الاستهانة بالإنسان وجعله سلعة يتاجر بها وتعريض صحته للخطر أمر عادي في الحضارة الغربية وللتدليل على ذلك أسوق لك أيها القارئ الكريم هذه الحقائق التي هي من واقع تقارير غربية منشورة ومعروفة لدى كل متابع ، والتي تؤكد أن الإنسان المعاصر قُدّر له أن يحيا تحت سطوة التكتلات الاحتكارية مُستغَلاً مُروّعاً مذعوراً من هواجس الفقر والمرض والأوبئة واستلاب الحرية .. .(1) الوكالة الأمريكية لمراقبة الأغذية والأدوية: في مارس 1972 وبعد استفسارات ملحّة من جانب بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي اضطرت هذه الوكالة إلى الكشف عن معاييرها وشروطها التي تطبقها على صناعة الأغذية الأمريكية وهي المعايير التي تُلحق بها دائماً وصف "المعايير النظيفة ..!" في هذه المعايير النظيفة التي تقوم بتطبيقها على الصناعات الغذائية أشياء تثير العجب فهي مثلاً: تسمح بوجود فضلات فئران بنسبة قليلة في كل باَيِنْت من القمح وعشرة بيضات ذباب لكل 8.5 أوقية من عصير الفاكهة المعلّبة، وخمسين نتفة من حشرات ميتة أو شعرتين من القوارض في كل 3.5 أوقيّة من معجون الفول السوداني .. ولسنوات عديدة ظلت معايير هذه الوكالة تسمح بوجود هرمون (DES) لتسمين العجول، ثم اكتشفت بعد ذلك أن أي آثار مهما كانت طفيفة من هذا الهرمون في لحم العجول يصيب آكلها بالسرطان، فاضطرت أخيرا إلى تحريم استخدامه .. ولكنها في نفس الأسبوع الذي أعلنت فيه هذا القرار الجديد سمحت بوجود نفس الهرمون في أقراص منع الحمل للنساء بنسبة خمسين مللي جرام في كل قرص ، تتناولها السيدة المتزوجة يومياً لمدة خمسة أيام في الشهر.. وقد علق أحدُ مُربيّ العجول ساخراً فقال: إن الوكالة قد سمحت للنساء بتناول كمية من الهرمون في خمسة أقراص تعادل كمية الهرمون الموجود في 262 طن من كبد البقر الذي يضاف إلى غذائه هرمون (DES).وطبقاً للدراسات المسحية يوجد ثلاثة آلاف من أنواع الكيماويات تستخدم في صناعة المنتجات الغذائية وتلوينها وحفظها .. وبصفة عامة لتغيير خصائصها .. بعض هذه المواد المضافة بالمقادير المعلن عنها لا بأس به .. ولكن معظمها تشكل خطراً حقيقياً على الصحة (مع الاستخدام طويل الأمد) كما هو الحال بالنسبة لهرمون (DES) والأدلة على هذا كثيرة .. وقد أثيرت هذه الاعتراضات وترددت كثيراً في الإعلام الأمريكي ..! فماذا كان رد فعل الوكالة المسئولة عن مراقبة الأغذية والأدوية...؟ كان الردّ صادماً .. فبدلاً من أن تندفع لفتح معركة لحماية الإنسان الأمريكي المستهلك كما فعلت في حملتها ضد الأطعمة الصحية الطازجة والفيتامينات التي قيّدت استخدامها بشروط وكميات محدّدة وحرّمت بعضها تحريماً مطلقاً .. بدلاً من ذلك تراخت وأهملت النقد .. وبهذا الموقف السلبي دعّمت الوضع الراهن .. وستجد أن الوكالة في كلتا الحالتين الدعم أو الحظْر كان دائماً استجابة وتأكيداً لاحتكارات صناعة الأغذية والأدوية الكميائية .. ذلك لأنها تعلم أن رفضها أو معارضتها لهذه الإضافات الضارة في الأطعمة المصنّعة يترتب عليها تدمير هذه الصناعة .. فلا الشركات بقادرة على الاستغناء عن هذه المواد ولا الناس مستعدّون للمخاطرة بصحتهم إذا وعوْا هذه الحقائق ..انظر إلى تصريح لأحد كبار موظفي الوكالة نعرضه كعيّنة تبرز حقيقة الاستهانة والاستخفاف بعقول الناس وصحتهم يقول: "الفروق بين الأطعمة المصنّعة والأطعمة الطبيعية الطازجة فروق طفيفة .." وكالعادة يستند إلى نتائج أبحاث علمية يصعب التحقق من صحتها .. ثم يضيف ببجاحة فيقول: " .. كما أن المخصّبات الكيماوية لا تسمّم أرضنا الزراعية كما يزعم البعض .. فهذه المخصّبات الحديثة مطلوبة لانتاج غذاء كافٍ لشعبنا .. أما المبيدات الحشرية فإنها وإن تركت بعض الآثار على المحاصيل الغذائية فإن الوكالة تؤمن أن كمية هذه الآثار تظل في حدود المأمون بالنسبة لصحة المستهلك .. كما أن الفيتامينات المركّبة كيميائيا تفيد الصحة شأنها فى ذلك شأن الفيتامينات التى تأتى من مصادر طبيعية .." (2) و سنة 1960جرى تحقيق في الكونجرس الأمريكي .. وكان تحقيقاً مشهوراً في ذلك الوقت .. موضوعه تقارير صحفية عن تلقَّي القيادات الكبرى في الوكالة هدايا كبيرة من الشركات التي كان من المفترض أنهم (بحكم عملهم وواجباتهم) يقومون بالرقابة عليها .. ومن أمثلة ذلك: دكتور هنري ولْش مدير قسم المضادّات الحيوية في الوكالة الذي تلقّى رشوة قدرها 287 ألف دولار .. في حفلات تكريم مشبوهة، وكان رؤساؤه يعلمون ذلك ولكنهم أغمضوا أعينهم في بادئ الأمر .. فلما فاحت رائحة الرشوة خارج نطاق الوكالة .. وبدأت الصحافة تنشر عنها معلومات مفصّلة وتأكدت التهمة في تحقيقات الكونجرس طلبوا إليه تقديم إستقالته ..(3) قبل ذلك في سنة 1940 كانت قد تفجّرت فضيحة أكبر تبيّن فيها أن هدف الوكالة ليس هو حماية الشعب الأمريكي كما تدّعي ولكن حماية شركات الانتاج الكبرى .. ففي ذلك الوقت كانت مصانع (وِنْثروب) للكيماويات تحت هجوم صحفي عاتٍ لتصديرها أربعمائة ألف قرص عليها عنوان (سلفا ثيازول) ولكن وُجد بكل قرص خمس حبّات من عقار (لومينال) كانت الحبة الواحدة منها تؤدي إلى نوم المتعاطي إلى الأبد .. وتبين بالفعل أنها تسبّبت في موت 17 ضحية في مناطق مختلفة بالولايات المتحدة. ومع ذلك لم تسارع الشركة بإخطار الجمهور مباشرة بالخطورة المحقّقة من تعاطي هذه الأقراص .. وبدلاً من ذلك استدعت رصيدها من الأصدقاء في الجمعية الأمريكية للأطباء وفي مجلس الدواء والكيماويات لتعزيز موقفها .. وبذلك زاد أعداد الضحايا وتفاقمت المشكلة .. وكانت الوكالة متعاطفة مع شركة ونْثروب وداعمة لها على طول الخط .. مستخدمة سلطاتها الإدارية .. فمثلاً دكتور كِلمْب Klump مدير قسم العقاقير ودكتور كامْبل مدير الوكالة نفسه ماطلا في تقديم الشركة للمحاكمة على مسئوليتها عن الضحايا الذين فقدوا حياتهم بسبب تناول العقار.. وعلّقت الوكالة وقف شحن السفينة لمدة ثلاثة أشهر حتى غرقت السوق بمبيعات الشركة، فلما أصدرت الوكالة قرارها بالإيقاف كان قراراً مفرّغاً من المعنى والفاعلية .. ونال دكتور كلمب جائزته كاملة حيث قبل أولاً وظيفة الأمين العام لمجلس إدارة العقاقير والكيمياء ثم أصبح رئيساً لمجلس إدارة شركة ونثروب. (4) بعد ذلك ببضع سنوات ظهر مضاد حيوي باسم "كلورمفنيكول" من إنتاج وتوزيع شركة (بارك ديفز) .. واكتسب شهرة عالمية مهولة .. ثم ظهرت تقارير طبية تؤكد أن هذا العقار كان مسئولاً عن تسمم دموي ولوكيميا .. كما أنه تسبب في العديد من حالات الموت بأنيميا (A plastic) .. كان المرقب الشركة هو دكتور "جوزيف سادوشك" ولكنه بدلاً من توجيه سلطته ضد الشركة وقف في وجه سحب الدواء من السوق .. بل منع صدور قرار بوضع (دليل) على الدواء يحذّر من مخاطره .. وأخيراً في سنة 1969 بعد أن حققت الشركة ملايين الدولارات من مبيعات هذا العقار وبعد أن توصّلت إلى إنتاج بديل عنه يحل محله .. كل ما فعلته (باسترخاء شديد) أن أرسلت نشرةً للصيدليات تقول: إن "كلورمفينيكول" لم يعد بالضرورة الاختيار الفعّال لأي إصابة مكروبية...!" بعد ذلك خرج الحليف المخلص دكتور "جوزيف سادوسك" من الوكالة ليعمل أستاذاً في جامعة جون هوبكنز، وفي خلال عام واحد جاءته جائزته الكبرى ليُعيّن نائباً لمدير شركة بارك ديفز .. وعيُن مكانه في الوكالة مديران آخران سرعان ما تركا الوكالة لوظائف على نفس المستوى من الأهمية والمرتّب في شركات أدوية بالولايات المتحدة الأمريكية ..!ومن خريجي هذه الوكالة المباركة !!! شخصيات محظوظة أخرى مثل: دكتور "هوارد كوهين" الذي ذهب إلى مركز رفيع في شركة سيبا للصناعات الدوائية ودكتور "هارولد أندرسون" الذي ذهب إلى معامل وينْثروب، "وموريس ياكوويتز" .. وكذلك "ألين رايفيلد" الذي أصبح مستشاراً لإحدى شركات الأدوية الكبرى...!هنا يجب أن يلفت نظرنا بشدة الطريقة العبقرية التي تستغل بها شركات الأدوية السلطات البيرقراطية الحكومية وتسخيرها في خدمة مصالحها الاحتكارية وتعظيم مكاسبها على حساب مصلحة المواطنين وصحتهم ._______________محمد يوسف عدس بـ"تصرف"