النزاهة من شيم الفضلاء
جاري تجهيز الصوت…
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه: وبعد:
يقول ابن الجوزي رحمه الله: الكمال عزيز، والكامل قليل الوجود، وأول أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن وحسن صورة الباطن، فصورة البدن تسمى خَلْقاً، وصورة الباطن تسمى خُلُقا، ودليل كمال صورة الباطن حسن الطبائع والأخلاق.
فالطبائع: العفة والنزاهة والأنفة من الجهل، ومباعدة الشره.
والأخلاق: الكرم والإيثار وستر العيوب وابتداء المعروف والحلم عن الجاهل.
فمن رُزق هذه الأشياء رقّته إلى الكمال، وظهر عنه أشرف الخلال وإن نقصت خلة أوجبت النقص. أ.هـ.
والرجل النزيه هو البعيد عن المطامع الدنية ، الذي يربأ بنفسه عن كل ما يدنسها، قد كرمت عليه نفسه و رغب بها عن كل ما يشين، وهو إن تكسبّ فإنه يحرص على التكسب من غير مهانة ولا ظلم للغير.
النزاهة نوعان:
والنزاهة نوعان كما ذكر الماوردي رحمه الله:
أحدهما: النزاهة عن المطامع الدنية. والثاني: النزاهة عن مواقف الريبة.
فأما المطامع الدنية فإن الطمع ذل، و الدناءة لؤم، وهما أدفع شيء للمروءة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طَبَع" . أي شين وعيب.
وقال بعض الشعراء:
لا تخضعن لمخلوق على طمع فإن ذلك نقص منك في الدين
واسترزق الله مما في خزائنه فإنما هو بين الكاف والنون
والباعث على ذلك شيئان: الشره، وقلة الأنفة، فلا يقنع بما أوتي وإن كان كثيرا؛ لأجل شرهه، ولا يستنكف مما مُنع وإن كان حقيرا لقلة أنفته.
وهذه حال من لا يرضى لنفسه قدرا، ويرى المال أعظم خطرا ، فيرى بذل أهون الأمرين لأجلّهما مغنما، وليس لمن كان المال عنده أجلّ، ونفسه عليه أقلّ إصغاءٌ لتأنيب، ولا قبول لتأديب.
وحسم هذه المطامع شيئان: اليأس والقناعة....
وأما مواقف الريبة فهي التردد بين منزلتي حمدٍ وذم، والوقوف بين حالتي سلامة وسقم، فتتوجه إليه لائمة المتوهمين، ويناله ذِلة المريبين وكفى بصاحبها موقفا إن صح افتضح، وإن لم يصح امتهن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
والداعي إلى هذه الحال شيئان: الاسترسال، وحسن الظن. والمانع منهما شيئان: الحياء والحذر.
وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قصصا عجيبة تدل على نزاهة أصحابها، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة ( إناء من خزف ) فيها ذهب. فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني؛ إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب.
فقال الذي اشترى الأرض: إنما بعتك الأرض بما فيها، قال: فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر لي جارية.
قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا".
كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة ذلك الرجل من بني إسرائيل الذي سأل آخر أن يسلفه ألف دينار فقال: " ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبا. فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها ( أي أصلحه ) ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي بذلك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركبة لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال : أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذين جئت فيه. قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدا".وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على زرع هذا المعنى في نفوس المؤمنين وتربيتهم عليه، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: " إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، و كان كالذي يأكل ولا يشبع. واليد العليا خير من اليد السفلى".
وكان يقول لهم: " إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها".
وتعلم منه أصحابه رضي الله عنهم فكانوا يترفعون عن الدنايا، ويتحرون الحلال الطيب، ويتجنبون ما يشينهم من الأخلاق والسجايا والمكاسب. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر رضي الله عنه، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ . قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه؟ فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه.
وعن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب شرب لبنا فأعجبه، فقال للذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ قال: فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نَعَم الصدقة وهم يسقون فحلبوه لي من ألبانها، فجعلته في سقائي وهو هذا، فأدخل عمر يده فاستقاءه.
رحم الله أسلافنا ورضي عنهم، فقد كانوا يتنزهون عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه: وبعد:
يقول ابن الجوزي رحمه الله: الكمال عزيز، والكامل قليل الوجود، وأول أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن وحسن صورة الباطن، فصورة البدن تسمى خَلْقاً، وصورة الباطن تسمى خُلُقا، ودليل كمال صورة الباطن حسن الطبائع والأخلاق.
فالطبائع: العفة والنزاهة والأنفة من الجهل، ومباعدة الشره.
والأخلاق: الكرم والإيثار وستر العيوب وابتداء المعروف والحلم عن الجاهل.
فمن رُزق هذه الأشياء رقّته إلى الكمال، وظهر عنه أشرف الخلال وإن نقصت خلة أوجبت النقص. أ.هـ.
والرجل النزيه هو البعيد عن المطامع الدنية ، الذي يربأ بنفسه عن كل ما يدنسها، قد كرمت عليه نفسه و رغب بها عن كل ما يشين، وهو إن تكسبّ فإنه يحرص على التكسب من غير مهانة ولا ظلم للغير.
النزاهة نوعان:
والنزاهة نوعان كما ذكر الماوردي رحمه الله:
أحدهما: النزاهة عن المطامع الدنية. والثاني: النزاهة عن مواقف الريبة.
فأما المطامع الدنية فإن الطمع ذل، و الدناءة لؤم، وهما أدفع شيء للمروءة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " اللهم إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طَبَع" . أي شين وعيب.
وقال بعض الشعراء:
لا تخضعن لمخلوق على طمع فإن ذلك نقص منك في الدين
واسترزق الله مما في خزائنه فإنما هو بين الكاف والنون
والباعث على ذلك شيئان: الشره، وقلة الأنفة، فلا يقنع بما أوتي وإن كان كثيرا؛ لأجل شرهه، ولا يستنكف مما مُنع وإن كان حقيرا لقلة أنفته.
وهذه حال من لا يرضى لنفسه قدرا، ويرى المال أعظم خطرا ، فيرى بذل أهون الأمرين لأجلّهما مغنما، وليس لمن كان المال عنده أجلّ، ونفسه عليه أقلّ إصغاءٌ لتأنيب، ولا قبول لتأديب.
وحسم هذه المطامع شيئان: اليأس والقناعة....
وأما مواقف الريبة فهي التردد بين منزلتي حمدٍ وذم، والوقوف بين حالتي سلامة وسقم، فتتوجه إليه لائمة المتوهمين، ويناله ذِلة المريبين وكفى بصاحبها موقفا إن صح افتضح، وإن لم يصح امتهن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
والداعي إلى هذه الحال شيئان: الاسترسال، وحسن الظن. والمانع منهما شيئان: الحياء والحذر.
وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قصصا عجيبة تدل على نزاهة أصحابها، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة ( إناء من خزف ) فيها ذهب. فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني؛ إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب.
فقال الذي اشترى الأرض: إنما بعتك الأرض بما فيها، قال: فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر لي جارية.
قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا".
كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة ذلك الرجل من بني إسرائيل الذي سأل آخر أن يسلفه ألف دينار فقال: " ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبا. فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها ( أي أصلحه ) ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي بذلك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركبة لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال : أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذين جئت فيه. قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدا".وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على زرع هذا المعنى في نفوس المؤمنين وتربيتهم عليه، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: " إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، و كان كالذي يأكل ولا يشبع. واليد العليا خير من اليد السفلى".
وكان يقول لهم: " إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها".
وتعلم منه أصحابه رضي الله عنهم فكانوا يترفعون عن الدنايا، ويتحرون الحلال الطيب، ويتجنبون ما يشينهم من الأخلاق والسجايا والمكاسب. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر رضي الله عنه، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ . قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه؟ فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه.
وعن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب شرب لبنا فأعجبه، فقال للذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ قال: فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نَعَم الصدقة وهم يسقون فحلبوه لي من ألبانها، فجعلته في سقائي وهو هذا، فأدخل عمر يده فاستقاءه.
رحم الله أسلافنا ورضي عنهم، فقد كانوا يتنزهون عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام.