يألف الإنسان غيره من الناس ويحرص على مخالطتهم ويتعاون معهم لما في ذلك من قضاء المصالح والحاجات. وقد شرع الإسلام آدابًا لتنظيم العلاقات الإنسانية توجب على المسلم أن يلتزم بها حتى تقوى الروابط ويشتد أزرها.وحتى لا يختلط الرجال بالنساء ويدخلون عليهنَّ في أوقات الخلوات أرشدنا المولى تبارك وتعالى إلى الآداب الشرعية لدخول البيوت فأمرنا بالاستئذان قبل الدخول وإلقاء السلام بعد ذلك. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)[النور:27، 28]. وقد اشتملت سورة النور على آداب الاستئذان وهي:أولاً: أن الله سبحانه وتعالى نهانا عن دخول بيوت الغير إلا بالاستئذان؛ لذلك يجب على الزائر أن يستأذن قبل أن يدخل، وكلمة الاستئناس الواردة في الآية أشمل من كلمة الاستئذان كما يرى العلامة أبو الأعلى المودودي في تفسيره لسورة النور ومعنى (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي حتى تعرفوا أنس أهل البيت بدخولكم عليهم.وطريقة الاستئذان هي: أن يقف الزائر عند الباب ويستأذن دون أن ينظر إلى ما بداخل البيت حتى لا يطلع على عورات النساء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". كما يجب على الزائر أن يستأذن ثلاث مرات فإن لم يؤذن له فليرجع ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع".ثانيًا: إذا أذن للزائر بالدخول وجب عليه أن يلقي السلام على أهل البيت، وهذا ما تشير إليه الآية السابقة. وقد روي أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: "اخرج إلى هذا وعلمه الاستئذان ، فقل له: فليقل السلام عليكم أأدخل؟". وقد جعل الله سبحانه وتعالى تحية المسلمين بهذا اللفظ إشعارًا بأن الدين الإسلامي دين الأمان والسلام، وأن المسلمين هم أهل السلم ومحبو السلام ودعاة التآلف. وقد جاء في الحديث الشريف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانًا لأهل ذمتنا" رواه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان .ثالثًا: إذا لم يكن في البيت أحد فلا يصح أن يقتحم وتنتهك حرمته ؛ لأن للبيوت حرمة ولا يحل دخولها إلا بإذن أصحابها، روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أأستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: "أتحب أن تراها عارية؟" قال: لا. قال: "استأذن عليها". ويترتب على هذا أن ينتظر الزائر عند الباب حتى يؤذن له بالدخول (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ).رابعًا: أن البيت ليس معدًا للزيارة في كل الأوقات، فقد يكون الوقت غير مناسب كالأوقات التي يتخفف فيها أهل البيت من ملابسهم ويأوون إلى فرشهم، فإذا أشير للزائر بالرجوع فليفعل دون أن يضيق صدره حرجًا: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ). وقد بين لنا المولى تبارك وتعالى الأوقات التي تكره فيها الزيارة وهي: قبل صلاة الفجر، وعند الظهيرة، وبعد صلاة العشاء. وهي الأوقات التي يجب أن نعلم الأطفال ألا يدخلوا البيوت فيها إلا بعد الاستئذان كما يجب على العبيد والإماء ذلك.أما الأوقات الأخرى فللصغار والعبيد والإماء حرية الدخول، لما في ذلك من قضاء المصلحة والخدمة، وهذا ما تشير إليه الآية. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[النور:58].وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلامًا من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة ليدعوه فوجده نائمًا فدق عليه الغلام الباب ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء، فقال: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول في مثل هذه الأوقات إلا بإذن.. ثم انطلق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجد الآية قد أنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) فخر ساجدًا شكرًا لله تعالى.خامسًا: إذا بلغ الأطفال مبلغ الرجال فإنه يترتب عليهم ما يترتب على الرجال أي أن دخول البيوت يكون بعد الاستئذان، قال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[النور:59].سادسًا: أن البيوت غير المسكونة (الأماكن العامة) كالفنادق والدكاكين والمؤسسات وغيرها يكون دخولها بغير استئذان؛ لأنها لا تماثل البيوت في حرمتها وليس فيها عادة ما يخشى النظر إليها، لأنها جعلت ليأوي إليه كل إنسان للمنفعة المرجوة منها كالاستظلال من الحر وإيواء الأمتعة في الفنادق، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)[النور:29].ومجمل القول أن الله تبارك وتعالى قد أنار لنا الحياة بتشريع هذه الآداب والفضائل الإنسانية من أجل تطهير المجتمع من الفساد والاختلاط، وقد هدانا إلى ما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة حفاظًا عليها من عوامل التفكك والانحلال الخلقي. هذا وحسبنا أننا قد أشرنا إلى بعض الآداب الشرعية التي يجب أن يتربى عليها المسلمون أفرادًا وجماعات، وما لم نشر إليه أكثر من هذا، وقد اشتملت عليه سورة النور، ولهذا كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أهل الكوفة يقول لهم: "علموا نساءكم سورة النور".