وفقاً للمصادر الإسرائيلية فإن المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين سوف تنطلق في منتصف مايو بعد أن يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما قد التقى في واشنطن مع كل من محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وبنيامين نتانياهو رئيس وزراء "إسرائيل". وتبنى هذه التوقعات على خلفية الجولة التي قام بها جورج ميتشل المبعوث الأميركي لعملية السلام أواخر أبريل وقرر استئنافها أوائل مايو، وخلالها أعلن ميتشل أن المواقف بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أصبحت أفضل من ذي قبل حيث وصف مباحثاته مع كل منهما بأنها كانت مثمرة وإيجابية. ومع أن السلطة الفلسطينية التزمت الحذر فيما يتعلق بتحريك آفاق العملية التفاوضية فإنها أعربت عن تأييدها للجهد الأميركي وتجاوبها مع دعوة أوباما الجديدة لكل من الطرفين بالمشاركة في المفاوضات. وجاء هذا التطور وسط حالة من الاستنفار دبت في أوساط الإدارة الأميركية لتفعيل هذه المفاوضات بعد مرحلة من الخلافات التي شهدتها العلاقات الأميركية - الإسرائيلية لأول مرة منذ تولي أوباما السلطة على خلفية رفض "إسرائيل" مطالب واشنطن بتجميد الاستيطان إن لم يكن وقفه كضرورة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، وبعد الإحباط الذي منيت به جهود الإدارة الجديدة في عملية السلام بالشرق الأوسط بوجه عام والذي انعكس في وجود استياء عربي من الدور الأميركي ومن الموقف الإسرائيلي تجسد في قرارات وزراء الخارجية العرب والقادة في القمم العربية التي أخذت تلمح بوضوح إلى إمكان البحث عن بديل مختلف للمسار الأميركي من خلال طرح عملية السلام برمتها مجدداً على مجلس الأمن. الرئيس أوباما قرر تجاوز الفشل الذي منيت به سياسته في الشرق الأوسط فدفع مجدداً بمبعوثه ميتشل للقيام بجولات مكوكية هدفها الضغط على الطرفين: الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية للبدء دون أي تأخير في الدعوة التي كان قد أطلقها منذ عدة شهور بإجراء مفاوضات غير مباشرة وصفت أيضاً بأنها مفاوضات التقارب. ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو استشعر أن علاقات "إسرائيل" بالولايات المتحدة بدأت تهتز خصوصاً مع خروج تصريحات عديدة لمسؤولين أميركيين تحدثت عن الضرر الذي تلحقه سياسة حكومته بموقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وانعكس الاستياء الأميركي في اللقاء الفاتر الذي ضم أوباما مع نتانياهو في البيت الأبيض عقب زيارة جون بايدن نائب الرئيس الأميركي وفيها تعرضت واشنطن لإهانة دبلوماسية من تل أبيب عندما صدرت موافقات البناء لمستوطنات جديدة في القدس الشرقية خلال هذه الزيارة. وذكرت التقارير أن أوباما تعامل مع نتنياهو بجفاء وغلظة وتركه في مكتبه دون أن يودعه. كل من الطرفين الأميركي والإسرائيلي سعى من خلال جولات ميتشل الأخيرة إلى ترميم ما أفسدته الخلافات بين واشنطن وتل أبيب، وبدا كل منهما حريصاً على أن يفتح الباب للآخر لاستعادة التحالف الوثيق الذي تعرض لانتكاسة مفاجئة خصوصاً أن كليهما قرأ سريعاً مغزى المواقف العربية التي استقبلت هذه الخلافات بارتياح وراحت تدفع - على المستوى الإقليمي والدولي - إلى استغلالها في الضغط سياسياً على حكومة نتانياهو التي تمر بالفعل بأزمة ثقة على المستوى الدولي. نتانياهو استمع جيداً إلى نصائح خبرائه فأبدى قدراً مفاجئاً من المرونة ظهر في استجابته لبعض المطالب الأميركية التي حملها إليه ميتشل وتدخل في إطار إجراءات بناء الثقة التي تراها إدارة أوباما ضرورية لإيجاد مناخ يبعث على الأمل في المسيرة السلمية. أعرب نتيانياهو لميتشل عن رغبته في العمل مع إدارة أوباما على تقدم عملية السلام ووجه حديثه له قائلاً: «نحن نعرف أنكم جديون». ووفقاً لما نشرته الحياة في 24 أبريل فإن نتنياهو أعرب في لقائه مع ميتشل عن موافقته على تحرير ألف سجين فلسطيني، وإزالة حواجز وتخفيف الحصار عن غزة. ومع أنه رفض طلباً أميركياً بنقل مناطق معروفة بأنها مناطق (ج) إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، إلا أنه وافق على السماح للسلطة بالعمل فيها دون نقل رسمي للمناطق إلى سيادتها. كما قال نتنياهو عقب ذلك اللقاء: «نريد أن نبدأ فوراً في عملية السلام، الولايات المتحدة تريد ذلك أيضاً، آمل أن يكون لدى الفلسطينيين الرغبة ذاتها». ولكن نتانياهو رفض رفضاً قاطعاً أي مطالب أميركية بوقف الاستيطان في القدس الشرقية. السلطة الفلسطينية تعاملت مع المطالب التي حملها ميتشل بحذر دون أن تفقد علاقاتها القوية بواشنطن. صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين قال:إن المباحثات مع الجانب الأميركي مستمرة، ولكننا لا نتوقع أن تبدأ المفاوضات غير المباشرة خلال الأيام القليلة المقبلة. وأكد أن القيادة الفلسطينية تبذل كل جهد ممكن لإنجاح جهود الرئيس أوباما ومبعوثه ميتشل «لأن نجاح أوباما يعني الاستقلال والحرية للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي». وأوضح عريقات أن حكومة نتانياهو تريد أن توهم المجتمع الدولي بأنها موافقة على المفاوضات ولكنها في الحقيقة هي التي تعرقل بدء المفاوضات. وعندما طلب أوباما من عباس في الرسالة التي نقلها إليه ميتشل تجاوز عقدة وقف الاستيطان في القدس والذهاب إلى المفاوضات غير المباشرة مقابل تعهد أميركي بالعمل من أجل إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب "إسرائيل"، ربط عباس ذلك بضرورة موافقة لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية لكي يخلي مسؤوليته عن استئناف المفاوضات مع "إسرائيل" بينما لا تكون قد أوقفت الاستيطان ويلقيها على الجانب العربي!. أوباما بالتحرك الأخير استطاع أن يكسر الجمود في موقف الطرفين الإسرائيلي والأميركي، فقد حصل من نتانياهو على استعداد لبدء المفاوضات والقيام ببعض الخطوات لبناء الثقة مع السلطة الفلسطينية (تحرير سجناء وإزالة حواجز وإعادة السلطة إلى بعض المناطق ج)، وكذلك وقف الاستيطان عملياً (وليس رسمياً) في الأحياء العربية بالقدس الشرقية مع التوقف عن إجراءات هدم المنازل العربية هناك، وتخفيف الحصار عن غزة (فتح بعض المعابر). وحصل أوباما من عباس على أن ينسى الآن مسألة وقف الاستيطان في القدس الشرقية أو بالأحرى في المناطق المحيطة بالقدس والضفة الغربية، ويقبل بالمفاوضات على تعهد من جانبه (أي من أوباما) بأنه سيعمل على أن توقف "إسرائيل" الاستيطان خلال المفاوضات، وهو العرض الذي طرحه عباس مجدداً على لجنة المتابعة العربية طالباً الموافقة له حتى لا يبدو أنه هو الطرف الذي يعرقل المفاوضات. ومعروف سلفاً أن اللجنة كانت قد أعطت عباس موافقة على ذلك، ولكن مشروطة عندما قررت سقفاً زمنياً لهذه المفاوضات هو 4 شهور يتم بعدها تقويم النتائج وسط موقف عربي متشدد بأنه لن يتم التسويف مجدداً في عملية السلام وسيتم نقل القضية برمتها إلى مجلس الأمن. ولكن الأطراف الثلاثة: الولايات المتحدة، و"إسرائيل"، والسلطة الفلسطينية تصرفت بطريقة الحملات العامة وليس التقدم الحقيقي في المفاوضات، وعلى وجه الدقة فإن كلا من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني أراد أن يجامل الرئيس أوباما فيصنع له نجاحاً ما لم يستطع إحرازه على مدى أكثر من 16 شهراً، نجاحا يحسن صورته وصورة السياسة الأميركية قبيل حلول الذكرى الأولى لخطابه الشهير في جامعة القاهرة الذي جدد فيه دعوته لحل الدولتين وإقامة السلام في الشرق الأوسط وتحسين العلاقات بين بلاده والعالم الإسلامي. صحيفة هآرتس الإسرائيلية نقلت في 24 أبريل عن شخصيات أوروبية التقت مع مسؤولين أميركيين كبار في البيت الأبيض والخارجية الأميركية أخيراً أنهم خلصوا إلى انطباع مؤداه أن إدارة أوباما ليست لها توقعات بأن تدفع محادثات التقارب بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني نحو تسوية ما. وواقع الحال أن ذلك صحيح إلى حد كبير إذا أخذنا في الاعتبار الخلافات الجوهرية بين الطرفين والانطباع العام عن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بأنه مراوغ ولا يريد السلام، ولعل الفشل الذي منيت به الجهود الأميركية منذ تولي أوباما السلطة خير دليل على أن آفاق تحريك عملية السلام غير واضحة والثقة ضعيفة للغاية في إمكان إحراز أي تقدم بسبب تصلب الموقف الإسرائيلي. وحيث الأمر كذلك فإن الزخم الذي اتسمت به المواقف الأميركية أخيراً والذي يمكن أن يفضي إلى تفعيل الدعوة إلى المفاوضات غير المباشرة يهدف أساساً إلى تعزيز موقف أوباما على الصعيد الأميركي المحلي. فالانتخابات الخاصة بالتجديد النصفي للكونجرس بعد بضعة شهور، والرئيس أوباما في أمس الحاجة إلى أي نجاح يعزز موقف حزبه الديمقراطي. كان قد أحرز نجاحاً في قانون التأمين الصحي، ولكن وعوده للأميركيين شملت الانسحاب من العراق، والقضاء على الإرهاب في أفغانستان، وإحلال السلام في الشرق الأوسط. وعلى مدى الأسابيع الماضية فإن أوباما وفريقه حرصوا على تسويق الموقف الخارجي لبلادهم للشعب الأميركي حيث روجوا للنجاح في العراق وفي أفغانستان استناداً إلى مؤشرات على الأرض، بينما بالنسبة للوضع في الشرق الأوسط (إسرائيل وإيران) لا يزال النجاح فيه منعدماً. حكومة نتانياهو والسلطة الفلسطينية قررتا معاً أن تقدما هدية ما إلى أوباما بالعمل معه على إحياء عملية السلام وذلك من خلال تليين المواقف بالنسبة للاشتراك في المفاوضات غير المباشرة. ولكن كل منهما يعلم جيداً أن المسافة شاسعة في المواقف إذا ما بدأت المفاوضات. هنا لن تجزع إدارة أوباما كثيراً لأنها تحتاج إلى فسحة من الوقت لاختبار النيات والقدرات الحقيقية لكل من الطرفين لتفعيل فكرة حل الدولتين، وما تحتاجه الآن هو الإيحاء بأن تقدماً ما يتم إحرازه. إجراءات بناء الثقة تسهم في تخفيف الاحتقان وإشاعة الأمل، ولكن ذلك لن يعني مطلقاً أن التسوية أصبحت على الأبواب. ويكفي الإشارة إلى أنه بمجرد أن لاحت فرص بدء المفاوضات غير المباشرة ألقى نتنياهو بورقة الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة كعرض من جانبه لإنهاء الجمود في مسيرة السلام. ومثلما رفضت السلطة الفلسطينية الفكرة من قبل (كان شمعون بيريز قد أطلقها قبل نحو سنة) رفضتها مجدداً ليس فقط لأنها تعني بالنسبة لنتانياهو كياناً سياسياً فلسطينياً مقطوع الأوصال على مساحة 60% من الضفة لا يشمل القدس الشرقية ولا وادي الأردن وأجزاء أخرى من الأراضي المحتلة أو لأنها لا تعطي للسلطة الفلسطينية حق الحماية الأمنية لأبنائها وإنما تبقيه في يد "إسرائيل"، وإنما لأن ما هو مؤقت يمكن أن يصبح دائماً في عرف السياسة الإسرائيلية، ولذلك عندما أبلغ عباس الأميركيين قبل بضعة أشهر بموافقته على دولة بحدود مؤقتة اشترط اتفاقاً مسبقاً بأن تقام الحدود الدائمة للدولة الفلسطينية على أساس حدود 1967 وتبادل متساو للأراضي، وهو ما لم توافق عليه حكومة نتانياهو ولا يبدو أنها ستوافق عليه مستقبلاً. المتفائلون يرون أنه عندما تبدأ المفاوضات سيضطر نتانياهو إلى إعلان موقفه بوضوح في هذه المسألة، فإذا تصلب فإن الائتلاف الحاكم سيتفكك ويأتي حزب العمل ليقبل بهذه الصيغة. وبهذا المعنى فإن المفاوضات يمكن أن تكون فخاً لحكومة نتانياهو، ولكن القرارات السياسية المصيرية لا تبنى دائماً على تقديرات المتفائلين!. ــــــــــــ الوطن القطرية