اتسعت دوائر العنوسة في منطقة المغرب العربي لأسباب متعددة، حتى أصبحت هما مشتركا بين الجنسين .ما هي أسباب هذه الظاهرة الاجتماعية ؟ وما نتائجها على الأمدين القريب والبعيد ؟ وهل من سبيل إلى تيسير حياة أولادنا ؟في البداية على غرار دول إسلامية كثيرة، تشهد منطقة المغرب العربي تفشي ظاهرة العنوسة التي باتت تقض كثيرا من المضاجع .وبلغة الأرقام نسجل أن نساء المغرب أكثر عددا من رجاله، حسب الإحصائيات الرسمية، التي تكشف تأخر معدل سن الزواج ، عما كان عليه قبل عقود معدودة، إذ أصبح في حدود 27 سنة بالنسبة للأنثى التي كانت تتزوج قبل الخامسة عشرة من عمرها في كثير من الحالات، فيما تجاوز هذا المعدل ثلاثين سنة بالنسبة للذكور الذين كان آباؤهم يزوجونهم منذ السادسة عشرة.ويعتبر بعض الباحثين أن العنوسة تمس بصفة خاصة أبناء الطبقة المتوسطة، على اعتبار أن أبناء الأسر الميسورة يتزاوجون فيما بينهم ، وحتى إذا تعذر ذلك فيسهل على الواحد أو الواحدة منهم العثور على عريس ، ولو بالواسطة . خاصة أن كل الظروف والإمكانيات متوفرة لديه ، فيما يقبل أبناء الطبقة الكادحة" أي زواج" دون أي اشتراطات، حسب ذات المصدر.الأسبابيمكن أن نخلص أسباب العنوسة المعاصرة تحت عنوان واحد: التطورات الجذرية التي شهدتها المنطقة خلال القرن العشرين، بما فيها من تغييرات عمرانية واجتماعية ومعرفية ونفسية…جرت كلها تحت تأثير غربي كاسح، فقد توسعت المدن حتى أصبحت غابات إسمنتية تخفي أكثر ما تعلن ، وأصبح الإنسان لا يعرف جاره ، وساهم التوظيف الإداري في تشتيت أفراد العائلة الواحدة بين مناطق مختلفة، وانتقل المجتمع تدريجيا من أسرة تجمع الأعمام وأولادهم في بيت الجد الفسيح ، إلى أسر موزعة بين الشقق الضيقة المتراصة في العمارات الحديثة.الدكتور جمال الدين قطيوط (محلل نفسي) يؤكد أن من أهم أسباب هذه الظاهرة، انعدام الثقة بين الجنسين، لأن الموضوع أصبح أمراً مشتركا بين طرفين متكافئين، ولم يعد حكرا على الرجل كما جرت العادة في الأسرة التقليدية، يضاف إلى ذلك توسع هامش الاستقلالية التي أصبح يتوفر عليها الذكر والأنثى على حد سواء، سواء فيما بينهما، أو في علاقة كل منهما مع أسرته، مع تضخم حب الذات لدى الطرفين، وخاصة لدى الأنثى التي تعتقد أن أمها عاشت تحت السيطرة، وتسعى ألا تعيد تجربتها.ويضيف باحثون اجتماعيون سببا آخر هو تراجع الثقة في مؤسسة الزوجية، ذلك أن ثلث الزيجات التي ترتبط في فصل الصيف تنتهي بالطلاق قبل فصل الشتاء ، حسب المصادر الرسمية، التي تؤكد أن أكثر من نصف أزواج صيف 2000 تطلقوا قبل حلول صيف 2001، بل إن نسبة سبعين في المئة من الزيجات لا تبلغ السنة الثالثة لارتباطها، علما بأن جزءا من البيوت لا تضمن استمرارها سوى بتحمل أحد الطرفين.ومن أهم أسباب العنوسة أيضا طول فترة الدراسة التي يأخذ من عمر الطالب أعواماً كثيرة، فهو لا يتخرج من الجامعة قبل الخامسة والعشرين في أحسن الاحتمالات، ولا يستطيع "تكوين وضعه الاجتماعي" (بتوفير مسكن وتأثيثه) قبل خمس سنوات من العمل، وبالتالي، فإن الشباب الجامعي لا يستطيع أن يفكر في الإقدام على الزواج قبل سن الثلاثين، في أحسن الأحوال.وهناك شابات راهنّ على تحسين الوضعية الاجتماعية من خلال إتمام الدراسة، فلم يقبلن الخطاب حين طرقوا أبوابهن وهن دون العشرين، وبعد أن تخرجن واشتغلن، وهن على مشارف الثلاثين، لم يطرق بابهن طارق، ورغم أن الأسر المغاربية لا تبالغ في ثمن المهر، بل وتتعاون على مواجهة الحدث السار، وفي كثير من الحالات تغض الطرف عن الاحتفال المكلف، فإن الضائقة المادية تشكل عقبة كأداء في وجه الشباب، في زمن طالت البطالة ثلث المتخرجين الجامعيين، وتضخمت الحاجيات في مجتمع يستهلك أضعاف ما ينتج، علما أن فتح بيت في مدينة كبرى مثل الدار البيضاء أو الرباط، يعتبر خارج طاقة متخرج جامعي موظف في إدارة عمومية، أما بناؤه فهو رابع المستحيلات، بالنسبة للأغلبية المسحوقة.العنوسة الاختياريةاللافت للانتباه في هذا المجال، ظهور حالات متعددة من " العنوسة الاختيارية" التي تتوسع رقعتها يوما عن يوم ، وتتغذى هذه الحالة من الاستقلالية التي اكتسبتها الفتاة الموظفة سواء إزاء أسرتها أو قدرتها المادية.واحدة من هذه الحالات تختصرها أستاذة في الرباط بقولها: "أنا عانس لأنني لم أعثر بعد على شريك حياتي، أما الزوج، بمفهومه السلطوي، فهو موجود بكثرة، لكنني أبحث عن شريك حياة يقدر اهتماماتي ويفهمني، وهذا لم أعثر عليه بعد". وقالت أخرى" أنا أعيش وحيدة، خير من العيش مع زوج سيئ".ويعتبر محللون أن هذا ما هو إلا نتيجة للتحولات الاجتماعية الناجمة عن التأثر الغربي، وضعف الوازع الديني ، وهو ما يجعل علاقة الجنسين ممكنة خارج شرعية مؤسسة الزوجية، دون التزامات ولا مسؤولية، ولو أن هذا الرأي "الموضة" تتنكر له العصريات "المستغربات" بعد أن يتقدمن في السن إذ لا يصح إلا الصحيح....والنتائجالباحث الإسلامي الدكتور عبد القادر عمارة يلخص نتائج ظاهرة العنوسة في نوعين:- نتائج آنية تمس الأفراد، ويعني الشابات والشباب الذين يحلمون بالاستقرار في حضن مؤسسة الزوجية الطبيعية، وإنجاب الأولاد، وهؤلاء تستمر معاناتهم وعدم استقرارهم طالما لم يتزوجوا ، بل وتعيش الفتاة التي تأخر زواجها مثقلة بصفة "باير" (عانس) التي تدعو إلى الشك واعتقاد أن بها عيبا ما.- ونتائج على الأمد البعيد تهدد استقرار المجتمع قاطبة. إذ أن هذه الظاهرة في الظروف الحالية تساهم في إشاعة وسلوكيات منحرفة، حين يقع تصريف العلاقة بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج، لأن العلاقات تصبح مفتوحة على مصراعيها، وعلى كافة الشرور والمخاطر، وكلها أسباب لنتائج أخرى أكثر فداحة تتمثل في ارتفاع أعداد ما أصبح يعرف باسم "الأمهات العازبات" وا رتفاع أعداد أطفال لا نسب لهم، في مجتمع نسابة، يتجاوز حد الجد العاشر، وبذلك تنقرض العلاقات الأسرية الحميمية، وتشيع الأنانية فيحصر الإنسان اهتمامه بنفسه.والمؤكد أن مستقبل مجتمع يسير على هذا الدرب لن يكون غير ما وصلت إليه المجتمعات الغربية، بريطانية وكندية وبلجيكية، حيث وصل الأمر بالأزواج في إيطاليا إلى الاتفاق على عدم الإنجاب، ليحتفظ كل منهما بحريته كاملة، حتى أن هناك اليوم دول غربية تحث مواطنيها على الإنجاب مقابل حوافز كبيرة، ومع ذلك تبقى الاستجابة محدودة جدا ً، وهذا ما يهدد هذه المجتمعات التي أصبح شيوخها أكثر عدا من أطفالها.ويرى الدكتور عمارة أن هذه الظاهرة التي تستدعي علاجاً فوريا قبل فوات الأوان، لا يمكن معالجتها بالمسكنات، فلا بد من مقاربة شمولية للموضوع، مؤكدا على ضرورة استحضار البعد الديني في المسألة، فنحن أمة دينها الإسلام الذي يصرف العلاقة بين الجنسين داخل مؤسسة الزواج، والذي يحث على التكاثر، وينوه بمن يوهب جزءا من حياته لتربية أولاده باعتبارهم مستقبل الأمة وكفالة والديه باعتبارهما الأصل و"لا ينكر أصله غير البغل" حسب المثل المغربي.والمؤكد أن عدم استحضار البعد الديني يفرغ هذه المقاربة من حمولتها، ذلك أن هذا البعد يحض على الإحصان والإعفاف، في وقت مبكر، بنوع من التكافل بين الأسر لإنقاذ أبنائها من ظاهرة محفوفة بالمخاطر، وهناك توجه اجتماعي يتشكل لتخفيف الأعباء، ويقضي بأن يتزوج الشباب متى ما أحسوا الحاجة لذلك على سنة الله ورسوله، ويبقى كل من الزوجين في كنف والديه إلى أن يصبحا قادرين على فتح بيت الزوجية.وهذه المقاربة الشمولية لا يمكن أن تتم بمعزل عن البعد الاقتصادي والاجتماعي، من خلال التركيز على تنمية المجتمع اقتصاديا كي يستطيع الشباب حل إشكالياته المادية، فمنطقة المغرب العربي تتوفر على فرص تنموية متنوعة تشمل الخيرات الطبيعية والمؤهلات البشرية.إلى جانب هذا الجهد التنموي، يؤكد الباحث المغربي على ضرورة مراجعة القواعد الأساسية للتربية والتكوين بحيث تصبح قادرة على صياغة الشخص المبادر الذي يعول على نفسه، يكفي أن نضمن له انتفاء المحسوبية، وبذلك نضع حدا لتربية تصوغ أفواجا من الاتكاليين الذين يعولون على الإدارة، وهي عاجزة عن تشغيلهم، بينما السنون تمضي من أعمارهم وهم لهم يفتحوا بيوتهم بعد.