منذ بدأت أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم وضح مدى الصلف والاستعلاء الذي تعاملت به الحكومة الدنماركية مع القضية غير مبالية بمشاعر أكثر من مليار مسلم يتأذون بما يصيب دينهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم. وحين سارت المظاهرات والمسيرات الشعبية في مختلف البلاد الإسلامية منددة بهذه الرسوم وبرد الفعل الرسمي الدنماركي لم يحرك ذلك ساكنًا. وحين لجأت الشعوب المسلمة إلى سلاح المقاطعة الاقتصادية أبدى بعض أصحاب الشركات هناك التخوف من هذه المقاطعة؛ لكنَّ نفرًا من المسئوولين هناك راهنوا على عامل الوقت في تهدئة خواطر ومشاعر المسلمين. وكان من الأمور اللافتة إصرار القوم على عدم الاعتذار وكأنهم غير متضررين من شيء حتى بعد بدء المقاطعة، لكن من الأمور التي زرعت الأمل في نفوس المسلمين بجدوى هذه المقاطعة أنها كانت شبه شاملة للعالم الإسلامي كله، وشارك فيها أصحاب رؤوس الأموال والتجار غيرة على نبيهم صلى الله عليه وسلم وانتصارًا له. لكن المتابع للأزمة يتملكه العجب حين يرى أن بعض هؤلاء التجار بدأ مع مرور الوقت في إعادة طرح المنتجات الدنماركية في الأسواق مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن. وهنا تثور في النفس التساؤلات المقرونة بالحزن والألم، ومنها: هل كان المسؤولون الدنماركيون أخبر وأعلم بنا من أنفسنا حين راهنوا على الزمن في تجاوز الأزمة دون أن يقدموا ولو اعتذارًا لا يكلفهم شيئًا. هل أصبحت المكاسب المادية العاجلة أهم عندنا من كرامتنا وعزتنا، بل من ديننا وعقيدتنا ونبينا صلى الله عليه سلم؟ ما دور الدعاة الآن في توجيه الناس وقيادة الأمة في أزمة كهذه لو ثبت فيها المسلمون لتحقق لهم الكثير؟ ما المكاسب التي جناها المسلمون حين ذهب بعضهم إلى الدنمارك محاورًا – بزعمه – مقابل الثمن الباهظ الذي دفعته الأمة نتيجة هذه الدعوة، وأقل ما دفعناه هو هذا التشرذم والاضطراب الذي حل بالأمة نتيجة هذه الدعوة وما تلاها من تحركات؟ إن قلة صبر أبناء الأمة يطمع فيها أعداءها ويجعلهم يتعاملون معها بنوع استعلاء وتكبر كما هو الحاصل الآن في هذه القضية،حتى إن المدعي العام في الدنمارك رفض توجيه اتهامات ضد الصحيفة التي نشرت الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ،بل اعتبر المدعي العام أن الصحيفة لم تنتهك قانون ازدراء الأديان الدانماركي لنشرها 12 رسما كاريكاتيريا تستهزىء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.أما الصحيفة نفسها فقالت في وقت سابق : إن الناس يجب أن يكونوا مستعدين لتقبل النقد اللاذع والسخرية والتهكم في إطار حرية التعبير. (ولا نحتاج هنا لإعادة ما ذكرناه بشأن حرية التعبير المزعومة وإلا فلينتقدوا ملكتهم أو ليسخروا منها). إن المسلمين من أفراد ومسؤولين وتجار وغيرهم مطالبون بالدفاع عن نبيهم والصبر على ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (سورة آل عمران: 200) ونختم مقالنا بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} [التوبة:38].