مَثَلُ إنفاق الكافرين
جاري تجهيز الصوت…
من الأمثال القرآنية التي ضربها الله للناس، ليعقلوا من خلالها حقائق الأشياء، وليدركوا على ضوئها وقائع الأمور، بحيث يميزون الخبيث من الطيب، ويفرقون بين المنافق والمؤمن، ويعلمون الباطل من الحق، قوله تعالى واصفًا حال الكافرين: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون } (آل عمران:117) .
فهذه الآية ضربها الله مثلاً لأهل الكفر - ومن كان على شاكلتهم - مبينًا لحالهم في هذه الحياة، وما ينفقونه من أموال في جهات الخير، أو في جهات الشر .
ويذكر أهل التفسير أكثر من قول، في السبب الذي نزلت لأجله الآية الكريمة؛ فقيل: إنها نزلت في نفقة قريش يوم بدر وأحد في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: إنها نزلت في نفقة اليهود على علمائهم ورؤسائهم؛ وقيل: إنها نزلت في نفقات جميع الكفار وصدقاتهم في الدنيا؛ وقيل: إنها نزلت في نفقة المرائين، الذين لا يقصدون وجه الله فيما ينفقونه من أموال .
ومهما يكن سبب نزول الآية، فإن المثل الوارد فيها، ينطبق على كل ما تقدم ذكره؛ حيث إنه يصور حال الكافرين والمنافقين، الذين أمدهم الله بعطائه، وأنعم عليهم من نعمائه، ثم هم ينفقون أموالهم؛ إما في وجوه مشروعة، كالتصدق على الفقراء والمحتاجين، وكالقيام بالخدمات الصحية والتربوية، من بناء للمشافي والمدارس ونحوهما؛ وإما في وجوه غير مشروعة، كالبذخ على الناس بقصد المفاخرة، وكسب الثناء الجميل، وكالبذل على الأنصار والأعوان بقصد الدعم والتأييد، وكالقيام بمشاريع تخدم في النهاية عقائدهم ومصالحهم، وهم في كل ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فإذا قَدِموا الآخرة، وجدوا ما قدموه، لا قيمة له في ميزان الله سبحانه؛ لأنهم افتقدوا الأساس الذي يقوم عليه كل عمل مقبول، وهو الإيمان بالله سبحانه .
ففي هذا المثل القرآني، يشبه سبحانه حال الأموال التي ينفقها الكافرون والمنافقون، كحال مَن زرع زرعًا يرجو ثمرته، ويؤمِّل إدراك نفعه، فبينما هو يعيش بين حالة الرجاء، وحالة الأمل، إذ أصابت زرعه ريح شديدة البرودة، فأهلكت ذلك الزرع، وهو أحوج ما يكون إليه؛ ولم يحصل له إلا التعب والعناء مما قدَّم، والحسرة والندامة على ما كان يرجو ويأمل؛ فكذلك هؤلاء الكفار الذين قال الله فيهم: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } .
وربما ينفق بعض الناس أموالاً على أمور ظاهرها الخير - كما يفعل أهل التنصير في بعض بلاد المسلمين اليوم - من إقامة المؤسسات الاجتماعية والخيرية، وبناء المستشفيات والمراكز الصحية، وتشييد المدارس التعليمية، وربما يقدمون مساعدات إلى الفقراء والمحتاجين، أو يحسنون إلى الضعفاء والمساكين، أو يواسون الأيتام والمنكوبين، وهم يرجون من وراء ذلك تحقيق أهداف معينة، أو يبتغون الوصول إلى مصالح محددة. فهذه الأموال المنفقة على هذه الجهة أو تلك، لا تعود عليهم بالنفع في الآخرة، وإن كانوا يجازون عليها في الحياة الدنيا؛ لأن القصد منها قصد غير شرعي، وثمرتها كثمرة ذلك الزرع الذي أصابته تلك الريح الباردة، فلم تبق منه شيئًا، { فأصبح هشيما تذروه الرياح } (الكهف:45) .
وفي قوله تعالى: { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } - كما قال ابن القيم - تنبيه على أن سبب إصابة الريح لحرث أولئك القوم، أنهم ظلموا أنفسهم؛ حيث كفروا بآيات الله، وكذبوا رسوله، وحرصوا على إطفاء نور الله، وأنفقوا أموالهم على غير منهج الله سبحانه .
ومن المناسب أن نشير هنا إلى أن أعمال أهل الكفر التي ظاهرها الصلاح والنفع، قد تعود على أصحابها بالثواب الدنيوي المادي والمعنوي، كالسعة في المال، والكثرة في الولد، وكالذكر الحسن والثناء الجميل بين الناس، ونحو ذلك. وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة من الدنيا )، رواه مسلم؛ غير أن هذه الأعمال الصالحة لا تفيد أصحابها في الآخرة، إذا لم يؤمنوا بالله قبل وفاتهم؛ يرشد لهذا، قوله عليه الصلاة والسلام: (... وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها )، رواه مسلم .
أما إذا توفاهم الله على الإسلام، فإن تلك الأعمال التي فعلوها حال كفرهم، تنفعهم يوم القيامة، وتخفف عنهم من العذاب، بمقدار ما قدموا من عمل صالح. يبين هذا المعنى، قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله سبحانه )، رواه الدار قطني في غريب حديث مالك؛ ومعنى ( زلفها ) أي: قدمها وعملها .
وحاصل هذا المثل القرآني، أن جزاء أعمال العباد في الآخرة، مرتبط كل الارتباط بالإيمان بالله، والسير على نهجه؛ فلا جزاء على بذل، إلا إذا ارتبط بمنهج الإيمان، ولا قيمة لعمل، إلا إذا كان باعثه طاعة الله وطاعة رسوله؛ والقاعدة في كل ذلك، قوله تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين } (المائدة:27)، ومقتضى التقوى العمل على وفق ما أمر به الشرع .
من الأمثال القرآنية التي ضربها الله للناس، ليعقلوا من خلالها حقائق الأشياء، وليدركوا على ضوئها وقائع الأمور، بحيث يميزون الخبيث من الطيب، ويفرقون بين المنافق والمؤمن، ويعلمون الباطل من الحق، قوله تعالى واصفًا حال الكافرين: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون } (آل عمران:117) .
فهذه الآية ضربها الله مثلاً لأهل الكفر - ومن كان على شاكلتهم - مبينًا لحالهم في هذه الحياة، وما ينفقونه من أموال في جهات الخير، أو في جهات الشر .
ويذكر أهل التفسير أكثر من قول، في السبب الذي نزلت لأجله الآية الكريمة؛ فقيل: إنها نزلت في نفقة قريش يوم بدر وأحد في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: إنها نزلت في نفقة اليهود على علمائهم ورؤسائهم؛ وقيل: إنها نزلت في نفقات جميع الكفار وصدقاتهم في الدنيا؛ وقيل: إنها نزلت في نفقة المرائين، الذين لا يقصدون وجه الله فيما ينفقونه من أموال .
ومهما يكن سبب نزول الآية، فإن المثل الوارد فيها، ينطبق على كل ما تقدم ذكره؛ حيث إنه يصور حال الكافرين والمنافقين، الذين أمدهم الله بعطائه، وأنعم عليهم من نعمائه، ثم هم ينفقون أموالهم؛ إما في وجوه مشروعة، كالتصدق على الفقراء والمحتاجين، وكالقيام بالخدمات الصحية والتربوية، من بناء للمشافي والمدارس ونحوهما؛ وإما في وجوه غير مشروعة، كالبذخ على الناس بقصد المفاخرة، وكسب الثناء الجميل، وكالبذل على الأنصار والأعوان بقصد الدعم والتأييد، وكالقيام بمشاريع تخدم في النهاية عقائدهم ومصالحهم، وهم في كل ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فإذا قَدِموا الآخرة، وجدوا ما قدموه، لا قيمة له في ميزان الله سبحانه؛ لأنهم افتقدوا الأساس الذي يقوم عليه كل عمل مقبول، وهو الإيمان بالله سبحانه .
ففي هذا المثل القرآني، يشبه سبحانه حال الأموال التي ينفقها الكافرون والمنافقون، كحال مَن زرع زرعًا يرجو ثمرته، ويؤمِّل إدراك نفعه، فبينما هو يعيش بين حالة الرجاء، وحالة الأمل، إذ أصابت زرعه ريح شديدة البرودة، فأهلكت ذلك الزرع، وهو أحوج ما يكون إليه؛ ولم يحصل له إلا التعب والعناء مما قدَّم، والحسرة والندامة على ما كان يرجو ويأمل؛ فكذلك هؤلاء الكفار الذين قال الله فيهم: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } .
وربما ينفق بعض الناس أموالاً على أمور ظاهرها الخير - كما يفعل أهل التنصير في بعض بلاد المسلمين اليوم - من إقامة المؤسسات الاجتماعية والخيرية، وبناء المستشفيات والمراكز الصحية، وتشييد المدارس التعليمية، وربما يقدمون مساعدات إلى الفقراء والمحتاجين، أو يحسنون إلى الضعفاء والمساكين، أو يواسون الأيتام والمنكوبين، وهم يرجون من وراء ذلك تحقيق أهداف معينة، أو يبتغون الوصول إلى مصالح محددة. فهذه الأموال المنفقة على هذه الجهة أو تلك، لا تعود عليهم بالنفع في الآخرة، وإن كانوا يجازون عليها في الحياة الدنيا؛ لأن القصد منها قصد غير شرعي، وثمرتها كثمرة ذلك الزرع الذي أصابته تلك الريح الباردة، فلم تبق منه شيئًا، { فأصبح هشيما تذروه الرياح } (الكهف:45) .
وفي قوله تعالى: { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } - كما قال ابن القيم - تنبيه على أن سبب إصابة الريح لحرث أولئك القوم، أنهم ظلموا أنفسهم؛ حيث كفروا بآيات الله، وكذبوا رسوله، وحرصوا على إطفاء نور الله، وأنفقوا أموالهم على غير منهج الله سبحانه .
ومن المناسب أن نشير هنا إلى أن أعمال أهل الكفر التي ظاهرها الصلاح والنفع، قد تعود على أصحابها بالثواب الدنيوي المادي والمعنوي، كالسعة في المال، والكثرة في الولد، وكالذكر الحسن والثناء الجميل بين الناس، ونحو ذلك. وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الكافر إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة من الدنيا )، رواه مسلم؛ غير أن هذه الأعمال الصالحة لا تفيد أصحابها في الآخرة، إذا لم يؤمنوا بالله قبل وفاتهم؛ يرشد لهذا، قوله عليه الصلاة والسلام: (... وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها )، رواه مسلم .
أما إذا توفاهم الله على الإسلام، فإن تلك الأعمال التي فعلوها حال كفرهم، تنفعهم يوم القيامة، وتخفف عنهم من العذاب، بمقدار ما قدموا من عمل صالح. يبين هذا المعنى، قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة زلفها، وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله سبحانه )، رواه الدار قطني في غريب حديث مالك؛ ومعنى ( زلفها ) أي: قدمها وعملها .
وحاصل هذا المثل القرآني، أن جزاء أعمال العباد في الآخرة، مرتبط كل الارتباط بالإيمان بالله، والسير على نهجه؛ فلا جزاء على بذل، إلا إذا ارتبط بمنهج الإيمان، ولا قيمة لعمل، إلا إذا كان باعثه طاعة الله وطاعة رسوله؛ والقاعدة في كل ذلك، قوله تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين } (المائدة:27)، ومقتضى التقوى العمل على وفق ما أمر به الشرع .