفْعًا، ورِوايَةً ودِرايَةً مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذا.
ومُتَعَلِّقُ الباءِ مَحْذُوفٌ وهو أقْرَأُ أوْ أتْلُو؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِما جُعِلَتِ البَسْمَلَةُ مَبْدَأً لَهُ، فَمَن قَدَّرَهُ مُتَقَدِّمًا كانَ غَرَضُهُ الدَّلالَةَ بِتَقْدِيمِهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الفِعْلِ، ومَن قَدَّرَهُ مُتَأخِّرًا كانَ غَرَضُهُ الدَّلالَةَ بِتَأْخِيرِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ مَعَ ما يَحْصُلُ في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ العِنايَةِ بِشَأْنِ الِاسْمِ والإشارَةِ إلى أنَّ البِدايَةَ بِهِ أهَمُّ لِكَوْنِ التَّبَرُّكِ حَصَلَ بِهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ رُجْحانُ تَقْدِيرِ الفِعْلِ مُتَأخِّرًا في مِثْلِ هَذا المَقامِ، ولا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] لِأنَّ ذَلِكَ المَقامَ مَقامُ القِراءَةِ، فَكانَ الأمْرُ بِها أهَمَّ، وأمّا الخِلافُ بَيْنَ أئِمَّةِ النَّحْوِ في كَوْنِ المُقَدَّرِ اسْمًا أوْ فِعْلًا فَلا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ.
والباءُ لِلِاسْتِعانَةِ أوْ لِلْمُصاحَبَةِ، ورَجَّحَ الثّانِي الزَّمَخْشَرِيُّ.
واسْمٌ أصْلُهُ سَمَوٌ حُذِفَتْ لامُهُ، ولَمّا كانَ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي بَنَوْا أوائِلَها عَلى السُّكُونِ زادُوا في أوَّلِهِ الهَمْزَةَ إذا نَطَقُوا بِهِ لِئَلّا يَقَعَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ، وهو اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى المُسَمّى، ومَن زَعَمَ أنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى كَما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وسِيبَوَيْهِ والباقِلّانِيُّ وابْنُ فُورَكٍ، وحَكاهُ الرّازِيُّ عَنِ الحَشْوِيَّةِ والكَرّامِيَّةِ والأشْعَرِيَّةِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا، وجاءَ بِما لا يُعْقَلُ، مَعَ عَدَمِ وُرُودِ ما يُوجِبُ المُخالَفَةَ لِلْعَقْلِ لا مِنَ الكِتابِ ولا مِنَ السُّنَّةِ ولا مِن لُغَةِ العَرَبِ، بَلِ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ حاصِلٌ بِأنَّ الِاسْمَ الَّذِي هو أصْواتٌ مُقَطَّعَةٌ وحُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ غَيْرُ المُسَمّى الَّذِي هو مَدْلُولُهُ، والبَحْثُ مَبْسُوطٌ في عِلْمِ الكَلامِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
واللَّهُ عَلَمٌ لِذاتِ الواجِبِ الوُجُودِ لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ، وأصْلُهُ إلَهٌ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وعُوِّضَتْ عَنْها أداةُ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَتْ.
وكانَ قَبْلَ الحَذْفِ مِن أسْماءِ الأجْناسِ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ كالنَّجْمِ والصَّعْقِ، فَهو قَبْلَ الحَذْفِ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ، وبَعْدَهُ مِنَ الأعْلامِ المُخْتَصَّةِ.
والرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمانِ مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، ورَحْمَنُ أشَدُّ مُبالَغَةً مِن رَحِيمٍ.
وفِي كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ ما يُفْهِمُ حِكايَةَ الِاتِّفاقِ عَلى هَذا، ولِذَلِكَ قالُوا رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُ الدُّنْيا.
وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجُ: إنَّ الرَّحْمَنَ عِبْرانِيٌّ والرَّحِيمَ عَرَبِيٌّ وخالَفَهُما غَيْرُهُما.
والرَّحْمَنُ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأمّا قَوْلُ بَنِي حَنِيفَةَ في مُسَيْلِمَةَ رَحْمَنُ اليَمامَةِ، فَقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ بابٌ مِن تَعَنُّتِهِمْ في كُفْرِهِمْ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ تَعالى، والرَّحِيمُ إنَّما هو في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها أحادِيثُ.
مِنها ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ وابْنُ خُزَيْمَةَ في كِتابِ البَسْمَلَةِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْتَرَقَ الشَّيْطانُ مِنَ النّاسِ أعْظَمَ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ إذا جاءَنِي بِالوَحْيِ أوَّلَ ما يُلْقِي عَلَيَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وصَحَّحَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَقالَ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وما بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الأكْبَرِ إلّا كَما بَيْنَ سَوادِ العَيْنِ وبَياضِها مِنَ القُرْبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِ دِمَشْقَ، والثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى الكُتّابِ لِتُعَلِّمَهُ، فَقالَ لَهُ المُعَلِّمُ: اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ لَهُ عِيسى: وما بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قالَ المُعَلِّمُ: لا أدْرِي، فَقالَ لَهُ عِيسى: الباءُ بَهاءُ اللَّهِ، والسِّينُ سَناهُ، والمِيمُ مَمْلَكَتُهُ، واللَّهُ إلَهُ الآلِهَةِ، والرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةُ، والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةُ» وفي إسْنادِهِ إسْماعِيلُ بْنُ يَحْيى وهو كَذّابٌ.
وقَدْ أوْرَدَ هَذا الحَدِيثَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المَوْضُوعاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والثَّعْلَبِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَرَبَ الغَيْمُ إلى المَشْرِقِ، وسَكَنَتِ الرِّيحُ، وهاجَ البَحْرُ، وأصْغَتِ البَهائِمُ بِآذانِها، ورُجِمَتِ الشَّياطِينُ مِنَ السَّماءِ، وحَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وجَلالِهِ أنْ لا تُسَمّى عَلى شَيْءٍ إلّا بارَكَ فِيهِ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ضَجَّتِ الجِبالُ حَتّى سَمِعَ أهْلُ مَكَّةَ» دَوِيَّها، فَقالُوا: سَحَرَ مُحَمَّدٌ الجِبالَ، فَبَعَثَ اللَّهُ دُخانًا حَتّى أظَلَّ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَن قَرَأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُوقِنًا سَبَّحَتْ مَعَهُ الجِبالُ إلّا أنَّهُ لا يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنها.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ أرْبَعَةَ آلافِ حَسَنَةٍ، ومَحا عَنْهُ أرْبَعَةَ آلافِ سَيِّئَةٍ، ورَفَعَ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ دَرَجَةٍ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في الجامِعِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِفْتاحُ كُلِّ كِتابٍ» .
وهَذِهِ الأحادِيثُ يَنْبَغِي البَحْثُ عَنْ أسانِيدِها والكَلامُ عَلَيْها بِما يَتَبَيَّنُ بَعْدَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَدْ شُرِعَتِ التَّسْمِيَةُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ قَدْ بَيَّنَها الشّارِعُ مِنها عِنْدَ الوُضُوءِ، وعِنْدَ الذَّبِيحَةِ، وعِنْدَ الأكْلِ، وعِنْدَ الجِماعِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ
فاتِحَةُ الشَّيْءِ: أوَّلُهُ وابْتِداؤُهُ. ولَمّا افْتُتِحَ التَّنْزِيلُ الكَرِيمُ بِها، إمّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ بِاجْتِهادٍ مِنَ الصَّحابَةِ- كَما حَكى القَوْلَيْنِ القاضِي الباقِلّانِيُّ في تَرْتِيبِ التَّنْزِيلِ- سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.
قالَ السَّيِّدُ الجُرْجانِيُّ: فاتِحَةُ الكِتابِ صارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ لِسُورَةِ الحَمْدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْها «الفاتِحَةُ» وحْدَها، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلَمًا آخَرَ بِالغَلَبَةِ أيْضًا، لِكَوْنِ اللّامِ لازِمَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ اخْتِصارًا، واللّامُ كالعِوَضِ عَنِ الإضافَةِ إلى الكِتابِ، مَعَ لَمْحِ الوَصْفِيَّةِ الأصْلِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: سُمِّيَتْ «فاتِحَةَ الكِتابِ»: لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِكِتابَتِها المَصاحِفُ، ويُقْرَأُ بِها في الصَّلَواتِ. فَهي فَواتِحُ لِما يَتْلُوها مِن سُوَرِ القُرْآنِ في الكِتابَةِ والقِراءَةِ.
وتُسَمّى «أُمَّ القُرْآنِ»: لِتُقَدُّمِها عَلى سائِرِ سُوَرِ القُرْآنِ غَيْرَها، وتَأخُّرِ ما سِواها خَلْفَها في القِراءَةِ والكِتابَةِ تُقَدَّمُ الأُمُّ والأصْلُ؛ أوْ لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ، والتَّعَبُّدُ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وبَيانُ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ؛ أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعِ عَلى مَعارِجِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ.
والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أمْرٍ جامِعٍ أُمُورًا، وكُلَّ مُقَدَّمٍ لَهُ تَوابِعُ تَتْبَعُهُ «أُمًّا» - فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّماغَ «أُمَّ الرَّأْسِ» وتُسَمِّي لِواءَ الجَيْشِ ورايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَها «أُمًّا».
وتُسَمّى «السَّبْعَ المَثانِيَ» - جَمْعُ مَثْنى كَمُفْعَلٍ اسْمِ مَكانٍ، أوْ مُثَنّى بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّثْنِيَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ- لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ تُثَنّى في الصَّلاةِ أيْ تُكَرَّرُ فِيها.
والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الفاتِحَةَ مَكِّيَّةٌ، وأنَّها سَبْعُ آياتٍ.
وأصْلُ مَعْنى «السُّورَةِ» لُغَةً: المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ الِارْتِفاعِ. ومِن ذَلِكَ سُورُ المَدِينَةِ لِلْحائِطِ الَّذِي يَحْوِيها، وذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ عَلى ما يَحْوِيهِ. ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ بَنِي ذُبْيانَ:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
أيْ مَنزِلَةً مِن مَنازِلِ الشَّرَفِ الَّتِي قَصَرَتْ عَنْها مَنازِلُ المُلُوكِ.وأمّا «الآيَةُ» فَإمّا بِمَعْنى: العَلامَةُ- لِأنَّها عَلامَةٌ يُعْرَفُ بِها تَمامُ ما قَبْلَها وابْتِداؤُها، كالآيَةِ الَّتِي تَكُونُ دَلالَةً عَلى الشَّيْءِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ- وإمّا بِمَعْنى: القِصَّةِ- كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
ألا أبْلِغا هَذا المُعَرِّضَ آيَةً ∗∗∗ أيَقْظانَ قالَ القَوْلَ، إذْ قالَ، أمْ حَلَمْ
أيْ رِسالَةٌ مِنِّي، وخَبَرًا عَنِّي- فَيَكُونُ مَعْنى الآياتِ «القَصَصَ» قِصَّةً تَتْلُو قِصَّةً.القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١ ] ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
قالَ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ، وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، أدَّبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِتَعْلِيمِهِ تَقْدِيمَ ذِكْرِ أسْمائِهِ الحُسْنى أمامَ جَمِيعِ أفْعالِهِ، وتَقَدَّمَ إلَيْهِ في وصْفِهِ بِها قَبْلَ جَمِيعِ مُهِمّاتِهِ، وجَعَلَ -ما أدَّبَهُ بِهِ مِن ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ إيّاهُ- مِنهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ: سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِها، وسَبِيلًا يَتْبَعُونَهُ عَلَيْها، فَبِهِ افْتِتاحُ أوائِلِ مَنطِقِهِمْ، وصُدُورِ رَسائِلِهِمْ وكُتُبِهِمْ وحاجاتِهِمْ، حَتّى أغْنَتْ دَلالَةُ ما ظَهَرَ، مِن قَوْلِ القائِلِ: بِسْمِ اللَّهِ، عَلى ما بَطَنَ مِن مُرادِهِ الَّذِي هو مَحْذُوفٌ، وذَلِكَ أنَّ الباءَ مُقْتَضِيَةٌ فِعْلًا يَكُونُ لَها جالِبًا؛ فَإذا كانَ مَحْذُوفًا يُقَدَّرُ بِما جُعِلَتِ التَّسْمِيَةُ مَبْدَأً لَهُ. والِاسْمُ هُنا بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ -كالكَلامِ بِمَعْنى التَّكْلِيمِ، والعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ- والمَعْنى: أقْرَأُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ، وأفْتَتِحُ القِراءَةَ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلى. و"اللَّهُ" عَلَمٌ عَلى ذاتِهِ، تَعالى وتَقَدَّسَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ ويَعْبُدُهُ وأصْلُهُ "إلاهُ" بِمَعْنى مَأْلُوهٍ أيْ مَعْبُودٍ؛ فَلَمّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَتِهِ في الكَلامِ؛ وبَعْدَ الإدْغامِ فُخِّمَتْ تَعْظِيمًا -هَذا تَحْقِيقُ اللُّغَوِيِّينَ.
و"الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" قالَ الجَوْهَرِيُّ: هُما اسْمانِ مُشْتَقّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، ونَظِيرُهُما في اللُّغَةِ "نَدِيمٌ ونَدْمانُ" وهُما بِمَعْنًى. ويَجُوزُ تَكْرِيرُ الِاسْمَيْنِ إذا اخْتَلَفَ اشْتِقاقَهُما عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، كَما يُقالُ: جادٌّ مُجِدٌّ إلّا أنَّ "الرَّحْمَنِ" اسْمٌ مُخَصَّصٌ بِاللَّهِ لا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ. ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] فَعادَلَ بِهِ الِاسْمَ الَّذِي لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. اهـ.
وقَدْ ناقَشَ في كَوْنِ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" بِمَعْنًى واحِدٍ، العَلّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ المِصْرِيُّ في بَعْضِ مَباحِثِهِ التَّفْسِيرِيَّةِ قائِلًا: إنَّ ذَلِكَ غَفْلَةٌ نَسْألُ اللَّهَ أنْ يُسامِحَ صاحِبَها -ثُمَّ قالَ:- وأنا لا أُجِيزُ لِمُسْلِمٍ أنْ يَقُولَ، في نَفْسِهِ أوْ بِلِسانِهِ: إنَّ في القُرْآنِ كَلِمَةً جاءَتْ لِتَأْكِيدِ غَيْرِها ولا مَعْنًى لَها في نَفْسِها، بَلْ لَيْسَ في القُرْآنِ حَرْفٌ جاءَ لِغَيْرِ مَعْنًى مَقْصُودٍ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ مَعْنى الرَّحْمَنِ المُنْعِمُ بِجَلائِلِ النِّعَمِ، ومَعْنى الرَّحِيمِ المُنْعِمُ بِدَقائِقِها. وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ الرَّحْمَنَ هو المُنْعِمُ بِنِعَمٍ عامَّةٍ تَشْمَلُ الكافِرِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ، والرَّحِيمَ المُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِالمُؤْمِنِينَ، وكُلُّ هَذا تَحَكُّمٌ بِاللُّغَةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، ولَكِنَّ الزِّيادَةَ تَدُلُّ عَلى الوَصْفِ مُطْلَقًا؛ فَصِيغَةُ "الرَّحْمَنِ" تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الإحْسانِ الَّذِي يُعْطِيهِ، سَواءٌ كانَ جَلِيلًا أوْ دَقِيقًا. وأمّا كَوْنُ أفْرادِ الإحْسانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها اللَّفْظُ الأكْثَرُ حُرُوفًا أعْظَمَ مِن أفْرادِ الإحْسانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها اللَّفْظُ الأقَلُّ حُرُوفًا، فَهو غَيْرُ مَعْنِيٍّ ولا مُرادٍ، وقَدْ قارَبَ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى "الرَّحْمَنِ" المُحْسِنُ بِالإحْسانِ العامِّ. ولَكِنَّهُ أخْطَأ في تَخْصِيصِ مَدْلُولِ الرَّحِيمِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَ مَن قالَ: إنَّ الثّانِيَ مُؤَكِّدٌ لِلْأوَّلِ -عَلى قَوْلِهِ هَذا- هو عَدَمُ الِاقْتِناعِ بِما قالُوهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ، مَعَ عَدَمِ التَّفَطُّنِ لِما هو أحْسَنُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي أقُولُ: إنَّ لَفْظَ "رَحْمَنِ" وصْفٌ فِعْلِيٌّ فِيهِ مَعْنى المُبالَغَةِ - كَفَعّالٍ - ويَدُلُّ في اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ عَلى الصِّفاتِ العارِضَةِ -كَعَطْشانَ وغَرْثانَ وغَضْبانَ- وأمّا لَفْظُ "رَحِيمٍ" فَإنَّهُ يَدُلُّ في الِاسْتِعْمالِ عَلى المَعانِي الثّابِتَةِ كالأخْلاقِ والسَّجايا في النّاسِ -كَعَلِيمٍ وحَكِيمٍ وحَلِيمٍ وجَمِيلٍ- والقُرْآنُ لا يَخْرُجُ عَنِ الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ البَلِيغِ في الحِكايَةِ عَنْ صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّتِي تَعْلُو عَنْ مُماثَلَةِ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ؛ فَلَفْظُ "الرَّحْمَنِ" يَدُلُّ عَلى مَن تَصْدُرُ عَنْهُ آثارُ الرَّحْمَةِ بِالفِعْلِ وهي إفاضَةُ النِّعَمِ والإحْسانِ؛ ولَفْظُ "الرَّحِيمِ" يَدُلُّ عَلى مَنشَأِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وعَلى أنَّها مِنَ الصِّفاتِ الثّابِتَةِ الواجِبَةِ، وبِهَذا المَعْنى لا يُسْتَغْنى بِأحَدِ الوَصْفَيْنِ عَنِ الآخَرِ، ولا يَكُونُ الثّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأوَّلِ، فَإذا سَمِعَ العَرَبِيُّ وصْفَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ بِـ "الرَّحْمَنِ"، وفَهِمَ مِنهُ أنَّهُ المُفِيضُ لِلنِّعَمِ فِعْلًا، لا يَعْتَقِدُ مِنهُ أنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الصِّفاتِ الواجِبَةِ لَهُ دائِمًا -لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ يَنْقَطِعُ إذا كانَ عارِضًا لَمْ يَنْشَأْ عَنْ صِفَةٍ لازِمَةٍ ثابِتَةٍ -فَعِنْدَما يَسْمَعُ لَفْظَ "الرَّحِيمِ" يَكْمُلُ اعْتِقادُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى ويُرْضِيهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، والأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ ومَدَنِيَّةٌ. نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَلاةُ، ثُمَّ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ. وتُسَمّى أُمَّ القُرْآنِ لِلْحَدِيثِ، ولِاشْتِمالِها عَلى المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ، وسُورَةَ الوافِيَةِ والكافِيَةِ لِذَلِكَ، وسُورَةَ الكَنْزِ، لِقَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنِ اللهِ تَعالى: « "فاتِحَةُ الكِتابِ كَنْزٌ مِن كُنُوزِ عَرْشِي". » وسُورَةَ الشِفاءِ والشافِيَةِ، لِقَوْلَهِ ﷺ: « "فاتِحَةُ الكِتابِ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ إلّا السامَ". » وسُورَةَ المَثانِي، لِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ. وسُورَةَ الصَلاةِ لِما يُرْوى، ولِأنَّها تَكُونُ واجِبَةً أوْ فَرِيضَةً، وسُورَةَ الحَمْدِ والأساسِ، فَإنَّها أساسُ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: إذا اعْتَلَلْتَ أوِ اشْتَكَيْتَ فَعَلَيْكَ بِالأساسِ. وآيُها سَبْعٌ بِالِاتِّفاقِ، واللهُ أعْلَمُ.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشامِ عَلى أنَّ التَسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الفاتِحَةِ، ولا مِن غَيْرِها مِنَ السُورِ، وإنَّما كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ والتَبَرُّكِ لِلِابْتِداءِ بِها، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ ومِن تابَعَهُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- ولِذا لا يُجْهَرُ بِها عِنْدَهم في الصَلاةِ، وقُرّاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ عَلى أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ ومِن كُلِّ سُورَةٍ، وعَلَيْهِ الشافِعِيُّ وأصْحابُهُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- ولِذا يَجْهَرُونَ بِها، وقالُوا: قَدْ أثْبَتَها السَلَفُ في المُصْحَفِ مَعَ الأمْرِ بِتَجْرِيدِ القُرْآنِ [عَمّا لَيْسَ مِنهُ]. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: مَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وأرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ. ولَنا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "قالَ اللهُ تَعالى: قَسَّمْتُ الصَلاةَ -أيِ: الفاتِحَةَ- بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سَألَ. فَإذا قالَ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ اللهُ تَعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قالَ: ﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ قالَ اللهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي. وإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾ قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. وإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ. فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي، ولِعَبْدِي ما سَألَ". »
فالِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفاتِحَةِ، وإذا لَمْ تَكُنْ مِنَ الفاتِحَةِ لا تَكُونُ مِن غَيْرِها إجْماعًا. والحَدِيثُ مَذْكُورٌ في "صِحاحِ المَصابِيحِ". وما ذَكَرُوا لا يَضُرُّنا، لِأنَّ التَسْمِيَةَ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ ولِلتَّبَرُّكِ في الِابْتِداءِ بِها بَيْنَ السُورِ عِنْدَنا، ذَكَرَهُ فَخْرُ الإسْلامِ في "المَبْسُوطِ"، وإنَّما يَرُدُّ عَلَيْنا أنْ لَوْ لَمْ نَجْعَلْها آيَةً مِنَ القُرْآنِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في "الكافِي" وتَعَلَّقَتِ الباءُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللهِ أقْرَأُ، أوْ أتْلُو، لِأنَّ الَّذِي يَتْلُو التَسْمِيَةَ مَقْرُوءٌ، كَما أنَّ المُسافِرَ إذا حَلَّ وارْتَحَلَ فَقالَ: بِسْمِ اللهِ والبَرَكاتِ، كانَ المَعْنى: بِسْمِ اللهِ أحِلُّ، وبِسْمِ اللهِ أرْتَحِلُ، وكَذا الذابِحُ، وكُلُّ فاعِلٍ يَبْدَأُ في فِعْلِهِ بِسْمِ اللهِ كانَ مُضْمَرًا ما جَعَلَ التَسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ. وإنَّما قُدِّرَ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا، لِأنَّ الأهَمَّ مِنَ الفِعْلِ والمُتَعَلِّقِ بِهِ [هُوَ المُتَعَلَّقُ بِهِ]. وكانُوا يَبْدَءُونَ بِأسْماءِ آلْهَتِهِمْ فَيَقُولُونَ: باسِمِ اللاتِ، وباسِمِ العُزّى، فَوَجَبَ أنْ يَقْصِدَ المُوَحِّدُ مَعْنى اخْتِصاصِ اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِالِابْتِداءِ، وذا بِتَقْدِيمِهِ وتَأْخِيرِ الفِعْلِ، وإنَّما قَدَّمَ الفِعْلَ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العَلَقُ: ١] لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في قَوْلٍ، وكانَ الأمْرُ بِالقِراءَةِ أهَمَّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الفِعْلِ أوْقَعَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ " اقْرَأْ " عَلى مَعْنى: افْعَلِ القِراءَةَ وحَقِّقَها، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، غَيْرَ مُتَّعَدٍ إلى مَقْرُوءٍ بِهِ، وأنْ يَكُونَ بِاسْمِ رَبِّكَ مَفْعُولَ اقْرَأِ الَّذِي بَعْدَهُ. واسْمُ اللهِ يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ تَعَلُّقَ الدُهْنِ بِالإنْباتِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُهْنِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٠] عَلى مَعْنى: مُتَبَرِّكًا باسِمِ اللهِ اقْرَأْ، فَفِيهِ تَعْلِيمُ عِبادِهِ كَيْفَ يَتَبَرَّكُونَ بِاسْمِهِ تَعالى، وكَيْفَ يُعَظِّمُونَهُ، وبُنِيَتِ الباءُ عَلى الكَسْرِ، لِأنَّها تُلازِمُ الحَرْفِيَّةَ والجَرَّ، فَكُسِرَتْ لِتُشابِهَ حَرَكَتُها عَمَلَها. والِاسْمُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي بَنَوْا أوائِلَها عَلى السُكُونِ كالِابْنِ والِابْنَةِ وغَيْرِهِما، فَإذا نَطَقُوا بِها مُبْتَدِئِينَ زادُوا هَمْزَةً تَفادِيًا عَنِ الِابْتِداءِ بِالساكِنِ تَعَذُّرًا، وإذا وقَعَتْ في الدَرْجِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلى زِيادَةِ شَيْءٍ، ومِنهم مَن لَمْ يَزِدْها، واسْتَغْنى عَنْها بِتَحْرِيكِ الساكِنِ، فَقالَ: سَمْ وسُمْ. وهو مِنَ الأسْماءِ المَحْذُوفَةِ الأعْجازِ، كَيَدٍ، ودَمٍ، وأصْلُهُ: سُمُوٌّ بِدَلِيلِ تَصْرِيفِهِ كَأسْماءٍ، وسُمِّيَ، وسُمِّيَتْ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السُمُوِّ، وهُوَ: الرِفْعَةُ، لِأنَّ التَسْمِيَةَ تَنْوِيهٌ بِالمُسَمّى، وإشادَةٌ بِذِكْرِهِ. وحُذِفَتِ الألِفُ في الخَطِّ هُنا، وأُثْبِتَتْ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العَلَقُ: ١]، لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيها مَعَ أنَّها تَسْقُطُ في اللَفْظِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وطُوِّلَتِ الباءُ عِوَضًا مِن حَذْفِها. وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ لِكاتِبِهِ: طَوِّلِ الباءَ وأظْهِرِ السِيناتِ، ودَوِّرِ المِيمَ.
واللهُ: أصْلُهُ الإلَهُ، ونَظِيرُهُ الناسُ، أصْلُهُ: الأُناسُ، حُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وعُوِّضَ مِنها حَرْفُ التَعْرِيفِ، والإلَهُ مِن أسْماءِ الأجْناسِ، يَقَعُ عَلى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ، كَما أنَّ النَجْمَ اسْمٌ لِكُلِّ كَوْكَبٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلى الثُرَيّا. وأمّا اللهُ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فَمُخْتَصٌّ بِالحَقِّ، لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ، وهو اسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ، لِأنَّكَ تَصِفُهُ، ولا تَصِفُ بِهِ، لا تَقُولُ: شَيْءٌ إلَهٌ، كَما لا تَقُولُ: شَيْءُ رَجُلٌ، وتَقُولُ: إلَهٌ واحِدٌ صَمَدٌ، ولِأنَّ صِفاتِهِ تَعالى لا بُدَّ لَها مِن مَوْصُوفٍ تَجْرِي عَلَيْهِ، فَلَوْ جَعَلْتَها كُلَّها صِفاتٍ لَبَقِيَتْ صِفاتٍ غَيْرَ جارِيَةٍ عَلى اسْمٍ مَوْصُوفٍ بِها، وذا لا يَجُوزُ، ولا اشْتِقاقَ لِهَذا الِاسْمِ عِنْدَ الخَلِيلِ والزَجّاجِ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ. وقِيلَ: مَعْنى الِاشْتِقاقِ: أنْ يَنْتَظِمَ الصِيغَتَيْنِ فَصاعِدًا مَعْنًى واحِدٌ. وصِيغَةُ هَذا الِاسْمِ وصِيغَةُ قَوْلِهِمْ ألِهَ: إذا تَحَيَّرَ، يَنْتَظِمُهُما مَعْنى التَحَيُّرِ والدَهْشَةِ، وذَلِكَ أنَّ الأوْهامَ تَتَحَيَّرُ في مَعْرِفَةِ المَعْبُودِ، وتُدْهِشُ الفَطِنَ، ولِذا كَثُرَ الضَلالُ، وفَشا الباطِلُ، وقَلَّ النَظَرُ الصَحِيحُ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ألَهَ يَأْلَهُ إلَهًا إذا عُبِدَ، فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى: مَأْلُوهٍ، أيْ: مَعْبُودٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللهِ﴾ [لُقْمانُ: ١١] أيْ: مَخْلُوقُهُ. وتُفَخِّمُ لامُهُ إذا كانَ قَبْلَها فَتْحَةٌ أوْ ضَمَّةٌ، وتُرَقَّقُ إذا كانَ قَبْلَها كَسْرَةٌ، ومِنهم مَن يُرَقِّقُها بِكُلِّ حالٍ، ومِنهم مَن يُفَخِّمُ بِكُلِّ حالٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.
وَ"الرَحْمَنُ": فَعْلانٌ مِن رَحِمَ، وهو الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، كَغَضْبانَ مِن غَضِبَ، وهو المُمْتَلِئُ غَضَبًا. وكَذا "الرَحِيمُ": فَعِيلٌ مِنهُ، كَمَرِيضٍ مِن مَرِضَ، وفي "الرَحْمَنِ" مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في "الرَحِيمِ"، لِأنَّ في "الرَحِيمِ" زِيادَةً واحِدَةً، وفي "الرَحْمَنِ" زِيادَتَيْنِ، وزِيادَةُ اللَفْظِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، ولِذا جاءَ في الدُعاءِ: "يارَحْمَنَ الدُنْيا"، لِأنَّهُ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ "وَرَحِيمَ الآخِرَةِ"، لِأنَّهُ يَخُصُّ المُؤْمِنَ. وقالُوا: "الرَحْمَنُ" خاصٌّ تَسْمِيَةً، لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ، وعامٌّ مَعْنًى لِما بَيَّنّا، و"الرَحِيمُ" بِعَكْسِهِ، لِأنَّهُ يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ، ويَخُصُّ المُؤْمِنِينَ، ولِذا قَدَّمَ "الرَحْمَنَ" -وَإنْ كانَ أبْلَغَ- والقِياسُ التَرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، يُقالُ: فُلانٌ عالِمٌ نِحْرِيرٌ، لِأنَّهُ كالعَلَمِ لِما لَمْ يُوصَفْ بِهِ غَيْرُ اللهِ. ورَحْمَةُ اللهِ: إنْعامُهُ عَلى عِبادِهِ، وأصْلُها: العَطْفُ. وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ في مُسَيْلِمَةَ:
وأنْتَ غَيْثُ الوَرى لا زِلْتَ رَحْمانا
فَبابٌ مِن تَعَنُّتِهِمْ في كُفْرِهِمْ.وَرَحْمَنُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عِنْدَ مَن زَعَمَ أنَّ الشَرْطَ انْتِفاءُ فَعْلانَةٍ، إذْ لَيْسَ لَهُ فَعْلانَةٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ الشَرْطَ وُجُودُ فَعْلى صَرَفَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ فَعْلى، والأوَّلُ الوَجْهُ.
سورة الفاتحة
مكية، سبع آيات، تسع وعشرون كلمة، مائة وثلاثة وأربعون حرفا بسم الله الرحمن الرحيم والسابعة: صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها إن كانت البسملة منها وإن لم تكن منها فالسابعة:
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ إلى آخرها، وهي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم:
أحدها: علم الأصول وقد جمعت الإلهيات في: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ والنبوات في: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والدار الآخرة في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وثانيها: علم الفروع وأعظمه العبادات، وهي مالية وبدنية وهما مفتقرتان إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولا بدّ لها من الأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي.
وثالثها: علم تحصيل الكمالات وهو علم الأخلاق ومنه الاستقامة في الطريقة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وقد جمعت الشريعة كلها في الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.
ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم الخالية وقد جمعت السعداء من الأنبياء وغيرهم في: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والأشقياء من الكفار في: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الباء: بهاء الله والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه، والميم: ملكه وهو على كل شيء قدير. والباء: ابتداء اسمه بارئ بصير. والسين:
ابتداء اسمه سميع. والميم: ابتداء اسمه مجيد مليك. والألف: ابتداء اسمه الله. واللام: ابتداء اسمه لطيف. والهاء: ابتداء اسمه هادي. والراء: ابتداء اسمه رزاق. والحاء: ابتداء اسمه حليم. والنون: ابتداء اسمه نافع ونور.
وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي.
سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا.
* * *
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ.
وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ (٧-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (٤٠-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ"(١) ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ(٢) ] .
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهِ﴾ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿وَيَذَرَكَ وآلهتك﴾ (١٢٧-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (٩١-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ
فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ
وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ.
قَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا)(٣) لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ)(٤) .
وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ)(٥) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ(٦) .
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ"(٧) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله ﷺ ٤\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(٨) .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(٩) وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها﴾ (٤١-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت ﴿قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١١٠-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٠-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١١١-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١٣-سَبَأٍ) .
قَوْلُهُ ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ.
قَوْلُهُ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ.
"وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١-الْمُدَّثِّرِ) .
قَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿مَالِكِ﴾ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ ﴿مَلِكِ﴾ قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١١٤-طه) ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٣٦-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ)(١٠) الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٢٦-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١٦-غَافِرٍ) وَقَالَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١٩-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: ﴿الرَّحِيمِ مَلِكِ﴾ بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (٨١-النِّسَاءِ) ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ (١-٣ الصَّافَّاتِ) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (١-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ.
قَوْلُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ.
قَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ﴾ أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ)(١١) مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا.
قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ.
وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن ٥/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ"(١٢) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ](١٣) وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ.
قَوْلُهُ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦٩-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ.
قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (١٢-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا)(١٤) فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ.
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٦٠-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٧٧-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾(١٥) بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ.
وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ)(١٦) مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ.
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(١٧) صَحِيحٌ.
فصل في فضل (الفاتحة)(١٨)
أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢٤-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ)(١٩) مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي)(٢٠) آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"(٢١) هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ"(٢٢) صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ](٢٣)
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ(٢٤) غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" ٥/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"(٢٥) صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ](٢٦)
(٢) ساقط من أ.
(٣) في الأصل: تعظيما.
(٤) في الأصل: الفعل.
(٥) ساقط من (أ) .
(٦) أخرجه الشافعي في المسند: ١ / ٧٩-٨٠ (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: ٣ / ٥٠. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ١ / ٢٣٢.
(٧) أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: ١ / ٨١، والمصنف في شرح السنة ٣ / ٥٣-٥٤، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (٣٩٩) .
(٨) أخرجه أبو داود في المراسيل ص (١٢٣) ، وصححه الحاكم على شرطهما: ١ / ٢٣١. وانظر: تلخيص الحبير: ١ / ٢٣٣، الدر المنثور: ١ / ٢٠.
(٩) أخرجه الواحدي في الوسيط: ١ / ١٣، وفي أسباب النزول ص (٥٤) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: ١ / ٢٠.
(١٠) في ب: ريان.
(١١) في أ، ب (الاستطاعة) .
(١٢) أخرجه الطبري في التفسير: ١ / ١٧١-١٧٢، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.
(١٣) ساقط من ب.
(١٤) في ب: كسر.
(١٥) زيادة من ب.
(١٦) ساقط من ب.
(١٧) أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: ٢ / ٢٦٢ ورواه أحمد: ٢ / ٢٣٣ عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: ٢ / ١٤٤. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٦١. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .
(١٨) في "ب": فاتحة الكتاب.
(١٩) ساقط من (أ) .
(٢٠) ساقط من (أ) وفي ب: الذي.
(٢١) رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب ٨ / ١٧٨-١٨٠. وأحمد في المسند: ٢ / ٤١٢-٤١٣ عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة ١ / ٢٥٢ وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري ٢ / ٣٦٧) وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٤٦-٤٤٧ وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: ٨ / ١٥٦.
(٢٢) رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (٨٠٦) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: ١ / ٥٥٤. والنسائي في افتتاح الصلاة: ٢ / ١٣٨. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٤٦٦. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا.
(٢٣) ساقط من ب.
(٢٤) في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة.
(٢٥) رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (٣٩٥) : ١ / ٢٩٦. وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٣ / ٤٧.
(٢٦) ساقط من (ب) .
ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ قَوْلَهُ: (أعُوذُ بِاللَّهِ) إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما لا يَنْبَغِي مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ، وقَوْلَهُ: (بِسْمِ اللَّهِ) إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي مِنَ الِاعْتِقاداتِ والعَمَلِيّاتِ فَقَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ) لا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلّا بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى جَمِيعِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأعْمالِ الصّافِيَةِ وهَذا هو التَّرْتِيبُ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ العَقْلُ الصَّحِيحُ والحَقُّ الصَّرِيحُ.
(١)
سُورَةُ الفاتِحَةِ
بِسْمِ اللَّهِ القَيُّومِ الشَّهِيدِ الَّذِي لا يَعْزُبُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ؛ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ المَوْجُوداتِ، وطُبِعَ في مَرائِي القُلُوبِ عَظْمَتُهُ فَتَعالَتْ تِلْكَ السُّبُحاتُ، وأُجْرِيَ عَلى الألْسِنَةِ ذِكْرُهُ في العِباداتِ والعاداتِ؛ الرَّحِيمِ الَّذِي تَمَّتْ نِعْمَتُهُ بِتَخْصِيصِ أهْلِ وِلايَتِهِ بِأرْضى العِباداتِ.
قالَ شَيْخُنا الإمامُ المُحَقِّقُ أبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ العَلّامَةِ القُدْوَةِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ ابْنِ العَلّامَةِ القُدْوَةِ أبِي القاسِمِ مُحَمَّدٍ المِشْدالِيُّ المَغْرِبِيُّ البَجائِيُّ المالِكِيُّ عَلّامَةُ الزَّمانِ سَقى اللَّهُ عَهَدَهُ سَحائِبَ الرِّضْوانِ، وأسْكَنَهُ أعْلى الجِنانِ: الأمْرُ الكُلِّيُّ المُفِيدُ لِعِرْفانِ مُناسَباتِ الآياتِ في جَمِيعِ القُرْآنِ هو أنَّكَ تَنْظُرُ الغَرَضَ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ السُّورَةُ، وتَنْظُرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ مِنَ المُقَدِّماتِ [ وتَنْظُرُ إلى مَراتِبِ تِلْكَ المُقَدِّماتِ ] في القُرْبِ والبُعْدِ مِنَ المَطْلُوبِ، وتَنْظُرُ عِنْدَ انْجِرارِ الكَلامِ في المُقَدِّماتِ إلى ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنِ اسْتِشْرافِ نَفْسِ السّامِعِ إلى الأحْكامِ واللَّوازِمِ التّابِعَةِ لَهُ الَّتِي تَقْتَضِي البَلاغَةُ شِفاءَ العَلِيلِ بِدَفْعِ عَناءِ الِاسْتِشْرافِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها؛ فَهَذا هو الأمْرُ الكُلِّيُّ المُهَيْمِنُ عَلى حُكْمِ الرَّبْطِ بَيْنَ جَمِيعِ أجْزاءِ القُرْآنِ، وإذا فَعَلْتَهُ تَبَيَّنَ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ وجْهُ النَّظْمِ مُفَصَّلًا بَيْنَ كُلِّ آيَةٍ وآيَةٍ في كُلِّ سُورَةٍ سُورَةٍ واللَّهُ الهادِي. انْتَهى. وقَدْ ظَهَرَ لِي بِاسْتِعْمالِي لِهَذِهِ القاعِدَةِ بَعْدَ وُصُولِي إلى سُورَةِ سَبَأٍ في السَّنَةِ العاشِرَةِ مِنِ ابْتِدائِي في عَمَلِ هَذا الكِتابِ أنَّ اسْمَ كُلِّ سُورَةٍ مُتَرْجِمٌ عَنْ مَقْصُودِها لِأنَّ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ تُظْهِرُ المُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُسَمّاهُ عُنْوانُهُ الدّالُّ إجْمالًا عَلى تَفْصِيلِ ما فِيهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي أنْبَأ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَقْصُودُ كُلِّ سُورَةٍ هادٍ إلى تَناسُبِها؛ فَأذْكُرُ قُصُودَ السُّورَةِ، وأُطَبِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِها، وأُفَسِّرُ كُلَّ بَسْمَلَةٍ بِما يُوافِقُ مَقْصُودَ السُّورَةِ، ولا أخْرُجُ عَنْ مَعانِي كَلِماتِها؛ فالفاتِحَةُ اسْمُها ”أُمُّ الكِتابِ“ و”الأساسُ“ و”المَثانِي“ و”الكَنْزُ“ [ و”الشّافِيَةُ“ ] و”الكافِيَةُ“ و”الوافِيَةُ“ [ و”الواقِيَةُ“ ] و”الرُّقْيَةُ“ و”الحَمْدُ“ و”الشُّكْرُ“ و”الدُّعاءُ“ و”الصَّلاةُ“، فَمَدارُ هَذِهِ الأسْماءِ كَما تَرى عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ كافٍ لِكُلِّ مُرادٍ وهو المُراقَبَةُ الَّتِي سَأقُولُ إنَّها مَقْصُودُها فَكُلُّ شَيْءٍ لا يُفْتَتَحُ بِها لا اعْتِدادَ بِهِ، وهي أُمُّ كُلِّ خَيْرٍ، وأساسُ كُلِّ مَعْرُوفٍ، ولا يُعْتَدُّ بِها إلّا إذا ثُنِّيَتْ فَكانَتْ دائِمَةَ التَّكْرارِ، وهي كَنْزٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، شافِيَةٌ لِكُلِّ داءٍ، كافِيَةٌ لِكُلِّ هَمٍّ، وافِيَةٌ بِكُلِّ مَرامٍ، واقِيَةٌ مِن كُلِّ سُوءٍ، رُقْيَةٌ لِكُلِّ مُلِمٍّ، وهي إثْباتٌ لِلْحَمْدِ الَّذِي هو الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، ولِلشُّكْرِ الَّذِي هو تَعْظِيمُ المُنْعِمِ، وهي عَيْنُ الدُّعاءِ فَإنَّهُ التَّوَجُّهُ إلى المَدْعُوِّ، وأعْظَمُ مَجامِعِها الصَّلاةُ.
إذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فالغَرَضُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ الفاتِحَةُ وهو إثْباتُ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِجَمِيعِ المَحامِدِ وصِفاتِ الكَمالِ، واخْتِصاصِهِ بِمُلْكِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، بِالسُّؤالِ في المَنِّ بِإلْزامِ صِراطِ الفائِزِينَ والإنْقاذِ مِن طَرِيقِ الهالِكِينَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ كُلِّهِ، ومَدارُ ذَلِكَ كُلِّهِ مُراقَبَةُ العِبادِ لِرَبِّهِمْ، لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، فَهو مَقْصُودُ الفاتِحَةِ بِالذّاتِ وغَيْرُهُ وسائِلُ إلَيْهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِن إثْباتِ إحاطَتِهِ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ ولَنْ يَثْبُتَ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِأنَّهُ الخالِقُ المَلِكُ المالِكُ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ نَصْبُ الشَّرائِعِ، والمَقْصُودَ مِن نَصْبِ الشَّرائِعِ جَمْعُ الخَلْقِ عَلى الحَقِّ، والمَقْصُودَ مَن جَمْعِهِمْ تَعْرِيفُهُمُ المَلِكَ وبِما يُرْضِيهِ، وهو مَقْصُودُ القُرْآنِ الَّذِي انْتَظَمَتْهُ الفاتِحَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ولَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلّا بِما ذُكِرَ عِلْمًا وعَمَلًا.
* * *
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن جَمْعِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى مَعْرِفَتَهُ لِأجْلِ عِباداتِهِ وكانَ التِزامُ اسْمِهِ تَعالى في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ قائِدًا إلى مُراقَبَتِهِ وداعِيًا إلى مَخافَتِهِ واعْتِقادِ أنَّ مَصادِرَ الأُمُورِ ومَوارِدَها مِنهُ وإلَيْهِ شُرِعَتِ التَّسْمِيَةُ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ فَصُدِّرَتْ بِها الفاتِحَةُ. وقُدِّمَ التَّعَوُّذُ الَّذِي هو مِن [ دَرْءِ ] المَفاسِدِ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ بِالإشارَةِ إلى أنْ يَتَعَيَّنَ لِتالِيهِ أنْ يَجْتَهِدَ في تَصْفِيَةِ سِرِّهِ وجَمْعِ مُتَفَرِّقِ أمْرِهِ، لِيَنالَ سُؤْلَهُ ومُرادَهُ مِمّا أُودِعَهُ مِن خَزائِنِ السَّعادَةِ بِإعْراضِهِ عَنِ العَدُوِّ الحَسُودِ وإقْبالِهِ عَلى الوَلِيِّ الوَدُودِ؛ ومِن هُنا تُعْرَفُ مُناسَبَةُ المُعَوِّذَتَيْنِ بِالفاتِحَةِ. ولَمّا افْتُتِحَ التَّعَوُّذُ بِالهَمْزَةِ إشارَةً إلى ابْتِداءِ الخَلْقِ وخُتِمَ بِالمِيمِ إيماءً إلى المَعادِ جُعِلَتِ البَسْمَلَةُ كُلُّها لِلْمَعادِ لِابْتِدائِها بِحَرْفٍ شَفْوِيٍّ، وخِتامُ أوَّلِ كَلِماتِها وآخِرِها بِآخَرَ إشارَةً إلى أنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ في الدُّنْيا مَعْنِيٌّ بِتَدْبِيرِ الأُمُورِ وإنْ كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ غافِلًا عَنْهُ، وفي البَرْزَخِ حِسًّا بِالمَوْتِ، وفي الآخِرَةِ كَذَلِكَ بِالبَعْثِ؛ كَما أشارَ إلى ذَلِكَ تَكْرِيرُ المِيمِ المُخْتَتَمِ [ بِها ] في اسْمِها بِذِكْرِها فِيهِ مَرَّتَيْنِ إشارَةً إلى المَعادَيْنِ الحِسِّيَّيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ؛ والمُرادُ بِالِاسْمِ الصِّفاتُ العُلْيا. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في تَفْسِيرِهِ في غَرِيبِ ألْفاظِ البَسْمَلَةِ: الباءُ مَعْناها أظْهَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن حِكْمَةِ التَّسْبِيبِ؛ ”الِاسْمُ“ ظُهُورُ ما غابَ أوْ غَمُضَ لِلْقُلُوبِ بِواسِطَةِ الآذانِ عَلى صُورَةِ الأفْرادِ؛ ”اللَّهُ“ اسْمُ ما تَعْنُو إلَيْهِ القُلُوبُ عِنْدَ مَوْقِفِ العُقُولِ فَتَأْلَهُ فِيهِ أيْ تَتَحَيَّرُ فَتَتَألَّهُهُ وتَلْهُو بِهِ أيْ تَغْنى بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ”الرَّحْمَنُ“ شامِلُ الرَّحْمَةِ لِكافَّةِ ما تَناوَلَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ؛ ”الرَّحِيمُ“ خاصٌّ بِالرَّحْمَةِ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ. وقالَ في غَرِيبِ مَعْناها: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةَ التَّسْبِيبِ وأرى الخَلْقَ اسْتِفادَةَ بَعْضِ الأشْياءِ مِن أشْياءَ أُخَرَ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْها كَأنَّها أسْبابُها، وقَفَ بَعْضُ النّاسِ عِنْدَ أوَّلِ سَبَبٍ فَلَمْ يَرَ ما قَبْلَهُ، ومِنهم مَن وقَفَ عِنْدَ سَبَبِ السَّبَبِ إلى ما عَساهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ عَقْلُهُ؛ فَطَوى الحَقُّ تَعالى تِلْكَ الأسْبابَ وأظْهَرَ بِالبَسْمَلَةِ أيْ بِتَقْدِيمِ الجارِّ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ لا بِسَبَبٍ سِواهُ. وقالَ: اسْتَفْتَحَ أُمَّ القُرْآنِ بِالبَسْمَلَةِ لَمّا كانَتْ نِسْبَتُها مِن مَتْلُوِّ الصُّحُفِ والكُتُبِ الماضِيَةِ نِسْبَةَ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ القُرْآنِ الكِتابِ الجامِعِ لِلصُّحُفِ والكُتُبِ لِمَوْضِعِ طَيِّها الأسْبابَ، كَما تَضَمَّنَتْ أُمُّ القُرْآنِ سِرَّ ظُهُورِ الأفْعالِ بِالعِنايَةِ مِنَ الحَمِيدِ المَجِيدِ في آيَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] هَذا في ظاهِرِ الخِطابِ إلى ما وراءَ ذَلِكَ مِن باطِنِهِ فَإنَّ لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرًا وبَطْنًا ولِيَلْتَزِمَها الخَلْقُ في ابْتِداءِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، هَكَذا قالَ. وأشَدُّ مِنهُ أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِسْبَةُ البَسْمَلَةِ مِنَ الفاتِحَةِ نِسْبَةَ الفاتِحَةِ مِنَ القُرْآنِ صُدِّرَتْ بِها الفاتِحَةُ كَما صُدِّرَ القُرْآنُ بِالفاتِحَةِ، لِأنَّها لَمّا أفادَتْ نِسْبَةَ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ أفادَتْ أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ وذَلِكَ هُوَ [ إجْمالُ تَفْصِيلِ الفاتِحَةِ كَما أنَّ الفاتِحَةَ ] إجْمالُ تَفْصِيلِ القُرْآنِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ والمَعارِفِ واللَّطائِفِ. ولَمّا كانَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلَمًا وكانَ جامِعًا لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى أوَّلِيَّةَ ”الرَّحْمَنِ“ مِن حَيْثُ أنَّهُ كالعَلَمِ في أنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ. ومِن حَيْثُ أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ ”الرَّحِيمِ“ فَأوْلى الأبْلَغِ [ الأبْلَغُ ]، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِتَرْتِيبِ الوُجُودِ. الإيجادُ ثُمَّ النِّعَمُ العامَّةُ ثُمَّ الخاصَّةُ بِالعِبادَةِ، وذُكِرَ الوَصْفانِ تَرْغِيبًا، وطُوِيَتِ النِّقْمَةُ في إفْهامِ اخْتِصاصِ الثّانِي لِتَمامِ التَّرْغِيبِ بِالإشارَةِ إلى التَّرْهِيبِ.
والمُرادُ بِهِما هُنا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَسْتَحِقُّ الِاتِّصافَ بِهِما لِذاتِهِ، وكَرَّرَهُما بَعْدُ تَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ لِلرُّبُوبِيَّةِ والمُلْكِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ غَلَبَتِ الغَضَبَ، وفِيهِما إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّرْغِيبِ الدَّلالَةُ عَلى سائِرِ الصِّفاتِ الحُسْنى، لِأنَّ مَن عَمَّتْ رَحْمَتُهُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ فِيهِ شَوْبُ نَقْصٍ. وفي آخِرٍ ”سُبْحانَ“ لِهَذا المَكانِ مَزِيدُ بَيانٍ؛ وكَوْنُها تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا خَطِّيَّةً وثَمانِيَةَ عَشَرَ لَفْظِيَّةً إشارَةٌ إلى أنَّها دَوافِعُ النِّقْمَةِ مِنَ النّارِ الَّتِي أصْحابُها تِسْعَةَ عَشَرَ، وجَوالِبُ لِلرَّحْمَةِ بِرَكَعاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ورَكْعَةِ الوِتْرِ اللّاتِي مِن أعْظَمِ العِباداتِ الكُبْرى، ولَمّا كانَتِ البَسْمَلَةُ نَوْعًا مِنَ الحَمْدِ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ تَعْقِيبُها بِاسْمِ الحَمْدِ الكُلِّيِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: احْمَدُوهُ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ، وخُصُّوا هَذا النَّوْعَ مِنَ الحَمْدِ في افْتِتاحِ أُمُورِكم لِما ذُكِرَ مِنِ اسْتِشْعارِ الرَّغْبَةِ إلَيْهِ والرَّهْبَةِ مِنهُ المُؤَدِّي إلى لُزُومِ طَرِيقِ الهُدى، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
سورة الفاتحة ليس فيها متشابهات لفظية مع السور الأخرى، وهذا من تيسير حفظها لكل المسلمين. لكن هناك متشابهات في المعنى في بعض آياتها.
3 - (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).
تشبه:
الآية الأولى (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) عند من جعلها آية.
ملاحظة:
سبب تكرار (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) في آيتين متقاربتين إما للتوكيد، أو لأن المعنى في الآية الثالثة: وجب الحمد لأنه الرحمن الرحيم، أو لأن الآية الأولى ذكرت المنعِم ولم تذكر المنعَم عليهم، فأعادها مع ذكرهم فقال (رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ) لهم جميعا، ينعم عليهم ويرزقهم (الرَّحِيمِ) بالمؤمنين يوم الدين.
4 - (عَلَيهِمْ).
ذِكرُها مرتين في نفس السورة لا يعتبر تكرارًا، لأن الأولى منهما متصلة بالإنعام والثانية بالغضب، فكل واحد منهما يقتضيه اللفظ فليس بتكرار ولا من المتشابه.
6 - (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)
تشبه:
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
ملاحظة:
ليست بتكرار، لأن الأولى تصف (الصِّرَاطَ) بصفته وهي الاستقامة، والثانية تصفه بسالكيه.
7 - (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
قال بعدها (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، فصرح بإضافة النعم إليه سبحانه ولم يصرح بإضافة الغضب، فلم يقل: غير الذين غضبت عليهم، وهذا من أدب الدعاء والسؤال، ومثله كثير كقوله (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) ولم يقل: والشر، مع أنه نبه عليه بعدها فقال (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
اخْتلفُوا فِي التَّسْمِيَة بَين السُّور فَكَانَ ابْن كثير وقالون وَعَاصِم وَالْكسَائِيّ وَأَبُو جَعْفَر يبسملون بَين كل سورتين فِي جَمِيع الْقُرْآن مَا خلا الْأَنْفَال وَبَرَاءَة فَإِنَّهُ لَا خلاف فِي ترك الْبَسْمَلَة بَينهمَا. وَكَانَ الْبَاقُونَ فِيمَا قَرَأنَا لَهُم لَا يبسملون بَين السورتين، وَأَصْحَاب حَمْزَة وَخلف يصلونَ آخر السُّورَة بِأول الْأُخْرَى، ويختار فِي مَذْهَب ورش وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر [وَيَعْقُوب] السكت بَين السورتين من غير قطع / وَابْن مُجَاهِد يرى وصل السُّورَة بالسورة وتبيين الْإِعْرَاب وَيرى السكت أَيْضا.
قلت: وَبِكُل من السكت والوصل قطع جمَاعَة من الْأَئِمَّة لورش وَأبي عَمْرو وَابْن عَامر وَيَعْقُوب، وبالسكت قَرَأَ الْمُؤلف لورش على جَمِيع شُيُوخه وَلأبي عَمْرو على أبي الْحسن وَأبي الْفَتْح وَابْن خاقَان وَلابْن عَامر على أبي الْحسن وبالوصل قَرَأَ على الْفَارِسِي لأبي عَمْرو وبالبسملة قَرَأَ لِابْنِ عَامر على الْفَارِسِي وَأبي الْفَتْح فَهَذَا من [الْمَوَاضِع] الَّتِي خرج فِيهَا عَن [طرق] الْكتاب وَالله الْمُوفق.
وَكَانَ بعض شُيُوخنَا يفصل فِي مَذْهَب هَؤُلَاءِ الساكتين بِالتَّسْمِيَةِ بَين المدثر وَالْقِيَامَة وَبَين الانفطار والمطففين وَبَين الْفجْر والبلد وَبَين الْعَصْر والهمزة ويسكت [فِيهِنَّ] سكتة خَفِيفَة فِي مَذْهَب حَمْزَة والواصلين وَلَيْسَ فِي ذَلِك أثر يرْوى عَنْهُم وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَاب من الشُّيُوخ.
وَلَا خلاف فِي التَّسْمِيَة فِي أول فَاتِحَة الْكتاب وَفِي أول كل سُورَة ابْتَدَأَ القارىء بهَا وَلم يصلها بِمَا قبلهَا فِي مَذْهَب من فصل [أَو من] لم يفصل.
فَأَما الِابْتِدَاء برءوس الْأَجْزَاء الَّتِي فِي بعض السُّور نَحْو: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ و ﴿تِلْكَ الرُّسُل﴾ وَشبهه فأصحابنا يخيرون القارىء بَين التَّسْمِيَة [وَتركهَا فِي ذَلِك فِي مَذْهَب الْجَمِيع. وَالْقطع عَلَيْهَا إِذا وصلت بأواخر السُّور غير جَائِز فِي ذَلِك وَالله أعلم] [وَصلى اللَّهِ على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ] .
* بابُ اخْتِلافِهِمْ في البَسْمَلَةِ
* والكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصُولٍ
* (الأوَّلُ) بَيْنَ السُورَتَيْنِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا في الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ وبِغَيْرِها وفي الوَصْلِ بَيْنَهُما، فَفَصَلَ بِالبَسْمَلَةِ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ إلّا بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةٌ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، وقالُونُ الأصْبَهانِيُّ عَنْ ورْشٍ، ووَصَلَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ حَمْزَةُ، واخْتُلِفَ عَنْ خَلَفٍ في اخْتِيارِهِ بَيْنَ الوَصْلِ والسَكْتِ، فَنَصَّ لَهُ أكْثَرُ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ عَلى الوَصْلِ، وهو الَّذِي في «المُسْتَنِيرِ»، و«المُبْهِجِ»، و«كِفايَةِ» سِبْطِ الخَيّاطِ، وغايَةِ أبِي العَلاءِ، ونَصَّ لَهُ صاحِبُ الإرْشادِ عَلى السَكْتِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ الآخِذِينَ بِهَذِهِ القِراءَةِ كابْنِ الكَدِّيِّ، وابْنِ الكالِّ، وابْنِ زُرَيْقٍ الحَدّادِ،، وأبِي الحَسَنِ الدِيوانِيِّ، وابْنِ مُؤْمِنٍ صاحِبِ الكَنْزِ، وغَيْرِهِمْ، واخْتُلِفَ أيْضًا عَنِ الباقِينَ، وهم أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ، وَوَرْشٌ مِن طَرِيقِ الأزْرَقِ بَيْنَ الوَصْلِ والسَكْتِ والبَسْمَلَةِ. فَأمّا أبُو عَمْرٍو فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «العُنْوانِ» وصاحِبُ «الوَجِيزِ»، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في جامِعِ البَيانِ لِلدّانِيِّ، وبِهِ قَرَأ شَيْخُهُ الفارِسِيُّ، عَنْ أبِي طاهِرٍ، وهو طَرِيقُ أبِي إسْحاقَ الطَبَرِيِّ في المُسْتَنِيرِ وغَيْرِهِ، وهو ظاهِرُ عِبارَةِ الكافِي، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ في الشاطِبِيَّةِ، وبِهِ قَرَأ صاحِبُ التَجْرِيدِ عَلى عَبْدِ الباقِي،، وهو أحَدُ الوُجُوهِ الثَلاثَةِ في الهِدايَةِ، وبِهِ قَطَعَ في غايَةِ الِاخْتِصارِ لِغَيْرِ السُوسِيِّ، وبِهِ قَطَعَ الحَضْرَمِيُّ في «المُفِيدِ» لِلدُّورِيِّ عَنْهُ، وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ صاحِبُ «الهِدايَةِ» في الوَجْهِ الثانِي و«التَبْصِرَةِ» و«تَلْخِيصِ العِباراتِ»، و«تَلْخِيصِ أبِي مَعْشَرٍ» و«الإرْشادِ لِابْنِ غَلْبُونَ والتَذْكِرَةِ»، وهو الَّذِي في «المُسْتَنِيرِ» و«الرَوْضَةِ» وسائِرِ كُتُبِ العِراقِيِّينَ لِغَيْرِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُوسِيِّ، وفي «الكافِي» أيْضًا، وقالَ: إنَّهُ أُخِذَ مِنَ البَغْدادِيِّينَ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الدانِيُّ، وقَرَأ بِهِ عَلى أبِي الحَسَنِ وأبِي الفَتْحِ وابْنِ خاقانَ، ولا يُؤْخَذُ مِنَ التَيْسِيرِ بِسِواهُ عِنْدَ التَحْقِيقِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ في الشاطِبِيَّةِ وبِهِ قَرَأ صاحِبُ «التَجْرِيدِ» عَلى الفارِسِيِّ لِلدُّورِيِّ، وقَطَعَ بِهِ في غايَةِ «الِاخْتِصارِ» لِلدُّورِيِّ أيْضًا، وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ «الهادِي» وصاحِبُ «الهِدايَةِ» في الوَجْهِ الثالِثِ، وهو اخْتِيارُ صاحِبِ «الكافِي»، وهو الَّذِي رَواهُ ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُوسِيِّ، وهو الَّذِي في غايَةِ الِاخْتِصارِ لِلسُّوسِيِّ، وقالَ الخُزاعِيُّ، والأهْوازِيُّ ومَكِّيٌّ وابْنُ سُفْيانَ والهُذَلِيُّ: والتَسْمِيَةُ بَيْنَ السُورَتَيْنِ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «الهِدايَةِ»، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في «الكافِي» و«الشاطِبِيَّةِ» وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ صاحِبا «التَلْخِيصِ» و«التَبْصِرَةِ»، وابْنا غَلْبُونَ، واخْتِيارُ الدانِيِّ، وبِهِ قَرَأ عَلى شَيْخِهِ أبِي الحَسَنِ، ولا يُؤْخَذُ مِنَ اليَسِيرِ بِسِواهُ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ في «الشاطِبِيَّةِ» وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ العُنْوانِ، وصاحِبُ التَجْرِيدِ، وجَمِيعُ العِراقِيِّينَ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ «الكافِي»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى الفارِسِيِّ وأبِي الفَتْحِ، وهو الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ المالِكِيُّ في «الرَوْضَةِ» سِواهُ، وهو الَّذِي في الكامِلِ، وأمّا يَعْقُوبُ فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «غايَةِ الِاخْتِصارِ»، وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ صاحِبُ «المُسْتَنِيرِ» و«الإرْشادِ» و«الكِفايَةِ» وَسائِرُ العِراقِيِّينَ، وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ التَذْكِرَةِ، والدانِيُّ وابْنُ الفَحّامِ وابْنُ شُرَيْحٍ، وصاحِبُ «الوَجِيزِ»، و«الكامِلِ»، وأمّا ورْشٌ مِن طَرِيقِ الأزْرَقِ فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «الهِدايَةِ» وصاحِبُ «العُنْوانِ» الحَضْرَمِيُّ وصاحِبُ «المُفِيدِ»، وهو ظاهِرُ عِبارَةِ «الكافِي»، وأحَدُ الوُجُوهِ الثَلاثَةِ في «الشاطِبِيَّةِ»، وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ ابْنا غَلْبُونَ، وابْنُ بَلِّيمَةَ صاحِبُ «التَلْخِيصِ»، وهو الَّذِي في «التَيْسِيرِ»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى جَمِيعِ شُيُوخِهِ، وهو الوَجْهُ الثانِي في «الشاطِبِيَّةِ» وأحَدُ الوَجْهَيْنِ في «التَبْصِرَةِ» مِن قِراءَتِهِ عَلى أبِي الطَيِّبِ، وهو ظاهِرُ عِبارَةِ الكامِلِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ لَهُ غَيْرَهُ، وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ «التَبْصِرَةِ» مِن قِراءَتِهِ عَلى أبِي عَدِيٍّ، وهو اخْتِيارُ صاحِبِ «الكافِي»، وهو الوَجْهُ الثالِثُ في «الشاطِبِيَّةِ»، وبِهِ كانَ يَأْخُذُ أبُو غانِمٍ وأبُو بَكْرٍ الأُذْفُوِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ الأزْرَقِ.
* (الثانِي)
أنَّ الآخِذِينَ بِالوَصْلِ لِمَن ذَكَرَ مِن حَمْزَةَ وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، أوْ يَعْقُوبَ، أوْ ورْشٍ اخْتارَ كَثِيرٌ مِنهم لَهُمُ السَكْتَ بَيْنَ (﴿المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، و﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] - وبَيْنَ - الِانْفِطارِ ووَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - وبَيْنَ والفَجْرِ، و﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] - وبَيْنَ ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١]، و﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]) كَصاحِبِ «الهِدايَةِ» وابْنَيْ غَلْبُونَ، وصاحِبِ «المُبْهِجِ» وصاحِبِ «التَبْصِرَةِ»، وصاحِبِ «الإرْشادِ»، وصاحِبِ «المُفِيدِ»، ونَصَّ عَلَيْهِ أبُو مَعْشَرٍ في «جامِعِهِ» وصاحِبُ «التَجْرِيدِ» وصاحِبُ «التَيْسِيرِ»، وأشارَ إلَيْهِ الشاطِبِيُّ ونَقَلَ عَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ في غَيْرِ (﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١]، والهُمَزَةِ)، وكَذا اخْتارَهُ ابْنُ شَيْطا صاحِبُ «التَذْكارِ»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وكَذا الآخِذُونَ بِالسَكْتِ لِمَن ذَكَرَ مِن أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبَ، ووَرْشٍ، اخْتارَ كَثِيرٌ مِنهم لَهُمُ البَسْمَلَةَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ المَواضِعِ كابْنَيْ غَلْبُونَ، وصاحِبِ «الهِدايَةِ»، ومَكِّيٍّ، وصاحِبِ «التَبْصِرَةِ»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الحَسَنِ، وخَلَفِ بْنِ خاقانَ، وإنَّما اخْتارُوا ذَلِكَ لِبَشاعَةِ وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ إذا قِيلَ: (أهْلُ المَغْفِرَةِ لا) أوِ: (ادْخُلِي جَنَّتِي لا) أوْ: (لِلَّهِ ويْلٌ) أوْ: (﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ [البلد: ١٧] ويْلٌ) مِن غَيْرِ فَصْلٍ، فَفَصَلُوا بِالبَسْمَلَةِ لِلسّاكِتِ، وبِالسَكْتِ لِلْواصِلِ، ولَمْ يُمْكِنْهُمُ البَسْمَلَةُ لَهُ ; لِأنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ النَصُّ بِعَدَمِ البَسْمَلَةِ، فَلَوْ بَسْمَلُوا لَصادَمُوا النَصَّ بِالِاخْتِيارِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.
والأكْثَرُونَ عَلى عَدَمِ التَفْرِقَةِ بَيْنَ الأرْبَعَةِ وغَيْرِها، وهو مَذْهَبُ فارِسِ بْنِ أحْمَدَ، وابْنِ سُفْيانَ صاحِبِ «الهادِي»، وأبِي الطاهِرِ صاحِبِ «العُنْوانِ» وشَيْخِهِ عَبْدِ الجَبّارِ الطَرَسُوسِيِّ صاحِبِ «المُسْتَنِيرِ»، و«الإرْشادِ»، و«الكِفايَةِ»، وسائِرِ العِراقِيِّينَ، وهو اخْتِيارُ أبِي عَمْرٍو الدانِيِّ والمُحَقِّقِينَ، واللَهُ تَعالى أعْلَمُ.
* تَنْبِيهاتٌ
(أوَّلُها) تَخْصِيصُ السَكْتِ والبَسْمَلَةِ في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مُفَرَّعٌ عَلى الوَصْلِ والسَكْتِ مُطْلَقًا. فَمَن خَصَّها بِالسَكْتِ، فَإنَّ مَذْهَبَهُ في غَيْرِها الوَصْلُ، ومَن خَصَّها بِالبَسْمَلَةِ فَمَذْهَبُهُ في غَيْرِها السَكْتُ ولَيْسَ أحَدٌ يَرْوِي البَسْمَلَةَ لِأصْحابِ الوَصْلِ كَما تَوَهَّمَهُ المُنْتَجَبُ، وابْنُ بُصْخانَ، فافْهَمْ ذَلِكَ فَقَدْ أحْسَنَ الجَعْبَرِيُّ في فَهْمِهِ ما شاءَ وأجادَ الصَوابَ، واللَهُ أعْلَمُ.
وانْفَرَدَ الهُذَلِيُّ بِإضافَتِهِ إلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ مَوْضِعًا خامِسًا، وهو البَسْمَلَةُ بَيْنَ الأحْقافِ والقِتالِ عَنِ الأزْرَقِ، عَنْ ورْشٍ وتَبِعَهُ في ذَلِكَ أبُو الكَرَمِ، وكَذَلِكَ انْفَرَدَ صاحِبُ «التَذْكِرَةِ» بِاخْتِيارِ الوَصْلِ لِمَن سَكَتَ مِن أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، ووَرْشٍ في خَمْسَةِ مَواضِعَ وهِيَ: الأنْفالُ بِبَراءَةَ، والأحْقافُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا، واقْتَرَبَتْ بِالرَحْمَنِ، والواقِعَةُ بِالحَدِيدِ، والفِيلُ بِـ «﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ». قالَ الحَسَنُ: ذَلِكَ بِمُشاكَلَةِ آخِرِ السُورَةِ لِأوَّلِ الَّتِي تَلِيها.
(ثانِيها) أنَّهُ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ السَكْتِ، وأنَّ المُشْتَرَطَ فِيهِ يَكُونُ مِن دُونِ تَنَفُّسٍ، وأنَّ كَلامَ أئِمَّتِنا مُخْتَلَفٌ فِيهِ طُولُ زَمَنِهِ وقِصَرُهُ، وحِكايَةُ قَوْلِ سِبْطِ الخَيّاطِ:
إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن قَوْلِ طُولِ زَمَنِ السَكْتِ بِقَدْرِ البَسْمَلَةِ، وقَدْ قالَ أيْضًا في «كِفايَتِهِ» ما يُصَرِّحُ بِذَلِكَ حَيْثُ قالَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو إسْرارُها، أيْ: إسْرارُ البَسْمَلَةِ. قُلْتُ: والَّذِي قَرَأْتُ بِهِ وآخُذُ: السَكْتُ عَنْ جَمِيعِ مَن رُوِيَ عَنْهُ السَكْتُ بَيْنَ السُورَتَيْنِ سَكْتًا يَسِيرًا مِن دُونِ تَنَفُّسٍ قَدْرَ السَكْتِ لِأجْلِ الهَمْزِ، عَنْ حَمْزَةَ وغَيْرِهِ حَتّى أنِّي أخْرَجْتُ وجْهَ حَمْزَةَ مَعَ وجْهِ ورْشٍ بَيْنَ سُورَتَيْ (﴿والضُحى﴾ [الضحى: ١]، و﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]) عَلى جَمِيعِ مَن قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ مِن شُيُوخِي، وهو الصَوابُ واللَهُ أعْلَمُ.
* (الثالِثُ)
أنَّ كُلًّا مِنَ الفاصِلِينَ بِالبَسْمَلَةِ والواصِلِينَ والساكِتِينَ إذا ابْتَدَأ سُورَةً مِنَ السُوَرِ بَسْمَلَ بِلا خِلافٍ عَنْ أحَدٍ مِنهُمْ، إلّا إذا ابْتَدَأ (﴿بَراءَةٌ﴾ [التوبة: ١]) كَما سَيَأْتِي، سَواءٌ كانَ الِابْتِداءُ عَنْ وقْفٍ أمْ قَطْعٍ، أمّا عَلى قِراءَةِ مَن فَصَلَ بِها فَواضِحٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن ألْغاها فَلِلتَّبَرُّكِ والتَيَمُّنِ، ولِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ ; لِأنَّها عِنْدَ مَن ألْغاها إنَّما كُتِبَتْ لِأوَّلِ السُورَةِ تَبَرُّكًا، وهو لَمْ يُلْغِها في حالَةِ الوَصْلِ إلّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْتَدِئْ، فَلَمّا ابْتَدَأ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الإتْيانِ بِها ؛ لِئَلّا يُخالِفَ المُصْحَفَ وصْلًا ووَقْفًا، فَيَخْرُجُ عَنِ الإجْماعِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَهَمَزاتِ الوَصْلِ تُحْذَفُ وصْلًا وتُثْبَتُ ابْتِداءً ; ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم خِلافٌ في إثْباتِ البَسْمَلَةِ أوَّلَ الفاتِحَةِ سَواءٌ وُصِلَتْ بِسُورَةِ الناسِ قَبْلَها أوِ ابْتُدِئَ بِها لِأنَّها ولَوْ وُصِلَتْ لَفْظًا فَإنَّها مُبْتَدَأٌ بِها حُكْمًا ; ولِذَلِكَ كانَ الواصِلُ هُنا حالًّا مُرْتَحِلًا، وأمّا ما رَواهُ الخَرَقِيُّ عَنِ ابْنِ سَيْفٍ، عَنِ الأزْرَقِ، عَنْ ورْشٍ أنَّهُ تَرَكَ البَسْمَلَةَ أوَّلَ الفاتِحَةِ فالخَرَقِيُّ هو شَيْخُ الأهْوازِيِّ، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَهِ بْنِ القاسِمِ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ إلّا مِن جِهَةِ الأهْوازِيِّ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ ورْشٍ، بَلِ المُتَواتِرُ عَنْهُ خِلافُهُ، قالَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو في كِتابِهِ «المُوجَزُ»: اعْلَمْ أنَّ عامَّةَ أهْلِ الأداءِ مِن مَشْيَخَةِ المِصْرِيِّينَ رَوَوْا أداءً عَنْ أسْلافِهِمْ، عَنْ أبِي يَعْقُوبَ، عَنْ ورْشٍ أنَّهُ كانَ يَتْرُكُ البَسْمَلَةَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في أوَّلِ فاتِحَةِ الكِتابِ، فَإنَّهُ يُبَسْمِلُ في أوَّلِها لِأنَّها أوَّلُ القُرْآنِ، فَلَيْسَ قَبْلَها سُورَةٌ يُوصَلُ آخِرُها بِها. هَكَذا قَرَأْتُ عَلى ابْنِ خاقانَ، وابْنِ غَلْبُونَ، وفارِسِ بْنِ أحْمَدَ - وحَكَوْا ذَلِكَ - عَنْ قِراءَتِهِمْ مُتَّصِلًا، وانْفَرَدَ صاحِبُ الكافِي بِعَدَمِ البَسْمَلَةِ لِحَمْزَةَ في ابْتِداءِ السُوَرِ سِوى الفاتِحَةِ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ ولَدُهُ أبُو الحَسَنِ شُرَيْحٌ فِيما حَكاهُ عَنْهُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الباذِشِ مِن أنَّهُ مَن كانَ يَأْخُذُ لِحَمْزَةَ بِوَصْلِ السُورَةِ بِالسُورَةِ لا يَلْتَزِمُ بِالوَصْلِ ألْبَتَّةَ، بَلْ آخِرُ السُورَةِ عِنْدَهُ كَآخِرِ آيَةٍ، وأوَّلُ السُورَةِ الأُخْرى كَأوَّلِ آيَةٍ أُخْرى، فَكَما لا يَلْتَزِمُ لَهُ ولا لِغَيْرِهِ وصْلَ الآياتِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ كَذا لا يَلْتَزِمُ لَهُ وصْلَ السُورَةِ حَتْمًا، بَلْ إنْ وصَلَ فَحَسَنٌ وإنْ تَرَكَ فَحَسَنٌ.
(قُلْتُ): حُجَّتُهُ في ذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ: القُرْآنُ عِنْدِي كَسُورَةٍ واحِدَةٍ. فَإذا قَرَأْتُ (بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) في أوَّلِ فاتِحَةِ الكِتابِ أجْزَأنِي، ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ ؛ فَإنَّ كَلامَ حَمْزَةَ يُحْمَلُ عَلى حالَةِ الوَصْلِ لا الِابْتِداءِ ؛ لِإجْماعِ أهْلِ النَقْلِ عَلى ذَلِكَ، واللَهُ أعْلَمُ.
* (الرابِعُ)
لا خِلافَ في حَذْفِ البَسْمَلَةِ بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ، عَنْ كُلِّ مَن بَسْمَلَ بَيْنَ السُورَتَيْنِ. وكَذَلِكَ في الِابْتِداءِ بِبَراءَةَ عَلى الصَحِيحِ عِنْدَ أهْلِ الأداءِ، ومِمَّنْ حَكى بِالإجْماعِ عَلى ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ، وابْنُ القاسِمِ بْنُ الفَحّامِ، ومَكِّيٌّ، وغَيْرُهُمْ، وهو الَّذِي لا يُوجَدُ نَصٌّ بِخِلافِهِ، وقَدْ حاوَلَ بَعْضُهم جَوازَ البَسْمَلَةِ في أوَّلِها. قالَ أبُو الحَسَنِ السَخاوِيُّ: إنَّهُ القِياسُ، قالَ: لِأنَّ إسْقاطَها إمّا أنْ يَكُونَ لِأنَّ بَراءَةَ نَزَلَتْ بِالسَيْفِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا بِأنَّها سُورَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها دُونَ الأنْفالِ، فَإنْ كانَ لِأنَّها نَزَلَتْ بِالسَيْفِ فَذاكَ مَخْصُوصٌ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِ، ونَحْنُ إنَّما نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ، وإنْ كانَ إسْقاطُها لِأنَّهُ لَمْ يُقْطَعْ بِأنَّها سُورَةٌ وحْدَها، فالتَسْمِيَةُ في أوائِلِ الأجْزاءِ جائِزَةٌ. وقَدْ عُلِمَ الغَرَضُ بِإسْقاطِها، فَلا مانِعَ مِنَ التَسْمِيَةِ.
(قُلْتُ): لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: يُمْنَعُ بِظاهِرِ النُصُوصِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المَهْدَوِيُّ: فَأمّا بَراءَةٌ فالقُرّاءُ مُجْتَمِعُونَ عَلى تَرْكِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْفالِ بِالبَسْمَلَةِ. وكَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في أوَّلِها حالَ الِابْتِداءِ بِها سِوى مَن رَأى البَسْمَلَةَ في حالِ الِابْتِداءِ بِأوْساطِ السُوَرِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُبْتَدَأ بِها مِن أوَّلِ بَراءَةَ عِنْدَ مَن جَعَلَها والأنْفالَ سُورَةً واحِدَةً، ولا يُبْتَدَأُ بِها في قَوْلِ مَن جَعَلَ عِلَّةَ تَرْكِها في أوَّلِها أنَّها نَزَلَتْ بِالسَيْفِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ بْنِ شَيْطا: ولَوْ أنَّ قارِئًا ابْتَدَأ قِراءَتَهُ مِن أوَّلِ التَوْبَةِ فاسْتَعاذَ ووَصَلَ الِاسْتِعاذَةَ بِالتَسْمِيَةِ مُتَبَرِّكًا بِها، ثُمَّ تَلا السُورَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ إنْ شاءَ اللَهُ تَعالى، كَما يَجُوزُ لَهُ إذا ابْتَدَأ مِن بَعْضِ سُورَةٍ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وإنَّما المَحْذُورُ أنْ يَصِلَ آخِرَ الأنْفالِ بِأوَّلِ بَراءَةَ، ثُمَّ يَفْصِلُ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وضَلالٌ وخَرْقٌ لِلْإجْماعِ، ومُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ.
(قُلْتُ): ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ أيْضًا في البَسْمَلَةِ أوَّلَها أنَّهُ خَرْقٌ لِلْإجْماعِ ومُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، ولا تُصادَمُ النُصُوصُ بِالآراءِ، وما رَواهُ الأهْوازِيُّ في كِتابِهِ «الإيضاحُ»، عَنْ أبِي بَكْرٍ مِنَ البَسْمَلَةِ أوَّلَها فَلا يَصِحُّ، والصَحِيحُ عِنْدَ الأئِمَّةِ أوْلى بِالِاتِّباعِ، ونَعُوذُ بِاللَهِ مِن شَرِّ الِابْتِداعِ.
* (الخامِسُ) يَجُوزُ في الِابْتِداءِ بِأوْساطِ السُوَرِ مُطْلَقًا سِوى (بَراءَةَ) البَسْمَلَةُ وعَدَمُها لِكُلٍّ مِنَ القُرّاءِ تَخَيُّرًا.
وَعَلى اخْتِيارِ البَسْمَلَةِ جُمْهُورُ العِراقِيِّينَ، وعَلى اخْتِيارِ عَدَمِها جُمْهُورُ المَغارِبَةِ وأهْلُ الأنْدَلُسِ، قالَ ابْنُ شَيْطا عَلى أنَّنِي قَرَأْتُ عَلى جَمِيعِ شُيُوخِنا في كُلِّ القِراءاتِ عَنْ جَمِيعِ الأئِمَّةِ الفاضِلِينَ بِالتَسْمِيَةِ بَيْنَ السُورَتَيْنِ، والتارِكِينَ لَها عِنْدَ ابْتِداءِ القِراءَةِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِعاذَةِ مَوْصُولَةً بِالتَسْمِيَةِ مَجْهُورًا بِهِما، سَواءٌ كانَ المَبْدُوءُ بِهِ أوَّلَ سُورَةٍ، أوْ بَعْضَ سُورَةٍ، قالَ: ولا عَلِمْتُ أحَدًا مِنهم قَرَأ عَلى شُيُوخِهِ إلّا كَذَلِكَ. انْتَهى، وهو نَصٌّ في وصْلِ الِاسْتِعاذَةِ بِالبَسْمَلَةِ كَما سَيَأْتِي، وقالَ ابْنُ فارِسٍ في «الجامِعِ»: وبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الأجْزاءِ عَلى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ في مَذاهِبِ الكُلِّ، وهو الَّذِي أخْتارُ، ولا أمْنَعُ مِنَ البَسْمَلَةِ، وقالَ مَكِّيٌّ في تَبْصِرَتِهِ: فَإذا ابْتَدَأ القارِئُ بِغَيْرِ أوَّلِ سُورَةٍ عَوَّذَ فَقَطْ، هَذِهِ عادَةُ القُرّاءِ، ثُمَّ قالَ: وبِتَرْكِ التَسْمِيَةِ في أوائِلِ السُوَرِ قَرَأْتُ، وقالَ ابْنُ الفَحّامِ: قَرَأْتُ عَلى أبِي العَبّاسِ - يَعْنِي ابْنَ نَفِيسٍ - أوَّلَ حِزْبِي مِن وسَطِ سُورَةٍ، فَبَسْمَلْتُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ وأتْبَعْتُ ذَلِكَ: هَلْ آخُذُ ذَلِكَ عَنْهُ عَلى طَرِيقِ الرِوايَةِ، فَقالَ: إنَّما أرَدْتَ التَبَرُّكَ، ثُمَّ مَنَعَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ: أخافُ أنْ تَقُولَ رِوايَةً.
- قالَ - وقَرَأْتُ بِذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ، فَقالَ: ما أمْنَعُ، وأمّا قَرَأْتُ بِهَذا فَلا. انْتَهى، وهو صَرِيحٌ في مَنعِهِ رِوايَةً، وقالَ الدانِيُّ في جامِعِهِ: وبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الأجْزاءِ عَلى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ في مَذْهَبِ الكُلِّ، وهو الَّذِي أخْتارُ، ولا أمْنَعُ مِنَ التَسْمِيَةِ.
(قُلْتُ): وأطْلَقَ التَخْيِيرَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أبُو مَعْشَرٍ الطَبَرِيُّ وأبُو القاسِمِ الشاطِبِيُّ وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ في «التَيْسِيرِ»، ومِنهم مِن ذَكَرَ البَسْمَلَةَ وعَدَمَها عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو التَفْصِيلُ، فَيَأْتِي بِالبَسْمَلَةِ عَمَّنْ فَصَلَ بِها بَيْنَ السُورَتَيْنِ كابْنِ كَثِيرٍ وأبِي جَعْفَرٍ، ويَتْرُكُها عَمَّنْ لَمْ يَفْصِلْ بِها كَحَمْزَةَ وخَلَفٍ وهو اخْتِيارُ سِبْطِ الخَيّاطِ وأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ بْنِ الباذِشِ يُتْبِعُونَ وسَطَ السُورَةِ بِأوَّلِها، وقَدْ كانَ الشاطِبِيُّ يَأْمُرُ بِالبَسْمَلَةِ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] ونَحْوِهِ لِما في ذَلِكَ مِنَ البَشاعَةِ، وكَذا كانَ يَفْعَلُ أبُو الجُودِ غِياثُ بْنُ فارِسٍ وغَيْرُهُ، وهو اخْتِيارُ مَكِّيٍّ في غَيْرِ «التَبْصِرَةِ».
(قُلْتُ): ويَنْبَغِي قِياسًا أنْ يُنْهى عَنِ البَسْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقَوْلِهِ: ﴿لَعَنَهُ اللَهُ﴾ [النساء: ١١٨] ونَحْوِ ذَلِكَ لِلْبَشاعَةِ أيْضًا.
* (السادِسُ)
الِابْتِداءُ بِالآيِ وسَطَ بَراءَةَ قُلَّ مَن تَعَرَّضَ لِلنَّصِّ عَلَيْها، ولَمْ أرَ فِيها نَصًّا لِأحَدٍ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، وظاهِرُ إطْلاقِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الأداءِ التَخْيِيرُ فِيها، وعَلى جَوازِ البَسْمَلَةِ فِيها نَصَّ أبُو الحَسَنِ السَخاوِيُّ في كِتابِهِ «جَمالُ القُرّاءِ» حَيْثُ قالَ: ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلافٍ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وفي نَظائِرِها مِنَ الآيِ، وإلى مَنعِها جَنَحَ أبُو إسْحاقَ الجَعْبَرِيُّ، فَقالَ رادًّا عَلى السَخاوِيِّ: إنْ كانَ نَقْلًا فَمُسَلَّمٌ، وإلّا فَرَدٌّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَقْرِيعٌ عَلى غَيْرِ أصْلٍ وتَصادُمٌ لِتَعْلِيلِهِ. قُلْتُ: وكِلاهُما يُحْتَمَلُ، الصَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَن ذَهَبَ إلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في أوْساطٍ غَيْرِ بَراءَةَ لا إشْكالَ في تَرْكِها عِنْدَهُ في وسَطِ بَراءَةَ، وكَذا لا إشْكالَ في تَرْكِها فِيها عِنْدَ مَن ذَهَبَ إلى التَفْضِيلِ، إذِ البَسْمَلَةُ عِنْدَهم في وسَطِ السُورَةِ تَبَعٌ لِأوَّلِها، ولا تَجُوزُ البَسْمَلَةُ أوَّلُها فَكَذَلِكَ وسَطُها، وأمّا مَن ذَهَبَ إلى البَسْمَلَةِ في الأجْزاءِ مُطْلَقًا، فَإنِ اعْتَبَرَ بَقاءَ أثَرِ العِلَّةِ الَّتِي مِن أجْلِها حُذِفَتِ البَسْمَلَةُ مِن أوَّلِها وهي نُزُولُها بِالسَيْفِ كالشاطِبِيِّ ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهُ لَمْ يُبَسْمِلْ، وإنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بَقاءَ أثَرِها، أوْ لَمْ يَرَها عِلَّةً بَسْمَلَ بِلا نَظَرٍ، واللَهُ تَعالى أعْلَمُ.
*(السابِعُ)
إذا فَصَلَ بِالبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُورَتَيْنِ أمْكَنَ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أوْلاها قَطْعُها عَنِ الماضِيَةِ ووَصْلُها بِالآتِيَةِ، والثانِي وصْلُها بِالماضِيَةِ وبِالآتِيَةِ، والثالِثُ قَطْعُها عَنِ الماضِيَةِ وعَنِ الآتِيَةِ، وهو مِمّا لا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ الأداءِ في جَوازِهِ إلّا ما انْفَرَدَ بِهِ مَكِّيٌّ، فَإنَّهُ نَصَّ في «التَبْصِرَةِ» عَلى جَوازِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ ومَنعِ الرابِعِ، وسَكَتَ عَنْ هَذا الثالِثِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا، وقالَ في «الكَشْفِ» ما نَصُّهُ: إنَّهُ أتى بِالبَسْمَلَةِ عَلى إرادَةِ التَبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَهِ وصِفاتِهِ في أوَّلِ الكَلامِ وإثْباتِها لِلِافْتِتاحِ في المُصْحَفِ، فَهي لِلِابْتِداءِ بِالسُورَةِ، فَلا يُوصَفُ عَلى التَسْمِيَةِ دُونَ أنْ يُوصَلَ بِأوَّلِ السُورَةِ. انْتَهى، وهو صَرِيحٌ في اقْتِضاءِ مَنعِ الوَجْهَيْنِ الثالِثِ والرابِعِ. وهَذا مِن أفْرادِهِ كَما سَنُوَضِّحُهُ في بابِ التَكْبِيرِ آخِرَ الكِتابِ، إنْ شاءَ اللَهُ تَعالى. والرابِعُ وصْلُها بِالماضِيَةِ وقَطْعُها عَنِ الآتِيَةِ، وهو مَمْنُوعٌ ; لِأنَّ البَسْمَلَةَ لِأوائِلِ السُوَرِ لا لِأواخِرِها، قالَ: صاحِبُ «التَيْسِيرِ»: والقَطْعُ عَلَيْها إذا وُصِلَتْ بِأواخِرِ السُوَرِ غَيْرُ جائِزٍ.
* تَنْبِيهاتٌ
* (أوَّلُها)
أنَّ المُرادَ بِالقَطْعِ المَذْكُورِ هو الوَقْفُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشاطِبِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، قالَ الدانِيُّ في جامِعِهِ: واخْتِيارِي في مَذْهَبِ مَن فَصَّلَ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى آخِرِ السُورَةِ ويَقْطَعَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَسْمِيَةِ مَوْصُولَةً بِأوَّلِ السُورَةِ الأُخْرى. انْتَهى، وذَلِكَ أوْضَحُ. وإنَّما نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ; لِأنَّ الجَعْبَرِيَّ - رَحِمَهُ اللَهُ - ظَنَّ أنَّهُ السَكْتُ المَعْرُوفُ، فَقالَ في قَوْلِ الشاطِبِيِّ: «فَلا تَقِفَنَّ»، ولَوْ قالَ: فَلا تَسْكُتَنَّ لَكانَ أسَدَّ. وذَلِكَ وهْمٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أحَدٌ إلَيْهِ، وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن كَلامِ السَخاوِيِّ حَيْثُ قالَ: فَإذا لَمْ يَصِلْها بِآخِرِ سُورَةٍ جازَ أنْ يَسْكُتَ عَلَيْها، فَلَمْ يَتَأمَّلْهُ، ولَوْ تَأمَّلْهُ لَعَلِمَ أنَّ مُرادَهُ بِالسَكْتِ الوَقْفُ، فَإنَّهُ قالَ في أوَّلِ الكَلامِ: اخْتارَ الأئِمَّةُ لِمَن يَفْصِلُ بِالتَسْمِيَةِ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى أواخِرِ السُوَرِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَسْمِيَةِ.
* (ثانِيها)
تَجُوزُ الأوْجُهُ الأرْبَعَةُ في البَسْمَلَةِ مَعَ الِاسْتِعاذَةِ مِنَ الوَصْلِ بِالِاسْتِعاذَةِ والآيَةِ، ومَن قَطَعَها عَنْ الِاسْتِعاذَةِ والآيَةِ، ومَن قَطَعَها عَنِ الِاسْتِعاذَةِ ووَصَلَها بِالآيَةِ، ومَن عَكَسَهُ كَما تَقَدَّمَ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، وإلى قَوْلِ ابْنِ شَيْطا في الفَصْلِ الخامِسِ قَرِيبًا في قَطْعِهِ بِوَصْلِ الجَمِيعِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِبْطِ الخَيّاطِ، وقالَ ابْنُ الباذِشِ: إنَّ الوَقْفَ عَلى الجَمِيعِ أشْبَهُ بِمَذْهَبِ أهْلِ التَرْتِيلِ.
* (ثالِثُها)
إنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ ونَحْوَها الوارِدَةَ عَلى سَبِيلِ التَخْيِيرِ، إنَّما المَقْصُودُ بِها مَعْرِفَةُ جَوازِ القِراءَةِ بِكُلٍّ مِنها عَلى وجْهِ الإباحَةِ لا عَلى وجْهِ ذِكْرِ الخُلْفِ، فَبِأيِّ وجْهٍ قُرِئَ مِنها جازَ، ولا احْتِياجَ إلى الجَمْعِ بَيْنَها في مَوْضِعٍ واحِدٍ إذا قُصِدَ اسْتِيعابُ الأوْجُهِ حالَةَ الجَمْعِ والإفْرادِ. وكَذَلِكَ سَبِيلُ ما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِنَ الوَقْفِ بِالسُكُونِ وبِالرَوْمِ والإشْمامِ، وكالأوْجُهِ الثَلاثَةِ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ وقْفًا إذا كانَ أحَدُهُما حَرْفَ مَدٍّ أوْ لِينٍ، وكَذَلِكَ كانَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لا يَأْخُذُ مِنها إلّا بِالأصَحِّ الأقْوى، ويَجْعَلُ الباقِي مَأْذُونًا فِيهِ، وبَعْضٌ لا يَلْتَزِمُ شَيْئًا، بَلْ يَتْرُكُ القارِئَ يَقْرَأُ ما شاءَ مِنها، إذْ كُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، وكانَ بَعْضُ مَشايِخِنا يَرى أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْجُهِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيَقْرَأُ بِواحِدٍ مِنها في مَوْضِعٍ وبِآخَرَ في غَيْرِهِ ؛ لِيَجْمَعَ الجَمِيعَ المُشافَهَةُ، وبَعْضُ أصْحابِنا يَرى الجَمْعَ بَيْنَها وبَيْنَ أوَّلِ مَوْضِعٍ ورَدَتْ، أوْ في مَوْضِعٍ ما عَلى وجْهِ الإعْلامِ والتَعْلِيمِ وشُمُولِ الرِوايَةِ، أمّا مَن يَأْخُذُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ في كُلِّ مَوْضِعٍ فَلا يَعْتَمِدُهُ إلّا مُتَكَلِّفٌ غَيْرُ عارِفٍ بِحَقِيقَةِ أوْجُهِ الخِلافِ، وإنَّما ساغَ الجَمْعُ بَيْنَ الأوْجُهِ في نَحْوِ التَسْهِيلِ في وقْفِ حَمْزَةَ لِتَدْرِيبِ القارِئِ المُبْتَدِئِ ورِياضَتِهِ عَلى الأوْجُهِ الغَرِيبَةِ لِيَجْرِيَ لِسانُهُ ويَعْتادَ التَلَفُّظَ بِها بِلا كُلْفَةٍ، فَيَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَعْلِيمِ ; فَلِذَلِكَ لا يُكَلَّفُ العارِفُ بِجَمْعِها في كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ هو بِحَسَبِ ما تَقَدَّمَ، ولَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ جُلَّةِ مَشْيَخَةِ الأنْدَلُسِ - حَماها اللَهُ - أنَّهم لا يَأْخُذُونَ فِي وجْهَيِ الإسْكانِ والصِلَةِ مِن مِيمِ الجَمْعِ لِقالُونَ إلّا بِوَجْهٍ واحِدٍ مُعْتَمِدِينَ ظاهِرَ قَوْلَيِ الشاطِبِيِّ وقالُونَ بِتَخْيِيرِهِ جَلا، وسَيَأْتِي ذَلِكَ.
* (رابِعُها)
يَجُوزُ بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ إذا لَمْ يَقْطَعْ عَلى آخِرِ الأنْفالِ كُلٌّ مِنَ الوَصْلِ والسَكْتِ والوَقْفِ لِجَمِيعِ القُرّاءِ. أمّا الوَصْلُ لَهم فَظاهِرٌ ; لِأنَّهُ كانَ جائِزًا مَعَ وُجُودِ البَسْمَلَةِ، فَجَوازُهُ مَعَ عَدَمِها أوْلى عَنِ الفاصِلِينَ والواصِلِينَ، وهو اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ في قِراءَةِ مَن لَمْ يَفْصِلْ، وهو في قِراءَةِ مَن يَصِلُ أظْهَرُ، وأمّا السَكْتُ فَلا إشْكالَ فِيهِ عَنْ أصْحابِ السَكْتِ، وأمّا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الفاصِلِينَ والواصِلِينَ فَمَن نَصَّ عَلَيْهِ لَهم ولِسائِرِ القُرّاءِ أبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ في تَبْصِرَتِهِ، فَقالَ: وأجْمَعُوا عَلى تَرْكِ الفَصْلِ بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ لِإجْماعِ المَصاحِفِ عَلى تَرْكِ التَسْمِيَةِ بَيْنَهُما. فَأمّا السَكْتُ بَيْنَهُما فَقَدْ قَرَأْتُ بِهِ لِجَماعَتِهِمْ، ولَيْسَ هو مَنصُوصًا، وحَكى أبُو عَلِيٍّ البَغْدادِيُّ في رَوْضَتِهِ، عَنْ أبِي الحَسَنِ الحَمّامِيِّ أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ بِسَكْتَةٍ بَيْنَهُما لِحَمْزَةَ وحْدَهُ. فَقالَ: وكانَ حَمْزَةُ وخَلَفٌ والأعْمَشُ يَصِلُونَ السُورَةَ إلّا ما ذَكَرَهُ الحَمّامِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ سَكَتَ بَيْنَ الأنْفالِ والتَوْبَةِ، وعَلَيْهِ أُعَوِّلُ. انْتَهى، وإذا أُخِذَ بِالسَكْتِ عَنْ حَمْزَةَ فالأخْذُ عَنْ غَيْرِهِ أحْرى. قالَ الأُسْتاذُ المُحَقِّقُ أبُو عَبْدِ اللَهِ بْنُ القَصّاعِ في كِتابِهِ «الِاسْتِبْصارُ في القِراءاتِ العَشْرِ»: واخْتُلِفَ في وصْلِ الأنْفالِ بِالتَوْبَةِ فَبَعْضُهم يَرى وصْلَهُما، ويَتَبَيَّنُ الإعْرابَ وبَعْضُهم يَرى السَكْتَ بَيْنَهُما. انْتَهى.
(قُلْتُ): وإذا قُرِئَ بِالسَكْتِ عَلى ما تَقَدَّمَ فَلا يَتَأتّى وجْهُ إسْرارِ البَسْمَلَةِ عَلى مَذْهَبِ سِبْطِ الخَيّاطِ المُتَقَدِّمِ، إذْ لا بَسْمَلَةَ بَيْنَهُما يَسْكُتُ بِقَدْرِها، فاعْلَمْ ذَلِكَ. وأمّا الوَقْفُ فَهو الأقْيَسُ، وهو الأشْبَهُ بِمَذْهَبِ أهْلِ التَرْتِيلِ، وهو اخْتِيارِي في مَذْهَبِ الجَمِيعِ ; لِأنَّ أواخِرَ السُوَرِ مِن أتَمِ التَمامِ. وإنَّما عُدِلَ عَنْهُ في مَذْهَبِ مَن لَمْ يَفْصِلْ مِن أجْلِ أنَّهُ لَوْ وقَفَ عَلى آخَرِ السُوَرِ لَلَزِمَتِ البَسْمَلَةُ أوائِلَ السُوَرِ، ومِن أجْلِ الِابْتِداءِ. وإنْ لَمْ يُؤْتَ بِها خُولِفَ الرَسْمُ في الحالَتَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، واللازِمُ هُنا مُنْتَفٍ والمُقْتَضى لِلْوَقْفِ قائِمٌ، فَمِن ثَمَّ اخْتَرْنا الوَقْفَ، ولا نَمْنَعُ غَيْرَهُ، واللَهُ أعْلَمُ.
* (خامِسُها)
ما ذُكِرَ مِنَ الخِلافِ بَيْنَ السُورَتَيْنِ هو عامٌّ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سَواءٌ كانَتا مُرَتَّبَتَيْنِ، أوْ غَيْرَ مُرَتَّبَتَيْنِ، فَلَوْ وصَلَ آخِرَ الفاتِحَةِ مُبْتَدِئًا بِآلِ عِمْرانَ، أوْ آخَرَ آلِ عِمْرانَ بِالأنْعامِ - جازَتِ البَسْمَلَةُ وعَدَمُها عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَوْ وُصِلَتِ التَوْبَةُ بِآخِرِ سُورَةٍ سِوى الأنْفالِ فالحُكْمُ كَما لَوْ وُصِلَتْ بِالأنْفالِ، أمّا لَوْ وُصِلَتِ السُورَةُ بِأوَّلِها كَأنْ كُرِّرَتْ مَثَلًا كَما تُكَرَّرُ سُورَةُ الإخْلاصِ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ نَصًّا، والَّذِي يَظْهَرُ البَسْمَلَةُ قَطْعًا ؛ فَإنَّ السُورَةَ والحالَةَ هَذِهِ مُبْتَدِئَةٌ كَما لَوْ وُصِلَتِ الناسُ بِالفاتِحَةِ، ومُقْتَضى ما ذَكَرَهُ الجَعْبَرِيُّ عُمُومُ الحُكْمِ، وفِيهِ نَظَرٌ، إلّا أنْ يُرِيدَ في مَذْهَبِ الفُقَهاءِ عِنْدَ مَن يَعُدُّها آيَةً، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلى مَذاهِبِ القُرّاءِ. وكَذَلِكَ يَجُوزُ إجْراءُ أحْوالِ الوَصْلِ في آخِرِ السُورَةِ المُوصَلِ طَرَفاها مِن إعْرابٍ وتَنْوِينٍ، واللَهُ تَعالى أعْلَمُ.
* (الثامِنُ) في حُكْمِها، وهَلْ هي آيَةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِيهِ أمْ لا ؟
وَهَذِهِ مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ الناسُ فِيها، وبُسِطَ القَوْلُ فِيها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولا تَعَلُّقَ لِلْقِراءَةِ بِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَرَتْ عادَةُ أكْثَرِ القُرّاءِ لِلتَّعَرُّضِ لِذَلِكَ لَمْ نُخْلِ كِتابَنا مِنهُ ؛ لِتَعْرِفَ مَذاهِبَ أئِمَّةِ القِراءَةِ فِيها، فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ (أحَدُها) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ فَقَطْ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ، ومَن وافَقَهُمْ، ورُوِيَ قَوْلًا لِلشّافِعِيِّ (الثانِي) أنَّها آيَةٌ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، ومِن أوَّلِ سُورَةٍ، وهو الأصَحُّ مِن مَذْهَبِ الشافِعِيِّ، ومَن وافَقَهُ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، ونُسِبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ. (الثالِثُ) أنَّها آيَةٌ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، بَعْضُ آيَةٍ مِن غَيْرِها، وهو القَوْلُ الثانِي لِلشّافِعِيِّ. (الرابِعُ) أنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لا مِنها، وهو المَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ، وقالَ داوُدُ وأصْحابُهُ، وحَكاهُ أبُو بَكْرٍ الرازِيُّ، عَنْ أبِي الحَسَنِ الكَرْخِيِّ، وهو مِن كِبارِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ (الخامِسُ) أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ ولا بَعْضِ آيَةٍ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، ولا مِن أوَّلِ غَيْرِها، وإنَّما كُتِبَتْ لِلتَّيَمُّنِ والتَبَرُّكِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والثَوْرِيِّ، ومَن وافَقَهُمْ، وذَلِكَ مَعَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَمْلِ، وأنَّ بَعْضَها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ.
(قُلْتُ): وهَذِهِ الأقْوالُ تَرْجِعُ إلى النَفْيِ والإثْباتِ، والَّذِي نَعْتَقِدُهُ أنَّ كِلَيْهُما صَحِيحٌ، وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَقٌّ، فَيَكُونُ الِاخْتِلافُ فِيهِما كاخْتِلافِ القِراءاتِ. قالَ السَخاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَهُ -: واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلَيْها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، فَإنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وعاصِمًا، والكِسائِيَّ يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنها ومِن كُلِّ سُورَةٍ، ووافَقَهم حَمْزَةُ عَلى الفاتِحَةِ خاصَّةً. قالَ: وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ، ومَن تابَعَهُ مِن قُرّاءِ المَدِينَةِ لا يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ. انْتَهى. ويُحْتاجُ إلى تَعَقُّبٍ، فَلَوْ قالَ: يَعْتَقِدُونَها مِنَ القُرْآنِ أوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ لِيَعُمَّ كَوْنَها آيَةً مِنها أوْ فِيها، أوْ بَعْضَ آيَةٍ - لَكانَ أسَدَّ ; لِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنهم عَدَّها آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ سِوى الفاتِحَةِ نَصًّا، وقَوْلُهُ: إنَّ قالُونَ ومَن تابَعَهُ مِن قُرّاءِ المَدِينَةِ لا يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ قَدْ صَحَّ نَصًّا أنَّ إسْحاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ المُسَيَّبِيَّ أوْثَقَ أصْحابِ نافِعٍ وأجَلَّهُمْ، قالَ: سَألْتُ نافِعًا، عَنْ قِراءَةِ بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ فَأمَرَنِي بِها، وقالَ: أشْهَدُ أنَّها آيَةٌ مِنَ السَبْعِ المَثانِي، وأنَّ اللَهَ أنْزَلَها. رَوى ذَلِكَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وكَذَلِكَ رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ، عَنْ شَيْخِهِ مُوسى بْنِ إسْحاقَ القاضِي عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المُسَيَّبِيِّ، عَنْ أبِيهِ، ورُوِّينا أيْضًا عَنِ المُسَيَّبِيِّ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ (بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) أوَّلَ فاتِحَةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيْنَ السُورَتَيْنِ في العَرْضِ والصَلاةِ، هَكَذا كانَ مَذْهَبُ القُرّاءِ بِالمَدِينَةِ قالَ: وفُقَهاءُ المَدِينَةِ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
(قُلْتُ): وحَكى أبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ، عَنْ مالِكٍ أنَّهُ سَألَ نافِعًا عَنِ البَسْمَلَةِ فَقالَ: السُنَّةُ الجَهْرُ بِها، فَسَلَّمَ إلَيْهِ وقالَ: كُلُّ عِلْمٍ يُسْألُ عَنْهُ أهْلُهُ.
٢حدثنا أبُو عُثْمانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحمد الزاهد قال: أخبرنا جدي قال: أخْبَرَنا أبُو عمرو الحِيري قال: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ الحارِثِ وعَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ المُغِيرَةِ قالا: حَدَّثَنا يَحْيى بن بكير قال: حَدَّثَنا إسْرائِيلُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا بَرَزَ سَمِعَ مُنادِيًا يُنادِيهِ: ”يا مُحَمَّدُ، فَإذا سَمِعَ الصَّوْتَ انْطَلَقَ هارِبًا، فَقالَ لَهُ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: إذا سَمِعْتَ النِّداءَ فاثْبُتْ حَتّى تَسْمَعَ ما يَقُولُ لَكَ: قالَ: فَلَمّا بَرَزَ النِّداءَ:“يا مُحَمَّدُ”، فَقالَ: لَبَّيْكَ، قالَ: قُلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: قُلْ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حَتّى فَرَغَ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ“ وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُفَسِّرُ قالَ: أخْبَرَنا الحسن بن جعفر المفسر قال: أخبرنا أبُو الحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ محمود المروزي قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمود السعدي قال: حَدَّثَنا أبُو يحيى القصري قال: حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ، عَنِ العَلاءِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب عليه السلام قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِمَكَّةَ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ. وبِهَذا الإسْنادِ عَنِ السَّعْدِيِّ حَدَّثَنا عَمْرُو بن صالح قال: حَدَّثَنا أبِي عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: دَقَّ اللَّهُ فاكَ أوْ نَحْوَ هَذا. قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وعِنْدَ مُجاهِدٍ أنَّ الفاتِحَةَ مَدَنِيَّةٌ. قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: لِكُلِّ عالِمٍ هَفْوَةٌ وهَذِهِ بادِرَةٌ مِن مُجاهِدٍ لِأنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذا القَوْلِ والعُلَماءُ عَلى خِلافِهِ.
ومِمّا يُقْطَعُ بِهِ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ يَعْنِي: الفاتِحَةَ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن النحوي قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عليّ الحيري قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بن المثنى قال: حَدَّثَنا يَحْيى بن أيوب قال: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بن جعفر قال: أخْبَرَنِي العَلاءُ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أُمَّ القُرْآنِ، فَقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في القُرْآنِ مِثْلَها، إنَّها لَهي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ“. وسُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَمْتَنَّ عَلى رَسُولِهِ بِإيتائِهِ فاتِحَةَ الكِتابِ وهو بِمَكَّةَ، ثُمَّ يُنْزِلُها بِالمَدِينَةِ ولا يَسَعُنا القَوْلُ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قامَ بِمَكَّةَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يُصَلِّي بِلا فاتِحَةِ الكِتابِ هَذا مِمّا لا تَقْبَلُهُ العُقُولُ.
افتتح الواحدي كتابه بذكر أول ما نزل من القرآن ثم بذكر آخر ما نزل ثم بنزول البسملة ثم بنزول الفاتحة وساق الاختلاف هل هي مكية أو مدنية، ثم أسند من طريق أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: أول ما نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا محمد استعذ ثم قل بسم الله الرحمن الرحيم" والراوي له عن أبي روق ضعيف فلا ينبغي أن يحتج به.
ثم أسند من طريق يزيد النحوي عن عكرمة والحسن قالا: "أول ما نزل من القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم" وهذا مرسل، ولعل قائله تأول الأمر في قوله تعالى: {{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك}} وإلى ذلك أشار السهيلي فقال: "يستفاد من هذه الآية ابتداء القراءة بالبسملة"، وأما خصوص نزول البسملة سابقا ففي صحته نظر. وقد أسند الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال: {{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}} وهذا إن ثبت دل على أن الفاتحة مكية.
ومن طريق أبي ميسرة أحد كبار التابعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع مناديا ينادي يا محمد فإذا سمع الصوت انطلق هاربا فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، فلما برز سمع النداء فقال: "لبيك" قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ثم قل: {{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}} حتى فرغ من فاتحة الكتاب قلت: وهو مرسل ورجاله ثقات، فإن ثبت حمل على أن ذلك كان بعد قصة غار حراء ولعله كان بعد فترة الوحي، والعلم عند الله تعالى.
ثم أسند من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف ختم السورة حتى ينزل عليه: "بسم الله الرحمن الرحيم" وهذا رواته ثقات.
وأخرجه أبو داود لكنه اختلف في وصله وإرساله، وأورد الواحدي له شاهدين بسندين ضعيفين. قال الجعبري: يؤخذ من هذا أن لنزول البسملة سببين، أحدهما: التبرك بالابتداء بها، والثاني: الفصل بين السورتين والله أعلم.
6 - وتضحَكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّة ... كَأَنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً يَمانياً
وهو غيرُ مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في: بَسْمل وهَيْلل إنها لغة مُوَلَّدَة، [قال الماوردي: يقال لمَنْ قال: بسم الله: مُبَسْمِل وهي] لغةٌ مُوَلَّدة وقد جاءَتْ في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة:
7 - لقد بَسْمَلَتْ ليلى غداةَ لقِيتُها ... ألا حَبَّذا ذاكَ الحديثُ المُبَسْمِلُ وغيرُه من أهلِ اللغةِ نَقَلها ولَم يقُلْ إنها مُوَلَّدَة ك ثعلب والمطرِّز.
وبِسْم: جارٌّ ومجرور، والباء هنا للاستعانة كعَمِلت وبالقَدُوم، لأنَّ المعنى: أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي: الإِلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: مَسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية: [نحو] ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 160] ، أي بسببِ ظلمهم، والمصاحبة نحو: خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه السلام: «ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم» أي بدلها، وكقول الآخر:
8 - فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبوا ... شَنُّوا الإِغارةَ فرساناً ورُكْبانا
أي: بَدَلَهم، والقسم: أحلفُ باللهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو: زيد بمكة أي فيها، والتعدية نحو: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17] ، والتبعيض كقول الشاعر:
9 - شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعَتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ أي من مائه، والمقابلة: «اشتريتهُ بألف» أي: قابلتُه بهذا الثمنِ، والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ [الفرقان: 25] أي عن الغمام، ومنهم مَنْ قال: لا تكون كذلك إلا مع السؤال خاصة نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 59] أي عنه، وقول علقمة:
10 - فإنْ تَسْأَلوني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأَدْواءِ النساء طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه ... فليس له في وُدِّهِنَّ نَصيبُ
والاستعلاء كقوله تعالى: ﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: 75] . والجمهورُ يأبَوْن جَعْلها إلا للإِلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما، وليس هذا موضعَ استدلال وانفصال.
وقد تُزاد مطَّردةً وغيرَ مطَّردة، فالمطَّردةُ في فاعل «كفى» نحو: ﴿وكفى بالله﴾ [النساء: 6] / أي: كفى اللهُ، بدليل سقوطِها في قول الشاعر:
11 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كفى الشيبُ والإِسلامُ للمرءِ ناهياً
وفي خبرِ ليس و «ما» أختِها غيرَ موجَبٍ ب إلاَّ، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ [عَبْدَهُ] ﴾ [الزمر: 36] ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ [الأنعام: 132] وفي: بحَسْبكِ زيدٌ. وغيرَ مطَّردةٍ في مفعولِ «كفَى» ، كقوله:
12 - فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا ... حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا
أي: كَفانا، وفي البيت كلامٌ آخرُ، وفي المبتدأ غيرَ «حَسْب» ومنه في أحدِ القولين:
﴿بِأَييِّكُمُ المفتون﴾ [القلم: 6] وقيل: المفتون مصدر كالمَعْقول والمَيْسور، فعلى هذا ليست زائدةً، وفي خبر «لا» أختِ ليس، كقوله:
13 - فكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ ... بمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ
أي: مُغْنياً، وفى خبرِ كان مَنْفِيَّةً نحو:
14 - وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْ ... بِأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ
أي: لم أكنْ أعجلَهم، وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنَّ منفيَّيْنِ أيضاً كقوله:
15 - فما رَجَعَتْ بخَائِبَةٍ رِكابٌ ... حكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاها وقولِ الآخر:
16 - دعاني أخي والخيلُ بيني وبينه ... فلمَّا دعاني لم يَجِدْني بقُعْدَدِ
أي: ما رَجَعَت رِكابُ خائبةً، ولم يَجِدْني قُعْدَداً، وفي خبر «إنَّ» كقول امرئ القيس:
17 - فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِها ... فإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ
أي: فإنك المجرِّب، وفي: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله﴾ [الأحقاف: 33] وشبهه.
والاسمُ لغةً: ما أبانَ عن مُسَمَّى، واصطلاحاً: ما دلَّ على معنىً في نفسه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِبُنْيَتِهِ لزمان ولا دالٍّ جزءٌ من أجزائه على جزءٍ من أجزاء معناه، وبهذا القيدِ الأخيرِ خَرَجت الجملةُ الاسميةُ، والتسميةُ: جَعْلُ ذلك اللفظِ دالاًّ على ذلك المعنى.
واختلف الناسُ: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟ وهي مسألةٌ طويلةٌ، تكلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه، فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة أجوبة، أجودُها: أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمَّى فتغايرا. الثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: باسم مُسَمَّى اللهِ. الثالث: أن لفظَ «اسم» زائدٌ كقولِه: 18 - إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرْ
أي: السلام عليكما، وقول ذي الرمة:
19 - لاَ يَرْفَعُ الطرفَ إلاَّ ما تَخَوَّنَهُ ... داعٍ يُناديه باسمِ الماءِ مَبْغَومُ
وإليه ذهب أبو عبيدة والأخفش وقطرب.
واختلفوا في معنى الزيادة فقال الأخفش: ليخرجَ من حُكْمِ القسم إلى قَصْدِ التبرُّك «. وقال قطرب:» زيد للإِجلال والتعظيم «، وهذان الجوابان ضعيفان لأنَّ الزيادةَ والحذفَ لا يُصار إليهما إلاَّ إذا اضطُرَّ إليهما.
ومن هذا القَبيلِ - أعني ما يُوهِمُ إضافةَ الشيءِ إلى نفسِه - إضافةُ الاسمِ إلى اللقبِ والموصوفِ إلى صفتهِ، نحو: سعيدُ كُرزٍ وزيدُ قُفَّةٍ ومسجدُ الجامعِ وبَقْلَةُ الحمقاءِ، ولكن النحويين أوَّلوا النوع الأول بأنْ جعلوا الاسمَ بمعنى المُسَمَّى واللقبَ بمعنى اللفظِ، فتقديرُه: جاءني مسمَّى هذا اللفظِ، وفي الثاني جَعَلوه على حَذْفِ مضافٍ، فتقديرُ بقلةِ الحمقاءِ: بقلةُ الحبِّةِ الحمقاءِ، ومسجدُ الجامعِ: مسجدُ المكانِ الجامعِ.
واختلف النحويون في اشتقاقه: فذهب أهلُ البصرة إلى أنه مشتقٌ من السُّمُوِّ وهو الارتِفاعُ، لأنه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيرفعُه ويُظْهِرهُ، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوَسْم وهو العلامةُ لأنه علامةٌ على مُسَمَّاه، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى لكنه فاسدٌ من حيث التصريفُ.
استدلَّ البصريون على مذهبهم بتكسيرِهم له على «أَسْماء» وتصغيرهم له على سُمَيّ، لأن التكسير والتصغير يَرُدَّان الأشياء إلى أصولها، وتقولُ العَربُ: فلانٌ سَمِيُّك، وسَمَّيْتُ فلاناً بكذا، وأَسْمَيْتُه بكذا، فهذا يَدُلُّ على اشتقاقه من السموّ، ولو كان من الوَسْم لقيل في التكسير: أَوْسام، وفي التصغير: وُسَيْم، ولقالوا: وَسِيمُك فلانٌ ووَسَمْتُ وأَوْسَمْتُ فلاناً بكذا، فدلَّ عدمُ قولِهم ذلك أنه ليس كذلك. وأيضاً فَجَعْلُه من السموّ مُدْخِلٌ له في البابِ الأكثرِ، وجَعْلُه من الوَسْم مُدْخِلٌ له في الباب الأقلِّ؛ وذلك أن حَذْفَ اللام كثيرٌ وحذفَ الفاءِ قليلٌ، وأيضاً فإنَّا عَهِدْناهم غالباً يُعَوِّضون في غير محلِّ الحَذْفَ فَجَعْلُ همزةِ الوصل عوضاً من اللام موافقٌ لهذا الأصل بخلافِ ادِّعاءِ كَوْنِها عوضاً من الفاء. فإن قيل: قولُهم «أسماء» في التكسير و «سُمَيّ» في التصغير لا دلالةَ فيه لجوازِ أن يكون الأصلُ: أَوْسَاماً ووُسَيْماً، ثم قُلِبَتِ الكلمةُ بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤُها بعد لامها فصار لفظُ أَوْسام: أَسْماواً، ثم أُعِلَّ إعلالَ كساء، وصار وُسَيْم سُمَيْوَاً، ثم أُعِلَّ إعلالَ جُرَيّ تصغير جَرْو. فالجوابُ أنَّ ادِّعاء ذلك لا يفيدُ، لأنَّ القَلْبَ على خلافِ القياس فلا يُصارُ إليه ما لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ. وهل لهذا الخلافِ فائدةٌ أم لا؟ والجوابُ أن له فائدةً، وهي أَنَّ مَنْ قال باشتقاقِه من العلوِّ يقول: إنه لم يَزَلْ موصوفاً قبل وجودِ الخلق وبعدَهم وعند فَنائِهم، لا تأثيرَ لهم في أسمائه ولا صفاتِه وهو قول أهل السُّنَّةِ. وَمنْ قال بأنه مشتقٌّ من الوَسْم يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ الخلق جعلوا له أسماءً وصفاتٍ وهو قول المعتزلة، وهذا أشدُّ خطأً من قولِهم بخلق القرآن وعلى هذا الخلافِ وَقَعَ الخلافُ أيضاً في الاسم والمُسَمَّى.
وفي الاسم خمسُ لغاتٍ: «اسم» بضم الهمزة وكسرها، و «سُِم» بكسر السين وضمها. وقال أحمد بن يحيى: «سُمٌ بضم السين أَخَذَه من سَمَوْتُ أسْمُو، ومَنْ قاله بالكسر أخذه من سَمَيْتُ أَسْمي، وعلى اللغتين قوله:
20 - وعامُنا أَعْجبنا مُقَدَّمُهْ ... يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرضابٌ سُِمُهْ
مُبْتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ ... يُنْشَدُ بالوجهين، وأنشدوا على الكسر:
21 - باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سِمُهْ ... [فعلى هذا يكون في لام» اسم «وجهان، أحدُهما: أنها واو، والثاني: أنها ياء وهو غريبٌ، ولكنَّ] أحمد بن يحيى جليلُ القدر ثقةٌ فيما ينقل. و» سُمَىً «مثل هُدَىً. واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر: 22 - واللهُ أَسْماك سُمَىً مُبارَكاً ... آثرك اللهُ به إيثارَكَا
ولا دليلَ في ذلك لجوازِ أن يكونَ من لغةِ مَنْ يجعله منقوصاً مضمومَ السين وجاء به منصوباً، وإنما كان ينتهض دليلاً لو قيل: سُمَىً حالةَ رفعٍ أو جَرٍّ.
وهمزتُه همزةُ وصلٍ أي تُثْبَت ابتداءً وتُحْذَفُ دَرْجَاً، وقد تُثْبَتُ ضرورةً كقوله:
23 - وما أنا بالمَخْسوسِ في جِذْمِ مالكٍ ... ولا مَنْ تسمَّى ثم يلتزِم الإِسْما
وهو أحدُ الأسماءِ العشرةِ التي ابتُدِئ في أوائِلها بهمزةِ الوصلِ/ وهي: اسم واست وابن وابنُم وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان وايمنُ في القسم. والأصل في هذه الهمزةِ أن تُثْبَتَ خَطَّاً كغيرِها من همزاتِ الوصل، وإنما حَذَفوها حين يُضاف الاسمُ إلى الجلالةِ خاصةً لكثرة الاستعمال. وقيل: ليوافقَ الخطُّ اللفظَ. وقيل لا حذفَ أصلاً، وذلك لأن الأصل: «سِمٌ» أو «سُم» بكسر السين أو ضمها فلمَّا دخلتِ الباءُ سَكَنَتِ العينُ تخفيفاً، لأنه وقع بعد الكسرة كسرةٌ أو ضمةٌ، [وهذا حكاه النحاس وهو حسن] ، فلو أضيف إلى غير الجلالة ثَبَتَتْ، نحو: باسم الرحمن، هذا هو المشهور، وحُكِيَ عن الكسائي والأخفش جوازُ حََذْفِها إذا أُضيفت إلى غيرِ الجلالة من أسماء الباري تعالى نحو: بسمِ ربِّك، بسمِ الخالق.
واعْلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معناه، إلا في ثلاثِ صور: حرفِ الجر الزائد ولعلَّ ولولا عند مَنْ يجر بهما، وزاد الاستاذ ابن عصفور كافَ التشبيه، وليس بشيء فإنها تتعلَّق. إذا تقرر ذلك ف «بسم الله» لا بدَّ من شيء يتعلق به ولكنه حُذِف.
واختلف النحويون في ذلك، فذهب أهلُ البصرةِ إلى أنَّ المُتَعَلَّقَ به اسمٌ، وذهب أهلُ الكوفة إلى أنه فِعْلٌ، ثم اختَلَفَ كلٌ من الفريقين: فذهب بعضُ البصريين إلى أنَّ ذلك المحذوفَ مبتدأٌ حُذِفَ هو وخبرهُ وبقي معمولُه، تقديره: ابتدائي باسم الله كائنٌ أو مستقرٌ، أو قراءتي باسم الله كائنةٌ أو مستقرة. وفيه نظرٌ من حيث إنه يلزمُ حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معمولِه وهو ممنوعٌ، وقد نص مكي على مَنْع هذا الوجهِ. وذهبَ بعضُهم إلى أنه خبرٌ حُذِف هو ومبتدؤه أيضاً وبقي معمولُه قائماً مَقامَه، والتقدير: ابتدائي كائنٌ باسمِ الله، أو قراءتي كائنةٌ باسم الله نحو: زيدٌ بمكةَ، فهو على الأول منصوبُ المحلِّ وعلى الثاني مرفوعُه لقيامِهِ مقامَ الخبر. وذهب بعضُ الكوفيين إلى أنَّ ذلك الفعلَ المحذوفَ مقدَّرٌ قبله، قال: لأنَّ الأصلَ التقديمُ، والتقدير: أقرأُ باسم الله أو أبتدئُ باسم الله. ومنهم مَنْ قدَّر بعده: والتقدير: باسم الله أقرأ أو أبتدئ أو أتلو، وإلى هذا نحا الزمخشري قال: «ليفيدَ التقديمُ الاختصاصَ لأنه وقع ردًّاً على الكفرة الذين كانوا يبدؤون بأسماءِ آلهتهم كقولهم: باسم اللات، باسم العُزَّى» وهذا حسنٌ جداً، ثم اعترض على نفسِه بقولِه تعالى: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ [القلم: 1] ، حيث صَرَّح بهذا العامل مُقَدَّماً على معمولِه، ثم أجاب بأنَّ تقديمَ الفعل في سورة العلق أوقعُ لأنها أولُ سورةٍ نَزَلَت فكان الأمرُ بالقراءة أهمَّ «. وأجاب غيرُه بأنَّ ب» اسم ربك «ليس متعلقاً ب» اقرأ «الذي قبله، بل ب» اقرأ «الذي بعده، فجاء على القاعدة المتقدمة.
وفي هذا نظرٌ لأن الظاهرَ على هذا القول أن يكون «اقرأ» الثاني توكيداً للأول فيكون قد فَصَلَ بمعمول المؤكِّد بينه وبين ما أكَّده مع الفصلِ بكلامٍ طويل.
واختلفوا أيضاً: هل ذلك الفعلُ أمرٌ أو خبرٌ؟ فذهب الفراء أنه أَمْرٌ تقديرُه: اقرأ أنت باسم الله، وذهب الزجاج أنه خبرٌ تقديره: اقرأ أنا أو أبتَدِئُ ونحوهُ.
و «الله» في «بسم الله» مضافٌ إليه، وهل العاملُ في المضاف إليه المضافُ أو حرفُ الجرِّ المقدََّرِ أو معنى الإِضافة؟ ثلاثةُ أقوال خَيْرُها أوسطُها. وهو عَلَمٌ على المعبودِ بحق، لاَ يُطلق على غيره، ولَم يَجْسُرْ أحدٌ من المخلوقين أن يَتَسَّمى به، وكذلك الإِله قبل النقل والإِدغامِ لا يُطْلق إلا على المعبودِ بحقٍّ. قال الزمخشري: «كأنه صار عَلَماً بالغلَبة» ، وأمّا «إله» المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقٍّ وعلى غيره، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] ، ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] ، ﴿ [أَرَأَيْتَ] مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43] . واختلف الناسُ هل هو مُرْتَجَلٌ أو مشتق؟ ، والصوابُ الأولُ، وهو أعرفُ المعارف. يُحْكى أن سِيبوِيه رُئيَ في المنام فقيل [له] : ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيراً كثيراً، لجَعْلِي اسمَه أعرفَ المعارفِ.
ثم القائلونَ باشتقاقِه اختلفوا اختلافاً كثيراً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لاهَ يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاَهة بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها، وقيل: لاتخاذِهِم إياها معبوداً، وعلى هذا قيل: «لَهْيَ أبوك» يريدونَ: للهِ أبوك، فَقَلَب العينَ إلى موضع اللام. وخَفَّفه فَحَذَفَ الألفَ واللامَ وحَذَفَ حرفَ الجرِ. وأَبْعد بعضُهم فَجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر:
24 - ألا ياسَنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمى ... لَهِنَّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ
قال: الأصلُ: لله إنك كريمٌ عليَّ، فَحَذََفَ حرف الجر وحرف التعريف والألفَ التي قبل الهاء من الجلالة، وسَكَّن الهاءَ إجراءً للوصل مُجْرى الوقف، فصار اللفظ: لَهْ، ثم أَلقى حركة همزة «إنَّ» على الهاء فبقي: لَهِنَّك كما ترى، وهذا سماجَةٌ من قائلِه. وفي البيت قولان أيسرُ من هذا.
ومنهمَ مَنْ قال: «هو مشتقٌّ من لاه يَلُوه لِياهاً. أي احتجَبَ، فالألف على هذين القولين أصليةٌ، فحينئذ أصلُ الكلمة لاَهَ، ثم دخل عليه حرفُ التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماعِ شروطِ الإِدغام، وفُخِّمت لامُه. ووزنُه على القولين المتقدِّمين إمَّا: فَعَل أو فَعِل بفتح العين أو كسرِها، وعلى كل تقدير: فتحرَّك حرفُ العلة وانفتحَ ما قبلَه فقُلِب ألفاً، وكان الأصلَ: لَيَهاً أو لَيِهاً أو لَوَهاً أو لَوِهاً.
ومنهم مَنْ جَعَلَه مشتقاً من أَلَه، وأَلَه لفظٌ مشترك بين معانٍ وهي: العبادةُ والسكون والتحيُّر والفزع، فمعنى «إله» أنَّ خَلْقَه يعبدونه ويسكنون إليه ويتحيَّرون فيه ويفزعون إليه. ومنه قولُ رؤبة:
25 - لِلَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهي
أي: من عبادتِه، ومنه ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] أي عبادتك. وإلى معنى التحيُّر أشار أمير المؤمنين بقوله: «كَلَّ دون صِفاته تحبيرُ الصفات وضَلَّ هناك تصاريفُ اللغات» وذلك أن العبد إذا تفكَّر في صفاته تحيَّر، ولهذا/ رُوي: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله» وعلى هذا فالهمزةُ أصلية والألفُ قبل الهاء زائدةٌ، فأصلُ الجلالة الكريمة: الإِله، كقولِ الشاعر:
26 - معاذَ الإِله أن تكونَ كظبيةٍ ... ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةٍ رَبْرَبِ
ثم حُذِفت الهمزةُ لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت في ناس، والأصل أُناس كقوله:
27 - إنَّ المَنايا يَطَّلِعْ ... نَ على الأُناس الآمِنينا
فالتقى حرفُ التعريفِ مع اللامِ فأُدْغِم فيها وفُخِّم. أو نقول: إن الهمزة من الإِله حُذِفت للنقل، بمعنى أنَّا نَقَلْنا حَرَكتَها إلى لام التعريف وحَذَفْناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل، ثم أُدغم لامُ التعريف كما تقدَّم، إلا أنَّ النقلَ هنا لازِمٌ لكثرةِ الاستعمال.
ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌ من وَلِهَ لكونِ كلِّ مخلوقٍ والِهاً نحوَه، وعلى ذلك قال بعض الحكماء: «الله محبوب للأشياءِ كلها، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: 44] ، فأصله: وِلاه ثم أُبدلت الواو همزةً كما أُبدلت في إشاح وإعاء، والأصلُ: وِشاح ووِعاء، فصار الفظُ به: إلاهاً، ثم فُعِل به ما تقدَّم مِنْ حَذْفِ همزتِه والإِدغام، ويُعْزَى هذا القول للخليل، فعلى هذين القولين وزنُ إلاه: فِعال، وهو بمعنى مَفْعول أي: مَعْبود أو متحيِّرٌ فيه كالكِتاب بمعنى مكتوب.
وُردَّ قولُ الخليل بوجهين، أحدهما: أنه لو كانت الهمزةُ بدلاً من واو لجاز النطق بالأصلِ، ولم يَقُلْه أحد، ويقولون: إشاح ووشاح وإعاء ووعاء. والثاني: أنه لو كان كذلك لجُمع على أَوْلِهة كأَوْعِية وأَوشِحَة فتُرَدُّ الهمزة إلى أَصلها، ولم يُجْمع» إله «إلا على آلهة.
وللخليل أن ينفصِلَ عن هذين الاعتراضين بأنَّ البدلَ لزِم في هذا الاسمِ لأنه اختصَّ بأحكامٍ لم يَشْرَكَهْ فيها غيرُه، كما ستقف عليه، ثم جاء الجمع على التزامِ البدل.
وأمَّا الألفُ واللامُ فيترتَّب الكلامُ فيها على كونِه مشتقاً أو غيرَ مشتقٍّ، فإنْ قيل بالأول كانَتْ في الأصل مُعَرِّفةً، وإنْ قيل بالثاني كانت زائدةً. وقد شَذَّ حذفُ الألفِ واللامِ من الجلالة في قولهم» لاهِ أبوك «، والأصل: للهِ أبوك كما تقدم، قالوا: وحُذِفَت الألفُ التي قبل الهاء خَطَّاً لئلا يُشْبَّهَ بخط» اللات «اسم الصنم، لأن بعضهم يقلبُ هذه التاء في الوقف هاءً فيكتُبها هاءً تَبَعَاً للوقف فمِنْ ثمَّ جاء الاشتباه.
وقيل: لئلا يُشَبَّه بخط «اللاه» اسمَ فاعل من لها يلهو، وهذا إنما يَتِمُّ على لغة مَنْ يحذف ياءَ المنقوص المعرَّف وقفاً لأن الخطَّ يتبعه، وأمَّا مَنْ يُثْبِتُها وقفاً فيثبتها خطَّاً فلا لَبْس حينئذ. وقيل: حَذْفُ الألف لغةٌ قليلة جاء الخط عليها، والتُزمَ ذلك لكثرة استعماله، قال الشاعر:
28 - أقبلَ سَيْلٌ كان من أمر اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّة المُغِلَّهْ
وحكمُ لامِه التفخيمُ تعظيماً ما لم يتقدَّمْه كسرٌ فترقّقُ، وإن كان أبو القاسم الزمخشري قد أطلق التفخيمَ، ولكنه يريد ما قلته. ونقل أبو البقاء أنَّ منهمِ مَنْ يُرَقِّقُها على كل حال. وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِه كابراً عن كابرٍ كما ذكره الزمخشري. ونقل أهلُ القراءة خلافاً فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةٌ أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقِّقها، ومنهم مَنْ يُفَخِّمُها، وذلك كقراءة السوسي في أحدِ وَجْهَيْه: «حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً» .
ونقل السهيلي وابن العربي فيه قولاً غريباً وهو أنَّ الألف واللام فيه أصليةٌ غيرُ زائدةٍ، واعتذرا عن وَصْلِ الهمزةِ بكثرة الاستعمال، كما يقول الخليل في همزةِ التعريف، وقد رُدَّ قولهُما بأنه كان ينبغي أن يُنَوَّن لفظُ الجَلالةِ لأنَّ وزنَه حينئذ فَعَّال نحو: لآَّل وسَآَّل، وليس فيه ما يمنعه من التنوينِ فدلَّ على أنَّ أل فيه زائدةٌ على ماهيةِ الكلمةِ.
ومن غريبِ ما نُقِل فيه أيضاً أنه ليس بعربي بل هو مُعَرَّب، وهو سُريانيُّ الوَضْعِ وأصله: «لاها» فَعَرَّبَتْه العربُ فقالوا: الله، واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر: 29 - كحَلْفَةٍ من أبي رياحِ ... يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ
فجاء به على الأصلِ قبل التعريبِ، ونقل ذلك أبو زيد البلخي.
[ومِنْ غريب ما نُقل فيه أيضاً أنَّ الأصل فيه الهاءُ التي هي كنايةٌ عن الغائب] قالوا: وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في نظر عقولِهم فأشاروا إليه بالضمير، ثم زِيدَتْ فيه لامُ المِلْك، إذ قد عَلِموا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها فصار اللفظ: «لَهُ» ثم زِيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً، وهذا لا يُشبه كلامَ أهل اللغة ولا النَحْويين، وإنما يشبه كلامَ بعض المتصوفة.
ومن غريب ما نُقل فيه أيضاً أنه صفةٌ وليس باسم، واعتلَّ هذا الذاهب إلى ذلك أنَّ الاسم يُعَرِّفَ المُسَمَّى والله تعالى لا يُدْرَكُ حِسَّاً ولا بديهةً فلا يُعَرِّفُه اسمه، إنما تُعَرِّفه صفاتُه، ولأن العَلَم قائمٌ مقامَ الإِشارة، واللهُ تعالى ممتنعٌ ذلك في حقه. وقد رَدَّ الزمخشري هذا القولَ بما معناه أنك تصفه ولا تَصِفُ به، فتقول: إله عظيم واحد، كما تقول: شيءٌ عظيم ورجلٌ كريم، ولا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، ولو كان صفةً لوقع صفةً لغيره لا موصوفاً، وأيضاً فإنَّ صفاتِه الحسنى لا بُدَّ لها من موصوف تَجْري عليه، فلو جَعَلْتَها كلَّها صفاتٍ، بقيت غيرَ جاريةٍ على اسمٍ موصوفٍ بها، وليس فيما عدا الجلالة خلافٌ في كونِه صفةً فَتَعَيَّن أن تكونَ الجلالةُ اسماً لا صفةً.
والقولُ في هذا الاسم الكريمِ يحتمل الإِطالةَ أكثرَ ممَّا ذكرْتُ لك، إنما اختصرْتُ ذلك خوفَ السآمة للناظر في هَذا الكتاب.
الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ ليس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: ﴿وَمَا الرحمن﴾ [الفرقان: 60] وأجاب ابن العربي عنه بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟ وقد تَبِعا موصوفَهما في/ الأربعةِ من العشرة المذكورة.
وذهب الأعلمُ الشنتمريُّ إلى أن «الرحمن» بدلٌ من اسمِ الله لا نعتٌ له، وذلك مبنيٌّ على مذهبه من أنَّ الرحمن عنده عَلَمٌ بالغلَبة. واستدَلَّ على ذلك بأنه قد جاء غيرَ تابعٍ لموصوفٍ، كقوله تعالى: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 1-2] ﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾ [طه: 5] . وقد رَدَّ عليه السُّهيلي بأنه لو كان بدلاً لكان مبيَّناً لِما قبله، وما قبله - وهو الجلالة - لا يفتقرُ إلى تبيين لأنها أعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا: ﴿وَمَا الرحمن﴾ [الفرقان: 60] ولم يقولوا: وما اللهُ. انتهى. أمَّا قوله: «جاء غيرَ تابع» فذلك لا يمنعُ كونَه صفةً، لأنه إذا عُلم الموصوفُ جاز حَذْفُه وبقاءُ صفتِه، كقولِه تعالى: ﴿وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [فاطر: 28] أي نوع مختلف، وكقول الشاعر:
30 - كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوْهِنَها ... فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ
أي: كوعلٍ ناطح، وهو كثير.
والرحمة لغةً: الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي الابطنُ لانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفُه تعالى بالرحمة مجازاً عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه. هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري. ويكونُ على هذا التقدير صفةَ فعلٍ لا صفةَ ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ.
وقيل: الرحمة رِقَّةٌ تقتضي الإِحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: «الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميين رقةٌ وتعطُّف» .
[وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «وهما اسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة» . قال الخطَّابي: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة] لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ. وقال الحسين بن الفضل: «هذا وَهْمٌ من الراوي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته» وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطي على العنف» ، ويؤيِّده الحديثُ، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
واختلف أهلُ العلمِ في «الرحمن الرحيم» بالنسبة إلى كونِهما بمعنىً واحدٍ أو مختلفين.
فذهب بعضُهم إلى أنهما بمعنى واحد كَنْدمان ونَدِيم، ثم اختلف هؤلاء على قولين، فمنهم مَنْ قال: جُمِع بينهما تأكيداً، ومنهم مَنْ قال: لمَّا تَسَمَّى مُسَيْلمة - لعنه الله- بالرحمن قال الله لنفسه: الرحمنُ الرحيم، فالجمعُ بين هاتين الصفتين لله تعالى فقط. وهذا ضعيفٌ جداً، فإنَّ تسميَته بذلك غيرُ مُعْتَدٍّ بها البتَة، وأيضاً فإن بسم الله الرحمن الرحيم قبلَ ظهورِ أمرِ مُسَيْلَمَةَ.
ومنهم مَنْ قال: لكلِّ واحد فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، وجَعَل ذلك بالنسبة إلى تغايُرِ متعلِّقِهما إذ يقال: «رَحْمن الدنيا ورحيمُ الآخرة» ، يُروى ذلك عن النبي صلَى الله عليه وسلم، وذلك لأنَّ رحمته في الدنيا تَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، وفي الآخرة تَخُصُّ المؤمنين فقط، ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرة، وفي المغايَرة بينهما بهذا القَدْر وحدَه نظرٌ لا يَخْفى.
وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان، ثم اختلف هؤلاء أيضاً: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى، واختاره الزمخشري، وجعلَه من باب غَضْبان وسَكْران للممتلىءِ غَضَباً وسُكْراً، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط، قال الزمخشري: «فكان القياسُ الترقِّيَ من الأدنى، إلى الأعلى، كما يُقال: شُجاع باسل ولا يقال: باسِلٌ شجاع. ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النِّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ ما دَقَّ منها ولَطَف.
ومنهم مََنْ عَكَس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال:» رحيم الدنيا وحمان الآخرة «لأنه في الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن. لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ، وأثرُها فيها أظهرُ، على ما يُروى أنه خَبَّأ لعباده تسعاً وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة. والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ» فَعْلان «من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ» فعيل «من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة. وقال أبو عبيدة:» وبناء فَعْلان ليس كبناءِ فَعِيل، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلا على مبالغةِ الفِعْل، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلئ غضباً، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول، قال:
31 - فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً ... فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ
فالرحمنُ خاصٌّ الاسمِ عامُّ الفعل. والرحيمُ عامٌّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلك لا يَتَعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل. حكى ابنُ سِيده: «زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك» .
والألفُ واللام في «الرحمن» للغلَبة كهي في «الصَّعِق» ، ولا يُطلق على غير الباري تعالى عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: 110] ، فعادَلَ به ما لا شِرْكَةَ فيه، بخلاف «رحيم» فإنه يُطلق على غيره تعالى، قال [تعالى] في حَقَّه عليه السلام:
﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: 128] ، وأمَّا قول الشاعر في مُسَيْلَمََةَ الكذاب -لعنه الله تعالى-:
32 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنت غَيْثُ الوَرى لا زلت رَحْمانا
فلا يُلتفت إلى قوله لَفْرطَ تَعَنُّتهم، ولا يُستعمل إلاَّ مُعَرَّفاً بالألفِ واللامِ أو مضافاً، ولا يُلتفت لقوله: «لا زِلْتَ رَحْمانا» لشذوذه.
ومن غريب ما نُقِل فيه أنه مُعَرَّب، ليس بعربيِّ الأصل، وأنه بالخاء المعجمة قاله ثعلب [والمبرد وأنشد] :
33 - لن تُدْرِكوا المَجْدَ أو تَشْرُوا عَباءَكُمُ ... بِالخَزِّ أو تَجْعلوا اليَنْبُوتَ ضَمْرانا
أو تَتْرُكونَ إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ ... ومَسْحكم صُلبَهم رَخْمانَ قُرْبانا
وفي وصل الرحيم بالحمد ثلاثة أوجهٍ، الذي عليه الجمهور: الرحيمِ بكسر الميم موصولةً بالحمد. وفي هذه الكسرة احتمالان: أحدهما - وهو الأصحُّ - أنها حركةُ إعرابٍ، وقيل: يُحتمل أنَّ الميم سَكَنَت على نية الوقف، فلمَّا وقع بعدها ساكن حُرِّكت بالكسر. والثاني من وَجْهَي الوصل: سكونُ الميمِ والوقفُ عليها، والابتداءُ بقطع ألف «الحمد» ، رَوَتْ ذلك أم سلمة عنه عليه السلام. الثالث: حكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ: الرحيمَ الحمدُ «بفتح الميم ووصل ألف الحمد، كأنها سكنَّت وقطعَتِ الألفَ، ثم أَجْرت الوقف مُجرى الوصل، فألقَتْ حركة همزة الوصل على الميم الساكنة. قال ابن عطية:» ولم تُرْوَ هذه قراءةً عن أحد [فيما علمت، «وهذا فيه نظرٌ يجيئ في: ﴿الم الله﴾ [آل عمران: 1-2] قلت: يأتي تحقيقه في آل عمران إن شاء الله تعالى، ويحتمل هذا وجهاً آخر وهو أن تكونَ الحركةُ للنصبِ بفعل محذوفٍ على القطع] ، وهو أَوْلى من هذا التكلُّف.
الباء لا موضع لها من الإعراب والمرور واقع على مجهول إذا قلت: مررت بزيد.
والألف في «اسم»(٤) ألف وصل لأنّك تقول: سميّ فلهذا حذفت من اللفظ، وفي حذفها من الخط أربعة أقوال: قال الفراء(٥) : لكثرة الاستعمال، وحكي لأنّ الباء لا تنفصل، وقال الأخفش سعيد(٦) : حذفت لأنها ليست من اللفظ، والقول الرابع أن الأصل سم وسم أنشد أبو زيد(٧) : [الرجز]
1-
بسم الذي في كلّ سورة سمه(٨)
بالضمّ أيضا، فيكون الأصل سما ثم جئت بالباء فصار بسم ثم حذفت الكسرة فصار بسم، فعلى هذا القول لم يكن فيه ألف قطّ والأصل في اسم فعل لا يكون إلا ذلك لعلّة أوجبته وجمعه أسماء، وجمع أسماء أسامي. وأضفت اسما إلى الله جلّ وعزّ، والألف في الله جلّ وعزّ ألف وصل على قول من قال: الأصل لاه. ومن العرب من يقطعها فيقول: بسم الله، للزومها كألف القطع. الرَّحْمنِ نعت لله تعالى ولا يثنّى ولا يجمع لأنه لا يكون إلّا لله جلّ وعزّ، وأدغمت اللّام في الراء لقربها منها وكثرة لام التعريف. الرَّحِيمِ نعت أيضا، وجمعه رحماء. وهذه لغة أهل الحجاز وبني أسد وقيس وربيعة، وبنو تميم يقولون: رحيم ورغيف وبعير، ولك أن تشمّ(٩) الكسر في الوقف وأن تسكّن، والإسكان في المكسور أجود والإشمام في المضموم أكثر.
ويجوز النصب في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ على المدح، والرفع على إضمار مبتدأ، ويجوز خفض الأول ورفع الثاني، ورفع أحدهما ونصب الآخر.
(٢) أبو عبيد: القاسم بن سلّام الأنصار، أول من جمع القراءات في كتاب، أخذ عن ابن الأعرابي والكسائي والفرّاء وغيرهم. له من التصانيف: الغريب المنصف، غريب القرآن، غريب الحديث، معاني القرآن، المقصور والممدود، القراءات، المذكر والمؤنث ... وغيرها. (ت 224 هـ) . ترجمته في (طبقات الزبيدي 217، وبغية الوعاة 2/ 252) .
(٣) واصل مولى أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة البصري. روى عن الحسن ورجاء بن حيوة. ترجمته في تهذيب التهذيب 11/ 105.
(٤) انظر الإنصاف لابن الأنباري المسألة (1) .
(٥) انظر معاني الفرّاء: 1/ 2.
(٦) الأخفش: أبو الحسن سعيد بن مسعدة، قرأ النحو على سيبويه في البصرة وكان معتزليا، صنّف:
الأوساط في النحو، معاني القرآن، المقاييس في النحو، الاشتقاق، المسائل، الكبير الصغير، العروض، القوافي، الأصوات وغيرها. (ت 211 أو 215 هـ) . ترجمته في: (بغية الوعاة 1/ 590، وطبقات الزبيدي 74، وإنباه الرواة 1/ 36) .
(٧) أبو زيد الأنصاري: سعيد بن أوس بن ثابت، روى القراءة عن أبي عمرو وأبي السمال (ت 215 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/ 305.
(٨) الشاهد في نوادر أبي زيد 166، ونوادر أبي مسحل: 1/ 95، والإنصاف 1/ 10، وأسرار العربية 8، واللسان (سا) .
(٩) إشمام الحرف: أن تشمّه الضمّة أو الكسرة، وهو أقلّ من روم الحركة لأنه لا يسمع وإنما يتبيّن بحركة الشفة ولا يعتدّ بها حركة لضعفها، والحرف الذي فيه الإشمام ساكن أو كالساكن. (تاج العروس شمم) .
﴿الرَّحِيمِ﴾ وزنه فعيل وفيه كذلك معنى المبالغة.
﴿بِسْمِ﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره ابتدئ أو بخبر محذوف تقديره ابتدائي ﴿اللَّهِ﴾ لفظ الجلالة مضاف إليه. ﴿الرَّحْمنِ﴾ صفة لله. ﴿الرَّحِيمِ﴾ صفة ثانية.
وجملة البسملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب.(١) ﴿الْحَمْدُ﴾ الثناء على الجميل بالقول. ﴿الرب﴾ المالك والسيد وقد يراد به المصلح والمربي. ﴿الْعالَمِينَ﴾ جمع عالم بفتح اللام ويراد به جميع الكائنات. ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء. ﴿الصِّراطَ﴾ الطريق. وهو يذكر ويؤنث والتذكير أكثر.
﴿الْحَمْدُ﴾ مبتدأ مرفوع. ﴿لِلَّهِ﴾ لفظ الجلالة مجرور باللام ومتعلقان بخبر محذوف تقديره الحمد واجب.
﴿رَبِّ﴾ صفة لله، أو بدل منه. ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
﴿الرَّحْمنِ، الرَّحِيمِ﴾ صفتان لله. ﴿مالِكِ﴾ صفة ثالثة. ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه ثان.
﴿إِيَّاكَ﴾ ضمير نصب منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿نَعْبُدُ﴾ فعل مضارع ﴿وَإِيَّاكَ﴾ سبق إعرابها. ﴿نَسْتَعِينُ﴾ فعل مضارع أصله نستعون استثقلوا الكسرة على الواو ونقلوها إلى العين فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. ﴿اهْدِنَا﴾ فعل أمر يراد به الدعاء مبني على حذف حرف العلة.
والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿الصِّراطَ﴾ اسم منصوب بنزع الخافض- أو مفعول به ثان. ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ صفة للصراط، والأصل مستقوم مثل نستعين. ﴿صِراطَ﴾ بدل من الصراط- بدل كل من كل. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.
﴿أَنْعَمْتَ﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء تاء الفاعل، وجملة أنعمت صلة الموصول لا محل لها.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بأنعمت. ﴿غَيْرِ﴾ صفة الذين. ﴿الْمَغْضُوبِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلقان بالمغضوب. ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد معنى النفي في غير. ﴿الضَّالِّينَ﴾ معطوف على المغضوب عليهم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم. ﴿آمين﴾ اسم فعل أمر للدعاء ليست من الفاتحة وهي بمعنى استجب، مبني على السكون وحرك بالفتح لمناسبة الياء المكسور ما قبلها.
﴿الله﴾: لفظ الجلالة مضاف إليه.
﴿الرحمن الرحيم﴾: صفتان لله تعالى، وجملة البسملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
* الإعراب:
(بسم) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر. والمبتدأ محذوف تقديره: ابتدائي»
(الله) لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور وعلامة الجر الكسرة. (الرحمن) نعت للفظ الجلالة تبعه في الجر. (الرحيم) نعت ثان للفظ الجلالة تبعه في الجر.
* الصرف:
(اسم) فيه إبدال، أصله سمو، حذف حرف العلة وهو لام الكلمة وأبدل عنه همزة الوصل. ودليل الواو جمعه على أسماء وأسامي، وتصغيره سمىّ. والأصل أسماو وأسامو وسموي، فجرى فيها الإعلال بالقلب.
(الله) .. أصله الإلاه، نقلت حركة الهمزة إلى لام التعريف ثم سكنت وحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين وأدغمت اللام في اللام الثانية..
وحذفت الألف بعد اللام الثانية لكثرة الاستعمال. فالإله مصدر من أله يأله إذا عبد، والمصدر في موضع المفعول أي المعبود.
(الرحمن) صفة مشتقة من صيغ المبالغة، وزنه فعلان من فعل رحم يرحم باب فرح.
(الرحيم) صفة مشتقة من صيغ المبالغة، أو صفة مشبهة باسم الفاعل وزنه فعيل من فعل رحم يرحم.
* البلاغة:
1- التكرير: لقد كرّر الله سبحانه وتعالى ذكر الرحمن الرحيم لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج وقد ذكر المنعم دون المنعم عليهم فأعادها مع ذكرهم وقال: «ربّ العالمين الرحمن» بهم أجمعين.
2- قدم سبحانه الرحمن على الرحيم مع أن الرحمن أبلغ من الرحيم، ومن عادة العرب في صفات المدح الترقي في الأدنى الى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير. وذلك لأنه اسم خاص بالله تعالى كلفظ «الله» ولأنه لما قال «الرحمن» تناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، وأردفه «الرحيم» كتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطف. وما هو من جلائل النعم وعظائمها وأصولها أحق بالتقديم مما يدل على دقائقها وفروعها. وافراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة.
فباسم الله تعالى تتم معاني الأشياء ومن مشكاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تشرق على صفحات الأكوان أنوار البهاء.
* الفوائد:
البسملة:
عني العلماء ببحث البسملة من سائر وجوهها، نخص منها بالذكر:
1- اختلفوا حول كونها آية من كتاب الله أم لا، فابن مسعود ومالك والأحناف وقراء المدينة والبصرة والشام لا يرونها آية.
وابن عباس وابن عمر والشافعي وقراء مكة والكوفة يرون أنها آية من كل سورة.
2- نزلت البسملة مجزّأة: الجزء الأول في قوله تعالى: «بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها» الثاني: في قوله: «ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» الثالث في قوله: «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
* اللغة:
(اسم) اختلف علماء اللغة في اشتقاق الاسم فذهب البصريّون إلى أنه من السّموّ وهو العلوّ وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من السّمة وهي العلامة وكلاهما صحيح من جهة المعنى وفيه خمس لغات:
اسم بكسر الهمزة، واسم بضمها، وسم بكسر السين، وسم بضمها، وسمى بوزن هدى، هذا والاسم هو واحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة تفاديا للابتداء بالسّاكن لسلامة لغتهم من كل لكنة وإذا وقعت في درج الكلام لم تفتقر إلى شيء.
(الله) علم لا يطلق إلا على المعبود بحقّ خاص لا يشركه فيه غيره وهو مرتجل غير مشتق عند الأكثرين واليه ذهب سيبويه في أحد قوليه فلا يجوز حذف الألف واللام منه وقيل: هو مشتق وإليه ذهب سيبويه أيضا ولهم في اشتقاقه قولان:
آ- ان أصله إلاه على وزن فعال من قولهم: أله الرّجل يأله إلاهة أي عبد عبادة ثم حذفوا الهمزة تخفيفا لكثرة وروده واستعماله ثم أدخلت الألف واللام للتعظيم ودفع الشّيوع الذي ذهبوا إليه من تسمية أصنامهم وما يعبدونه آلهة من دون الله.
ب- أن أصله لاه ثم أدخلت الألف واللام عليه واشتقاقه من لاه يليه إذا تستر كأنّه، سبحانه، يسمّى بذلك لاستتاره واحتجابه عن إدراك الأبصار وما أجمل قول الشريف الرّضي الشاعر: «تاهت العقلاء في ذاته تعالى وصفاته، لاحتجابها بأنوار العظمة.
وتحيّروا أيضا في لفظ الجلالة كأنه انعكس إليه من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين، فاختلفوا: أسريانيّ هو أم عربي؟ اسم أو صفة؟ مشتقّ وممّ اشتقاقه؟ وما أصله؟ أو غير مشتق؟ علم أو غير علم؟» . (الرَّحْمنِ) : صيغة فعلان في اللغة تدل على وصف فعليّ فيه معنى المبالغة للصفات الطارئة كعطشان وغرثان. (الرَّحِيمِ) صيغة فعيل تدل على وصف فعليّ فيه معنى المبالغة للصفات الدائمة الثابتة ولهذا لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر.
* الإعراب:
(بِسْمِ) جار ومجرور متعلقان بمحذوف والباء هنا للاستعانة أو للالصاق، وتقدير المحذوف أبتديء فالجار والمجرور في محل نصب مفعول به مقدم أو ابتدائي فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف وكلاهما جيد و (اللَّهِ) مضاف اليه و (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) صفتان لله تعالى وجملة البسملة ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
* البلاغة:
في البسملة طائفة من فنون البلاغة:
آ- الأولى في متعلق بسم الله أن يكون فعلا مضارعا لأنه الأصل في العمل والتمسّك بالأصل أولى ولأنه يفيد التجدّد الاستمراري وإنما حذف لكثرة دوران المتعلق به على الألسنة وإذا كان المتعلق به اسما فإنه يفيد الديمومة والثبوت كأنما الابتداء باسم الله حتم دائم في كل ما نمارسه من عمل ونردده من قول.
ب- الإيجاز بإضافة العام إلى الخاص ويسمى إيجاز قصر.
ح- إذا جعلنا الباء للاستعانة فيكون في الكلام استعارة مكنية تبعية لتشبيهها بارتباط يصل بين المستعين والمستعان به وإذا جعلنا الباء للالصاق فيكون في الكلام مجاز علاقته المحلية نحو مررت بزيد أي يمكان يقرب منه لا يزيد نفسه.
* الفوائد:
في البسملة فوائد لا يجوز الجهل بها ومنها:
آ- اعلم أن البسملة آية من سورة الحمد وآية من أوائل كل سورة عند الشافعي وليست آية في كل ذلك عند مالك وعند أبي حنيفة وأحمد بن حنبل هي آية من أول الفاتحة وليست آية في غير ذلك، والاحتجاج لذلك مبسوط في كتب الفقه والتفسير فارجع إليها.
ب- لم يوصف بالرحمن في العربية بالألف واللام إلا الله تعالى، وقد نعتت العرب مسيلمة الكذاب به مضافا فقالوا: رحمان اليمامة.
قال شاعر منهم يمدح مسيلمة:
سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
ح- تكتب بسم الله بغير ألف في البسملة خاصة استغناء عنها بباء الاستعانة بخلاف قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» .
د- تحذف الألف من الرحمن لدخول الألف واللام عليها.
هـ- يقال لمن قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: مبسمل وهو ضرب من النحت اللغوي وقد ورد ذلك في شعر لعمر بن أبي ربيعة:
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها ... فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
ومثل بسمل حوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله وهيلل إذا قال: لا إله إلا الله وسبحل إذا قال: سبحان الله وحمدل إذا قال: الحمد لله وحيصل وحيعل إذا قال: حي على الصلاة وحي على الفلاح وجعفل إذا قال: جعلت فداك.
هذا والنحت عند العرب خاص بالنسبة أي أنهم يأخذون اسمين فينحتون منهما اسما واحدا فينسبون إليه كقولهم: حضرميّ وعبقسيّ وعبشيّ نسبة إلى حضرموت وعبد القيس وعبد شمس على أن الفراء ذكر عن بعض العرب: معي عشرة فأحد هنّ لي أي صيرهنّ أحد عشر، وقال الفراء: معنى اللهمّ: يا الله أمّنا بخير أي اقصدنا بخير فكثرت في كلام العرب ونحت العرب من اسمين فقيل عن الصّلدم إنه من الصّلد والصّدم ومنه بلحارث لبني الحارث ولعل الحقّلد وهو السّيء الخلق والثقيل الروح منحوت من الحقد والثقل ونحتوا من فعل وحرف فقالوا: الأزليّ وهو منحوت من لم يزل، ونحتوا من اسم وحرف فقالوا: من من لا شيء تلاشى ونحتوا من حرفين فقال الخليل: إن كلمة (لن) منحوتة من لا وأن وانها تضمّنت بعد تركيبها معنى لم يكن في أصليها مجتمعين وانما أوردنا هذه الأقوال، لا لأنها قاطعة فهي موضع خلاف كما رأيت، ولكننا استأنسنا بها لتتوافر هم المشتغلين باللّغة على النحت ففيه ثروة جديدة للغتنا وتسهيل لكثير من التعابير الحديثة التي نفتقر إليها، فالنحت من أبرز الظواهو في اللغات الأجنبية الحديثة بفضل ما يلحق بالأصل من لواحق سابقة أو لاحقة، أو بفضل ما يعطونه للغتهم من مرونة حين يؤلفون كلمة جديدة من اسمين أو صفتين أو فعلين حى إذا تألفت الكلمة، وأعطت مدلولا خاصا سارت على الأفواه كل مسير، ومن أمثلة ذلك في اللغة الفرنسية قولهم المؤلف من فعل واسم- للمنديل المعد لتنشيف الأيدي وقولهم المؤلف من فعلين:- للإذن المكتوب للمرور وقولهم المؤلف من اسمين: لنوع من طير صغير وغيرها.
وكانت قريش قبل البعثة تكتب في أول كتبها: «باسمك اللهمّ» وكان أميّة بن أبي الصّلت أول من كتب باسمك اللهم إلى أن جاء الإسلام ونزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وروى محمد بن سعد في طبقاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب كما تكتب قريش:
باسمك اللهم حتى نزل قوله تعالى: «وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها» فكتب: باسم الله حتى نزل قوله تعالى: «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» فكتب باسم الله الرحمن حتى نزل قوله تعالى:
«إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم -: " الْحَمد لله رب الْعَالمين، سبع آيَات، إِحْدَاهُنَّ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَهِي السَّبع المثاني، وَهِي أم الْقُرْآن، وَهِي فَاتِحَة الْكتاب ".
قَالَ عَليّ بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه -: " نزلت فَاتِحَة الْكتاب ب " مَكَّة " من [كنز] تَحت الْعَرْش ".
وَقَالَ مُجَاهِد - رَضِي الله عَنهُ - " فَاتِحَة الْكتاب أنزلت بِالْمَدِينَةِ ".
قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لكل عَالم هفوة " وَهَذِه نادرة من مُجَاهِد؛ لِأَنَّهُ تفرد بهَا، وَالْعُلَمَاء على خِلَافه.
وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم أَنَّهَا أول مَا نزل من الْقُرْآن وَأَنَّهَا السَّبع المثاني، [وَسورَة الْحجر مَكِّيَّة] بِلَا خلاف، وَلَا يُمكن القَوْل بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ب " مَكَّة " بضع عشرَة سنة بِلَا فَاتِحَة الْكتاب.
قَالَ بَعضهم: وَيُمكن الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهَا نزلت مرَّتَيْنِ: مرّة ب " مَكَّة "، وَمرَّة ب " الْمَدِينَة ".
وَلها أَسمَاء كَثِيرَة، وَكَثْرَة الْأَسْمَاء تدل على شرف الْمُسَمّى:
فَالْأول: " فَاتِحَة الْكتاب " سميت بذلك؛ لِأَنَّهُ يفْتَتح بهَا فِي الْمَصَاحِف والتعليم، وَالْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة. وَقيل: لِأَنَّهَا أول سُورَة نزلت من السَّمَاء.
الثَّانِي: سُورَة الْحَمد؛ لِأَن أَولهَا لفظ الْحَمد.
الثَّالِث: " أم الْقُرْآن " قيل: لِأَن أم الشَّيْء أَصله، وَيُقَال لمَكَّة: أم الْقرى: لِأَنَّهَا أصل الْبِلَاد، دحيت الأَرْض من تحتهَا.
وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: سَمِعت أَبَا الْقَاسِم بن حبيب قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر الْقفال قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن دُرَيْد يَقُول: " الْأُم فِي كَلَام الْعَرَب الرَّايَة الَّتِي ينصبها الْعَسْكَر ".
قَالَ قيس بن الخطيم: [الوافر]
(37 - نصبنا أمنا حَتَّى ازعرروا ... وصاروا بعد ألفتهم شلالا)
فسميت هَذِه السُّورَة بِأم الْقُرْآن؛ لِأَن مفزع أهل الْإِيمَان إِلَى هَذِه السُّورَة، كَمَا أَن مفزع الْعَسْكَر إِلَى الرَّايَة. وَالْعرب تسمي الأَرْض أما، لِأَن معاد الْخلق إِلَيْهَا فِي حياتهم ومماتهم، وَلِأَنَّهُ يُقَال: أم فلَان فلَانا إِذا قَصده.
وَالرَّابِع: السَّبع المثاني، سميت بذلك؛ قيل: لِأَنَّهَا مثنى نصفهَا ثَنَاء العَبْد للرب، وَنِصْفهَا عَطاء الرب للْعَبد.
وَقيل: لِأَنَّهَا تثنى فِي الصَّلَاة، فتقرأ فِي كل رَكْعَة.
وَقيل: لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاة من سَائِر الْكتب، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أنزلت فِي التَّوْرَاة، وَلَا فِي الْإِنْجِيل، وَلَا فِي الزبُور، وَلَا فِي الْفرْقَان مثل هَذِه السُّورَة، فَإِنَّهَا السَّبع المثاني، وَالْقُرْآن الْعَظِيم ".
وَقيل: لِأَنَّهَا سبع آيَات، كل آيَة تعدل قرَاءَتهَا بِسبع من الْقُرْآن، فَمن قَرَأَ الْفَاتِحَة أعطَاهُ الله - تَعَالَى - ثَوَاب من قَرَأَ كلّ الْقُرْآن.
وَقيل: لِأَنَّهَا نزلت مرَّتَيْنِ: مرّة ب " مَكَّة " وَمرَّة ب " الْمَدِينَة ".
وَقيل: لِأَن آياتها سبع، وأبواب النيرَان سَبْعَة، فَمن قَرَأَهَا غلقت عَنهُ [أَبْوَاب النيرَان السَّبْعَة] .
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَن جِبْرِيل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم -: " يَا مُحَمَّد، كنت أخْشَى الْعَذَاب على أمتك، فَلَمَّا نزلت الْفَاتِحَة أمنت، قَالَ: لم يَا جِبْرِيل؟ قَالَ: لِأَن الله - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَإِن جَهَنَّم لموعدهم أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب لكل بَاب مِنْهُم جُزْء مقسوم﴾ [الْحجر: 43، 44] ، وآياتها سبع، فَمن قَرَأَهَا صَارَت كل آيَة طبقًا على كل بَاب من أَبْوَاب جَهَنَّم، فتمر أمتك عَلَيْهَا سَالِمين ".
وَقيل: لِأَنَّهَا إِذا قُرِئت فِي الصَّلَاة تثنى بِسُورَة أُخْرَى.
وَقيل: سميت مثاني؛ لِأَنَّهَا أثنية على الله تَعَالَى ومدائح لَهُ.
الْخَامِس: " الوافية " كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة - رَضِي الله عَنهُ - يسميها بِهَذَا الِاسْم.
وَقَالَ الثلعبي: وتفسيرها أَنَّهَا لَا تقبل التنصيف، أَلا ترى أَن كل سُورَة من الْقُرْآن لَو قرئَ نصفهَا فِي رَكْعَة، وَالنّصف الثَّانِي فِي رَكْعَة أُخْرَى لجَاز؟ وَهَذَا التنصيف غير جَائِز فِي هَذِه السُّورَة.
السَّادِس: " الوافية " سميت بذلك؛ قيل: لِأَن الْمَقْصُود من كل الْقُرْآن الْكَرِيم تَقْدِير أُمُور أَرْبَعَة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وَإِثْبَات الْقَضَاء وَالْقدر لله - تَعَالَى - فَقَوله: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ [الْفَاتِحَة: 2 - 3] يدل على الإلهيات.
وَقَوله: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ [الْفَاتِحَة: 4] يدل على الْمعَاد.
وَقَوله: ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الْفَاتِحَة: 5] يدل على نفي الْجَبْر، وَالْقُدْرَة على إِثْبَات أَن الْكل بِقَضَاء الله وَقدره.
وَقَوله تَعَالَى ﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ [الْفَاتِحَة: 6] إِلَى آخرهَا يدل - أَيْضا - على إِثْبَات قَضَاء الله - تَعَالَى - وَقدره.
وعَلى النبوات كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السَّابِع: " الكافية " لِأَنَّهَا تَكْفِي عَن غَيرهَا، وَغَيرهَا لَا يَكْفِي عَنْهَا، روى مَحْمُود بن الرّبيع، عَن عبَادَة بن الصَّامِت - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم: " أم الْقُرْآن عوض عَن غَيرهَا، وَلَيْسَ غَيرهَا عوضا عَنْهَا ".
الثَّامِن: " الأساس " قيل: لِأَنَّهَا أول سُورَة من الْقُرْآن، فَهِيَ كالأساس.
وَقيل: إِن أشرف الْعِبَادَات بعد الْإِيمَان هِيَ الصَّلَاة، وَهَذِه السُّورَة مُشْتَمِلَة على كل مَا لَا بُد مِنْهُ فِي الْإِيمَان، وَالصَّلَاة لَا تتمّ إِلَّا بهَا.
التَّاسِع: " الشِّفَاء " عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم: " فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من كل سم ".
وَمر بعض الصَّحَابَة - رَضِي الله عَنْهُم - بِرَجُل مصروع فَقَرَأَ هَذِه السُّورَة فِي أُذُنه، فبرئ، فذكروه لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: " هِيَ أم الْقُرْآن، وَهِي شِفَاء من كل دَاء ".
الْعَاشِر: " الصَّلَاة " قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: يَقُول الله تَعَالَى: " قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ "، وَالْمرَاد هَذِه السُّورَة.
وَقيل: لَهَا أَسمَاء غير ذَلِك.
وَقيل: اسْمهَا " السُّؤَال ".
وَقيل - أَيْضا -: أسمها " الشُّكْر ".
وَقيل: اسْمهَا - أَيْضا - " الدُّعَاء ".
وَقيل: " الرّقية " لحَدِيث الملدوغ.
* فصل فِي فضائلها
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - عَن النَّبِي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم - أَنه قَالَ: " فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من السم ".
وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم -: " إِن الْقَوْم ليَبْعَث الله عَلَيْهِم الْعَذَاب حتما فَيقْرَأ صبي من صبيانهم فِي الْمكتب: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْفَاتِحَة: 2] فيسمعه الله - تَعَالَى - فيرفع عَنْهُم بِسَبَبِهِ الْعَذَاب أَربع سِنِين ".
وَعَن الْحسن - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: " أنزل الله - تَعَالَى - مائَة وَأَرْبَعَة كتب: التَّوْرَاة، وَالْإِنْجِيل، وَالزَّبُور، وَالْفرْقَان، ثمَّ أودع عُلُوم هَذِه الْأَرْبَعَة فِي الْقُرْآن، ثمَّ أودع عُلُوم الْقُرْآن فِي الْمفصل، ثمَّ أودع عُلُوم الْمفصل فِي الْفَاتِحَة، فَمن علم تَفْسِير الْفَاتِحَة، كَانَ كمن علم تَفْسِير جَمِيع كتب الله الْمنزلَة، وَمن قَرَأَهَا، فَكَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالزَّبُور، وَالْفرْقَان ".
وَعَن أبي هُرَيْرَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم - على أبيّ بن كَعْب - رَضِي الله عَنهُ - وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فصاح بِهِ فَقَالَ لَهُ: تَعَالَى يَا أبيّ، فعجّل أبيّ فِي صلَاته، ثمَّ جَاءَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم فَقَالَ: " مَا مَنعك يَا أبيّ أَن تُجِيبنِي، إِذْ دعوتك؟ أَلَيْسَ [الله تَعَالَى يَقُول] : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ﴾ [الْأَنْفَال: 24] قَالَ أبيّ - رَضِي الله عَنهُ - لَا جرم يَا رَسُول الله لَا تَدعُونِي إِلَّا أَجَبْتُك، وَإِن كنت مُصَليا، فَقَالَ: " أَتُحِبُّ أَن أعلمك سُورَة لم تنزل فِي التَّوْرَاة، وَفِي الْإِنْجِيل، وَفِي الزبُور، وَلَا فِي الْفرْقَان مثلهَا "؟ فَقَالَ أبيّ - رَضِي الله عَنهُ -: نعم يَا رَسُول الله، قَالَ: " لَا تخرج من بَاب الْمَسْجِد حَتَّى تتعلمها - وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم يمشي يُرِيد أَن يخرج من الْمَسْجِد، فَلَمَّا بلغ الْبَاب ليخرج، قَالَ أبيّ: السُّورَة يَا رَسُول الله، فَوقف فَقَالَ: " نعم كَيفَ تقْرَأ فِي صَلَاتك "؟ فَقَالَ أبيّ: [إِنِّي أَقرَأ] أم الْقُرْآن، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أنزل فِي التَّوْرَاة، وَلَا فِي الْإِنْجِيل، وَلَا فِي الزبُور، لَا فِي الْقُرْآن مثلهَا، إِنَّهَا السَّبع المثاني الَّتِي آتَانِي الله عز وَجل ".
* القَوْل فِي النُّزُول
ذكرُوا فِي كَيْفيَّة نزُول هَذِه السُّورَة أقوالا:
أَحدهَا: أَنَّهَا مَكِّيَّة، روى الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه - أَنه قَالَ: " نزلت فَاتِحَة الْكتاب ب " مَكَّة " من كنز تَحت الْعَرْش " ثمَّ قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - وروى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: أول مَا نزل من الْقُرْآن: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْفَاتِحَة: 2] ، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم أسر إِلَى خَدِيجَة - رَضِي الله عَنْهَا - فَقَالَ: " لقد خشيت أَن يكون خالطني شَيْء " فَقَالَت: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: إِنَّنِي إِذا خلوت سَمِعت النداء ﴿اقْرَأ﴾ [العلق: 1] ، ثمَّ ذهب إِلَى ورقة بن نَوْفَل، وَسَأَلَهُ عَن تِلْكَ الْوَاقِعَة، فَقَالَ لَهُ ورقة: إِذا أَتَاك النداء، فَاثْبتْ لَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - فَقَالَ لَهُ: قل: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْفَاتِحَة: 1 - 2] .
وبإسناده عَن أبي صَالح، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَامَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظّم وفخّم ب " مَكَّة " فَقَالَ: " بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم "، فَقَالَت قُرَيْش: رضّ الله فَاك.
القَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا نزلت ب " الْمَدِينَة "، روى الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ، عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: " فَاتِحَة الْكتاب أنزلت بِالْمَدِينَةِ ".
قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لكل عَالم هفوة، وَهَذِه هفوة مُجَاهِد؛ لِأَن الْعلمَاء - رَحِمهم الله تَعَالَى - على خِلَافه.
وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه:
الأول: أَن سُورَة الْحجر مَكِّيَّة بالِاتِّفَاقِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ [الْحجر: 87] ، وَهِي فَاتِحَة الْكتاب، وَهَذَا يدل على أَنه - تَعَالَى - آتَاهُ هَذِه السُّورَة فِيمَا تقدم.
وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيل، لِأَن النَّبِي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - قَالَ: " أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد ... " الحَدِيث، فَيكون هَذَا الْإِتْيَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فَإِن منع فِي الْبَعْض فَلَا يمْنَع فِي الشَّفَاعَة.
الثَّانِي: أَنه يبعد أَن يُقَال: إِنَّه أَقَامَ ب " مَكَّة " بضع سِنِين بِلَا فَاتِحَة الْكتاب.
الثَّالِث: قَالَ بعض الْعلمَاء: هَذِه السُّورَة نزلت ب " مَكَّة " مرّة، وب " الْمَدِينَة " مرّة أُخْرَى، فَهِيَ مَكِّيَّة مَدَنِيَّة، وَلِهَذَا السَّبَب سَمَّاهَا الله - تَعَالَى - بالسبع المثاني؛ لِأَنَّهُ ثنى إنزالها، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك؛ مُبَالغَة فِي تشريفها. وأجمعت الْأمة على أَن الْفَاتِحَة سبع آيَات.
وَرُوِيَ شاذا عَن الْحُسَيْن الْجعْفِيّ: أَنَّهَا سِتّ آيَات، وأجمعت الْأمة - أَيْضا - على أَنَّهَا من الْقُرْآن.
وَنقل الْقُرْطُبِيّ: أَن الْفَاتِحَة مثبتة فِي مصحف ابْن مَسْعُود - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ -
﴿سْمِ﴾ اسم، من مادّة (سمو)، مذكر، مجرور.
﴿ٱللَّهِ﴾ علم، من مادّة (أله).
﴿ٱل﴾، ﴿رَّحْمَٰنِ﴾ اسم، من مادّة (رحم)، مذكر، مفرد، مجرور، نعت.
﴿ٱل﴾، ﴿رَّحِيمِ﴾ اسم، من مادّة (رحم)، مذكر، مفرد، مجرور، نعت.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْمَحْذُوفُ فِعْلٌ تَقْدِيرُهُ ابْتَدَأْتُ، أَوْ أَبْدَأُ، فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْمَحْذُوفِ، وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنَ الْخَطِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَوْ قُلْتَ لِاسْمِ اللَّهِ بَرَكَةٌ أَوْ بِاسْمِ رَبِّكَ، أَثْبَتَّ الْأَلِفَ فِي الْخَطِّ.
وَقِيلَ حَذَفُوا الْأَلِفَ ; لِأَنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى سِمٍ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي اسْمٍ.
وَلُغَاتُهُ خَمْسٌ: سِمٌ بِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا، اسْمٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا، وَسُمَى مِثْلُ ضُحَى.
وَالْأَصْلُ فِي اسْمٍ: سُمُوٌ فَالْمَحْذُوفُ مِنْهُ لَامُهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي جَمْعِهِ أَسْمَاءُ وَأَسَامِي وَفِي تَصْغِيرِهِ «سُمَيٌّ» وَبَنَوْا مِنْهُ فَعِيلًا، فَقَالُوا فُلَانٌ سَمِيُّكَ: أَيِاسْمُهُ كَاسْمِكَ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ سَمَّيْتُ وَأَسْمَيْتُ ; فَقَدْ رَأَيْتَ كَيْفَ رَجَعَ الْمَحْذُوفُ إِلَى آخِرِهِ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَصْلُهُ وَسَمَ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَسْمِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى فَاسِدٌ اشْتِقَاقًا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الِاسْمُ؟ .
قِيلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْمَ هُنَا بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ، وَالتَّسْمِيَةُ غَيْرُ الِاسْمِ ; لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ اللَّازِمُ لِلْمُسَمَّى، وَالتَّسْمِيَةُ هُوَ التَّلَفُّظُ بِالِاسْمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ بِاسْمِ مُسَمَّى اللَّهِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ اسْمًا زِيَادَةٌ ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا وَقَوْلُ الْآخَرِ: دَاعٍ يُنَادِيهِ بِاسْمِ الْمَاءِ أَيِ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا، وَنُنَادِيهِ بِالْمَاءِ.
وَالْأَصْلُ فِي اللَّهِ الْإِلَاءُ، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى لَامِ الْمَعْرِفَةِ ثُمَّ سُكِّنَتْ وَأُدْغِمَتْ فِي اللَّامِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ فُخِّمَتْ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، [وَرُقِّقَتْ إِذَا كَانَتْ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ] وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَقِّقُهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَالتَّفْخِيمُ فِي هَذَا الِاسْمِ مِنْ خَوَاصِّهِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هَمْزَةُ إِلَاهٍ حُذِفَتْ حَذْفًا مِنْ غَيْرِ إِلْقَاءٍ، وَهَمْزَةُ إِلَاهٍ أَصْلٌ ; وَهُوَ مِنْ أَلِهَ يَأْلَهُ إِذَا عُبِدَ، فَالْإِلَهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ أَيِ الْمَأْلُوهِ، وَهُوَ الْمَعْبُودُ.
وَقِيلَ أَصْلُ الْهَمْزَةِ وَاوٌ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْوَلَهِ، فَالْإِلَهُ تَوَلَّهُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ ; أَيْ تَتَحَيَّرُ.
وَقِيلَ أَصْلُهُ لَاهُ عَلَى فَعِلَ، وَأَصْلُ الْأَلِفِ يَاءٌ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي مَقْلُوبِهِ لَهِيَ أَبُوكَ ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صِفَتَانِ مُشْتَقَّتَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ.
وَالرَّحْمَنُ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ.
وَفِي الرَّحِيمِ مُبَالَغَةٌ أَيْضًا ; إِلَّا أَنَّ فَعْلَانًا أَبْلَغُ مِنْ فَعِيلٍ.
وَجَرُّهُمَا عَلَى الصِّفَةِ ; وَالْعَامِلُ فِي الصِّفَةِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ كَوْنُهَا تَبَعًا وَيَجُوزُ نَصْبُهُمَا عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي، وَرَفْعُهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1].
اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَتْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ بِآيَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ اسْتِفْتَاحٌ لِيُعْلَمَ بِهَا مُبْتَدَؤُهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، قَوْلًا وَاحِدًا؛ وَهَلْ تَكُونُ آيَةً فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ؟ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ فَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ مِنْ قِسْمِ التَّوْحِيدِ وَالنَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَطَرِيقِ إثْبَاتِهِ قُرْآنًا، وَوَجْهُ اخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْهُ، فَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَأَشَرْنَا إلَى بَيَانِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ، وَوَدِدْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ لَهُ فَفِيهَا إشْكَالٌ عَظِيمٌ.
وَنَرْجُو أَنَّ النَّاظِرَ فِي كَلَامِنَا فِيهَا سَيَمْحِي عَنْ قَلْبِهِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ سَدَلَ مِنْ إشْكَالٍ بِهِ.
فَائِدَةُ الْخِلَافِ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ: إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، فَتَدْخُلُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] فِي الْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ، أَوْ فِي الِاسْتِحْبَابِ [كَذَلِكَ].
وَيَكْفِيَك أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَالْقُرْآنُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَإِنَّ إنْكَارَ الْقُرْآنِ كُفْرٌ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَكَانَ مُدْخِلُهَا فِي الْقُرْآنِ كَافِرًا؛ قُلْنَا: الِاخْتِلَافُ فِيهَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ تَكُونَ آيَةً، وَيَمْنَعُ مِنْ تَكْفِيرِ مَنْ يَعُدُّهَا مِنْ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ الْكُفْرَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فِي أَبْوَابِ الْعَقَائِدِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ؟ قُلْنَا: لَا تَجِبُ، فَإِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوَى «أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] وَنَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ».
فَإِنْ قِيلَ: الصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ شَيْئًا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ.
قُلْنَا: وَهَذَا يَكُونُ تَأْوِيلًا لَا يَلِيقُ بِالشَّافِعِيِّ لِعَظِيمِ فِقْهِهِ، وَأَنَسٍ وَابْنِ مُغَفَّلٍ إنَّمَا قَالَا هَذَا رَدًّا عَلَى مَنْ يَرَى قِرَاءَةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ قِرَاءَتَهَا، وَقَدْ تَوَلَّى الدَّارَقُطْنِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي جُزْءٍ صَحَّحَهُ.
قُلْنَا: لَسْنَا نُنْكِرُ الرِّوَايَةَ، لَكِنَّ مَذْهَبَنَا يَتَرَجَّحُ بِأَنَّ أَحَادِيثَنَا؛ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَإِنَّهَا أَصَحُّ، وَبِوَجْهٍ عَظِيمٍ وَهُوَ الْمَعْقُولُ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ انْقَضَتْ عَلَيْهِ الْعُصُورُ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْأَزْمِنَةُ مِنْ لَدُنْ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى زَمَانِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ [قَطُّ]
فِيهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ.
بَيْدَ أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَحَبُّوا قِرَاءَتَهَا فِي النَّفْلِ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي قِرَاءَتِهَا.
[مَسْأَلَةٌ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يَقُولُ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَقُولُ تَعَالَى: مَجَّدَنِي عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يَقُولُ الْعَبْدُ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يَقُولُ اللَّهُ: فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
فَقَدْ تَوَلَّى سُبْحَانَهُ قِسْمَةَ الْقُرْآنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ، مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلَاثًا غَيْرَ تَمَامٍ».
قالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا مَن ذَكَرْناهم فَلا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّهم ذَوُوا قَراباتِهِ، وأمّا بَنُو المُطَّلِبِ فَهم وبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ في القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَواءٌ، فَإنْ وجَبَ أنْ يَدْخُلُوا في القَرابَةِ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ فَواجِبٌ أنْ يَكُونَ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ مِثْلَهم لِمُساواتِهِمْ إيّاهم في الدَّرَجَةِ، فَأمّا إعْطاؤُهُمُ الخُمُسَ فَإنَّما خُصَّ هَؤُلاءِ بِهِ دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ بِالنُّصْرَةِ لِأنَّهُ قالَ: «لَمْ يُفارِقُونِي في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ» وأمّا الصَّدَقَةُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ تَحْرِيمُها بِالنُّصْرَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الفُقَهاءِ، فَثَبَتَ أنَّ بَنِي المُطَّلِبِ لَيْسُوا مِن آلِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، ومَوالِي بَنِي هاشِمٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ ولا قَرابَةَ لَهم ولا يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الخُمُسِ شَيْئًا بِالقَرابَةِ «؛ وقَدْ سَألَتْهُ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها خادِمًا مِنَ الخُمُسِ فَوَكَّلَها إلى التَّكْبِيرِ والتَّحْمِيدِ ولَمْ يُعْطِها» .
فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَمْ يُعْطِها لِأنَّها لَيْسَتْ مِن ذَوِي قُرْباهُ لِأنَّها أقْرَبُ إلَيْهِ مِن ذَوِي قُرْباهُ. قِيلَ لَهُ فَقَدْ خاطَبَ عَلِيًّا بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو مِن ذَوِي القُرْبى، وقالَ لِبَعْضِ بَناتِ عَمِّهِ حِينَ ذَهَبَتْ مَعَ فاطِمَةَ إلَيْهِ تَسْتَخْدِمُهُ: «سَبَقَكُنَّ يَتامى بَدْرٍ» وفي يَتامى بَدْرٍ مَن لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي هاشِمٍ لِأنَّ أكْثَرَهم مِنَ الأنْصارِ، ولَوِ اسْتَحَقَّتا بِالقَرابَةِ شَيْئًا لا يَجُوزُ مَنعُهُما إيّاهُ لَما مَنَعَهُما حَقَّهُما ولا عَدَلَ بِهِما إلى غَيْرِهِما؛ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ سَهْمَهم مِنَ الخُمُسِ أمْرُهُ كانَ مَوْكُولًا إلى رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ في أنْ يُعْطِيَهُ مَن شاءَ مِنهم، والثّانِي: أنَّ إعْطاءَهم مِنَ الخُمُسِ أوْ مَنعَهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ.
وأمّا مَن قالَ إنَّ قَرابَةَ النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشٌ كُلُّها فَإنَّهُ يَحْتَجُّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ نَزَلَتْ: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا بَنِي فِهْرٍ يا بَنِي عَدِيٍّ يا بَنِي فُلانٍ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «يا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وأنَّهُ قالَ: يا بَنِي هاشِمٍ يا بَنِي قُصِيٍّ يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعَلِيٍّ: «اجْمَعْ لِي بَنِي هاشِمٍ وهم أرْبَعُونَ رَجُلًا» . قالُوا: فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ قُرَيْشًا كُلَّها مِن أقْرِبائِهِ وكانَ إعْطاءُ السَّهْمِ مِنَ الخُمُسِ مَوْكُولًا إلى رَأْيِ النَّبِيِّ ﷺ أعْطاهُ مَن كانَ لَهُ مِنهم نُصْرَةٌ دُونَ غَيْرِهِمْ.
قالَ أبُو بَكْرٍ: اسْمُ القَرابَةِ واقِعٌ عَلى هَؤُلاءِ كُلِّهِمْ لِدُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُ الجَمِيعَ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِذَوِي قُرْبى النَّبِيِّ ﷺ أحْكامٌ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: اسْتِحْقاقُ سَهْمٍ مِنَ الخُمُسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ [الأنفال: ٤١] وهُمُ الفُقَراءُ مِنهم عَلى الشَّرائِطِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها عَنِ المُخْتَلِفِينَ فِيها، والثّانِي: تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ وهم آلُ عَلِيٍّ وآلُ العَبّاسِ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعْفَرٍ ووَلَدُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهَؤُلاءِ هم أهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ولا حَظَّ لِبَنِي المُطَّلِبِ في هَذا الحُكْمِ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ولَوْ كانُوا مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لَكانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ مِن أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ومِن آلِهِ، ولا خِلافَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ بَنُو المُطَّلِبِ لِمُساواتِهِمْ إيّاهُ في نَسَبِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ والثّالِثُ: تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ؛ فانْتَظَمَ ذَلِكَ بُطُونَ قُرَيْشٍ كُلَّها عَلى ما ورَدَ بِهِ الأثَرُ في إنْذارِهِ إيّاهم عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ عَشِيرَتَهُ الأقْرَبِينَ بِالإنْذارِ لِأنَّهُ أبْلَغُ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ في الدُّعاءِ إلى الدِّينِ وأقْرَبُ إلى نَفْيِ المُحاباةِ والمُداهَنَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّ سائِرَ النّاسِ إذا عَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَحْتَمِلْ عَشِيرَتَهُ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وأنْذَرَهم ونَهاهم أنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ مِنهم؛ إذْ لَوْ جازَتِ المُحاباةُ في ذَلِكَ لِأحَدٍ لَكانَتْ أقْرِباؤُهُ أوْلى النّاسِ بِها.
والمُضْمَرُ في هَذا المَوْضِعِ إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا أوْ أمْرًا.
فَإذا كانَ خَبَرًا فَمَعْناهُ: ابْدَأْ بِسْمِ اللَّهِ، ودَلَّ الكَلامُ عَلى هَذا الضَّمِيرِ لِأنَّ القارِئَ مُبْتَدِئٌ، والحالُ المُشاهَدَةُ مُنْبِئَةٌ عَنْهُ، ومُغْنِيَةٌ عَنْ ذِكْرِهِ.ومَعْنى الأمْرِ: ابْدَءُوا بِسْمِ اللَّهِ.
ودَلَّ عَلى الأمْرِ قَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَهُما بِالضَّمِيرِ، لِأنَّ الضَّمِيرَ يَحْتَمِلُهُما، ولَوْ صَرَّحَ بِأحَدِهِما امْتَنَعَتْ إرادَةُ الآخَرِ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ»، فَإنَّ الحُكْمَ لَمّا تَعَلَّقَ بِضَمِيرٍ يَحْتَمِلُ رَفْعَ الحُكْمِ رَأْسًا، ويَحْتَمِلُ المَأْثَمَ فَلا تَبْعُدُ إرادَتُهُما، ولَوْ صَرَّحَ بِأحَدِهِما ولَمْ يَجُزْ إرادَةُ الثّانِي.وقَدْ يَجِيءُ مِنَ الضَّمِيرِ المُحْتَمِلِ لِلْأمْرَيْنِ، ما لا يَصِحُّ إرادَتُهُما جَمِيعًا مَعًا، فَيَلْحَقُ ذَلِكَ بِقِسْمِ المُجْمَلِ، كَقَوْلِهِ: «الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وحُكْمُهٌ مُتَعَلِّقٌ بِضَمِيرٍ يَحْتَمِلُ جَوازَ العَمَلِ، ويَحْتَمِلُ فَضِيلَتَهُ، وإرادَةَ الجَوازِ تَنْفِي إرادَةَ الفَضِيلَةِ، وإرادَةُ الفَضِيلَةِ تَقْتَضِي إثْباتَ حُكْمِ شَيْءٍ مِنهُ لا مَحالَةَ، مَعَ إلْحاقِ النُّقْصانِ فِيهِ ونَفْيِ الفَضِيلَةِ عَنْهُ، ويَسْتَحِيلُ إرادَةَ نَفْيِ الفَضِيلَةِ والأصْلِ جَمِيعًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ احْتِمالُ الضَّمِيرِ لِلْأمْرَيْنِ مُوجِبًا عُمُومًا مِن حَيْثُ الصِّيغَةُ، ولَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ إرادَتَهُما، فَإنَّ مَعْنى العُمُومِ: اشْتِمالُ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْنِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، ولَيْسَ مُجْمَلًا أيْضًا فَإنَّ إرادَةَ الكُلِّ جائِزَةٌ.
والفَوائِدُ الَّتِي يَنْتَظِمُها قَوْلُهُ: ”بِسْمِ اللَّهِ“ .الأمْرُ بِاسْتِفْتاحِ الأُمُورِ بِها تَبَرُّكًا بِذَلِكَ.
وذِكْرُها عَلى الذَّبِيحَةِ. وشِعارٌ مِن شَعائِرِ الدِّينِ.
وطَرْدُ الشَّيْطانِ، كَما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إذا سَمّى العَبْدُ اللَّهَ تَعالى عَلى طَعامِهِ لَمْ يَنَلْ مِنهُ الشَّيْطانُ، فَإذا لَمْ يُسَمِّهِ نالَ مِنهُ مَعَهُ» .وفِيهِ إظْهارُ مُخالَفَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَتِحُونَ أُمُورَهم بِذِكْرِ الأصْنامِ أوْ غَيْرِها مِنَ المَخْلُوقِينَ.وهُوَ مَفْزَعُ الخائِفِ.
ودَلالَةٌ مِن قائِلِهِ عَلى انْقِطاعِهِ إلى اللَّهِ.
وأُنْسٌ لِلسّامِعِ.
وإقْرارٌ بِالأُلُوهِيَّةِ.
واعْتِرافٌ بِالنِّعْمَةِ.
واسْتَغاثَةٌ بِاللَّهِ.
وعِبادَةٌ لَهُ.
وفِيهِ اسْمانِ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى لا يُسَمّى بِهِما غَيْرُهُ: وهو اللَّهُ والرَّحْمَنُ، وهو أشْهَرُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ كُلُّ اسْمٍ، فَيُقالُ: الرَّؤُوفُ والكَرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّهِ، ولا يُقالُ: اللَّهُ مِن أسْماءِ الكَرِيمِ.
علّمنا الله - تقدّست أسماؤه - كيف ينبغي أن نحمده ونقدّسه، ونثني عليه بما هو أهله، فقال ما معناه: يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي فقولوا: الحمد لله رب العالمين، اشكروني على إحساني وجميلي إليكم، فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإيجاد، ربّ الإنس والجن والملائكة، وربّ السماوات والأرضين، وأنا الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمّ فضله جميع الأنام، فالثناء والشكر لله رب العالمين، دون ما يعبد من دونه، بما أنعم على عباده من الخلق والرزق وسلامة الجوارح، وهداية الخلق إلى سعادة الدنيا والآخرة، فهو السّيّد الذي لا يبلغ سؤدده أحد، والمصلح أمر عباده بما أودع في هذا العالم من نظام، يرجع كلّه بالمصلحة على عالم الإنسان والنبات والحيوان، فمن شمسٍ لولاها ما وجدت حياة ولا موت، ومن غذاءٍ به قوام البشر، ومياه بها حياة النبات والحيوان، وأنا المالك للجزاء والحساب، المتصرف في يوم الدين، تصرّف المالك في ملكه، فخصوني بالعبادة دون سواي، وقولوا لك اللهمّ نذلّ ونخضع، ونستكين ونخشع، ونخصّك بالعبادة، ولا نعبد أحداً سواك، وإيّاك ربّنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإنك المستحقّ لكل إجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عوننا أحد سواك.
فثبتنا يا ألله على الإسلام دينك الحق، الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، وثبتنا على الإيمان، واجعلنا ممّن سلك طريق المقربين، طريق النبيّين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ولا تجعلنا يا ألله من الحائرين عن قصد السبيل، السالكين غير المنهج القويم، من الذين ضلّوا عن شريعتك القدسية، وكفروا بآياتك ورسلك وأنبيائك، فاستحقوا اللعنة والغضب إلى يوم الدين. . اللهمّ آمين. معاني الفاتحة في «ظلال القرآن»
يقول سيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ في تفسيره «الظلال» ما نصه:
(يردّد المسلم هذه السورة القصيرة، ذات الأيات السبع، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن، ولا تصح صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .
إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجهات ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة.
تبدأ السورة ب (بسم الله الرحمن الرحيم) والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أول ما نزل من القرآن باتفاق، وهو قوله تعالى: {{اقرأ باسم رَبِّكَ}} العلق: 1 وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أنّ الله (الأول، والآخر، والظاهر، والباطن) فهو سبحانه الموجود الحق الذي يستمد منه كل موجودٍ وجودَه، ويبدأ منه كل مبدوءٍ بدأه، فباسمه إذن يكون كل ابتداء، وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه.
وإذا كان البدء باسم الله، وما ينطوي عليه من توحيد لله، وأدبٍ معه، يمثّل الكلّية الأولى في التصور الإسلامي، فإن استغراق معاني الرحمة في صفتي (الرحمن الرحيم) يمثّل الكليّة الثانية في هذا التصور، ويقرّر حقيقة العلاقة بين الله والعباد وعقب البدء ب {{بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ}} يجيء التوجه إلى الله بالحمد، ووصفُه بالربوبية المطلقة، يمثّل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله، والحمد هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن، فإن وجوده ابتداءً ليس إلا فيضاً من فيوضات النعمة الإلهية، وفي كل لمحة، وفي كل لحظة، وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله، وتغمر الخلائق كلها، وبخاصة هذا الإنسان.
والربوبية المطلقة: هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل، والغَبَش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة، وشمولُ هذه الربوبية للعالمين جميعاً، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة، لتتّجه العوالم كلها إلى ربّ واحد، تقرّ له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة.
وتبدوا العقيدة الإسلامية: في كمالها وتناسقها رحمة. . رحمةً حقيقية للقلب والعقل، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق، وقربٍ وأنس، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق.
ثم تأتي هذه الصفة {{الرحمن الرَّحِيمِ}} التي تستغرق كلّ معاني الرحمة، وحالاتها ومجالاتها، تتكرر هنا في صلب السورة في آية مستقلة لتؤكد تلك الربوبية الشاملة، ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الربّ ومربوبيه، وبين الخالق ومخلوقاته. . إنها صلة الرحمة والرعاية، التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة النديّة.
والتعبير بقوله: {{مالك يَوْمِ الدين}} يمثّل الكليّة الضخمة، العميقة التأثير، كلية الاعتقاد بالآخرة. والاعتقادُ بيوم الدين كلية من كليّات العقيدة الإسلامية ذات قيمة هامة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالَم آخر، وهو مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا، والصور المشوّهة المنحرفة التي لم يُقدّر لها الكمال، وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع، ما لم تتحقّق هذه الكلية في تصور البشر، وما لم يثق الفرد المحدود بأنّ له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها وأن يضحّي في سبيلها. وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعورٍ، ولا خُلُق، ولا سلوك، ولا عمل، فهما صنفان مختلفان من الخَلْق، وطبيعتان متميّزتان، لا تلتقيان في الأرض في عمل، ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء. . وهذا هو مفرق الطريق.
وقوله: {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}} هذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة، فلا عبادة إلاّ لله، ولا استعان إلاّ بالله.
وهنا كذلك مفرق طريق. . مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية، وبين العبودية المطلقة للعبيد، وهي تعلن ميلاد التحرر البشري، الكامل الشامل.
ولقد درج (الغربيون) على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم: «قهر الطبيعة» ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية، المقطوعة الصلة بالله، وبروح الكون المستجيب لله، فأمّا المسلم الموصول القلب بربه الرحمن الرحيم الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبّحة لله رب العالمين، فيؤمن بأن هناك علاقة أخرى، غير علاقة القهر والجفوة، إنه يعتقد بأن الله هو مبدع هذه القُوى جميعاًِ، خلقها كلها وفق ناموس واحد، وسخّرها للإنسان ابتداءً، ويسّر له كشف أسرارها، ومعرفة قوانينها، وأنّ على الإنسان أن يشكر الله كلّما هيأ لَه أن يظفر بمعونة من إحداها، فالله هو الذي يسخّرها وليس هو الذي يقهرها
{{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ}} الجاثية: 13 .
وبعد تقرير تلك الكليّات الأساسية في التصور الإسلامي، يبدأ في التطبيق العملي {{اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين}} . فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته، وهو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين، وهذا الأمر أعظم ما يطلبه المؤمن من ربه، فالهداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله، الذي ينسّق بين حركة الإنسان، وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين، ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم {{صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}} فهو طريق الذين قسم لهم نعمته، لا طريق الذين غضب الله عليهم. . إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين.
ولعلَّ ذلك يكشف لنا عن سرّ من أسرار اختيار السورة ليردّدها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة، أو ما شاء الله أن يردّدها كلّما قام يدعوه في الصلاة.
اللطيفة الأولى: أمر الباري - جل وعلا - بالتعوذ عند قراءة القرآن: {{فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم}} النحل: 98 .
قال جعفر الصادق: «إنه لا بد قبل القراءة من التعوذ، وأما سائر الطاعات فإنه لا يتعوذ فيها، والحكمة فيه أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة، والنميمة، فأمر الله تعالى العبد بالتعوذ ليصير لسانه طاهراً، فيقرأ بلسان طاهر، كلاماً أنزل من رب طيب طاهر» .
اللطيفة الثانية: المشهور عند أهل اللغة أن البسملة هي قول القائل: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وقد اشتهر هذا في الشعر والنثر، قال الشاعر:
لقد بسملَتْ ليلَى غداةَ لقيتُها ... فيها حبّذَا ذاك الحبيبُ المبسملُ
وفي افتتاح القرآن الكريم بهذه الآية إرشادٌ لنا أن نستفتح بها كلّ أفعالنا وأقوالنا، وقد جاء في الحديث الشريف: «كلّ أمرٍ ذي بال لا يُبْدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر» أي ناقص.
فإن قيل: لماذا نقول بسم الله، ولا نقول بالله؟
فالجواب كما قال العلامة أبو السعود: هو التفريق بين اليمين والتيمّن يعني التبرك، فقول القائل: بالله يحتمل القسم ويحتمل التبرك. فذكر الاسم يدل على إرادة التبرك والاستعانة بذكره تعالى، ويقطع احتمال إرادة القسم.
اللطيفة الثالثة: يرى بعض العلماء أنّ الاسم هو عين المسمّى، فقول القائل: (بسم الله) كقوله: (بالله) وأن لفظ الاسم مقحم كما في قول لبيد بن ربيعة:
إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
أي ثمّ السلام عليكما، وقد ردّ هذا شيخ المفسرين ابن الطبري.
قال ابن جرير الطبري: لو جاز ذلك وصحّ تأويله فيه على ما تأول لجاز أن يُقال: رأيت اسم زيد، وأكلتُ اسم الطعام، وشربت اسم الدواء، وفي إجماع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويله، ويقال لهم: أتستجيزون في العربية أن يُقال: أكلتُ اسم العسل، يعني أكلتُ العسل؟
أقول: الصحيح ما قاله المحققون من المفسّرين إنّ ذلك للتفريق بين اليمين والتبرك.
قال العلامة أبو السعود: وإنما قال (بسم الله) ولم يقل (بالله) وذلك للتفريق بين اليمين والتيمن، يعني (التبرك) ، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة، فذكر الاسم لينقطع احتمال إرادة المسمّى، ويتعيّن حمل الباء على الاستعانة أو التبرك.
اللطيفة الرابعة: الفرق بين لفظ (الله) ولفظ (الإله) أن الأول اسم علم للذات المقدسّة لا يشاركه فيه غيره، ومعناه المعبود بحق، والثاني يطلق على الله تعالى وعلى غيره، وهو مشتق من (ألَهَ) ومعناه المعبود، سواءً كان بحق أو غير حق، فالأصنام التي كان يعبدها العرب تسمّى (آلهة) جمع (إله) لأنها عُبدت بباطل من دون الله، وما كان أحد يسمى الصنم (الله) بل كان العربي في الجاهلية إذا سئل: من خلقك؟ أو من خلق السماوات والأرض؟ يقول: الله، وفيهم يقول القرآن الكريم: {{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ... }} لقمان: 25 .
اللطيفة الخامسة: في قولنا (بسم الله الرحمن الرحيم) فوائد جليلة، منها التبرك بذكر اسم الله تعالى، والتعظيم لله عَزَّ وَجَلَّ، وطرد للشيطان لأنه يهرب من ذكر اسم الله، وفيها إظهار لمخالفة المشركين، الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو غيرها من المخلوقين الذين كانوا يعبدونهم، وفيها أمان للخائف ودلالة على انقطاع قائلها إلى الله تعالى، وفيها إقرار بالألوهية، واعتراف بالنعمة، واستعانة بالله تعالى، وفيها اسمان من أسمائه تعالى المخصوصة به وهما (الله) و (الرحمن) .
أولاً: {{بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ}} الجار والمجرور في {{بِسمِ الله}} اختلف فيه النحويون على وجهين:
أ - مذهب البصريين: أنه في موضع رفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ابتدائي بسم الله.
ب - مذهب الكوفيين: أنه في موضع نصب بفعل مقدّر وتقديره: ابتدأتُ بسم الله.
الحكم الأول: هل البسملة آية من القرآن؟
أجمع العلماء على أن البسملة الواردة في سورة النمل 30 هي جزء من آية في قوله تعالى: {{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم}} ولكنهم اختلفوا هل هي آية من الفاتحة، ومن أول كل سورة أم لا؟ على أقوال عديدة:
الأول: هي آية من الفاتحة، ومن كل سورة، وهو مذهب الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ.
الثاني: ليست آية لا من الفاتحة، ولا من شيء من سور القرآن، وهو مذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ.
الثالث: هي آية تامة من القرآن أُنزلت للفصل بين السور، وليست آية من الفاتحة وهو مذهب أبو حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ.
دليل الشافعية:
استدل الشافعية على مذهبهم بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:
أولاً - حديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسبعُ المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم أحدُ آياتها» .
ثانياً - حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم» . ثالثاً - حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنه سئل عن قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: كانت قراءته مدّاً. . ثمّ قرأ {{بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين ... }} .
رابعاً: حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنه قال: (بينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاؤة، ثمّ رفع رأسه متبسّماً، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت عليّ آنفاً سورة، فقرأ: {{بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر}} الكوثر: 1 - 3 .
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن البسملة آية من كل سورة من سور القرآن أيضاً، بدليل أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأها في سورة الكوثر.
خامساً: واستدلوا أيضاً بدليل معقول، وهو أن المصحف الإمام كُتبت فيه البسملة في أول الفاتحة، وفي أول كل سورة من سور القرآن، ما عدا سورة (براءة) ، وكتبت كذلك في مصاحف الأمصار المنقولة عنه، وتواتر ذلك مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصحف ما ليس من القرآن، وكانوا يتشدّدون في ذلك، حتى إنهم منعوا من كتابة التعشير، ومن أسماء السّور، ومن الإعجام، وما وُجِد من ذلك أخيراً فقد كتب بغير خطّ المصحف، وبمداد غير المداد، حفظاً للقرآن أن يتسرّب إليه ما ليس منه، فلما وجدت البسملة في سورة الفاتحة، وفي أوائل السور دلّ على أنه آية من كل سورة من سور القرآن. دليل المالكية:
واستدل المالكية على أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من القرآن وإنما هي للتبرك بأدلة نوجزها فيما يلي:
أولاً: حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالت: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله ربِّ العالمين»
ثانياً: حديث أنس كما في «الصحيحين» قال: «صلّيتُ خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين» .
وفي رواية لمسلم: (لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) لا في أول قراءة ولا في آخرها) .
ثالثاً: ومن الدليل أنها ليست آية من الفاتحة حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: قال الله عزّ وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد: {{الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين}} . قال الله تعالى: حمدني عبدي.
وإذا قال العبد: {{الرحمن الرحيم}} . قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي.
وإذا قال العبد: {{مالك يَوْمِ الدين}} . قال الله تعالى: مجدّني عبدي - وقال مرة فوّض إليّ عبدي -.
فإذا قال: {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}} . قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل.
فإذا قال: {{اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين}} . قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» .
قالوا: فقوله سبحانه: «قسمت الصلاة» يريد الفاتحة، وسمّاها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فلو كانت البسملة آية من الفاتحة لذكرت في الحديث القدسي.
رابعاً: لو كانت البسملة من الفاتحة لكان هناك تكرار في {{الرحمن الرحيم}} في وصفين وأصبحت السورة كالآتي: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم) وذلك مخلّ ببلاغة النظم الجليل.
خامساً: كتابتها في أوائل السور إنما هو للتبرك، ولامتثال الأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور، وهي وإن تواتر كتبُها في أوائل السور، فلم يتواتر كونها قرآناً فيها.
قال القرطبي: «الصحيحُ من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقهُ التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه.
قال ابن العربي: ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه. والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن (البسملة) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلاَّ في النمل وحدها.
ثم قال: إنّ مذهبنا يترجّح في ذلك بوجه عظيم وهو المعقول، وذلك أن مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرّت عليه الأزمنة، والدهور من لدن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قطّ (بسم الله الرحمن الرحيم) اتّباعاً للسُنّة، وهذا يردّ ما ذكرتموه، بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل، وعليه تُحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك «.
دليل الحنفية:
وأما الحنفية: فقد رأوا أنّ كتابتها في (المصحف) يدل على أنها قرآن ولكن لا يدل على أنها آية من سورة، والأحاديث الواردة التي تدل على عدم قراءتها جهراً في الصلاة مع الفاتحة تدل على أنها ليست من الفاتحة، فحكموا بأنها آية من القرآن تامة - في غير سورة النمل - أنزلت للفصل بين السور.
ومما يؤيد مذهبهم: ما روي عن الصحابة أنهم قالوا:» كنا لا نعرف انقضاء السور حتى تنزل (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وكذلك ما روي عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم» .
قال الإمام أبو بكر الرازي: «وقد اختلف في أنها آية من فاتحة الكتاب أم لا، فعدّها قرّاء الكوفة آية منها، ولم يعدّها قرّاء البصريين، وقال الشافعي: هي آية منها وإنْ تركها أعاد الصلاة، وحكى شيخنا (أبو الحسن الكرخي) عدم الجهر بها، ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها، وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد، لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها آية من (فاتحة الكتاب) أو ليست بآية منها، ولم يعدّها أحد آية من سائر السور» .
ثم قال: «ومما يدل على أنها ليست من أوائل السور، ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له {{تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك}} الملك: 1 » واتفق القرّاء وغيرهم أنها ثلاثون سوى (بسم الله الرحمن الرحيم) فلو كانت منها كانت إحدى وثلاثين وذلك خلاف قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. ويدل عليه أيضاً اتفاق جميع قرّاء الأمصار وفقهائهم على أن سورة (الكوثر) ثلاث آيات، وسورة (الإخلاص) أربع آيات، فلو كانت منها لكانت أكثر ممّا عدّوا «.
الترجيح:
وبعد استعراض الأدلة وما استدل به كل فريق من أئمة المذاهب نقول: لعلّ ما ذهب إليه الحنفية هو الأرجح من الأقوال، فهو المذهب الوسط بين القولين المتعارضين، فالشافعية يقولون إنها آية من الفاتحة ومن أول كل سورة في القرآن، والمالكية يقولون: ليست بآية لا من الفاتحة ولا من القرآن {{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}} البقرة: 148 ولكنْ إذا أمعنا النظر وجدنا أن كتابتها في المصحف، وتواتر ذلك بدون نكير من أحد - مع العلم بأنّ الصحابة كانوا يجرّدون المصحف من كل ما ليس قرآناً - يدلّ على أنها قرآن، لكن لا يدل على أنها آية من كل سورة، أو آية من سورة الفاتحة بالذات، وإنما هي آية من القرآن وردت للفصل بين السور، وهذا ما أشار إليه حديث ابن عباس السابق (إنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان لا يعرف فصل السور حتى ينزل عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم) ويؤكد أنها ليست من أوائل السور أن القرآن نزل على مناهج العرب في الكلام، والعربُ كانت ترى التفنّن من البلاغة، لا سيّما في افتتاحاتها، فلو كانت آية من كل سورة لكان ابتداء كلّ السور على منهاجٍ واحد، وهذا يخالف روعة البيان في معجزة القرآن.
وقول المالكية: لم يتواتر كونها قرآناً فليست بقرآن غير ظاهر - كما يقول الجصّاص - إذ ليس بلازم أن يقال في كل آية إنها قرآن وتواتر ذلك، بل يكفي أن يأمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بكتابتها ويتواتر ذلك عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وقد اتفقت الأمة على أن جميع ما في المصحف من القرآن، فتكون البسملة آية مستقلة من القرآن كرّرت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك باسم الله تعالى، وهذا ما تطمئن إليه النفس وترتاح، وهو القول الذي يجمع بين النصوص الواردة والله أعلم.
الحكم الثاني: ما هو حكم قراءة البسملة في الصلاة؟
اختلف الفقهاء في قراءة البسملة في الصلاة على أقوال عديدة:
أ - فذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ: إلى منع قراءتها في الصلاة المكتوبة، جهراً كانت أو سرّاً، لا في استفتاح أم القرآن، ولا في غيرها من السور، وأجاز قراءتها في النافلة.
ب - وذهب أبو حنيفة رَحِمَهُ اللَّهُ: إلى أن المصلي يقرؤها سراً مع الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وإن قرأها مع كل سورة فحسن. ج - وقال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ: يقرؤها المصلي وجوباً. في الجهر جهراً، وفي السرّ سراً.
د - وقال أحمد بن حنبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يقرؤها سرّاً ولا يسنّ الجهر بها.
وسبب الخلاف: هو اختلافهم في (بسم الله الرحمن الرحيم) هل هي آية من الفاتحة ومن أول كل سورة أم لا؟ وقد تقدم الكلام على ذلك في الحكم الأول.
وشيء آخر: هو اختلاف آراء السلف في هذا الباب.
قال ابن الجوزي في «زاد المسير» : وقد اختلف العلماء هل البسملة، من الفاتحة أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان، فأمّا من قال: إنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها في الصلاة إذا قال بوجوب الفاتحة، وأمّا من لم يرها من الفاتحة فإنه يقول: قراءتها في الصلاة سنّة، ما عدا مالكاً رَحِمَهُ اللَّهُ فإنه لا يستحب قراءتها في الصلاة.
واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به، فنقل جماعة عن أحمد: أنه لا يسُن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة.
وذهب الشافعي: إلى أن الجهر بها مسنون، وهو مرويّ عن معاوية، وعطاء، وطاووس.
الحكم الثالث: هل تجب قراءة الفاتحة في الصلاة؟
اختلف الفقهاء في حكم قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة على مذهبين: أ - مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) أن قراءة الفاتحة شرط لصحة الصلاة، فمن تركها مع القدرة عليها لم تصحّ صلاته.
ب - مذهب الثوري وأبي حنيفة: أن الصلاة تجزئ بدون فاتحة الكتاب مع الإساءة ولا تبطل صلاته، بل الواجب مطلق القراءة وأقله ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة.
أدلة الجمهور:
استدل الجمهور على وجوب قراءة الفاتحة بما يلي:
أولاً: حديث عُبادة بن الصامت وهو قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .
ثانياً: حديث أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ الكتاب فهيِ خِداج فهي خِداج، فهي خداج غير تمام» .
ثالثاً: حديث أبي سعيد الخدري: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر» .
قالوا: فهذه الآثار كلّها تدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فإنّ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» يدل على نفي الصحة، وكذلك حديث أبي هريرة فهي خِداج قالها عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ثلاثاً يدل على النقص والفساد، فوجب أن تكون قراءة الفاتحة شرطاً لصحة الصلاة. أدلة الحنفية:
استدل الثوري وفقهاء الحنفية على صحة الصلاة بغير قراءة الفاتحة بأدلة من الكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب: فقوله تعالى: {{فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن}} المزمل: 20 قالوا: فهذا يدل على أن الواجب أن يقرأ أي شيء تيسّر من القرآن، لأن الآية وردت في القراءة في الصلاة بدليل قوله تعالى: {{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل}} إلى قوله: {{فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن}} المزمل: 20 ولم تختلف الأمة أن ذلك في شأن الصلاة في الليل، وذلك عموم عندنا في صلاة الليل وغيرها من النوافل والفرائض لعموم اللفظ.
وأما السنّة: فما روي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أن رجلاً دخل المسجد فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فردّ عليه السلام وقال:» ارجع فصلّ فإنك لم تصل «فصلّى ثم جاء فأمره بالرجوع، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحْسنُ غيره، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:» إذا قمتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة فكبّر، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثمّ فاعل ذلك في صلاتك كلها «» .
قالوا: فحديث أبي هريرة في تعليم الرجل صلاته يدل على التخيير (اقرأ ما تيسّر معك من القرآن) ويقوّي ما ذهبنا إليه، وما دلت عليه الآية الكريمة من جواز قراءة أي شيء من القرآن. وأما حديث عبادة بن الصامت: فقد حملوه على نفي الكمال، لا على نفي الحقيقة، ومعناه عندهم (لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ولذلك قالوا: تصح الصلاة مع الكراهية، وقالوا هذا الحديث يشبه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد» .
وأما حديث أبي هريرة: (فهي خداج، فهي خداج) الخ فقالوا: فيه ما يدلّ لنا لأنّ (الخداج) الناقصة، وهذا يدل على جوازها مع النقصان، لأنها لو لم تكن جائزة لما أُطلق عليها اسم النقصان، لأن إثباتها ناقصة ينفي بطلانها، إذ لا يجوز الوصف بالنقصان للشيء الباطل الذي لم يثبت منه شيء.
هذه هي خلاصة أدلة الفريقين: سردناها لك بإيجاز، وأنت إذا أمعنتَ النظر، رأيت أنّ ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلاً، وأقوى قيلاً، فإنّ مواظبته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على قراءتها في الفريضة والنفل، ومواظبة أصحابه الكرام عليها دليل على أنه لا تجزئ الصلاة بدونها، وقد عضد ذلك الأحاديث الصريحة الصحيحة، والنبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ مهمته التوضيح والبيان، لما أجمل من معاني القرآن، فيكفي حجّة لفريضتها ووجوبها قولُه وفعله عليه السلام.
وممّا يؤيد رأي الجمهور ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه قال: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصلّي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليَيْن بفاتحة الكتاب وسورتين، ويُسمعنا الآية أحياناً، وكان يطوّل في الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح» .
وفي رواية: «ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب» .
قال الطبري: يقرأ بأم القرأن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها.
قال القرطبي: والصحيح من هذه الأقوال، قولُ الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعةٍ لكل أحدٍ على العموم لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقد روي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وأُبِيّ بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» فهؤلاء الصحابة القُدرة، وفيهم الأسوة، كُلّهم يوحبون الفاتحة في كل ركعة.
قال الإمام الفخر: «إنه عليه السلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة، فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى: {{واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}} الأعراف: 158 ويا لَلْعجب من أبي حنيفة فإنه تمسّك في وجوب (مسح الناصية) بخبر واحد وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه أتى سُباطة قوم فبال وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفيه، في (أنه عليه السلام مسح على الناصية) فجعل ذلك القدر من المسح شرطاً لصحة الصلاة! {{وهاهنا نقل أهلُ العلم نقلاً متواتراً أنه عليه السلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة، ثمّ قال: إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها، وهذا من العجائب}} » .
الحكم الرابع: هل يقرأ المأموم خلف الإمام؟
اتفق العلماء على أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً فإنه يحمل عنه القراءة، لإجماعهم على سقوط القراءة عنه بركوع الإمام، وأمّا إذا أدركه قائماً فهل يقرأ خلفه أم تكفيه قراءة الإمام؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: أ - فذهب الشافعي وأحمد: إلى وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام سواء كانت الصلاة سرّية أم جهرية.
ب - وذهب مالك إلى أن الصلاة إذا كانت سرّية قرأ خلف الإمام، ولا يقرأ في الجهرية.
ج - وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا يقرأ خلف الإمام لا في السرية ولا في الجهرية.
استدل الشافعية والحنابلة بالحديث المتقدم وهو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .
فإن اللفظ عام يشمل الإمام والمأموم، سواء كانت الصلاة سرية جهرية، فمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب لم تصحّ صلاته.
واستدل الإمام مالك: على قراءة الفاتحة إذا كانت الصلاة سرّية بالحديث المذكور، ومنع من القراءة خلف الإمام إذا كانت الصلاة جهرية لقوله تعالى: {{وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}} الأعراف: 204 .
وقد نقل القرطبي: عن الإمام مالك أنه لا يقرأ في الجهرية بشيء من القرآن خلف الإمام، وأمّا في السرّية فيقرأ بفاتحة الكتاب، فإن ترك قراءتها فقد أساء ولا شيء عليه.
وأمّا الإمام أبو حنيفة: فقد منع من القراءة خلف الإمام مطلقاً عملاً بالآية الكريمة {{وَإِذَا قُرِىءَ القرآن فاستمعوا}} الأعراف: 204 ولحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» .
واستدل أيضاً بما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال:
«إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» .
يقف الإنسان بين يدي هذه السورة الكريمة (سورة الفاتحة) وقفة العبد الخاشع، المعترف بالعجز، المقر بالتقصير، فإن هذه السورة وحي منزل من عند الله، وهي من كلام ربّ العالمين، وكلام الله فوق أن يحيط به عقل قاصر من بني الإنسان، أو يدرك أسراره العميقة بشر، مهما أوتي من النبوغ والذكاء، وسعة العلم والاطلاع.
وقُصارى ما يدركه الإنسان أن يحسّ من قرارة نفسه بروعة هذا القرآن الكريم، وسمو معانيه، وجمال ألفاظه، وأن يشعر بالعجز الكامل عن أن يأتي بمثل آية من آياته، فضلاً عن مثل الكتاب العزيز، فإن هذه السورة الكريمة على قصرها ووجازتها قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد بالجزاء والحساب، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة، والاستعانة، والدعاء، والتوجه إليه جل وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم أو الضالّين إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراضٍ وأهداف.
قال العلامة القرطبي: «سميت الفاتحة (القرآن العظيم) لتضمنها جميع علومه، وذلك لأنها تشتمل على الثناء على الله عَزَّ وَجَلَّ بأوصاف كماله وجلاله، وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها، والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلاّ بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم، وكفاية أحوال الناكثين، وعلى بيان عاقبة الجاحدين، وهذه جملة المقاصد التي جاء بها القرآن العظيم» .
يقول الشهيد الشيخ حسن البنا رَحِمَهُ اللَّهُ في رسالته القيّمة «مقدمة في التفسير» ما نصه:
«لا شك أن من تدبّر الفاتحة الكريمة - وكلّ مؤمن مطالب بتدبرها في تلاوته عامة، وفي صلاته خاصة - رأى من غزارة المعاني، وجمالها، وروعة التناسب، وجلاله، ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه. فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله الموصوف بالرحمة، التي تظهر آثار رحمته متجدّدة في كل شيء، مستشعراً أنّ أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التي وسعت كل شيء. فإذا استشعر هذا المعنى، ووقر في نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله (الرحمن الرحيم) وذكّره الحمد بعظيم نعمه، وكريم فضله، وعظيم آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثمّ تذكّر من جديد أنّ هذه النعم الجزيلة، والتربية الجليلة، ليست عن رغبة ولا رهبة، ولكنّها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن (الرحمن) ب (العدل) ويذكّر بالحساب بعد الفضل، فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيُدينُ عباده، ويحاسب خلقه يوم الدين
{{يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}} الانفطار: 19 .
فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة، والحساب، وإذا كان الأمر كذلك، فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشدّ ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه، فليلجأ إليه، وليعتمد عليه، وليخاطبه بقوله: {{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}} وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذين يضلون عن الحق، أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه آمين.
ولا جرم أن (آمين) براعة مقطع في غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إلى الله بالدعاء؟
فهل رأيت تناسقاً أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات؟ وتذكّر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن ربه في الحديث القدسي الذي أوردناه آنفاً «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل» الخ وأدم هذا التدبر والإنعام، واجتهد أن تقرأ في الصلاة أو غيرها على مكث وتمهل، وخشوع وتذلّل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية، أو الصلاة الجهرية، فإنّ ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلبَ شيء أفضل من تلاوةٍ في تدبر وخشوع «.
﴿الرَّحْمنِ﴾: ذي الرّحمة ولا يوصف به غير الله.
﴿الرَّحِيمِ﴾: الراحم (زه) [والرّحمة](٢) تظهر في القلب، وهي هنا إرادة الخير بالعباد. وقيل: الإنعام على المحتاج. [2/ أ]
(٢) في الأصل مكانه بياض.
﴿الرَّجِيمِ﴾: المَرْجُومِ، المُبْعَدِ مِن رَحْمَةِ اللهِ.
﴿بِسْمِ اللهِ﴾: أيْ: أبْتَدِئُ قِراءَتِي مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللهِ.
﴿الرَّحْمنِ﴾: الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الخَلْقِ.
﴿الرَّحِيمِ﴾: الَّذِي يَرْحَمُ المُؤمِنِينَ.
﴿ٱلرَّحۡمَـٰنِ﴾: ذي الرَّحمةِ العامَّةِ لجميع الخَلْقِ.
﴿ٱلرَّحِيمِ﴾: ذي الرَّحمةِ الخاصَّةِ بِالمؤمنين.
قالَ أبُو إسْحاقَ، إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجّاجُ: هَذا كِتابٌ مُخْتَصَرٌ في إعْرابِ القُرْآنِ، ومَعانِيهِ، ونَسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ في كُلِّ الأُمُورِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اَلْجالِبُ لِلْباءِ مَعْنى الِابْتِداءِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”بَدَأْتُ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، إلّا أنَّهُ لَمْ يُحْتَجْ لِذِكْرِ ”بَدَأْتُ“، لِأنَّ الحالَ تُنْبِئُ أنَّكَ مُبْتَدِئٌ، وسَقَطَتِ الألِفُ مِن ”بِاسْمِ اللَّهِ“، في اللَّفْظِ، وكانَ الأصْلُ: ”بِاسْمِ اللَّهِ“، لِأنَّها ألِفُ وصْلٍ، دَخَلَتْ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ إذا صَغَّرْتَ الِاسْمَ، قُلْتَ ”سُمَيٌّ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”هَذا اِسْمٌ“، و”هَذا اُسْمٌ“، و”هَذا سِمٌ“، قالَ الرّاجِزُ:
بِاسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهُ
و”سُمُهُ“، أيْضًا، رَوى ذَلِكَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، فَسَقَطَتِ الألِفُ لِما ذَكَرْنا، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: ”اِبْنٌ“، اَلْألِفُ فِيهِ ألِفُ وصْلٍ، تَقُولُ في تَصْغِيرِهِ: ”بُنَيٌّ“، ومَعْنى قَوْلِنا ”اِسْمٌ“ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ”اَلسُّمُوُّ“، و”اَلسُّمُوُّ“: اَلرِّفْعَةُ، والأصْلُ فِيهِ ”سَمَوٌ“، بِالواوِ، عَلى وزْنِ ”جَمَلٌ“، وجَمْعُهُ ”أسْماءٌ“، مِثْلُ ”قِنْوٌ“، و”أقْناءٌ“، و”حَنْوٌ“، و”أحْناءٌ“، وإنَّما جُعِلَ الِاسْمُ تَنْوِيهًا بِاسْمِ اللَّهِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى تَحْتَ الِاسْمِ.وَمَن قالَ: إنَّ اسْمًا مَأْخُوذٌ مِن ”وَسَمْتُ“، فَهو غَلَطٌ، لِأنّا لا نَعْرِفُ شَيْئًا دَخَلَتْهُ ألِفُ الوَصْلِ وحُذِفَتْ فاؤُهُ، أعْنِي فاءَ الفِعْلِ، نَحْوَ قَوْلِكَ ”عِدَةٌ“، و”زِنَةٌ“، وأصْلُهُ ”وَعْدَةٌ“ و”وَزْنَةٌ“، فَلَوْ كانَ ”اِسْمٌ“، ”وَسْمَةٌ“، لَكانَ تَصْغِيرُهُ إذا حُذِفَتْ مِنهُ ألِفُ الوَصْلِ ”وُسَيْمٌ“، كَما أنَّ تَصْغِيرَ ”عِدَّةٌ“، و”صِلَةٌ“: ”وُعَيْدَةٌ“، و”وُصَيْلَةٌ“، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَرى ألِفَ الوَصْلِ فِيما حُذِفَتْ فاؤُهُ مِنَ الأسْماءِ، وسَقَطَتِ الألِفُ في الكِتابِ مِن ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، ولَمْ تَسْقُطْ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيها - مَعَ أنَّها تَسْقُطُ في اللَّفْظِ - كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ.
وَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مَعْنى الباءِ الإلْصاقُ، تَقُولُ: ”كَتَبْتُ بِالقَلَمِ“، والمَعْنى أنَّ الكِتابَةَ مُلْصَقَةٌ بِالقَلَمِ، وهي مَكْسُورَةٌ أبَدًا، لِأنَّهُ - لا مَعْنى لَها إلّا الخَفْضُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَفْظُها مَكْسُورًا، لِيَفْصِلَ بَيْنَ ما يَجُرُّ وهو اسْمٌ - نَحْوَ كافِ قَوْلِكَ: ”كَزَيْدٍ“ -، وما يَجُرُّ وهو حَرْفٌ - نَحْوَ ”بِزَيْدٍ“ -، لِأنَّ أصْلَ الحُرُوفِ الَّتِي يُتَكَلَّمُ بِها، وهي عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، الفَتْحُ أبَدًا، إلّا أنْ تَجِيءَ عِلَّةٌ تُزِيلُهُ، لِأنَّ الحَرْفَ الواحِدَ لا حَظَّ لَهُ في الإعْرابِ، ولَكِنْ يَقَعُ مُبْتَدَأً في الكَلامِ، ولا يُبْتَدَأُ بِساكِنٍ، فاخْتِيرَ الفَتْحُ، لِأنَّهُ أخَفُّ الحَرَكاتِ، تَقُولُ: ”رَأيْتُ زَيْدًا وعَمْرًا“، فالواوُ مَفْتُوحَةٌ، وكَذَلِكَ ”فَعَمْرًا“، اَلْفاءُ مَفْتُوحَةٌ، وإنَّما كُسِرَتِ اللّامُ في قَوْلِكَ: ”لِزَيْدٍ“، لِيُفْصَلَ بَيْنَ لامِ القَسَمِ، ولامِ الإضافَةِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”إنَّ هَذا لِزَيْدٍ“، عُلِمَ أنَّهُ مِلْكُهُ، ولَوْ قُلْتَ: ”إنَّ هَذا لَزَيْدٌ“، عُلِمَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو زَيْدٌ؟ فَلِذَلِكَ كُسِرَتِ اللّامُ في قَوْلِكَ ”لِزَيْدٍ“، ولَوْ قُلْتَ: ”إنَّ هَذا المالَ لَكَ“، و”إنَّ هَذا لَأنْتَ“، فَتَحْتَ اللّامَ، لِأنَّ اللَّبْسَ قَدْ زالَ.
والَّذِي قُلْناهُ في اللّامِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ويُونُسَ، والخَلِيلِ، وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وجَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ”أزَيْدٌ في الدّارِ؟“، فالألِفُ مَفْتُوحَةٌ، ولَيْسَ في الحُرُوفِ المُبْتَدَأةِ مِمّا هو عَلى حَرْفٍ حَرْفٌ مَكْسُورٌ، إلّا الباءُ، ولامُ الأمْرِ، وحْدَهُما، وإنَّما كُسِرَتا لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وكَذَلِكَ لامُ الإضافَةِ، والفَتْحُ أصْلُها، وأمّا لامُ ”كَيْ“، في قَوْلِكَ: ”جِئْتُ لِتَقُومَ يا هَذا“، فَهي لامُ الإضافَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: ”اَلْمالُ لِزَيْدٍ“، وإنَّما نُصِبَتْ ”تَقُومَ“، بِإضْمارِ ”أنْ“، أوْ ”كَيْ“، اَلَّتِي في مَعْنى ”أنْ“، فالمَعْنى: ”جِئْتُ لِقِيامِكَ“، وما قُلْناهُ في اشْتِقاقِ ”اِسْمٌ“، قَوْلٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا فَسَّرَهُ قَبْلَنا.
وَأمّا قَوْلُكَ: ”لِيَضْرِبْ زَيْدٌ عَمْرًا“، فَإنَّما كُسِرَتِ اللّامُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ لامِ التَّوْكِيدِ، ولا يُبالى بِشَبَهِها بِلامِ الجَرِّ، لِأنَّ لامَ الجَرِّ لا تَقَعُ في الأفْعالِ، وتَقَعُ لامُ التَّوْكِيدِ في الأفْعالِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”لَتَضْرِبْ“، وأنْتَ تَأْمُرُ، لَأشْبَهَ لامَ التَّوْكِيدِ إذا قُلْتَ: ”إنَّكَ لَتَضْرِبُ“ ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما في الحُرُوفِ الَّتِي عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأمّا اسْمُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالألِفُ فِيهِ ألِفُ وصْلٍ، وأكْرَهُ أنْ أذْكُرَ جَمِيعَ ما قالَ النَّحْوِيُّونَ في اسْمِ اللَّهِ، أعْنِي قَوْلَنا ”اللَّهِ“، تَنْزِيهًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، هَذِهِ الصِّفاتُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، مَعْناهُ فِيما ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ: ذُو الرَّحْمَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ ”اَلرَّحْمَنُ“، إلّا لِلَّهِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّ بِناءَ ”فَعْلانُ“، مِن أبْنِيَةِ ما يُبالَغُ في وصْفِهِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”غَضْبانُ“، فَمَعْناهُ: اَلْمُمْتَلِئُ غَضَبًا؟ فَـ”رَحْمَنُ“: اَلَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِغَيْرِ اللَّهِ ”رَحْمَنُ“، وخُفِضَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ لِأنَّها ثَناءٌ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَكانَ إعْرابُها إعْرابَ اسْمِهِ، ولَوْ قُلْتَ - في غَيْرِ القُرْآنِ -: ”بِسْمِ اللَّهِ الكَرِيمَ“، و”اَلْكَرِيمُ“، و”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبَّ العالَمِينَ“، و”رَبُّ العالَمِينَ“، جازَ ذَلِكَ، فَمَن نَصَبَ ”رَبَّ العالَمِينَ“، فَإنَّما يَنْصِبُ لِأنَّهُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ“، اسْتُدِلَّ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهُ ذاكِرٌ اللَّهَ، فَقَوْلُهُ: ”رَبَّ العالَمِينَ“، كَأنَّهُ قالَ: ”أذْكُرُ رَبَّ العالَمِينَ“، وإذا قالَ: ”رَبُّ العالَمِينَ“، فَهو عَلى قَوْلِكَ: ”هو رَبُّ العالَمِينَ“، قالَ الشّاعِرُ:
وَكُلُّ قَوْمٍ أطاعُوا أمْرَ مُرْشِدِهِمْ ∗∗∗ إلّا نُمَيْرًا أطاعَتْ أمْرَ غاوِيها
اَلظّاعِنِينَ ولَمّا يُظْعِنُوا أحَدًا ∗∗∗ والقائِلِينَ لِمَن دارٌ نُخَلِّيها
فَيَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ ”اَلظّاعِنِينَ“، عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى أنَّهُ تابِعُ ”نُمَيْرًا“، وعَلى الذَّمِّ، كَأنَّهُ قالَ: ”أذْكُرُ الظّاعِنِينَ“، ولَكَ أنْ تَرْفَعَ، تُرِيدُ: ”هُمُ الظّاعِنُونَ“، وكَذَلِكَ لَكَ في ”اَلْقائِلِينَ“، اَلنَّصْبُ، والرَّفْعُ، ولَكَ أنْ تَرْفَعَهُما جَمِيعًا، ولَكَ أنْ تَنْصِبَهُما جَمِيعًا، ولَكَ أنْ تَرْفَعَ الأوَّلَ وتَنْصِبَ الثّانِيَ، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ الأوَّلَ وتَرْفَعَ الثّانِيَ، لا خِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ فِيما وصَفْنا.قال أكثر البصريين: المعنى: أولُ ما افتتح بـ "بسم اللهِ" وأوَّل كلامي "بِسمِ اللهِ".
قال سيبويه: معنى الباء: الإلصاق.
قال الفراء: موضع الباءِ نَصْبٌ، والمعنى: بدأتُ باسمِ اللهِ، وأبدأُ باسم الله.
وفي اشتقاق "اسم" قولان:
أحدهما: من السُّمُوِّ، وهو العُلُوِّ، والارتفاعُ، فقيل: اسمٌ لأَنَّ صاحبَه بمنـزِلة المرتفِعِ بهِ.
وقيل: وهو من وَسَمْتُ، فقيل: اسمٌ لأنَّه لصاحبه بمنـزلة السِّمَةِ، أي يُعْرفُ به.
والقول الثاني خطأ، لأنَّ السَّاقطَ منه لامُه، فصحَّ أنه من سَمَا يَسْمُو.
قال أحمد بن يحيى: يُقال: سِمٌ، وسَمٌ، ويُقال: إِسْمٌ بكسر الألف، ويُقال: بضمِّها.
فمن ضمَّ الألف أخذه من سموتُ أسمو.
ومن كسر أخذه من سَمَيْتُ أسمي.
قال الكسائي والفَرَّاءُ: معنى "بسمِ اللهِ" باسم الإِله، وتركوا الهمزة وادغموا اللاَّم الأولى في الثانية، فصارت لاماً مشددةَ، كما قال جلَّ وعز ﴿لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي﴾ ومعناه: "لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي" كذلك قرأها الحسن.
ولسيبويه في هذا قولان:
أحدهما: أن الأصل إلهٌ، ثم جيء بالألف واللام عوضاً من الهمزة، وكذلك الناسُ عنده الأصلُ فيه أناسٌ.
والقول الآخر: هو أيضاً قول أصحابه، أن الأصل لاَهٌ، ثم دخلت عليه الألفُ واللامُ، وأنشدوا:
لاَهِ ابنُ عَمِّكَ لاَ أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ * عَنِّي وَلاَ أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
ويُسألُ عن التكرير في قوله عزوجل: ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
فرُوي عن ابن عباس أنه قال: ﴿الرَّحْمٰنُ الرَّحِيـمُ﴾ اسمان رقيقان، أحدهما ارقُّ من الآخر، فالرحمنُ الرَّقيقُ، والرَّحيمُ العاطفُ على خلقه بالرزق.
قال محمد بن كعب القُرَظي: "الرَّحمنُ" بخلقه "الرحيم" بعباده فيما ابتدأهم به، من كرامته، وحُجَّته.
وقال عطاء الخرساني: كان الرحمن، فلما اختزل الرحمنُ من أسمائه صار "الرحمن الرحيم".
وقال العَرْزَمِي: "الرحمن" بجميع الخلق "الرحيم" بالمؤمنين.
وقال أبو عبيدة: هما من الرحمة. كقولهم: ندمان ونديم.
وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. وهذا قولٌ حسنٌ، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، يستغني عن الاستشهاد.
والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضّلٌ بعد تفضِّلٍ، وإنعامٌ بعد إنعام، وتقويةٌ لمطامع الداعين، ووعدٌ لا يخيب آمله.
وقول العَرْزَمِيِّ أيضاً حسن، لأنَّ "فَعْلاَن" فيه معنى المبالغة، فكأنه - والله أعلمُ - الرحمنُ بجميع خلقه، ولهذا لم يقع إلاَّ للَّهِ تعالى، لأن معناه: الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيءٍ.
ولهذا قُدِّم قبل "الرحيم".
وصار "الرحيمُ" أولى من الراحم، لأن "الرحيم" ألزمُ في المدح، لأنه يدل على أن الرحمةَ لازمة له، غيرُ مفارقةٍ، والرَّاحمُ يقع لمن رحمَ مرَّةً واحدة.
وقال أحمد بن يحيى: "الرحيمُ" عربيٌّ، و"الرَّحْمَنُ" عبرانيٌّ، فلهذا جُمع بينهما.
وهذا القولُ مرغوبٌ عنه.
ورَوَى مطرٌ عن قتادة في قوله: ﴿بِسْمِ ٱللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ قال: مَدَح نفسَهُ. وهذا قول حسن.
قال أبو العباس: النَّعْتُ قد يقع للمدح، كما تقول: قال جريرٌ الشَّاعر.
فأول ذلك اجتماع القراء وكُتّابِ المصاحف(١) على حذف الألف من ﴿بسم الله الرحمن الرّحيم﴾ ، [وفى فواتح الكتب، وإثباتهم الألف فى قوله](٢) : ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾(٣) [وإنما حذفوها من ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أول السور والكتب](٤) لأنها وقعت في موضع معروف لا يجهل القارئ معناه، ولا يحتاج إلى قراءته، فاستُخِفّ طرحُها لأن من شأن العرب الإيجاز وتقليلَ الكثير إذا عُرِف معناه. وأثبتت فى قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لأنها لا تلزم هذا الاسم، ولا تكثر معه ككثرتها مع الله تبارك وتعالى. ألا ترى أنك تقول: «بسم الله» عند ابتداء كل فعل تأخذ فيه: من مأكَلٍ أو مشرب أو ذبيحة. فخفّ عليهم الحذف لمعرفتهم به.
وقد رأيت بعض الكتّاب تدعوه معرفته بهذا الموضع إلى أن يحذف الألف والسين من «اسم» لمعرفته بذلك، ولعلمه بأن القارئ لا يحتاج إلى علم ذلك. فلا تَحذِفنّ ألف «اسم» إذا أضفته إلى غير الله تبارك وتعالى، ولا تَحذِفَنّها مع غير الباء من الصفات(٥) وإن كانت تلك الصفةُ حرفًا واحدا، مثل اللام والكاف. فتقول: «لاسم الله حلاوة في القلوب»، و«ليس اسم كاسم الله»، فتثبت الألف في اللام وفي الكاف لانهما لم يستعملا كما استعملت الباء في اسم اللَّه. ومما كثر فِي كلام العرب فحذفوا منه أكثر من ذا قولهم: «أيش عندك»، فحذفوا إعراب(٦) «أي» وإحدى ياءيه، وحذفت الهمزة من «شيء» ، وكُسرت الشين وكانت مفتوحة في كثير من الكلام لا أُحْصِيه.
فإن قال قائل: إنما حذفنا الألف من «بسم الله» لأن الباء لا يُسكت عليها، فيجوز ابتداء الاسم بعدها. قيل له: فقد كتبت العرب في المصاحف وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا(٧) بالألف والواو لا يُسكت عليها في كثير من أشباهه. فهذا يبطل(٨) ما ادّعى.
(٢) ما بين المربعين ساقط من ج، ش. والذي فيهما: «بخلاف قوله «فسبح ... »» إلخ.
(٣) آخر سورة الحاقة، وآية 74 من الواقعة.
(٤) مابين المربعين فى أ.
(٥) الصفة عند الكوفيين حرف الجرّ والظرف.
(٦) يريد بإعراب الحرف حركته.
(٧) آية 32 سورة الكهف، و 13 سورة يس.
(٨) فى ش: «تبطيل» ويبدو أنه تصحيف عما أثبتناه.
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب (٢)
أي منزلة، وبعض العرب يهمز سورة، ويذهب إلى «أسأرت» . نقول:
هذه ليست من تلك.
فمجاز تفسير قوله «بسم الله» مضمر، مجازه كأنك قلت: بسم الله قبل كل شىء وأول شىء ونحو ذلك، قال عبد الله بن رواحة:
بسم الإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا(١)
يقال: بدأت وبديت، وبعضهم يقول: بدينا لغة.
«الرّحمن» مجازه ذو الرحمة، و«الرّحيم» مجازه الراحم، وقد يقدّرون اللفظين من لفظ واحد والمعنى واحد، وذلك لاتّساع الكلام عندهم، وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: ندمان ونديم،(٢) قال برج بن مسهر الطائىّ، جاهلى:
وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت وقد تغوّرت النجوم(٣)
وقال النعمان بن نضلة، عدوىّ من عدى قريش:
فإن كنت ندمانى فبالأكبر اسقني ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلم(٤)
وقال بريق الهذلىّ عدوىّ من عدى قريش:
رزينا أبا زيد ولا حىّ مثله ... وكان أبو زيد أخى ونديمى(٥)
وقال حسّان بن ثابت:
لا أخدش الخدش ولا ... يخشى نديمى إذا انتشيت يدى(٦)
ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي الشاعر المشهور يكنى أبا محمد، ويقال: كنيته أبو رواحة. ترجمته فى الإصابة ٤/ ٤٤٨، رقم ٠٩٠٤٤- والرجز من كلمة روى بعضها البخاري فى غزوة الخندق، ومسلم فى غزوة الأحزاب، كان رسول الله ﷺ يرتجز بها فى يوم الأحزاب إذ كان ينقل تراب الخندق، وورد أيضا فى الجمهرة ٣/ ٢٠٢، اللسان (بدا) . العيني ٤/ ٢٨.
(٢) (٢- ٤) «مجازه ... ونديم» : نقله الطبري ١/ ٤٣- ٤٤ ثم قال: وقد زعم أيضا بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير (يريد أبا عبيدة) أن الرحمن مجازه ذو الرحمة، والرحيم مجازه الراحم، ثم قال: وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: ندمان ونديم، ثم استشهد بقول برج ... ، واستشهد بأبيات نظائر له فى النديم والندمان، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم فى التأويل لقوله الرحمن ذو الرحمة والرحيم الراحم، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنييهما على صحته.
(٣) برج: هو برج بن مسهر بن الجلاس أحد بنى جديلة ثم أحد بنى طريف بن عمرو ابن ثمامة، شاعر عاش فى عهد بنى أمية، له ترجمة فى المؤتلف ٦١، وأخباره مع أخبار الحصين بن الحمام فى الأغانى ١٢/ ١٢١. - والبيت فى الطبري ١/ ٤٤، المؤتلف ٦١، الأغانى ١٢/ ١٢١، اللسان (عرق) ، وشواهد المغني ٩٨.
(٤) النعمان: هو النعمان بن عدى بن نضلة كان عاملا على ميسان فى عهد عمر رضى الله عنه فعزله. انظر خبره فى السيرة (جوتنجن) ٧٨٦ والسمط ٧٤٥ والاستيعاب ٣/ ٥٦٣ وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ٠١١٧- والبيت مذكور فى ترجمته، وفى الاشتقاق ٨٦ والعقد الفريد ٤/ ٣٣٩ والقرطبي ١٣/ ١٤٩ واللسان والتاج (ندم) ونهاية الأرب ٤/ ١٠١.
(٥) بريق: هو عياض بن خويلد الهذلي يلقب بالبريق، حجازى مخضرم، وله مع عمر بن الخطاب خبر، انظر معجم المرزباني ٦٨. - والبيت فى ديوان الهذليين ٣/ ٦١- واللسان (ندم) .
(٦) ديوانه ١١٢.
والألف في "اسم" ألف وصل، لانك تقول: "سُمْيّ" وحذفت لانها ليست من اللفظ.
(اب) اسمٌ، لانك تقول اذا صغّرته: "سُمَيّ"، فتذهب الاف. وقوله: ﴿وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾، وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ فهذا موصول لانك تقول: "مُرَيَّة" و "ثُنَيَّا عشر" . و [قوله]: ﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ موصول: لانك تقول: "ثُنَيَّتا عشرةَ"، وقال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، وقال: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾، لانك تقول في "اثنين": "ثُنَيِّيّن" وفي "آمرىء": "مُرَىّءِ" فتسقط الالف. وانما زيدت لسكون الحرف الذي بعدها لما ارادوا استئنافه فلم يصلوا الى الابتداء بساكن، فأحدثوا هذه الالف ليصلوا الى الكلام بها. فاذا اتصل [الكلام] بشيء قبله استغنى عن هذه الالف. وكذلك كل الف كانت في اول فعل او مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مفتوحة فتلك ألف وصل نحو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿ٱهْدِنَا﴾. لانك تقول: "يَهْدِي" فالياء مفتوحة. وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾ و [قوله]: ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾، وقوله: ﴿عَذَابٌ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وأشباه هذا في القرآن كثيرة. والعلة فيه كالعلّة في "اسم"، و "اثنين" وما أشبهه، لانه لما سكن الحرف الذي في اول الفعل جعلوا فيه هذه الالف ليصلوا الى الكلام به اذا استأنفوا.
وكل هذه الالفات (2ء) اللواتي في الفعل اذا استأنفتهنّ مكسورات، فاذا استأنفت قلت ﴿ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ﴾، ﴿ٱبْنِ لِي﴾، ﴿ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾، الا ما كان منه ثالث حروفه مضموما فانك تضم أوله اذا استأنفت، تقول: ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وتقول﴿ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. وانما ضمت هذه الالف اذا كان الحرف الثالث مضموماً لانهم لم يروا بين الحرفين إلا حرفاً ساكنا، فثقل عليهم ان يكونوا في كسر ثم يصيروا الى الضم. فارادوا أن يكونا جميعاً مضمومين اذا كان ذلك لا يغير المعنى.
وقالوا في بعض الكلام في "المُنْتِن": مِنْتِن". وانما هي من ""أنتن" فهو "مُنْتِن"، مثل "أكرم" فهو "مُكْرِم". فكسرو الميم لكسرة التاء. وقد ضم بعضهم التاء فقال "مُنْتُن" لضمة الميم. وقد قالوا في "النَقِد": "النِقِد" فكسروا النون لكسرة القاف. وهذا ليس من كلامهم الا فيما كان ثانيه احد الحروف الستة نحو "شعير". والحروف الستة: الخاء والحاء والعين والغين والهمزة والهاء
وما كان على "فُعِلَ" مما في أوله هذه الالف الزائدة فاستئنافه ايضاً مضموم نحو: ﴿ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ﴾ لان أول "فُعِلَ" ابداً مضموم، والثالث من حروفها ايضاً مضموم.
وما كان على "أَفعَلُ أنا" فهو مقطوع الالف وإن كان من الوصل، لأن "أَفْعَلُ" فيها ألف سوى ألف الوصل، وهي نظيرة الياء في "يَفْعَل". وفي كتاب الله عز وجل ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، و ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾و ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.
وما كان من نحو الالفات اللواتي ليس معهن اللام في أول اسم، وكانت لا تسقط في التصغير فهي مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال نحو قوله: ﴿هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ﴾، وقوله ﴿يَٰأَبَانَآ﴾، وقوله، ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾، و ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ﴾، لانها اذا صغرت ثبتت الالف فيها، تقول في تصغير "إحدى": "أُحَيْدى"، و "أحَد": "أُحَيْد"، و "أَبانا": "أُبَيُّنا" و كذلك "أُبَيّانِ" و "أُبَيُّونَ". وكذلك [الالف في قوله] ﴿مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ﴾و ﴿أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾، لانك تقول في "الأنصار": "أُنَيْصار"، وفي "الأنباءِ": "أُبَيْناء" و "أُبَيْنُون".
وما كان من الالفات في أول فعل أو مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مضمومة، فتلك الالف مقطوعة. تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، لأنك تقول: "يُنْزَل". فالياء مضمومة. و ﴿رَبَّنَآ آتِنَا﴾ تقطع لان الياء مضمومة، لأنك تقول: "يُؤْتِى". وقال ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾و ﴿وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ لأنك تقول: "يُؤتِي"، و "يُحْسِن" . وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، و ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فهذه موصولة لأنك تقول: "يَأتي"، فالياء مفتوحة. وانما الهمزة التي في قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾ همزة كانت من الاصل في موضع الفاء من الفعل، الا ترى انها ثابتة في "أتيت" وفي "أتى" لا تسقط. وسنفسر لك الهمز في موضعه إن شاء الله. وقوله: ﴿آتِنَا﴾ يكون من "آتى" و "آتاه الله"، كما تقول: "ذهب" و "أذهبه الله" ويكون على "أَعطنا". قال ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً﴾ على "فَعَل"و "أَفْعَلَهُ غيرُه".
وأما قوله: ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ﴾ فوصلت هذه الاسماء التي في أوائلها الالف واللام حتى ذهبت الالف في اللفظ. وذلك لان كل اسم في أوله ألف ولام زائدتان فالالف تذهب اذا اتصلت بكلام قبلها. واذا استأنفتها كانت مفتوحة ابداً لتفرق بينها وبين الالف التي تزاد مع غير اللام، ولان هذه الالف واللام هما جميعاً حرف واحد كـ"قد" و "بل". وانما تعرف زيادتهما بأن تروم الفا ولاما اخريين تدخلهما عليهما، فان لم تصل الى ذلك عرفت انهما زائدتان الاترى ان قولك "الحمدُ للّهِ" وقولك: "العالمين" وقولك "التي" و "الذي" "والله" لا تستطيع أن تدخل عليهن الفا ولاما أخريين؟ فهذا يدل على زيادتهما، فكلما اتصلتا بما قبلهما ذهبت الالف. الا أن توصل بالف الاستفهام فتترك مخففة، [و] لا يخفف فيها الهمزة الاناس من العرب قليل، وهو قوله ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وقوله ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. وانما مدت في الاستفهام ليفرق بين الاستفهام والخبر. الا ترى انك لو قلت وأنت تستفهم: "الرجل قال كذا وكذا" فلم تمددها صارت مثل قولك "الرجل قال كذا وكذا" اذا اخبرت.
وليس سائر الفات الوصل هكذا. قال﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾، وقال ﴿أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾. فهذه الالفات مفتوحة مقطوعة، لأنها ألف استفهام، وألف الوصل التي كانت في "اصطفى" [و "افترى"] قد ذهبت، حيث اتصلت الصاد [والفاء] بهذه الالف التي قبلها للاستفهام. وقال من قرأ هذه الآية ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ فقطع الف "أَتخذناهم" فانما جعلها ألف استفهام وأذهب ألف الوصل التي كانت بعدها، لانها اذا اتصلت بحرف قبلها ذهبت. وقد قرىء هذا الحرف موصولا، وذلك انهم حملوا قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾على قوله ﴿مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾.
وما كان من اسم في اوله الف ولام تقدر أن تدخل عليهما الفا ولاما أخريين، فالالف من ذلك مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ لانك لو قلت "الإِله" فأدخلت عليها الفا ولاما جاز ذلك. وكذلك "أَلواح" و إلهام" و "إلقاء" مقطوع كله، لأنه يجوز ادخال الف ولام أخريين. فأما "إلى" فمقطوعة ولا يجوز ادخال الالف واللام عليها لأنها ليست باسم، وانما تدخل الالف واللام على الاسم. ويدلك على ان الالف واللام في "إلى" ليستا بزائدتين انك انما وجدت الالف واللام تزادان في الأسماء، ولا تزادان في غير الاسماء، مثل "إلى" و "أَلاَّ". ومع ذلك تكون الف "إلى" مكسورة والف اللام الزائدة لا تكون مكسورة.
وأما قوله ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ فرفعه على الابتداء. وذلك ان كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده فهو مرفوع، وخبره ان كان هو هو فهو ايضاً مرفوع، نحو قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾ وما أشبه ذلك. وهذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها. فانما رفع المبتدأ ابتداؤك اياه، والابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم [و] كما كانت "أنَّ" تنصب الاسم وترفع الخبر فكذلك رفع الابتداء الاسم والخبر. وقال بعضهم: "رفع المبتدأ خبره" وكل حسن، والأول أقيس.
وبعض العرب يقول ﴿ٱلْحَمْدَ للَّهِ﴾ فينصب على المصدر، وذلك ان اصل الكلام عنده على قوله "حَمْداً لله" يجعله بدلا من اللفظ بالفعل، كأنه جعله مكان "أَحْمَدُ" ونصبه على "أَحْمَدُ" حتى كأنه قال: "أَحْمَدُ حَمْداً" ثم ادخل الالف واللام على هذه.
وقد قال بعض العرب ﴿ٱلْحَمْدِ للَّهِ﴾ فكسره، وذلك أنه جعله بمنزلة الاسماء التي ليست بمتمكنة، وذلك ان الاسماء التي ليست بمتمكنة تحرّك اواخرها حركة واحدة لا تزول علتها نحو "حَيْثُ" جعلها بعض العرب مضمومة على كل حال، وبعضهم يقول "حَوْثُ" و "حَيْثَ" ضم وفتح. ونحو "قَبْلُ" و "بَعْدُ" جعلتا مضمومتين على كل حال. وقال الله تبارك وتعالى ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ فهما مضموتان الا ان تضيفهما، فاذا اضفتهما صرفتهما. قال ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ و ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ و ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وقال ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ وذلك ان قوله ﴿أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ اسم أضاف اليه ﴿قَبْل﴾ وقال ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ﴾. وذلك ان قوله ﴿أَن نَّزغَ﴾ اسم هو بمنزلة "النَزْغ"، لأن "أنْ" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم، فأضاف اليها" بَعْد". وهذا في القرآن كثير.
ومن الاسماء التي ليست بمتمكنة قال الله عز وجل ﴿إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي﴾ و ﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ مكسورة على كل حال. فشبهوا "الحمدَ" وهو اسم متمكن في هذه اللغة بهذه الاسماء التي ليست بمتمكنة، كما قالوا "يا زيدُ". وفي كتاب الله ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾ هو في موضع النصب، لان الدعاء كلّه في موضع نصب، ولكن شبه بالاسماء التي ليست بمتمكنة فترك على لفظ واحد، يقولون: "ذهب أَمسِ بما فيه" و "لَقِيتهُ أمسِ يا فتى"، فيكسرونه في كل موضع في بعض اللغات. وقد قال بعضهم: "لَقِيتهُ الأمسِّ الأحدث" فجرّ أيضاً وفيه الف ولام، وذلك لا يكاد يعرف.
وسمعنا من العرب من يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتِ وَٱلْعُزَّىٰ﴾، ويقول: "هي اللاتِ قالت ذاك" فجعلها تاء في السكوت، و "هي اللاتِ فاعلم" جرّ في موضع الرفع والنصب. وقال بعضهم "من الآنَ إلى غد" فنصب لانه اسم غير متمكن. واما قوله: "اللاتِ فاعلم" فهذه مثل "أمسِ" وأجود، لان الالف واللام التي في "اللات" لا تسقطان وان كانتا زائدتين. واما ما سمعنا في "اللات والعزى" في السكت عليها فـ"اللاه" لانها هاء فصارت تاءً في الوصل وهي في تلك اللغة مثل "كان من الأمر كيتِ وكيتِ". وكذلك "ههياتِ" في لغة من كسر. الا انه يجوز في "هيهات" ان تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في "اللاتِ"، لان "اللات" و "كيت" لا يكون مثلهما جماعة، لان التاء لا تزاد في الجماعة الا مع الألف فان جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد.
وزعموا ان من العرب من يقطع ألف الوصل. أخبرني من أثق به أنه سمع من يقول: "يا إِبني" فقطع. وقال قَيْس بن الخطيم [من الطويل وهو الشاهد الاول].
اذا جاوز الإِثنين سرٌّ فإنّه * بنشرٍ وتكثيرِ الوشاة قمين
وقال جميل: [من الطويل وهو الشاهد الثاني]:
ألا لا أرى إِثنين أكرمَ شيمةً * على حدثانِ الدهر مني ومن جُمْلِ
وقال الراجز: [وهو الشاهد الثالث].
يا نفسُ صبراً كلُّ حي لاق * وكلُّ إثنين إلى افتراق
وهذا لا يكاد يعرف.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ جر باللام كما انجر قوله:
﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ﴾ لانه من صفة قوله ﴿للَّهِ﴾. فان قيل: "وكيف يكون جرّا وقد قال: ﴿إِيّاك نَعْبُدُ [5]﴾.
وأما فتح نون ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ فانها نون جماعة، وكذلك كل نون جماعة [زائدة] على حدّ التثنية فهي مفتوحة.وهي النون الزائدة التي لا تغيّر الاسم عما كان عليه: نحو نون "مسلمين" و "صالحين" و "مؤمنين" فهذه النون زائدة لأنك تقول: "مسلم" و "صالح" فتذهب النون ، وكذلك "مؤمن" قد ذهبت النون الآخرة، وهي المفتوحة، وكذلك "بنون". ألا ترى [انك] انما زدت على "مؤمن" واوا ونونا، وياء ونونا، وهو على حاله لم يتغير لفظه، كما لم يتغير في التثنية حين قلت "مؤمنان" و "مؤمنين". الاّ انك زدت ألفا ونونا، أو ياء ونونا للتثنية. وانما صارت هذه مفتوحة ليفرق بينهما وبين نون الاثنين. وذلك أن نون الاثنين مكسورة أبدا. قال: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ﴾ وقال ﴿أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ والنون مكسورة.
وجعلت الياء للنصب والجرّ نحو "العالمينَ" و "المتقينَ"، فنصبهما وجرهما سواء، كما جعلت نصب "الاثنينِ" وجرهما سواء، ولكن كسر ما قبل ياء الجميع وفتح ما قبل ياء الاثنين ليفرق ما بين الاثنين والجميع، وجعل الرفع بالواو ليكون علامة للرفع، وجعل رفع الاثنين بالالف.
وهذه النون تسقط في الاضافة كما تسقط نون الاثنين، نحو قولك: "بنوك" "ورأيت مسلميك" فليست هذه النون كنون "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين". لان "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين" نونها من الاصل ألا ترى انك تقول: [شيطان] و "شُييطين" و "دِهقان" "دُهَيْقين" و "مِسْكين" و "مُسَيْكين" فلا تسقط النون.
فأما "الذينَ" فنونها مفتوحة، لانك تقول: "الذي" فتسقط النون لانها زائدة، ولانك تقول في رفعها: "اللذون" لان هذا اسم ليس بمتمكن مثل "الذي". ألا ترى أن "الذي" على حال واحدة.
الا انّ ناسا من العرب يقولون: "هم اللذون يقولون كذا وكذا". جعلوا له في الجمع علامة للرفع، لان الجمع لا بد له من علامة، واو في الرفع، وياء في النصب والجرّ وهي ساكنة. فأذهبت الياء الساكنة التي كانت في "الذي" لانه لا يجتمع ساكنان، كذهاب ياء "الذي" اذا ادخلت الياء التي للنصب، ولانهما علامتان للاعراب. والياء في قول من قال "هم الذين" مثل حرف مفتوح او مكسور بني عليه الاسم وليس فيه اعراب. ولكن يدلك على انه المفتوح او المكسور في الرفع والنصب والجر الياء التي للنصب والجرّ لأنها علامة للاعراب.
وقد قال ناس من العرب "الشياطون" لانهم شبّهوا هذه الياء التي كانت في "شياطين" اذا كانت بعدها نون، وكانت في جميعٍ وقبلها كسرة، بياء الاعراب التي في الجمع. فلما صاروا الى الرفع ادخلوا الواو. وهذا يشبه "هذاجُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" فافهم.
Me emrin e All-llahut, Mëshiruesit, Mëshirëbërësit
-------------------------------------
Unknown:
Me emrin e All-llahut, Mëshiruesit, Mëshirëbërësit
-------------------------------------
Sherif Ahmeti:
Me emrin e All-llahut, Meshiruesit, Meshireberesit
-------------------------------------
Hasan Efendi Nahi:
Me emër të Allahut, Mëshirues dhe Përdëllimtar i Madh
-------------------------------------
Hassan Nahi:
Me emrin e Allahut, të Gjithëmëshirshmit, Mëshirëplotit
-------------------------------------
Feti Mehdiu:
Në emër të All-llahut, të Gjithëmëshirshmit, Mëshirëplotit
-------------------------------------
Feti Mehdiu:
Ne emer te All-llahut, te Gjithemeshirshmit, Meshireplotit
-------------------------------------
Unknown:
Me emrin e All-llahut, Meshiruesit, Meshireberesit
-------------------------------------
Hasan Efendi Nahi:
Me emer te Allahut, Meshirues dhe Perdellimtar i Madh
-------------------------------------
Hassan Nahi:
Me emrin e Allahut, te Gjithemeshirshmit, Meshireplotit
-------------------------------------
Bismillahirrahmanirrahim
-------------------------------------
Adem Ugur:
Rahmân ve Rahîm olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Yasar Nuri Ozturk:
Rahman ve Rahim Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Gultekin Onan:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Latin Alphabet:
Bismillahirrahmanirrahim
-------------------------------------
Saban Piris:
Bismillahirrahmanirrahim
-------------------------------------
Celal Y Ld R M:
BISMI´LLAHI´R-RAHMANI´R-RAHIM
-------------------------------------
Muhammed Esed:
RAHMAN, RAHIM ALLAH ADINA
-------------------------------------
Ali Fikri Yavuz:
O Rahman, O Rahim olan Allah’ın adıyla (okumaga baslarım). (Halka hayat ve beka ihsan eden, korkulardan koruyan hakiki mabud Cenab-ı Allah’ın adı ile okumaga baslarım)
-------------------------------------
Yasar Nuri Ozturk:
Rahman ve Rahîm Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Latin Alphabet:
Bismillâhir rahmânir rahîm
-------------------------------------
Abdulbaki Golpinarli:
Rahman ve rahim Allah adiyle
-------------------------------------
Gultekin Onan:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Diyanet Isleri:
Rahman ve Rahim olan Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Saban Piris:
Bismillahirrahmânirrahîm
-------------------------------------
Elmal L Sadelestirilmis:
Rahmân ve Rahîm olan Allah´ın ismiyle
-------------------------------------
Adem Ugur:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Diyanet Vakfi:
Rahmân ve rahîm olan Allah'ın adıyla.
-------------------------------------
Diyanet Vakfi:
Rahman (ve) rahim (olan) Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Elmal L Sadelestirilmis:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Celal Y Ld R M:
BİSMİ´LLAHİ´R-RAHMÂNİ´R-RAHÎM
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
Bismillahirrahmanirrahim
-------------------------------------
Y. N. Ozturk:
Rahman ve Rahîm Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Ali Fikri Yavuz:
O Rahman, O Rahim olan Allah’ın adıyla (okumağa başlarım). (Halka hayat ve bekâ ihsan eden, korkulardan koruyan hakikî mabûd Cenab-ı Allah’ın adı ile okumağa başlarım)
-------------------------------------
Diyanet Isleri:
Rahman ve Rahim olan Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Suat Yildirim:
Rahmân ve rahîm olan Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Muslim Shahin:
Bismillahirrahmanirrahim
-------------------------------------
Edip Yuksel:
Rahman ve Rahim ALLAH'ın ismiyle
-------------------------------------
Ali Bulac:
Rahman Rahim olan Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Yasar Nuri Ozturk:
Rahman ve Rahîm Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Shaban Britch:
Rahman ve Rahim Allah’ın adıyla
-------------------------------------
Hasan Basri Cantay:
Hamd olsun Alemlerin Rabbi, Rahman, Rahim, Dîn günü´nün (tek) sahibi ve mutasarrıfı Allaha
-------------------------------------
Y. N. Ozturk:
Rahman ve Rahim Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Diyanet Isleri:
Rahman ve Rahim olan Allah'in ismiyle
-------------------------------------
Elmal L Sadelestirilmis:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın ismiyle
-------------------------------------
Diyanet Isleri:
Bismillâhi Rrahmâni Rrahîm.
-------------------------------------
Suleyman Ates:
Rahman ve Rahim Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Ali Bulac:
Rahman Rahim olan Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Tefhim Ul Kuran:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Ibni Kesir:
Rahman, Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Muhammet Abay:
bismi-llahi-rrahmani-rrahim
-------------------------------------
Shaban Britch:
Rahman ve Rahim Allah’ın adıyla
-------------------------------------
Elmal L Sadelestirilmis:
Rahmân ve Rahîm olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Hasan Basri Cantay:
Hamd olsun Alemlerin Rabbi, Rahman, Rahim, Din gunu´nun (tek) sahibi ve mutasarrıfı Allaha
-------------------------------------
Tefhim Ul Kuran:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Iskender Ali Mihr:
Bismillâhirrahmânirrahîm
-------------------------------------
Latin Alphabet:
Bismillahirrahmanirrahim
-------------------------------------
Suat Yildirim:
Rahman ve rahim olan Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Elmalili Hamdi Yazir:
Rahman ve Rahim olan Allah'ın ismiyle
-------------------------------------
Edip Yuksel:
Rahman ve Rahim ALLAH'ın ismiyle
-------------------------------------
Fizilal Il Kuran:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Muslim Shahin:
Bismillâhirrahmânirrahîm
-------------------------------------
Muhammet Abay:
bismi-llâhi-rraḥmâni-rraḥîm
-------------------------------------
Muhammed Esed:
RAHMAN, RAHİM ALLAH ADINA
-------------------------------------
Fizilal Il Kuran:
Rahman ve Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Ibni Kesir:
Rahman, Rahim olan Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Yasar Nuri Ozturk:
Rahman ve Rahim Allah´ın adıyla
-------------------------------------
Elmalili Hamdi Yazir:
Rahmân ve Rahîm olan Allah'ın ismiyle
-------------------------------------
Abdulbaki Golpinarli:
Rahman ve rahim Allah adiyle
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
Bismillâhirrahmânirrahîm
-------------------------------------
Suleyman Ates:
Rahman ve Rahim Allah'ın adıyla
-------------------------------------
Latin Alphabet:
Bismillahir rahmanir rahim
-------------------------------------
Da sũnan Allah, Mai rahama, Mai jin ƙai
-------------------------------------
Abubakar Mahmood Jummi:
Da sunan Allah, Mai rahama, Mai jin ƙai
-------------------------------------
Abubakar Mahmoud Gumi:
Da sunan Allah, Mai rahama, Mai jin ƙai
-------------------------------------
Abubakar Mahmood Jummi:
Da sũnan Allah, Mai rahama, Mai jin ƙai
-------------------------------------
Dengan nama Allah Yang Maha Pengasih, Maha Penyayang
-------------------------------------
Jalal Ad Din Al Mahalli And Jalal Ad Din As Suyuti:
Dengan nama Allah Yang Maha Pemurah lagi Maha Penyayang
-------------------------------------
Unknown:
Dengan nama Allah Yang Maha Pengasih, Maha Penyayang
-------------------------------------
King Fahd Complex:
Dengan menyebut nama Allah Yang Maha Pemurah lagi Maha Penyayang
-------------------------------------
Indonesian Islamic Affairs Ministry:
Dengan nama Allah Yang Maha Pengasih, Maha Penyayang
-------------------------------------
Muhammad Quraish Shihab Et Al.:
FATIHAH AL-KITAB (PEMBUKA KITAB SUCI) Pendahuluan: Makkiyyah, 7 ayat ~ Surat al-Fâtihah ini termasuk kelompok surat Makkiyyah yang turun di Mekah sebelum hijrah. Disebut al-Fâtihah (pembuka), karena letaknya yang berada urutan pertama surat-surat al-Qur'ân. Surat yang pertama diturunkan secara lengkap di antara surat-surat yang ada dalam al-Qur'ân ini merupakan intisari dari seluruh kandungan al-Qur'ân yang kemudian diperinci oleh surat-surat sesudahnya. Tema-tema pokok al-Qur'ân--seperti penjelasan tawhid dan keimanan, janji dan kabar gembira bagi orang-orang Mukmin, ancaman dan peringatan bagi orang-orang kafir dan pelaku kejahatan, tentang ibadah, kisah orang-orang yang beruntung karena taat kepada Allah dan sengsara karena mengingkari-Nya--semua itu tercermin secara singkat dalam surat ini. Oleh sebab itu, surat ini juga disebut dengan nama Umm al-Kitâb (induk al-Qur'ân).]] Surat ini dimulai dengan menyebut nama Allah--satu-satunya Tuhan yang berhak disembah--Yang memiliki seluruh sifat kesempurnaan dan tersucikan dari segala bentuk kekurangan. Dialah Pemilik rahmah (sifat kasih) yang tak habis-habisnya, Yang menganugerahkan segala macam kenikmatan, baik besar maupun kecil
-------------------------------------
Maqaa Rabbii Akkaan Mararfataa Akkaan Rahmata Godhaa Ta’eetiin
-------------------------------------
Mi fuɗɗorii innde Allah jon yurmeende huuɓunde juulɓe e heeferɓe fow ka aduno, jooma yurmeende hertornde julɓe ɓen tun ka laakara
-------------------------------------
Au nom d'Allah, le Tout Miséricordieux, le Très Miséricordieux
-------------------------------------
Shahnaz Saidi Benbetka:
Au Nom de Dieu, Le Miséricordieux, Le Clément
-------------------------------------
Muhammad Hameedullah:
Au nom d’Allah, le Tout Miséricordieux, le Très Miséricordieux
-------------------------------------
Rashid Maash:
Au nom d’Allah, le Tout Miséricordieux, le Très Miséricordieux
-------------------------------------
Islamic Foundation:
Au nom d’Allah, le Tout Clement, le Tout Misericordieux
-------------------------------------
Rashid Maash:
Au nom d’Allah, le Tout Misericordieux, le Tres Misericordieux
-------------------------------------
Muhammad Hameedullah:
Au nom d’Allah, le Tout Misericordieux, le Tres Misericordieux
-------------------------------------
Muhammad Hamidullah:
Au nom d'Allah, le Tout Misericordieux, le Tres Misericordieux
-------------------------------------
Islamic Foundation:
Au nom d’Allah, le Tout Clément, le Tout Miséricordieux
-------------------------------------
Shahnaz Saidi Benbetka:
Au Nom de Dieu, Le Misericordieux, Le Clement
-------------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم (بسم الله: اي: ابتدي قراءتي مستعينا باسم الله, الرحمن: الذي وسعت رحمته جميع الخلق, الرحيم: الذي يرحم المومنين)
-------------------------------------
Quran Simple:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Qaloon:
بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ
-------------------------------------
King Fahad Quran Complex:
surat alfatihat sumiyat hadhih alswrt balfatht; li'anah yaftatih biha alquran alezym, wtsma almthany; li'anaha taqra fi kl rket, walaha 'asma' akhr. 'abtadi qra't alquran biaism allah msteyna bh, (allhi) eilm ealaa alrb -tbark wteala- almebwd bihaqi dun swah, wahu akhs 'asma' allah teala, wala yusamaa bih ghyrh sbhanh. (alrrahmani) dhi alrahmat aleamat aldhy wasieat rahmatih jmye alkhlq, (alrrahimi) balmwmnyn, wahuma aisman min 'asmayih teala, ytdmnan 'iithbat sifat alrahmat lilah taealaa kama ylyq bjlalh
-------------------------------------
Quran Soosi:
بِسۡمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحۡمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Soosi Non Unicode:
بِسۡمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحۡمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Transliteration:
bis'mi l-lahi l-rahmani l-rahimi
-------------------------------------
King Fahad Quran Complex:
سورة الفاتحة سميت هذه السورة بالفاتحة؛ لأنه يفتتح بها القرآن العظيم، وتسمى المثاني؛ لأنها تقرأ في كل ركعة، ولها أسماء أخر. أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به، (اللهِ) علم على الرب -تبارك وتعالى- المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه. (الرَّحْمَنِ) ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، (الرَّحِيمِ) بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله
-------------------------------------
Quran Transliteration:
bis'mi l-lahi l-rahmani l-rahimi
-------------------------------------
Quran Transliteration:
Bismi Allahi alrrahmani alrraheemi
-------------------------------------
Quran Transliteration:
Bismi Allahi arrahmani arraheem
-------------------------------------
Quran Doori:
بِسۡمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحۡمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Phonetics Transliteration:
Bismi Allāhi Ar-Raĥmāni Ar-Raĥīmi
-------------------------------------
Quran Transliteration:
Bismillaahir Rahmaanir Raheem
-------------------------------------
Quran Bazzi:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Indopak:
بِسۡمِ اللّٰهِ الرَّحۡمٰنِ الرَّحِيۡمِ
-------------------------------------
Quran Shouba:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
-------------------------------------
Siraj Tafseer:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ (بِسْمِ اللهِ: أَيْ: أَبْتَدِئُ قِرَاءَتِي مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللهِ, الرَّحْمنِ: الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ, الرَّحِيمِ: الَّذِي يَرْحَمُ المُؤمِنِينَ)
-------------------------------------
Quran Uthmani Enc:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Uthmani Hafs No Diacritics:
بسم الله الرحمن الرحيم
-------------------------------------
Quran Nastaleeq Non Unicode:
بِسۡمِ اللّٰهِ الرَّحۡمٰنِ الرَّحِيۡمِ١
-------------------------------------
Jalal Ad Din Al Mahalli And Jalal Ad Din As Suyuti:
«بسم الله الرحمن الرحيم»
-------------------------------------
Quran Khaled Hosney:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ
-------------------------------------
Quran Doori Non Unicode:
بِسۡمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحۡمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Uthmani Hafs:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Qumbul:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Transliteration:
bis'mi l-lahi l-raḥmāni l-raḥīmi
-------------------------------------
Quran Warsh:
بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ
-------------------------------------
Quran Academy:
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ
-------------------------------------
Quran Phonetics Transliteration:
Bismi Allahi Ar-Rahmani Ar-Rahimi
-------------------------------------
Quran Transliteration:
Bismi Allahi alrrahmani alrraheemi
-------------------------------------
به نام خداى بخشاينده مهربان
-------------------------------------
Naser Makarem Shirazi:
به نام خداوند بخشنده بخشایشگر
-------------------------------------
Abolfazl Bahrampour:
به نام خداوند هستى بخش مهربان
-------------------------------------
Sayyed Jalaloddin Mojtabavi:
به نام خداى بخشاينده مهربان
-------------------------------------
Mostafa Khorramdel:
به نام خداوند بخشندهی مهربان
-------------------------------------
Hussain Ansarian:
به نام خدا که رحمتش بیاندازه است و مهربانیاش همیشگی
-------------------------------------
Mohammad Sadeqi Tehrani:
به نام خدای رحمتگر بر آفریدگان، رحمتگر بر ویژگان
-------------------------------------
Dr. Hussien Tagi:
به نام خداوند بخشندۀ مهربان
-------------------------------------
Mohammad Mahdi Fooladvand:
به نام خداوند رحمتگر مهربان
-------------------------------------
Unknown:
به نام خداوند بخشنده ی مهربان
-------------------------------------
Mohsen Gharaati:
به نام خداوند بخشندهى مهربان
-------------------------------------
Mahdi Elahi Ghomshei:
به نام خداوند بخشنده مهربان
-------------------------------------
Islamhouse.com Persian Team:
به نام الله بخشندۀ مهربان
-------------------------------------
Mohammad Kazem Moezzi:
بنام خداوند بخشاینده مهربان
-------------------------------------
Baha Oddin Khorramshahi:
به نام خداوند بخشنده مهربان
-------------------------------------
Za a zminit se o o BUH Blahosklonny Milosrdny
-------------------------------------
Hadi Abdollahian:
Za a zmínit se o o BUH Blahosklonný Milosrdný
-------------------------------------
A. R. Nykl:
Ve jménu Boha, Milosrdného, Slitovného
-------------------------------------
A. R. Nykl:
Ve jmenu Boha, Milosrdneho, Slitovneho
-------------------------------------
Preklad I. Hrbek:
Ve jménu Boha milosrdného, slitovného
-------------------------------------
Preklad I. Hrbek:
Ve jmenu Boha milosrdneho, slitovneho
-------------------------------------
Vo imeto na Allah, Milostiviot Somilosen
-------------------------------------
Sheikh Hassan Gilo:
Во името на Аллах, Милостивиот Сомилосен
-------------------------------------
Macedonian Scholars:
о името на Аллах, Семилосниот, Милостивиот
-------------------------------------
Sheikh Hassan Gilo:
Vo imeto na Allah, Milostiviot Somilosen
-------------------------------------
Аса Қайырымды, ерекше Мейірімді Аллаһтың атымен
-------------------------------------
Khalifah Altai:
Asa qamqor, erekse meyirimdi Allanın atımen bastaymın
-------------------------------------
Khalifah Altai Charity Foundation:
Asa Qayırımdı, erekşe Meyirimdi Allahtıñ atımen
-------------------------------------
Khalifah Altai Charity Foundation:
Asa Qayırımdı, erekse Meyirimdi Allahtın atımen
-------------------------------------
Khalifah Altai:
Аса қамқор, ерекше мейірімді Алланың атымен бастаймын
-------------------------------------
Khalifah Altai:
Asa qamqor, erekşe meyirimdi Allanıñ atımen bastaymın
-------------------------------------
Muzita raAllah, Vane Tsitsi, Vane Ngoni
-------------------------------------
Ba nomi Allohi ʙaxşandai mehruʙon! (In suraro surai //Fotiha,/ menomand, zero iftitohi Qur'oni azim az in sura oƣoz meşavad. Va in suraro //Masonī,/ niz menomand, cun dar har rakaati namoz qiroat karda meşavad. In sura doroi nomhoi digar ham ast. Ja'ne, Iʙtido mekunam xondani Qur'onro ʙo nomi Alloh va ʙo madadi Ū. Alloh nomi Parvardigor ast, ma'nojaş: Nest ma'ʙude ʙar haq çuz Ū. In nom az xosatarin nomhoi Alloh ast va in nomro ʙa ƣajr az Ū nom guzorida nameşavad. Rahmon, sohiʙi rahmati om ast, ki ʙa on sifat karda şudaast va rahmataş çami'i xalqro faro giriftaast. Rahim, mehruʙon ʙo mū'minon. In du nom, az nomhoi Alloh ta'olo ast, ki isʙot kardani sifati rahmatro darʙar megirad)
-------------------------------------
Khoja Mirov:
Ba nomi Allohi ʙaxsandai mehruʙon! (In suraro surai //Fotiha,/ menomand, zero iftitohi Qur'oni azim az in sura oƣoz mesavad. Va in suraro //Masoni,/ niz menomand, cun dar har rakaati namoz qiroat karda mesavad. In sura doroi nomhoi digar ham ast. Ja'ne, Iʙtido mekunam xondani Qur'onro ʙo nomi Alloh va ʙo madadi U. Alloh nomi Parvardigor ast, ma'nojas: Nest ma'ʙude ʙar haq cuz U. In nom az xosatarin nomhoi Alloh ast va in nomro ʙa ƣajr az U nom guzorida namesavad. Rahmon, sohiʙi rahmati om ast, ki ʙa on sifat karda sudaast va rahmatas cami'i xalqro faro giriftaast. Rahim, mehruʙon ʙo mu'minon. In du nom, az nomhoi Alloh ta'olo ast, ki isʙot kardani sifati rahmatro darʙar megirad)
-------------------------------------
Abdolmohammad Ayati:
Ба номи Худованди бахшояндаи меҳрубон
-------------------------------------
Khoja Mirov:
Ба номи Аллоҳи бахшандаи меҳрубон! (Ин сураро сураи //Фотиҳа,/ меноманд, зеро ифтитоҳи Қуръони азим аз ин сура оғоз мешавад. Ва ин сураро //Масонӣ,/ низ меноманд, чун дар ҳар ракаати намоз қироат карда мешавад. Ин сура дорои номҳои дигар ҳам аст. Яъне, Ибтидо мекунам хондани Қуръонро бо номи Аллоҳ ва бо мадади Ӯ. Аллоҳ номи Парвардигор аст, маънояш: Нест маъбуде бар ҳақ ҷуз Ӯ. Ин ном аз хосатарин номҳои Аллоҳ аст ва ин номро ба ғайр аз Ӯ ном гузорида намешавад. Раҳмон, соҳиби раҳмати ом аст, ки ба он сифат карда шудааст ва раҳматаш ҷамиъи халқро фаро гирифтааст. Раҳим, меҳрубон бо мӯъминон. Ин ду ном, аз номҳои Аллоҳ таъоло аст, ки исбот кардани сифати раҳматро дарбар мегирад)
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
Ба номи Худованди бахшандаи меҳрубон
-------------------------------------
Abdolmohammad Ayati:
Ba nomi Xudovandi ʙaxşojandai mehruʙon
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
Ba nomi Xudovandi ʙaxsandai mehruʙon
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
Ba nomi Xudovandi ʙaxşandai mehruʙon
-------------------------------------
Abdolmohammad Ayati:
Ba nomi Xudovandi ʙaxsojandai mehruʙon
-------------------------------------
F'IsemAlla, Kollu Ħniena, il-Ħanin
-------------------------------------
Martin R. Zammit, Muhammad El Sadi:
F'IsemAlla, Kollu Ħniena, il-Ħanin
-------------------------------------
Ku izina rya Allah, Nyirimpuhwe, Nyirimbabazi
-------------------------------------
R. M. C. Rwanda:
Ku izina rya Allah1, Nyirimpuhwe, Nyirimbabazi
-------------------------------------
ߊߟߊ߫ ߕߐ߮ ߟߊ߫ ߡߊ߬ߤߌ߬ߣߊ߬ߟߊ߫ ߟߋ߬ ߤߌߣߟߊ߫ ߟߋ߬
-------------------------------------
Karamo Baba Mamadi Jani:
ߊߟߊ߫ ߕߐ߮ ߟߊ߫߸ ߡߊ߬ߤߌ߬ߣߊ߬ߟߊ߫ ߟߋ߬ ߤߌߣߟߊ߫ ߟߋ߬
-------------------------------------
Deen Muhammad:
ߊߟߊ߫ ߕߐ߮ ߟߊ߫߸ ߡߊ߬ߤߌ߬ߣߊ߬ߟߊ߫ ߟߋ߬ ߤߌߣߟߊ߫ ߟߋ߬
-------------------------------------
Во имя Аллаха, Милостивого, Милосердного
-------------------------------------
Abu Adel:
С именем Аллаха Милостивого, Милосердного
-------------------------------------
Ministry Of Awqaf, Egypt:
Сура начинается именем Аллаха Единого, Совершенного, Всемогущего, Безупречного. Он - Милостивый, Податель Блага (великого и малого, общего и частного) и вечно Милосердный
-------------------------------------
Abu Adel:
In numele lui Dumnezeu cel Milos si Milostiv
-------------------------------------
V. Porokhova:
Vo imya Allakha, Vsemilostivogo, Miloserdnogo
-------------------------------------
Ignaty Yulianovich Krachkovsky:
Vo imya Allakha milostivogo, miloserdnogo
-------------------------------------
Ministry Of Awqaf, Egypt:
Sura nachinayetsya imenem Allakha Yedinogo, Sovershennogo, Vsemogushchego, Bezuprechnogo. On - Milostivyy, Podatel' Blaga (velikogo i malogo, obshchego i chastnogo) i vechno Miloserdnyy
-------------------------------------
Magomed Nuri Osmanovich Osmanov:
Во имя Аллаха, Милостивого, Милосердного
-------------------------------------
Ignaty Yulianovich Krachkovsky:
Во имя Аллаха милостивого, милосердного
-------------------------------------
Gordy Semyonovich Sablukov:
Vo imya Boga milostivogo, miloserdnogo
-------------------------------------
Gordy Semyonovich Sablukov:
Во имя Бога милостивого, милосердного
-------------------------------------
Elmir Kuliev:
Vo imya Allakha, Milostivogo, Miloserdnogo
-------------------------------------
V. Porokhova:
Во имя Аллаха, Всемилостивого, Милосердного
-------------------------------------
Magomed Nuri Osmanovich Osmanov:
Vo imya Allakha, Milostivogo, Miloserdnogo
-------------------------------------
شروع اللہ کے نام سے جو بڑا مہربان نہایت رحم والا ہے [۱]
-------------------------------------
Muhammad Karam Shah Al Azhari:
اللہ کے نام سے شروع کرتا ہوں جو بہت ہی مہربان ہمیشہ رحم کرنے والا ہے۔
-------------------------------------
Muhammad Junagarhi:
شروع کرتا ہوں اللہ تعالیٰ کے نام سے جو بڑا مہربان نہایت رحم واﻻ ہے
-------------------------------------
Muhammad Taqi Usmani:
شروع اللہ کے نام سے جو سب پر مہربان ہے، بہت مہربان ہے
-------------------------------------
Fateh Muhammad Jalandhry:
شروع الله کا نام لے کر جو بڑا مہربان نہایت رحم والا ہے
-------------------------------------
Ahmed Ali:
شروع الله کا نام لے کر جو بڑا مہربان نہایت رحم والا ہے
-------------------------------------
Muhammad Junagarhi:
Sab tareef Allah Taalaa kay liye hai jo tamam jahanon ka palney wala hai
-------------------------------------
Muhammad Hussain Najafi:
(شروع کرتا ہوں) اللہ کے نام سے جو بڑا مہربان نہایت رحم والا ہے۔
-------------------------------------
Syed Zeeshan Haider Jawadi:
عظیم اور دائمی رحمتوں والے خدا کے نام سے
-------------------------------------
Muhammad Junagarhi, Muhammad Kazim:
shuro karta hoon Allah ke naam se jo bada meherbaan nihaayath1 rahem wala hai
-------------------------------------
Muhammad Tahir Ul Qadri:
سب تعریفیں اللہ ہی کے لئے ہیں جو تمام جہانوں کی پرورش فرمانے والا ہے
-------------------------------------
Abul A Ala Maududi:
اللہ کے نام سے جو رحمان و رحیم ہے
-------------------------------------
Abul Ala Maududi:
Allah ke naam se jo Rehman o Raheem hai
-------------------------------------
paramakāruṇikanuṁ karuṇānidhiyumāya allāhuvinṟe nāmattil
-------------------------------------
Cheriyamundam Abdul Hameed And Kunhi Mohammed Parappoor:
paramakāruṇikanuṁ karuṇānidhiyumāya allāhuvinṟe nāmattil
-------------------------------------
Muhammad Karakunnu And Vanidas Elayavoor:
പരമകാരുണികനും ദയാപരനുമായ അല്ലാഹുവിന്റെ നാമത്തില്
-------------------------------------
Abdul Hameed Madani And Kunhi Mohammed:
പരമകാരുണികനും കരുണാനിധിയുമായ അല്ലാഹുവിന്റെ നാമത്തില്
-------------------------------------
Cheriyamundam Abdul Hameed And Kunhi Mohammed Parappoor:
paramakarunikanum karunanidhiyumaya allahuvinre namattil
-------------------------------------
Cheriyamundam Abdul Hameed And Kunhi Mohammed Parappoor:
പരമകാരുണികനും കരുണാനിധിയുമായ അല്ലാഹുവിന്റെ നാമത്തില്
-------------------------------------
Muhammad Karakunnu And Vanidas Elayavoor:
paramakāruṇikanuṁ dayāparanumāya allāhuvinṟe nāmattil
-------------------------------------
Muhammad Karakunnu And Vanidas Elayavoor:
paramakarunikanum dayaparanumaya allahuvinre namattil
-------------------------------------
Abdul Hameed Madani And Kunhi Mohammed:
paramakarunikanum karunanidhiyumaya allahuvinre namattil
-------------------------------------
In the name of God, the Lord of Mercy, the Giver of Mercy
-------------------------------------
Sahih International:
In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful
-------------------------------------
Safi Ur Rahman Al Mubarakpuri:
In the Name of Allah, the Most Gracious, the Most Merciful
-------------------------------------
The Monotheist Group Edition:
In the name of God, the Almighty, the Merciful
-------------------------------------
Aisha Bewley:
In the name of Allah, All-Merciful, Most Merciful
-------------------------------------
Maududi:
In the name of Allah, the Merciful, the Compassionate
-------------------------------------
Muhammad Mahmoud Ghali:
In The Name of Allah, The All-Merciful, The Ever-Merciful
-------------------------------------
Mohammed Marmaduke William Pickthall:
In the name of Allah, the Beneficent, the Merciful
-------------------------------------
Mir Anees Original:
In the Name of Allah, the Beneficent, The Merciful
-------------------------------------
Farook Malik:
In the name of Allah, the Compassionate, the Merciful
-------------------------------------
Mohammad Shafi:
In the name of Allah, the Gracious, the Merciful
-------------------------------------
Muhammad Taqi Usmani:
With the name of Allah, the All-Merciful, the Very-Merciful
-------------------------------------
Muhammad Taqi Ud Din Al Hilali And Muhammad Muhsin Khan:
In the Name of Allah, the Most Beneficent, the Most Merciful
-------------------------------------
Ali Unal:
IN THE NAME OF GOD, THE ALL-MERCIFUL, THE ALL-COMPASSIONATE
-------------------------------------
The Monotheist Group Edition:
In the name of God, the Almighty, the Most Merciful
-------------------------------------
Muhammad Sarwar:
In the Name of Allah, the Beneficent, the Merciful
-------------------------------------
Mustafa Khattab Allah Edition:
In the Name of Allah—the Most Compassionate, Most Merciful
-------------------------------------
Abdul Hye:
In the name of Allah, the Gracious, the Merciful
-------------------------------------
Ali Bakhtiari Nejad:
In the name of God, the Beneficent, the Merciful
-------------------------------------
The Study Quran:
In the Name of God, the Compassionate, the Merciful
-------------------------------------
Safi Kaskas:
In the name of God, the Merciful-to-all, the Mercy Giver
-------------------------------------
Mustafa Khattab God Edition:
In the Name of God—the Most Compassionate, Most Merciful
-------------------------------------
Syed Vickar Ahamed:
In the Name of Allah, the All Merciful, the Ever Merciful; (Ar-Rahman Ar-Raheem)
-------------------------------------
A. J. Arberry:
In the Name of God, the Merciful, the Compassionate
-------------------------------------
Almuntakhab Fi Tafsir Alquran Alkarim:
In the Name of Allah, Al-Rahman (Beneficent) and Al-Rahim (Merciful)
-------------------------------------
Shabbir Ahmed:
With the Glorious Name of Allah, the Instant and Sustaining Source of all Mercy and Kindness
-------------------------------------
Ahmed Ali:
In the name of Allah, most benevolent, ever-merciful
-------------------------------------
John Medows Rodwell:
In the Name of God, the Compassionate, the Merciful
-------------------------------------
Talal Itani:
In the name of God, the Gracious, the Merciful
-------------------------------------
George Sale:
In the name of the most merciful God
-------------------------------------
Mohammad Habib Shakir:
In the name of Allah, the Beneficent, the Merciful
-------------------------------------
Ali Quli Qarai:
In the Name of Allah, the All-beneficent, the All-merciful
-------------------------------------
Edward Henry Palmer:
IN the name of the merciful and compassionate God
-------------------------------------
Abul Ala Maududi:
In the name of Allah, the Merciful, the Compassionate
-------------------------------------
Mufti Taqi Usmani:
With the name of Allah, the All-Merciful, the Very-Merciful
-------------------------------------
Abdullah Yusuf Ali:
In the name of Allah, Most Gracious, Most Merciful
-------------------------------------
Al Bilal Muhammad Et Al:
With God’s Name, the Merciful Benefactor, the Merciful Redeemer
-------------------------------------
Dr Kamal Omar:
With the name of Allah - the Bestower of unlimited mercy, the continuously merciful
-------------------------------------
Literal:
By God`s Name, the Merciful, the Merciful/Most Merciful
-------------------------------------
Wahiduddin Khan:
In the name of God, the Most Gracious, the Most Merciful
-------------------------------------
Dr Munir Munshey:
In the name of Allah, the most Merciful, the most Beneficent
-------------------------------------
Tbirving:
In the name of God, the Mercygiving, the Merciful
-------------------------------------
Hamid S Aziz:
In the name of Allah, the Beneficent, the Merciful
-------------------------------------
Dr Laleh Bakhtiar:
In the Name of God, The Merciful, The Compassionate
-------------------------------------
Muhammad Asad:
In the name of God, The Most Gracious, The Dispenser of Grace
-------------------------------------
Abdul Majid Daryabadi:
In the name of Allah, the Compassionate, the Merciful
-------------------------------------
Ali Quli Qarai:
In the Name of Allah, the All-beneficent, the All-merciful
-------------------------------------
Yusuf Ali Orig:
In the name of God, Most Gracious, Most Merciful
-------------------------------------
N J Dawood:
IN THE NAME OF GOD THE MERCIFUL THE COMPASSIONATE
-------------------------------------
Rowwad Translation Center:
In the name of Allah, the Most Compassionate, the Most Merciful
-------------------------------------
Mir Aneesuddin:
In the Name of God, the Beneficent, The Merciful
-------------------------------------
I Guds, den Barmhjertiges, den Naderikes navn
-------------------------------------
Einar Berg:
I Guds, den Barmhjertiges, den Nåderikes navn
-------------------------------------
D̂wy phranām k̄hx ngxạllxḥˌ p̄hū̂thrng kruṇā prāṇī p̄hū̂thrng mettā s̄emx
-------------------------------------
King Fahad Quran Complex:
Dwy phranam khx ngxallxhˌ phuthrng kruna prani phuthrng metta semx
-------------------------------------
Group From The Society Of Graduates Of Thai Universities And Institutes:
Dwy phranam khx ngxallxhˌ phuthrng kruna prani phuthrng metta semx
-------------------------------------
King Fahad Quran Complex:
ด้วยพระนามของอัลลอฮฺ ผู้ทรงกรุณาปราณี ผู้ทรงเมตตาเสมอ
-------------------------------------
Group From The Society Of Graduates Of Thai Universities And Institutes:
ด้วยพระนามของอัลลอฮฺ ผู้ทรงกรุณาปรานี ผู้ทรงเมตตาเสมอ
-------------------------------------
Group From The Society Of Graduates Of Thai Universities And Institutes:
D̂wy phranām k̄hx ngxạllxḥˌ p̄hū̂thrng kruṇā prānī p̄hū̂thrng mettā s̄emx
-------------------------------------
(Me hyj asej wc) Onyankopͻn din mu, Ahummͻborͻ Hene, Ɔdεεfoͻ Hene
-------------------------------------
Bi navê Yezdanê Dilovan ê Dilovîn
-------------------------------------
Unknown:
Bi nave Yezdane Dilovan e Dilovin
-------------------------------------
Imʺyam Allaha Mylostyvoho, Myloserdnoho
-------------------------------------
Mykhaylo Yakubovych:
Ім’ям Аллага Милостивого, Милосердного
-------------------------------------
Hadi Abdollahian:
V im'ya BOHA, Naybilʹsh Dobrozychlyvoho, Naybilʹsh Myloserdnoho
-------------------------------------
Dr. Mikhailo Yaqubovic:
Ім’ям Аллага Милостивого, Милосердного
-------------------------------------
Yakubovych:
Imʺyam Allaha Mylostyvoho, Myloserdnoho
-------------------------------------
Hadi Abdollahian:
В ім'я БОГА, Найбільш Доброзичливого, Найбільш Милосердного
-------------------------------------
Yakubovych:
Ім’ям Аллага Милостивого, Милосердного
-------------------------------------
奉至仁至慈的真主之名
-------------------------------------
Ma Zhong Gang:
奉普慈特慈的安拉之名
-------------------------------------
Ma Zhong Gang:
Feng pu ci te ci de an la zhi ming
-------------------------------------
Ma Jian:
Feng zhiren zhi ci de zhenzhu zhi ming
-------------------------------------
Ma Zhong Gang:
Fèng pǔ cí tè cí de ān lā zhī míng
-------------------------------------
Ma Jian:
Fèng zhìrén zhì cí de zhēnzhǔ zhī míng
-------------------------------------
Muhammad Makin:
Fèng zhìrén zhì cí de ān lā zhī míng
-------------------------------------
Muhammad Makin:
奉至仁至慈的安拉之名
-------------------------------------
Muhammad Makin:
Feng zhiren zhi ci de an la zhi ming
-------------------------------------
الله ٻاجھاري مھربان جي نالي سان (شروع)
-------------------------------------
M’dzina la Mulungu, Mwini Chifundo ndi Mwini Chisoni Chosatha
-------------------------------------
Khaled Ibrahim Betala:
“M’dzina la Allah Wachifundo chambiri, Wachisoni chosatha
-------------------------------------
အနန္တကရုဏာတော်ရှင်*ဖြစ်တော်မူသော အလွန်သနားကြင်နာတော်မူသော အလ္လာဟ်*အရှင်မြတ်၏နာမတော်ဖြင့်(ကျွန်ုပ်အစပြုပါသည်)။
-------------------------------------
Alin U Yin:
အရာခပ်သိမ်းအပေါ် အစဉ် ကရုဏာထားတော်မူသော အနန္တကရုဏာရှင်၊ အားလုံးအပေါ်မပြတ်မစဲ သနားညှာတာတော်မူသော အကြင်နာရှင်၊ (ဖြစ်တော်မူသည့်) အလ္လာဟ်အရှင်မြတ်၏ဂုဏ်တော်၊ နာမတော်ဖြင့်။
-------------------------------------
Ba Sein:
မဟာဂရုဏာတော်အသျှင်၊ အနန္တကောင်းကြီး မင်္ဂလာတော်သခင်၊ အလ္လာဟ်၏ နာမတော်အားဖြင့် အစပြုပါအံ့။
-------------------------------------
Ghazi Mohammad Hashim:
မပြတ်မစဲ သနားကြင်နာ ညှာတာတော်မူထသော အနန္တ ကရုဏာတော်ရှင် ဖြစ်တော်မူထသော အလ္လာဟ်အရှင်မြတ်၏ နာမံတော်ဖြင့် (အစပြုပါ၏)။
-------------------------------------
En el Nombre de Dios, el Más Misericordioso, el Dispensador de Gracia
-------------------------------------
Muhammad Isa Garcia:
En el nombre de Dios, el Compasivo con toda la creacion, el Misericordioso con los creyentes
-------------------------------------
Abdul Qader Mouheddine, Sirhan Ali Sanchez.:
En el nombre de Allah, Clemente, Misericordioso
-------------------------------------
Muhammad Asad Abdurrasak Perez:
En el Nombre de Dios, el Mas Misericordioso, el Dispensador de Gracia
-------------------------------------
Islamic Foundation:
(Empiezo)[2] con el nombre de Al-lah[3], el Clemente, el Misericordioso[4]. por lo que no da pie a ambigüedades y proviene del artículo árabe al más la palabra ilah (divinidad es un adjetivo solamente atribuible a Al-lah y hace referencia a Su misericordia en el sentido más extenso)
-------------------------------------
Raul Gonzalez Bornez:
En el nombre de Al.lah, el Clementísimo, el Misericordiosísimo
-------------------------------------
Islamic Foundation:
(Empiezo)[2] con el nombre de Al-lah[3], el Clemente, el Misericordioso[4]. por lo que no da pie a ambiguedades y proviene del articulo arabe al mas la palabra ilah (divinidad es un adjetivo solamente atribuible a Al-lah y hace referencia a Su misericordia en el sentido mas extenso)
-------------------------------------
Raul Gonzalez Bornez:
En el nombre de Al.lah, el Clementisimo, el Misericordiosisimo
-------------------------------------
Julio Cortes:
¡En el nombre de Ala, el Compasivo, el Misericordioso
-------------------------------------
Muhammad Isa Garcia:
En el nombre de Dios, el Compasivo con toda la creación, el Misericordioso con los creyentes
-------------------------------------
Islamic Foundation:
(Empiezo)[2] con el nombre de Al-lah[3], el Clemente, el Misericordioso[4]. por lo que no da pie a ambigüedades y proviene del artículo árabe al más la palabra ilah (divinidad es un adjetivo solamente atribuible a Al-lah y hace referencia a Su misericordia en el sentido más extenso)
-------------------------------------
Julio Cortes:
¡En el nombre de Alá, el Compasivo, el Misericordioso
-------------------------------------
Islamic Foundation:
(Empiezo)[2] con el nombre de Al-lah[3], el Clemente, el Misericordioso[4]. por lo que no da pie a ambiguedades y proviene del articulo arabe al mas la palabra ilah (divinidad es un adjetivo solamente atribuible a Al-lah y hace referencia a Su misericordia en el sentido mas extenso)
-------------------------------------
Abdul Qader Mouheddine, Sirhan Ali Sanchez.:
En el nombre de Allah, Clemente, Misericordioso
-------------------------------------
د الله په نامه سره (شروع كوم) چې ډېر زیات مهربان، بې حده رحم كوونكى دى
-------------------------------------
Zakaria Abulsalam:
د الله په نامه سره (شروع كوم) چې ډېر زيات مهربان، بې حده رحم كوونكى دى
-------------------------------------
(Ti piliya) Ni Naawuni yuli, Dunia Nambɔzobonaa, Zaadali Nambɔzobonaa
-------------------------------------
Suru karachi allahara name yini parama karunamaya, ati dayalu.
-------------------------------------
Muhiuddin Khan:
Śuru karachi āllāhara nāmē yini parama karuṇāmaẏa, ati daẏālu.
-------------------------------------
Abu Bakr Zakaria:
Rahamana, rahima [1] allahra name
-------------------------------------
Muhiuddin Khan:
শুরু করছি আল্লাহর নামে যিনি পরম করুণাময়, অতি দয়ালু।
-------------------------------------
Abu Bakr Zakaria:
Rahamāna, rahīma [1] āllāhra nāmē
-------------------------------------
Zohurul Hoque:
আল্লাহর নাম নিয়ে (আরম্ভ করছি), (যিনি) রহমান (--পরম করুণাময়, যিনি অসীম করুণা ও দয়া বশতঃ বিশ্বজগতের সমস্ত সৃষ্টির সহাবস্থানের প্রয়োজনীয় সব ব্যবস্থা অগ্রিম করে রেখেছেন), (যিনি) রহীম (--অফুরন্ত ফলদাতা, যাঁর অপার করুণা ও দয়ার ফলে প্রত্যেকের ক্ষুদ্রতম শুভ-প্রচেষ্টাও বিপুলভাবে সাফল্যমণ্ডিত ও পুরস্কৃত হয়ে থাকে)।
-------------------------------------
Zohurul Hoque:
Āllāhara nāma niẏē (ārambha karachi), (yini) rahamāna (--parama karuṇāmaẏa, yini asīma karuṇā ō daẏā baśataḥ biśbajagatēra samasta sr̥ṣṭira sahābasthānēra praẏōjanīẏa saba byabasthā agrima karē rēkhēchēna), (yini) rahīma (--aphuranta phaladātā, yām̐ra apāra karuṇā ō daẏāra phalē pratyēkēra kṣudratama śubha-pracēṣṭā'ō bipulabhābē sāphalyamaṇḍita ō puraskr̥ta haẏē thākē).
-------------------------------------
Zohurul Hoque:
Allahara nama niye (arambha karachi), (yini) rahamana (--parama karunamaya, yini asima karuna o daya basatah bisbajagatera samasta srstira sahabasthanera prayojaniya saba byabastha agrima kare rekhechena), (yini) rahima (--aphuranta phaladata, yamra apara karuna o dayara phale pratyekera ksudratama subha-pracesta'o bipulabhabe saphalyamandita o puraskrta haye thake).
-------------------------------------
Abu Bakr Zakaria:
রহমান, রহীম [১] আল্লাহ্র নামে [২]
-------------------------------------
S imenom Allaha, Svemilosnog, Milostivog
-------------------------------------
Transliterim:
BISMI ELLAHI ER-REHMANI ER-REHIMI
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
U ime Allaha, Milostivog, Samilosnog
-------------------------------------
Muhamed Mehanovic:
S imenom Allaha, Svemilosnog, Milostivog
-------------------------------------
Besim Korkut:
U ime Allaha, Milostivog, Samilosnog
-------------------------------------
Korkut:
U ime Allaha, Milostivog, Samilosnog
-------------------------------------
Mustafa Mlivo:
U ime Allaha, Milostivog, Milosrdnog
-------------------------------------
Korkut:
U ime Allaha, Milostivog, Samilosnog
-------------------------------------
Besim Korkut:
U ime Allaha, Milostivog, Samilosnog
-------------------------------------
Mustafa Mlivo:
U ime Allaha, Milostivog, Milosrdnog
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
U ime Allaha, Milostivog, Samilosnog
-------------------------------------
Bismil-lahir-rahmanir-rahim: Mit dem Namen ALLAHs, Des Allgnade Erweisenden, Des Allgnädigen, (rezitiere ich)
-------------------------------------
Adel Theodor Khoury:
Im Namen Gottes, des Erbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
A. S. F. Bubenheim And N. Elyas:
Im Namen Allahs, des Allerbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
Abu Rida Muhammad Ibn Ahmad Ibn Rassoul:
Im Namen Allahs, des Allerbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
Amir Zaidan:
Bismil-lahir-rahmanir-rahim: Mit dem Namen ALLAHs, Des Allgnade Erweisenden, Des Allgnadigen, (rezitiere ich)
-------------------------------------
Frank Bubenheim And Nadeem Elyas:
Im Namen Allahs, des Allerbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
Abu Rida Muhammad Ibn Ahmad Ibn Rassoul:
Im Namen Allahs, des Allerbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
A. S. F. Bubenheim And N. Elyas:
Im Namen Allahs, des Allerbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
Frank Bubenheim And Nadeem Elyas:
Im Namen Allahs, des Allerbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
Adel Theodor Khoury:
Im Namen Gottes, des Erbarmers, des Barmherzigen
-------------------------------------
Mulira lia Nyasaye Owetsimbabaasi Owobukoosia
-------------------------------------
Awit ingkang asma Allah kang Maha Murah tur kang Maha Asih
-------------------------------------
Unknown:
Awit ingkang asma Allah kang Maha Murah tur kang Maha Asih
-------------------------------------
În a nume a DUMNEZEU Binevoitor Îndurator
-------------------------------------
Unknown:
În numele lui Allah Cel Milostiv, Îndurãtor [Ar-Rahman, Ar-Rahim]
-------------------------------------
George Grigore:
În numele lui Dumnezeu cel Milos şi Milostiv
-------------------------------------
George Grigore:
In numele lui Dumnezeu cel Milos si Milostiv
-------------------------------------
Unknown:
In numele lui Allah Cel Milostiv, Indurator [Ar-Rahman, Ar-Rahim]
-------------------------------------
KWA JINA LA MWENYEZI MUNGU MWINGI WA REHEMA MWENYE KUREHEMU
-------------------------------------
Abdullah Muhammad Abu Bakr:
Naanza kusoma Qur’an kwa jina la Mwenyezi Mungu nikiomba msaada Wake. «Allah» ni jina la Mwenyezi Mungu, Mwingi wa baraka Mwenye kutukuka, Anayestahiki kuabudiwa na sio mwingine. Nalo ni jina mahsusi zaidi miongoni mwa majina ya Mwenyezi Mungu Aliyetukuka, na haitwi kwa jina hili yoyote isipokuwa Yeye Aliyetakasika na sifa za upungufu. «Al-Raḥmān» Mwenye rehema nyingi Ambaye rehema Zake zimewanea viumbe vyote. «Al-Raḥīm» mwenye kuwarehemu Waumini. Na majina mawili haya, kati ya majina ya Mwenyezi Mungu Aliyetukuka, yanakusanya uthibitishaji wa sifa ya urehemefu kwa Mwenyezi Mungu Aliyetukuka kama inavyonasibiana na haiba Yake
-------------------------------------
Magaca Eebe yaan kubillaabaynaa ee Naxariis guud Naxariista Tu gaarana naxariista
-------------------------------------
Mahmud Muhammad Abduh:
Magaca Eebe yaan kubillaabaynaa ee Naxariis guud iyo mid gaaraba Naxariista
-------------------------------------
Abdullah Hasan Jacob:
Ku Billaabasho Magaca Allaah, ee Naxariis guud,iyo mid gaar ahba Naxariista
-------------------------------------
అపార కరుణామయుడు, పరమ కృపాశీలుడైన అల్లాహ్ పేరుతొ
-------------------------------------
Abdul Raheem Mohammad Moulana:
అనంత కరుణామయుడు అపార కరుణా ప్రదాత అయిన అల్లాహ్ పేరుతో
-------------------------------------
Abdul Raheem Mohammad Moulana:
Ananta karunamayudu apara karuna pradata ayina allah peruto
-------------------------------------
Abdul Raheem Mohammad Moulana:
Ananta karuṇāmayuḍu apāra karuṇā pradāta ayina allāh pērutō
-------------------------------------
allaah ke naam se jo rahamaan va raheem hai.
-------------------------------------
Maulana Azizul Haque Al Umari:
अल्लाह के नाम से, जो अत्यन्त कृपाशील तथा दयावान् है।
-------------------------------------
Maulana Azizul Haque Al Umari:
allaah ke naam se, jo atyant krpaasheel tatha dayaavaan hai
-------------------------------------
Muhammad Farooq Khan And Muhammad Ahmed:
allaah ke naam se jo bada krpaalu aur atyant dayaavaan hain.
-------------------------------------
Suhel Farooq Khan And Saifur Rahman Nadwi:
अल्लाह के नाम से जो रहमान व रहीम है।
-------------------------------------
Muhammad Farooq Khan And Muhammad Ahmed:
अल्लाह के नाम से जो बड़ा कृपालु और अत्यन्त दयावान हैं।
-------------------------------------
En des nom da DI Gracious Merciful
-------------------------------------
Em nome de Deus, o Clemente, o Misericordioso
-------------------------------------
Samir El Hayek:
Em nome de Deus, o Clemente, o Misericordioso
-------------------------------------
Helmi Nasr:
Suratu Al-Fatiha. Em nome de Allah, O Misericordioso, O Misericordiador
-------------------------------------
Helmi Nasr:
Suratu Al-Fatiha. Em nome de Allah, O Misericordioso, O Misericordiador
-------------------------------------
A Konyoruletes es Irgalmas Allah? neveben
-------------------------------------
Dr. Ahmed Abdel Rahman Okfat Tashaab:
A Könyörületes és Irgalmas Allah? nevében
-------------------------------------
奉至仁至慈的真主之名
-------------------------------------
Ma Jian:
Feng zhiren zhi ci de zhenzhu zhi ming
-------------------------------------
Anonymous Group Of Translators:
Feng zhiren zhi ci de zhenzhu zhi ming
-------------------------------------
Anonymous Group Of Translators:
Fèng zhìrén zhì cí de zhēnzhǔ zhī míng
-------------------------------------
Anonymous Group Of Translators:
奉至仁至慈的真主之名
-------------------------------------
Ma Jian:
Fèng zhìrén zhì cí de zhēnzhǔ zhī míng
-------------------------------------
Ырайымдуу, Мээримдүү Аллаһтын аты менен (баштаймын)
-------------------------------------
Shams Al Din Hakimov:
Irayımduu, Meerimdüü Allaһtın atı menen (baştaymın)
-------------------------------------
Shams Al Din Hakimov:
Irayımduu, Meerimduu Allaһtın atı menen (bastaymın)
-------------------------------------
慈悲あまねく慈愛深きアッラーの御名において。
-------------------------------------
Ryoichi Mita:
Jihi amaneku jiai fukaki arrā no o nanioite
-------------------------------------
Ryoichi Mita:
Jihi amaneku jiai fukaki arra no o nanioite
-------------------------------------
Hvala Allahu, Gospodaru svjetova
-------------------------------------
Unknown:
Hvala Allahu, Gospodaru svjetova
-------------------------------------
Mulina lya Allah, Jwaukoto wejinji, Jwachanasa channope
-------------------------------------
Muhammad Bin Abdul Hamid Silika:
Mulina lya Allah, Jwaukoto wejinji, Jwachanasa channope
-------------------------------------
Alavarra arulalanum, nikararra anputaiyonumakiya allahvin tiruppeyaral (otukiren)
-------------------------------------
Jan Turst Foundation:
அளவற்ற அருளாளன், நிகரற்ற அன்பாளன், அல்லாஹ்வின் பெயரால்! (தொடங்குகிறேன்)
-------------------------------------
Jan Turst Foundation:
Alavarra arulalan, nikararra anpalan, allahvin peyaral! (Totankukiren)
-------------------------------------
Abdulhameed Baqavi:
Aḷavaṟṟa aruḷāḷaṉum, nikaraṟṟa aṉpuṭaiyōṉumākiya allāhviṉ tiruppeyarāl (ōtukiṟēṉ)
-------------------------------------
Abdulhameed Baqavi:
அளவற்ற அருளாளனும், நிகரற்ற அன்புடையோனுமாகிய அல்லாஹ்வின் திருப்பெயரால் (ஓதுகிறேன்)
-------------------------------------
Jan Turst Foundation:
Aḷavaṟṟa aruḷāḷaṉ, nikaraṟṟa aṉpāḷaṉ, allāhviṉ peyarāl! (Toṭaṅkukiṟēṉ)
-------------------------------------
بەناوی خوای بەخشندەی میهرەبان
-------------------------------------
Burhan Muhammad Amin:
به ناوی خوای بهخشندهی میهرهبان (به ناوی ئهو خوایهی كانگای ڕهحمهت و سۆزو بهزهییه)
-------------------------------------
ناھايىتى شەپقەتلىك ۋە مېھرىبان ئاللاھنىڭ ئىسمى بىلەن باشلايمەن
-------------------------------------
Muhammad Saleh:
ناھايىتى شەپقەتلىك ۋە مېھرىبان اﷲ نىڭ ئىسمى بىلەن باشلايمەن
-------------------------------------
በአላህ ስም እጅግ በጣም ሩኅሩህ በጣም አዛኝ በኾነው፡፡
-------------------------------------
Muhammed Sadiq And Muhammed Sani Habib:
be’ālahi simi ijigi bet’ami ruḫiruhi bet’ami āzanyi beẖonewi፡፡
-------------------------------------
Muhammed Sadiq And Muhammed Sani Habib:
be’alahi simi ijigi bet’ami ruhiruhi bet’ami azanyi behonewi፡፡
-------------------------------------
Allahacya navane arambha karato, jo motha krpavana ani atisaya daya karanara ahe
-------------------------------------
Muhammad Shafi I Ansari:
Allāhacyā nāvānē ārambha karatō, jō mōṭhā kr̥pāvāna āṇi atiśaya dayā karaṇārā āhē
-------------------------------------
Muhammad Shafi I Ansari:
१. अल्लाहच्या नावाने आरंभ करतो, जो मोठा कृपावान आणि अतिशय दया करणारा आहे
-------------------------------------
W Imie Boga Miłosiernego i Litosciwego
-------------------------------------
Jozefa Bielawskiego:
W Imię Boga Miłosiernego i Litościwego
-------------------------------------
Allahana hesarinda – avanu apara dayalu, karunamayi
-------------------------------------
Abdussalam Puthige:
ಅಲ್ಲಾಹನ ಹೆಸರಿಂದ – ಅವನು ಅಪಾರ ದಯಾಳು, ಕರುಣಾಮಯಿ
-------------------------------------
Abdussalam Puthige:
Allāhana hesarinda – avanu apāra dayāḷu, karuṇāmayi
-------------------------------------
Śura gardachu allāhakō nāmabāṭa jō atyanta dayālu ra ati kr̥pālu cha
-------------------------------------
Ahl Al Hadith Central Society Of Nepal:
शुर गर्दछु अल्लाहको नामबाट जो अत्यन्त दयालु र अति कृपालु छ ।
-------------------------------------
Ahl Al Hadith Central Society Of Nepal:
Sura gardachu allahako namabata jo atyanta dayalu ra ati krpalu cha
-------------------------------------
(আৰম্ভ কৰিছো) পৰম কৰুণাময় পৰম দয়ালু আল্লাহৰ নামত
-------------------------------------
Shaykh Rafeequl Islam Habibur Rahman:
(Arambha karaicho) parama karaunamaya parama dayalu allahara namata
-------------------------------------
Shaykh Rafeequl Islam Habibur Rahman:
(Ārambha karaichō) parama karauṇāmaẏa parama daẏālu āllāhara nāmata
-------------------------------------
Рәхимле шәфкатьле Аллаһ исеме белән башлыйм эшемне
-------------------------------------
Mərhəmətli və Rəhmli Allahın adı ilə
-------------------------------------
Alikhan Musayev:
Mərhəmətli və Rəhmli Allahın adı ilə
-------------------------------------
Vasim Mammadaliyev And Ziya Bunyadov:
Mərhəmətli, rəhmli Allahın adı ilə
-------------------------------------
Vasim Mammadaliyev And Ziya Bunyadov:
Mərhəmətli, rəhmli Allahın adı ilə
-------------------------------------
Khan Musayev:
Mərhəmətli və Rəhmli Allahın adı ilə
-------------------------------------
Alikhan Musayev:
Mərhəmətli və Rəhmli Allahın adı ilə
-------------------------------------
가장 자비로우시고 가장 자애로우신 하나님의 이름으로
-------------------------------------
Unknown:
jabilousigo jaaelousin hananim-ui ileum-eulo
-------------------------------------
Unknown:
자비로우시고 자애로우신 하나님의 이름으로
-------------------------------------
Hamid Choi:
gajang jabilousigo gajang jaaelousin hananim-ui ileum-eulo
-------------------------------------
અલ્લાહ ના નામથી જે અત્યંત કૃપાળુ અને દયાળુ છે
-------------------------------------
Rabila Al Omari:
Allāha nā nāmathī jē atyanta kr̥pāḷu anē dayāḷu chē
-------------------------------------
Rabila Al Omari:
Allaha na namathi je atyanta krpalu ane dayalu che
-------------------------------------
අසීමිත දයාව හා අසමසම අනුකම්පාවෙන් යුතු අල්ලාහ්ගේ නාමයෙන්
-------------------------------------
Naseem Ismail And Masoor Maulana, Kaleel:
asīmita dayāva hā asamasama anukampāven yutu allāhgē nāmayen
-------------------------------------
Naseem Ismail And Masoor Maulana, Kaleel:
asimita dayava ha asamasama anukampaven yutu allahge namayen
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
aparimita dayanvita asamasama karunanvita vu allah ge namayeni
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
aparimita dayānvita asamasama karuṇānvita vū allāh gē nāmayeni
-------------------------------------
Www.islamhouse.com:
අපරිමිත දයාන්විත අසමසම කරුණාන්විත වූ අල්ලාහ් ගේ නාමයෙනි
-------------------------------------
Nhân danh Allah, Đấng Độ Lượng, Đấng Khoan Dung
-------------------------------------
Hassan Abdulkarim:
Nhan danh Allah, Đang Rat Muc Đo Luong, Đang Rat Muc Khoan Dung
-------------------------------------
Hassan Abdulkarim:
Nhân danh Allah, Đấng Rất Mực Độ Lượng, Đấng Rất Mực Khoan Dung
-------------------------------------
Rowwad Translation Center:
Nhan danh Allah, Đang Đo Luong, Đang Khoan Dung
-------------------------------------
En el nom d'Al·là El Compassiu El Misericordiós
-------------------------------------
Youssef Lyoussi:
En el nom d'Al·la El Compassiu El Misericordios
-------------------------------------
V the vola sa z GOD Gracious Merciful
-------------------------------------
Okombo ya Allah wa boboto atonda ngolu
-------------------------------------
Suru alaha de nama nala jihara ati'ata miharabana ate rahima farama'una vala hai
-------------------------------------
Dr. Muhamad Habib, Bhai Harpreet Singh, Maulana Wahiduddin Khan:
Śurū alāha dē nāma nāla jihaṛā ati'ata miharabāna atē rahima faramā'uṇa vālā hai
-------------------------------------
Dr. Muhamad Habib, Bhai Harpreet Singh, Maulana Wahiduddin Khan:
ਸ਼ੁਰੂ ਅੱਲਾਹ ਦੇ ਨਾਮ ਨਾਲ ਜਿਹੜਾ ਅਤਿਅੰਤ ਮਿਹਰਬਾਨ ਅਤੇ ਰਹਿਮ ਫ਼ਰਮਾਉਣ ਵਾਲਾ ਹੈ।
-------------------------------------
In nome di Allah, il Compassionevole, il Misericordioso
-------------------------------------
Hamza Roberto Piccardo:
In nome di Allah, il Compassionevole, il Misericordioso
-------------------------------------
Ní orúkọ Allāhu, Àjọkẹ́-ayé, Àṣàkẹ́-ọ̀run
-------------------------------------
Shaykh Abu Rahimah Mikael Aykyuni:
Ni oruko Allahu, Ajoke-aye, Asake-orun
-------------------------------------
Ind den navn af GUD Gracious Barmhjertigest
-------------------------------------
Van De Taal:
In naam van Allah, de Barmhartige, de Genadevolle
-------------------------------------
Egameni likaAllah onomusa onesihawu
-------------------------------------
In de naam van Allah, de Erbarmer, de Meest Barmhartige
-------------------------------------
Unknown:
In naam van Allah, de Barmhartige, de Genadevolle
-------------------------------------
Fred Leemhuis:
In de naam van God, de erbarmer, de barmhartige
-------------------------------------
Salomo Keyzer:
In naam van den lankmoedigen en albarmhartigen God
-------------------------------------
В името на Аллах, Всемилостивия, Милосърдния
-------------------------------------
Tzvetan Theophanov:
V imeto na Allakh, Vsemilostiviya, Milosurdniya
-------------------------------------
Tzvetan Theophanov:
V imeto na Allakh, Vsemilostiviya, Milosŭrdniya
-------------------------------------
Ka lebitso la Allah, Ea Lereko, Ea Mohau
-------------------------------------
I GUDS, DEN NADERIKES, DEN BARMHARTIGES NAMN
-------------------------------------
Knut Bernstrom:
I GUDS, DEN NÅDERIKES, DEN BARMHÄRTIGES NAMN
-------------------------------------
Меҳрибон ва раҳмли Аллоҳ номи билан (бошлайман)
-------------------------------------
Alaaudeen Mansour:
Меҳрибон ва раҳмли Аллоҳнинг номи билан бошлайман
-------------------------------------
Muhammad Sodik Muhammad Yusuf:
Меҳрибон ва раҳмли Аллоҳнинг номи билан бошлайман. (Аллоҳ таоло ўз китобини бисмиллаҳ билан бошлагани мусулмонларга ҳам ўрнак, улар ҳам доим ўз сўзларини ва ишларини бисмиллаҳ билан бошламоқлари лозим. Пайғамбар алайҳиссалом ҳадисларидан бирида: Эътиборли ҳар бир иш бисмиллаҳ билан бошланмас экан, унинг охири кесикдир, деганлар. Яъни, баракаси бўлмайди, охирига етмайди)
-------------------------------------
S yisem n Oebbi, Aenin Ipeunun
-------------------------------------
Ramdane At Mansour:
S yisem n Öebbi, Aênin Ipêunun
-------------------------------------
knongnam a l laoh mha sabborsa mha anet sraleanh
-------------------------------------
Cambodian Muslim Community Development:
ក្នុងនាមអល់ឡោះមហាសប្បុរស មហាអាណិតស្រឡាញ់។
-------------------------------------
Ku lw’erinnya lya Katonda omusaasizi oweekisa ekingi, omusaasizi oweekisa ekyenjawulo
-------------------------------------
Fulte Racmattaay,Gunê Racmatta- le Yallih Migaaqal Qimbisa
-------------------------------------
(Barakat nyabut) dama Allah nang Maha Pangasih, Maha Panyayang
-------------------------------------
بنام الله بخشندۀ مهربان
-------------------------------------
Sa ngalan ni Allāh, ang Napakamaawain, ang Maawain
-------------------------------------
Abdullatif Eduardo M. Arceo:
Sa Ngalan ni Allah, ang Pinakamahabagin, ang Pinakamaawain
-------------------------------------
У име Аллаха, Милостивог, Самилосног
-------------------------------------
Ngon Nama Allah lon peuphon surat Tuhan Hadharat nyang Maha Murah Tuhanku sidroe geumaseh that-that Donya akhirat rahmat Neulimpah
-------------------------------------
Kw’izina ry’Imana nyene Imigisha myinshi, na nyene Imigisha mito mito
-------------------------------------
In die Naam van Allah, die Barmhartige die Genadige
-------------------------------------
رحمن ވަންތަ رحيم ވަންތަ اللَّه ގެ اسم ފުޅުން ފަށައިގަންނަމެވެ
-------------------------------------
Si-i ko ngaran o Allah, a Masalinggagao, a Makalimo-on
-------------------------------------
In the cognomen de DEUS Gracious Merciful
-------------------------------------
בשם אללה הרחמן הרחום
-------------------------------------
Unknown:
בשם אלוהים הרחמן הרחום
-------------------------------------
Dengan nama Allah, Yang Maha Pemurah, lagi Maha Mengasihani
-------------------------------------
Sii ko ngaran o Allah, a Masalinggagaw, a Makalimoon
-------------------------------------
Aloitan JUMALAN, laupiaan Armahtajan, nimeen
-------------------------------------
Unknown:
Aloitan JUMALAN, laupiaan Armahtajan, nimeen
-------------------------------------
Egameni lika-Allâh1, uSolubabalo, uSozinceba
-------------------------------------